أكذوبة الحياد الإعلامي ! (1)

يقوم الغرب بصناعة المصطلحات وترويجها ويرددها الناس في كثير من الاحيان دون فهم لها او معرفة لابعادها ومنها مصطلح «الحياد»، والحياد هو عدم اتخاذ موقف او المساواة بين الجاني والضحية او القاتل والمقتول او الظالم والمظلوم، وهو يتناقض مع طبيعة الحياة لان الحياة موقف والانسان موقف، ويردد كثير من العامة وحتى المتخصصون ان الاعلامي يجب ان يكون محايدا، وهذه اكذوبة تتناقض مع طبيعة العمل الاعلامي الذي يتلخص في تقديم «الحقيقة» الى الناس والحقيقة تفرض عليك ان تكون منحازا لطرف.
وأذكر انه بعد تغطيتي لاحداث معركة الفلوجة في العام 2004 حيث كنت مع فريق الجزيرة الفريق التليفزيوني الوحيد الذي تمكن من دخول تلك المدينة المحاصرة ان وقعت نقاشات طويلة داخل قناة الجزيرة وخارجها من قبل الزملاء اني لم اكن محايدا في نقل الاحداث، حتى اننا كنا في ندوة داخلية داخل الجزيرة وحضرها كثير من المراسلين ومديري المكاتب الخارجية وحضرت جانبا منها فوجدت بعض الزملاء يناقشون تغطيتي لمعركة الفلوجة وفوجئت بهم يوجهون لي التهم التي وجهها لي الناطق باسم الخارجية الاميركية والناطق باسم الجيش الاميركي الجنرال مارك كيميت باني لم اكن محايدا، ومع ترحيبي الواسع بكل النقد الذي يوجه لي، فقد وقفت للرد على الزملاء وفاجأتهم بما لم يكونوا يتوقعونه فقلت لهم «انا لست محايدا.. أنا لست محايدا.. انا لست محايدا ولن اكون محايدا، ولكني منحاز.. » ساد صمت رهيب في القاعة ثم اكملت «انا منحاز دائما للحقيقة، والى صاحب الحق والى الضعيف، والى المعتدى عليه، والى القيم الانسانية التي تقوم على العدل والمساواة، انا منحاز دائما ضد الحروب وعمليات القتل للمدنيين والنساء والاطفال وجرائم الحرب التي يرتكبها المعتدون ضد الانسان في اي مكان من العالم.
انا منحاز دائما الى ديني والى عروبتي وثقافتي وهويتي، لن اتخلى عنها في اي موقف مهما كانت الاتهامات التي توجه لي، وحينما يتخلى الصحفي الاميركي او البريطاني او الالماني او الياباني او الروسي عن الانحياز الى دينه وثقافته وهويته وقوميته وامته فليأتوا وليتحدثوا معنا عن الحياد.
وتساءلت قائلا «هل كان الالف ومائتا صحفي الذين دخلوا العراق على ظهور الدبابات الاميركية اثناء الغزو الاميركي للعراق في مارس وابريل 2003 محايدين؟ وهل كان المراسلون الاميركيون الذين يبثون تقاريرهم وهم يتحركون على ظهور الدبابات مع القوات الاميركية وهي تمارس جرائم الحرب ضد المدنيين محايدين؟
انهم ليسوا محايدين في ادائهم ولكنهم جميعا منحازون ويعملون من اجل امتهم وثقافتهم وهويتهم ودينهم ومؤسساتهم وهم يفخرون بذلك، فلماذا لا نكون اكثر فخرا منهم بما نقوم به ونعلن اننا لن نكون محايدين ؟»
ان المنهزمين من الاعلاميين العرب سواء الذين تماهوا مع الانظمة، او فقدوا انتماءهم وهويتهم او حتى معرفتهم بطبيعة الدور الذي ينبغي ان يقوم به الاعلامي يتحدثون احيانا عن مصطلحات لا يعرفون معناها، وقد لاحظنا في الفترة الاخيرة ظهور عشرات من مقدمي البرامج في الفضائيات المصرية على وجه الخصوص لم يأخذ الواحد منهم دورة واحدة في التقديم التليفزيوني ليعرف الفارق بين تقديم البرامج وبين «الهرتلة» او التهريج والصراخ والحنجورية، وكأن مقومات الاعلامي ان يكون عالي الصوت لا يحترم مهنته ولا يحترم الناس ولا يعرف كيف يخاطبهم وكيف يقوم بدوره في تقديم الحقيقة لهم..
نكمل غدا.
الوطن القطرية

Total
0
Shares
السابق

السيسي و سقوط الشرعية الشعبية

التالي
الهادي البكوش

الهادي البكوش (4) : استبداد الحبيب بورقيبة وتأثير بطانته النسائية على قراراته

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share