أكذوبة الحياد الإعلامي

إنني أقول بكل ثقة ويقين: لا يوجد في الإعلام شيء اسمه «حياد»، وإنما توجد هناك حقيقة يجب أن نسعى جميعًا لإظهارها، وحق يجب أن ننحاز له جميعًا، وموضوعية يجب أن نتحلّى بها، وهذه هي مهمة الإعلامي الأساسية في الحياة. أمّا الحياد الإعلامي فهو أكذوبة، وأؤكد مرة أخرى أنني لن أكون محايدًا على الإطلاق، وإنما سأبقى منحازًا دائمًا لما أعتقد أنه الحق والصواب.


إنني أقول بكل ثقة ويقين: لا يوجد في الإعلام شيء اسمه «حياد»، وإنما توجد هناك حقيقة يجب أن نسعى جميعًا لإظهارها، وحق يجب أن ننحاز له جميعًا، وموضوعية يجب أن نتحلّى بها، وهذه هي مهمة الإعلامي الأساسية في الحياة. أمّا الحياد الإعلامي فهو أكذوبة، وأؤكد مرة أخرى أنني لن أكون محايدًا على الإطلاق، وإنما سأبقى منحازًا دائمًا لما أعتقد أنه الحق والصواب.

حينما قلت هذا الكلام لزملائي قبل سنوات، وضجّت القاعة وقتها بالتصفيق، لم أكن بدعًا ولا متفردًا فيه، وإنما كان نتاج قناعات وتجارب وآراء وتدريب وتعليم، أخذت فيه خبرة كثير ممن التقيتهم في الحياة، وتعلّمت منهم بعض فنونها وخبرتها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أنقل هنا عبارة سمعتها من المؤرخ والمفكر الموسوعي العربي البارز الدكتور عبد الوهاب المسيري ـ يرحمه الله ـ حينما أثرت معه النقاش مرة عن موضوع «الحياد» في العمل السياسي والإعلامي والإبداعي، فقال لي: «إنني لم أبدع في أعمالي إلا حينما تخليت عمّا يُسمّى بالموضوعية والحياد».

أمّا الصحفي الأمريكي الشهير سيمور هيرش، فقد تعرّض لحملة ضارية من قبل بوش وإدارته حينما كشف عددًا من الفضائح والتجاوزات التي قامت بها القوات الأمريكية بعد احتلالها للعراق، من بينها فضيحة «سجن أبو غريب»، حتى إن جورج بوش وصفه بأنه «كاذب». أمّا دونالد رامسفيلد، وزير دفاع بوش، فقد وصفه بأنه «مثل حركة طالبان»، أمّا ريتشارد بيرل فقد وصفه بأنه «إرهابي». لكن هيرش واجه بوش وإدارته بقوة قائلًا: «إنني لست محايدًا في مهنتي، ولكني منحاز، منحاز ضد الحروب عديمة الفائدة».

ما معني الحياد أو عدم الانحياز حينما تري طرفا ضعيفا يقتل وطرفا متغطرسا يمارس القتل ؟

أمّا أستاذي ديفيد سايمون، أحد كبار المدراء السابقين في تلفزيون «بي بي سي»، والذي تعلّمت الكثير على يديه من خلال أكثر من عشر دورات تلفزيونية، يصل مجموعها إلى أكثر من ستمائة ساعة من التدريب على العمل التلفزيوني على مدى ثلاث سنوات، ففي إحدى الدورات التي درستها على يديه، وكانت تحت عنوان «دور المراسل التلفزيوني في ساحات الحروب»، شاهدنا خلالها تغطيات لأشهر مراسلي الحروب الذين يعملون لصالح محطات التلفزة العالمية وأساليبهم المتنوعة في التغطية، ودار بيننا نقاش حول ما يُسمّى بالحياد والانحياز في الإعلام، فقال: «إن مثل هذه المصطلحات من الصعب الالتزام بها في هذا العالم المضطرب، فما معنى الحياد أو عدم الانحياز حينما ترى طرفًا ضعيفًا يُقتل وطرفًا متغطرسًا يمارس القتل؟ وما معنى أن تكون غير منحاز وأنت ترى ظلمًا يقع وانتهاكات تحدث ومظالم تُمارس؟ ما معنى أن تكون محايدًا في تغطيتك لمثل هذه الأحداث؟!»

الحقيقة تعني أن تظهر الجوانب المختلفة للجريمة التي ارتكبت، أو المظلمة التي وقعت

الحياد الإعلامي

إنك هنا يجب أن تكون منحازًا، ليس إلى مجرد نقل الوقائع، ولكن يجب أن ينقل الصحفي الحقيقة، والحقيقة أوسع في وصفها من مجرد وصف الواقع. إن الحقيقة تعني أن تُظهر الجوانب المختلفة للجريمة التي ارتُكبت، أو المظلمة التي وقعت، ولهذا فإنه ليس من السهل أن يفعل كثير من الإعلاميين هذا، ولكن هذا ما يجب فعله: أن يكونوا منحازين للحقيقة».

إذًا، هذا الكلام المنطقي من بعض جهابذة الفكر والإعلام لا يعني سوى حقيقة واحدة، هي أننا إذا شاهدنا إعلاميًا أو صحفيًا يدّعي الحياد الإعلامي فيما يقدّم أو يكتب، علينا أن نغيّر القناة أو لا نقرأ له، لأن الحياد في الإعلام «أكذوبة».

Total
0
Shares
السابق
مهاتير محمد

أبرز ما أدلى به مهاتير محمد ج21 : سرقة القرن وتورط الإمارات فيها

التالي
حسين آيت أحمد

هل حصلت الجزائر على الاستقلال بالفعل ؟

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share