في الحلقة الثالثة عشرة من شهادته على العصر، يواصل أحمد منصوره حواره مع الزعيم الدرزي اللبناني، وليد جنبلاط، ويتناول وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد، في 10 يونيو 2000، والانسحاب الإسرائيلي من لبنان فجر 24 مايو من نفس العام، بعد احتلال دام 22 عاماً.
وقال جنبلاط إن الفرحة عمّت لبنان، وأنه ذهب إلى الجنوب، وشارك في مهرجان النصر في بنت جبيل، الذي خطب به السيد حسن نصر الله.
تناول الحوار مطالبة وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت، الرئيس السوري حافظ الأسد بالانسحاب من لبنان، بعد أسبوعين فقط من الانسحاب الإسرائيلي، وانقلاب جنبلاط على الأسد قبل ثلاثة أشهر من وفاته، وتأكيده على أن دوافع الوجود السوري في لبنان أصبحت غير مقنعة.
وتحدث جنبلاط عن جرائم المخابرات السورية في لبنان، وحدد المسؤول عن قرارات الاغتيال بحق السياسيين اللبنانيين.
وقال الزعيم الدرزي إنه شاهد حافظ الأسد في العام 1999 وقد تملّكه المرض وبات ضعيفاً هزيلاً ضعيف الذاكرة، قبل أن تتخذ القيادة السورية قراراً بمنعه من حضور أي اجتماعات مع سياسيين.
وتحدث جنبلاط عن دوافع قتل آصف شوكت، وأكد أن بشار والمحيطين به لم يفهموا لبنان، وأن الحرس القديم اعتبروا بشار الأسد أمر طارئ، وكانوا يصفونه بالولد.
وذكر دوافع مصالحته الشهيرة مع البطريرك صفير، وانقلاب صفير على الأسد، وعودة العلاقات بين الدروز والموارنة، وعودتهم إلى الجبل، وتحدث عن شخصية غازي كنعان، وكيفية مقتله.
كما تناول الحوار رفض جنبلاط للغزو الأمريكي للعراق، واعتباره الأمريكان قوة احتلال، ومطالبته بمقاومتهم والتصدي لهم، وتحريضه على اغتيال نائب وزير الدفاع الأمريكي بول وولفويتز.
يذكر أن الجيش الإسرائيلي انسحب من لبنان، بشكل مفاجئ، في 24 مايو 2000، متخلياً عن الميليشيا المتعاونة معه بقيادة أنطوان لحد، تحت وطأة ضربات المقاومة اللبنانية الوطنية والإسلامية.

نص حوار وليد جنبلاط ج13 من شهادته على العصر:
وفاة حافظ الأسد وانسحاب إسرائيل من لبنان
أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بك جنبلاط، زعيم الدروز في لبنان. وليد بك، مرحبًا بك.
وليد جنبلاط:
أهلًا.
الانسحاب الإسرائيلي من لبنان
أحمد منصور:
بعد اثنين وعشرين عامًا من الاحتلال الإسرائيلي، خرجت إسرائيل فجر الرابع والعشرين من مايو (أيار) عام 2000 من لبنان، قبل ستة أسابيع من الموعد الذي كانت قد أعلنته سابقًا. كيف تابعت خروج إسرائيل من لبنان، في ظل ما أعلنه إيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، بأن مأساة لبنان قد انتهت بالنسبة لإسرائيل؟
وليد جنبلاط:
كان ذلك يومًا كبيرًا، ويوم فرحة بالنسبة إلينا. لقد تحرر الجنوب، وذهبنا جميعًا إليه. وقد حضرت مهرجان النصر في بنت جبيل، وكان الخطيب الرئيس آنذاك، بطبيعة الحال، السيد حسن نصر الله. بالنسبة إلينا، كانت فرحة كبيرة وانتصارًا كبيرًا.
أحمد منصور:
ما الذي أجبر إسرائيل على الخروج من لبنان؟
وليد جنبلاط:
المقاومة؛ المقاومة الوطنية اللبنانية، والمقاومة الإسلامية. ففي النهاية، كانت إسرائيل تسيطر على أرض واسعة، وكانت عمليات المقاومة مستمرة.
أحمد منصور:
لم تستطع الاحتفاظ بها؟
وليد جنبلاط:
أبدًا.
أحمد منصور:
الجندي الإسرائيلي لا يستطيع الصمود أمام المقاومة؟
وليد جنبلاط:
الجندي الإسرائيلي، كغيره من الجنود، وليس الإسرائيلي وحده؛ فكل مقاومة على أرض محتلة تنتصر في النهاية.
أحمد منصور:
بعد أسبوعين فقط من الانسحاب، وفي السابع من يونيو (حزيران) عام 2000، أدلت وزيرة الخارجية الأمريكية، مادلين أولبرايت، بتصريح مهم قالت فيه إن على سوريا أن تسحب قواتها من لبنان. كان هذا التصريح مفصليًا من الناحية التاريخية، وكأنه رسالة مباشرة إلى حافظ الأسد بأن عليه أن يخرج هو الآخر.
وليد جنبلاط:
صحيح.
أحمد منصور:
وأنت أيضًا اتخذت موقفًا، فقبل ثلاثة أشهر من وفاة حافظ الأسد، في السادس عشر من مارس (آذار) عام 2000، قلت إن دوافع الوجود السوري في لبنان أصبحت غير مقنعة.
وليد جنبلاط:
صحيح. وبعد وفاة حافظ الأسد، اجتمع البطريرك صفير مع البطاركة والأساقفة، وطالبوا بالانسحاب السوري الكامل من لبنان. وفي تشرين الأول (أكتوبر) عام 2000، طالبت في المجلس النيابي بتطبيق اتفاق الطائف.
أحمد منصور:
صحيح. دعني آخذ الأمور واحدةً واحدةً. أنت كنت حليفًا لسوريا، وحليفًا لحافظ الأسد، ومع ذلك بدأت تتخذ مواقف معارضة للوجود السوري في لبنان، وهو ما يعني أنك اصطدمت بحليفك الرئيس.
وليد جنبلاط:
مع رفيق الحريري سرنا في خط معين، وفي النهاية كان لا بد من تطبيق اتفاق الطائف. صحيح أنني كنت حليفًا لسوريا، وقاتلت معها، وحققنا، إذا صح التعبير، أهدافًا مشتركة، لكن آن الأوان لأن يعود لبنان مستقلًا.
أحمد منصور:
هل ترى أن ما يقوله بعض المحللين، ممن قرأت لهم في الكتب والمذكرات، من أن وليد جنبلاط ورفيق الحريري ساهما في بقاء الأسد في لبنان طوال تلك السنوات، قبل أن يطالبا بخروجه، صحيح؟
وليد جنبلاط:
لم نساعده. كان الأسد موجودًا في لبنان بحكم الظروف، وأقمنا مع النظام السوري معاهدات، مثل معاهدة الدفاع المشترك وغيرها. لكننا في النهاية شعرنا أن الوقت قد حان للانسحاب، بسبب تصرفات المخابرات، والتصرفات الرعناء للمخابرات.
أحمد منصور:
المخابرات السورية؟
وليد جنبلاط:
نعم، المخابرات السورية. وشعرنا، كما شعر الشعب اللبناني، بضرورة أن يعود لبنان كما كان، مستقلًا، مع علاقات مميزة مع سوريا.

جرائم المخابرات السورية في لبنان
أحمد منصور:
هل يمكن أن تذكر لنا، للتاريخ، بعض ممارسات المخابرات السورية مع السياسيين اللبنانيين، ومع اللبنانيين عمومًا؟
وليد جنبلاط:
كانت هناك ممارسات مذلة. وكنا نتحدث عن اللواء غازي كنعان. مثلًا، انشق الحزب القومي السوري على نفسه، وساعد السوريون على هذا الانشقاق، واستخدموا أحد النواب السابقين، وهو أسعد حردان، لضرب الجناح الآخر، ووقعت مجموعة من الاغتيالات داخل الحزب القومي السوري المعروف تاريخيًا.
وحاولت آنذاك، ونجحت، في حماية صديق كبير ورفيق في الحزب القومي السوري، هو محمود عبد الخالق.
أحمد منصور:
حمايته من الاغتيال؟
وليد جنبلاط:
نعم. ذهبت ثلاث مرات إلى العماد حكمت الشهابي، وقلت له: يجب أن نحافظ عليه. كنت أعلم أن هناك محاولة لاغتيال محمود عبد الخالق، وحتى إنني أعطيته سيارتي المصفحة المتواضعة. وفي المرة الثالثة، بدا أن قرار الاغتيال كان قد اتُّخذ من القيادة العليا.
أحمد منصور:
من كان يتخذ قرارات الاغتيال في القيادة السورية، وتصفية السياسيين اللبنانيين؟
وليد جنبلاط:
أعتقد أن كل ذلك كان عند حافظ الأسد.
أحمد منصور:
أي إن أي قرار باغتيال سياسي لبناني كان يأتي من حافظ الأسد؟
وليد جنبلاط:
نعم. وقال لي غازي كنعان آنذاك… بل قال لي حكمت الشهابي: “اذهب إلى غازي”. فذهبت إليه.
أحمد منصور:
وكان غازي كنعان آنذاك هو المسؤول السوري في لبنان؟
وليد جنبلاط:
كان حاكم لبنان، الحاكم الإداري والأمني للبنان.
أحمد منصور:
ماذا قال لك غازي كنعان؟
وليد جنبلاط:
أعتقد أن حكمت الشهابي تصرف بطريقته مع حافظ الأسد، وأقنعه بعدم اغتيال محمود عبد الخالق.
أحمد منصور:
وليد بك، أخبرني كيف كانت تعمل منظومة الأسد ومن حوله؟
وليد جنبلاط:
لا أستطيع أن أقول؛ فلم أكن داخل أسرارها. لكنني كنت أعتمد دائمًا على العماد حكمت، لأنه كان يحظى باحترام الرئيس حافظ الأسد. وأذكر أنني حضرت مرة اتصالًا هاتفيًا من الرئيس الأسد، فقال له العماد حكمت: “احترامي، سيدي، سأحدثكم لاحقًا”. كان يتمتع بمكانة خاصة. أما عبد الحليم خدام، فكان بمجرد أن تأتيه المكالمة يقف منتظرًا.
أحمد منصور:
لكنك تقول إن حكمت الشهابي وصل إلى مرحلة كان يقول فيها للأسد: “سأكلمك لاحقًا”.
وليد جنبلاط:
نعم، كان يحظى بمكانة كبيرة لدى الضباط السوريين ولدى رئاسة الأركان. وحتى في عام 2000، طلب منه حافظ الأسد أن يمدد خدمته، لكنه رفض.
أحمد منصور:
حكمت الشهابي رفض؟
وليد جنبلاط:
كأنه كان يعلم أن بشار بات قريبًا.
أحمد منصور:
أن بشار الأسد بات قريبًا؟
وليد جنبلاط:
نعم، بشار كان قريبًا.
وفاة حافظ الأسد
أحمد منصور:
أنت كنت تعلم، قبيل وفاة الأسد، أنه كان مريضًا وعلى وشك الموت.
وليد جنبلاط:
رأيته، رأيت حافظ الأسد عام 1999، ورأيته في حال لا تُصدَّق.
أحمد منصور:
حدِّثني.
وليد جنبلاط:
رأيت رجلًا هزيلًا وضعيفًا، حتى إنه لم يكن يستطيع أن يُكمل جملة واحدة. كان يتحدث، ثم يصل إلى مرحلة ينسى فيها ما يريد أن يقوله؛ فقد كانت ذاكرته ضعيفة. عندئذٍ اتخذوا قرارًا داخل القيادة بمنع أي سياسي من زيارته. ومع ذلك، استطاع حافظ الأسد، كما يروي التاريخ، أن يذهب إلى جنيف.
أحمد منصور:
بالضبط، وكانت هناك ضجة كبيرة حول لقائه في جنيف.
وليد جنبلاط:
لم تكن ضجة بالمعنى الذي تقصده. فقد استمر الاجتماع في جنيف نصف يوم. وأروي لك هنا رواية العماد حكمت الشهابي؛ إذ قيل لحافظ الأسد إن الإسرائيليين رتبوا موضوع الانسحاب من الجولان. وعندما اطلع على الخرائط، وكانت تتضمن انسحابًا تدريجيًا، رفض ذلك. ويبدو أن ذاكرته عادت إليه في تلك اللحظة، فقال: «أريد الانسحاب إلى المكان الذي كنت أستحم فيه في بحيرة طبريا». وعندها انتهى الاجتماع.
أحمد منصور:
هناك أكثر من رواية، وقد قرأت أكثر من رواية حول هذا الموضوع. وقيل إن المترجمين أدوا دورًا مضللًا في الترجمة للرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وأن حافظ الأسد أصر في النهاية على الانسحاب الكامل حتى شاطئ بحيرة طبريا، بينما كان الخلاف يدور حول عشرات أو مئات الأمتار، وهو ما أدى إلى انتهاء المفاوضات من دون اتفاق.
وليد جنبلاط:
ولم يكن المترجمون وحدهم؛ فقد لعب دينيس روس أيضًا دورًا سلبيًا. وكان دينيس روس من أبرز منظري أحد مراكز الفكر الأمريكية.
أحمد منصور:
كان آنذاك مساعد الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط. في آخر لقاء لك مع الأسد، هل شعرت أن تلك كانت نهايته؟
وليد جنبلاط:
لا. لقد استقبلني في أول لقاء لمدة أربع ساعات، وكان أشبه بالتمثال، كأبي الهول. كان يلتفت يمينًا ويسارًا، ثم يبدأ الحديث بطريقة يحاول بها أن يشتت محاوره. لم يكن يتحرك تقريبًا، لكنه كان يتمتع بذهن كبير. ثم رأيته بعد ذلك ضعيفًا، فتساءلت: أين ذهب ذلك الرجل الذي كان يحكم سوريا ولبنان، ويتمتع بكل تلك المكانة الدولية؟ كيف يسقط الإنسان؟ وقلت في نفسي: هكذا تدور الأيام بالناس.
أحمد منصور:
كان معروفًا عن حافظ الأسد أن لقاءاته تمتد أحيانًا إلى سبع ساعات، حتى إن هنري كيسنجر وصف اجتماعاته بأنها «دبلوماسية المثانة»، إذ كان يجلس سبع ساعات متواصلة، فلا يذهب إلى دورة المياه، ولا يغادر مكانه، ولا يتحرك يمينًا أو يسارًا.
وليد جنبلاط:
صحيح.
أحمد منصور:
وكان يتحدث طوال الوقت.
وليد جنبلاط:
ويتحدث ويستمع أيضًا. أما في أول اجتماع لي معه فقد استمر أربع ساعات، ثم لاحقًا لاحظ أنني سريع الانفعال، فقال لي: «لا نُطيل عليك، يا أخ وليد، لنختصر الاجتماع إلى ساعتين». وكنا نتحدث في السياسة وفي غيرها. وكان يقول لي: «أما العماد حكمت فيستطيع أن يجلس أربع ساعات، أما أنت فذلك كثير عليك».
شعور جنبلاط بعد مقتل قاتل والده ؟
أحمد منصور:
توفي حافظ الأسد في العاشر من يونيو (حزيران) عام 2000. ماذا كان شعورك، وهذا هو الرجل الذي قتل والدك، والذي قلت في مذكراتك إنك اضطررت إلى أن تتجرع السم وتتحالف معه طوال تلك السنوات؟
وليد جنبلاط:
ذهبنا إلى دمشق، إلى القصر الجمهوري، ذلك القصر الذي بناه رفيق الحريري بتمويل سعودي، وصممه مهندس ياباني، وقد نسيْت اسمه. يقع القصر على تلة جميلة تشرف على دمشق كلها. وأذكر أن سفير النمسا في دمشق قال لي يومًا إن هذا القصر يشبه المستشارية التي كان يستخدمها أدولف هتلر، وبالفعل كان هناك شبه إلى حدٍّ ما.
أحمد منصور:
وهو القصر الحالي إلى اليوم؟
وليد جنبلاط:
نعم، هو القصر الحالي.
أحمد منصور:
وهو نفسه الذي التقيت فيه أحمد الشرع؟
وليد جنبلاط:
صحيح. انتظرنا في أروقة القصر لتقديم التعازي. وكان الوفد الذي سبقنا هو وفد ياسر عرفات. وعندما وصلنا إلى الباب الكبير المؤدي إلى القاعة، انتظرنا أمامه.
أحمد منصور:
ومن كان معك؟
وليد جنبلاط:
كان معي نواب الحزب وقياداته.
أحمد منصور:
الحزب التقدمي الاشتراكي؟
وليد جنبلاط:
نعم. انتظرنا، ولم يُفتح الباب مباشرة. لم يكن التأخير من أجلنا، بل كان انتظارًا لانتهاء زيارة ياسر عرفات. بقينا نحو ربع ساعة، ثم فُتح الباب.
أحمد منصور:
لكن ياسر عرفات كان قبلكم؟
وليد جنبلاط:
نعم، كان قبلنا، ونحن انتظرنا بعده.
أحمد منصور:
إذن، دخلتم بعده؟
وليد جنبلاط:
نعم، دخل هو أولًا، ثم دخلنا بعده.
أحمد منصور:
هل بكيت أمام الجثمان؟
وليد جنبلاط:
كلا. قرأنا الفاتحة، ثم غادرنا.
أحمد منصور:
لكنه علوي، أليس كذلك؟
وليد جنبلاط:
بلى، قرأنا الفاتحة.
أحمد منصور:
أعني: هل يقرأ العلويون الفاتحة؟
وليد جنبلاط:
نعم. وقد حاول حافظ الأسد أن يُدخل الطائفة العلوية في الحاضنة الإسلامية.
أحمد منصور:
لقد قال لي الشيخ محمد حسين فضل الله، في حوار أجريته معه، إن حافظ الأسد طلب منه أن يساعد في إدخال العلويين ضمن المذهب الشيعي.
وليد جنبلاط:
صحيح، هذا صحيح. وقد بنى في القرداحة مسجدًا، إذ لم تكن لديهم مساجد.
أحمد منصور:
لم تكن لديهم؟
وليد جنبلاط:
نعم، بنى مسجدًا.
أحمد منصور:
أما أنتم، الدروز، فلا توجد لديكم مساجد؟
وليد جنبلاط:
بل كانت لدينا مساجد. فقد كان في كل قرية درزية مسجد، وذلك من آثار التراث والتعاليم التي أرساها الإمام السيد عبد الله التنوخي، الذي تحدثنا عنه في الحلقة الماضية.
أحمد منصور:
في الحلقة الماضية.
وليد جنبلاط:
نعم، كان في كل قرية مسجد.
أحمد منصور:
لكن لم تعد لديكم مساجد الآن؟
وليد جنبلاط:
يوجد مسجد في المختارة أقمتُه في الذكرى الرابعة لوفاة والدتي، وهو مسجد الأمير شكيب أرسلان.
أحمد منصور:
جدك.
وليد جنبلاط:
نعم، جدي.
أحمد منصور:
أقمت مسجدًا باسمه، لأن جدك كان سنيًا، ووالدتك أيضًا كانت سنية.
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
حدِّثني عن قصة وفاة حافظ الأسد.
وليد جنبلاط:
قرأنا الفاتحة، ثم انتقلنا إلى تقديم التعازي للعائلة. وكان بشار الأسد واقفًا لتلقي العزاء، ولاحظنا أن عبد الحليم خدام لم يكن في مقدمة الصف، بل كان آخر الواقفين.
أحمد منصور:
صف لنا هذا المشهد. من كان أول الواقفين؟ بشار؟
وليد جنبلاط:
بشار، وأعتقد أن آصف شوكت كان موجودًا أيضًا، وكان صهره.
أحمد منصور:
زوج أخته. وبالمناسبة، هل تعرف كيف قُتل آصف شوكت؟
وليد جنبلاط:
قُتل في حادثة خلية الأزمة العسكرية إلى جانب القصر الجمهوري. وأعتقد أن الأمر كان شأنًا داخليًا، وهناك عدة روايات حول ذلك.
أحمد منصور:
اذكر لنا بعضها.
وليد جنبلاط:
إحدى الروايات تقول إن بشار الأسد تخلص منه، لأنه كان يمكن أن يكون بديلًا له في تلك المرحلة. فقد كان يتمتع بنفوذ داخل الجيش، وبمكانة بين العلويين، وهو علوي.
أحمد منصور:
نعم.
وليد جنبلاط:
وكانت والدته، أو ربما والده، من السنة، من منطقة عكار، لكن هو كان علويًا، وكانت له هيبة كبيرة داخل الجيش، ولذلك أُزيح.
أحمد منصور:
لكنه لم يكن الوحيد؛ فقد قُتل عدد من المسؤولين في تلك الخلية.
وليد جنبلاط:
صحيح، لكنه كان أهمهم.
أحمد منصور:
أريد أن أسألك سؤالًا صريحًا: هل شعرت في داخلك أن القدر انتقم لك بموت الرجل الذي قتل والدك؟
وليد جنبلاط:
لا أقول إن القدر انتقم، وإنما الموت أخذه، فالموت حق على الجميع. لكن قبل وفاته كنت قد رأيته، ورأيته أيضًا في عامي 1981 أو 1982، قبل حرب الجبل. آنذاك قال لي، بعدما رأى أن بعض حلفائه في لبنان خانوه وذهبوا إلى إسرائيل: «يبدو أن كمال جنبلاط كان على حق». وهكذا أعطاني حقي التاريخي. وقلت في نفسي: إذا كنت تعترف بأنه كان على حق، فلماذا قتلته؟ لم أقلها له، لكنني فكرت فيها. لقد اعترف بأن كمال جنبلاط كان على حق، بعدما ذهب بعض حلفائه اللبنانيين إلى إسرائيل.
أحمد منصور:
أنا درست مسيرة حياتك حتى عام 2026، واطلعت على مراجع ومصادر كثيرة. ووجدت أن الأقدار وضعت أمامك مشاهد عجيبة ربما لم يحظ بها كثير من الناس. فقاتل والدك مات عام 2000، ثم سقط حكم العلويين في سوريا عام 2024. وأكثر من ذلك، نُبش قبر قاتل والدك، وأُحرقت رفاته، وطاف كثير من السوريين، من شمال سوريا إلى جنوبها، وهم يلعنون ذكراه.
وليد جنبلاط:
الإنسان يتحمل نتائج أعماله، سواء في حياته أو بعد مماته. لقد ظلم حافظ الأسد الشعب السوري، ولم يظلم السنة وحدهم، بل ظلم أيضًا قسمًا كبيرًا من العلويين، وقتل واغتال عددًا من كبارهم. فبعد الحركة التصحيحية في السبعينيات، قُتل محمد عمران، وهو من أبرز الشخصيات العسكرية العلوية، في طرابلس، وسُجن صلاح جديد عشرين عامًا، ثم أُفرج عنه، وبعد ستة أشهر توفي. وكل إنسان يتحمل نتائج أعماله، في حياته أو بعدها.
أحمد منصور:
أتذكر أنني زرتك في لبنان قبل أكثر من عشرين عامًا، وكنا نتحدث، فذكرت لي مثلًا، لا أدري أهو صيني أم روسي، يقول: «اجلس على ضفة النهر، ومدَّ رجليك، وانتظر، فستمر جثة عدوك أمامك».
وليد جنبلاط:
إنه مثل صيني، يقول: «اجلس على ضفة النهر، وفي يوم من الأيام ستمر جثة عدوك أمامك».
أحمد منصور:
وهل رأيت ذلك بعينيك؟
وليد جنبلاط:
لا، إنه مثل رمزي، صورة تعبر عما قد يحدث في الحياة، والحمد لله، رأيت ما يشبه ذلك في حياتي.
الفوارق الأساسية بين حافظ الأسد ونجله بشار؟
أحمد منصور:
بعد سبعة وثلاثين يومًا فقط من وفاة حافظ الأسد، تولى بشار الأسد رئاسة سوريا بعد تعديل الدستور. ما أبرز الفوارق بين شخصية حافظ الأسد وشخصية بشار الأسد؟
وليد جنبلاط:
ليست القضية قضية فروق في الشخصية فقط. لقد لاحظنا منذ اللقاء الأول مع بشار مقدار الحقد على رفيق الحريري. وكان محاطًا بدائرة ضيقة، وكان من أبرز أفرادها اللواء محمد ناصيف.
أحمد منصور:
من هو محمد ناصيف؟
وليد جنبلاط:
محمد ناصيف أحد أبرز قادة أجهزة أمن الدولة في سوريا. وكان يُقال إنه هو الذي تولى تربية أبناء حافظ الأسد، بشار وباسل، وكذلك أخيهما مجد، الذي كان يعاني إعاقة جسدية. وعندما كنت أزور دمشق، كنت ألتقي أولًا العماد حكمت الشهابي للحديث في السياسة، ثم كان محمد ناصيف يدعونا إلى الغداء. وفي إحدى المرات سألني حكمت الشهابي: «إلى أين أنت ذاهب؟» فقلت: «إلى الغداء عند محمد ناصيف». فقال لي: «إذن أنت ذاهب إلى المطبخ المسموم».
أحمد منصور:
إلى هذه الدرجة؟
وليد جنبلاط:
نعم، كانوا يعرفون.
أحمد منصور:
أنا أعرف ذلك، لكنني أريد أن أفهم كيف كانت هذه الشخصيات، التي كان لكل منها دور محدد داخل النظام، تتعامل فيما بينها.
وليد جنبلاط:
لا أستطيع أن أجيب عن ذلك؛ لأنني لا أعرف تفاصيل علاقاتهم الداخلية. لكن كانت هناك سلطة مركزية تستخدم الجميع. وكان لبعضهم نفوذ، ولآخرين احترام، ولكل واحد منهم دوره.
أحمد منصور:
هل كانوا يخدمون منظومة الأسرة الحاكمة والطائفة العلوية، أم الدولة السورية؟
وليد جنبلاط:
كانت الأسرة، والدولة، وسوريا كلها متشابكة مع بعضها.
أحمد منصور:
أي إن الدولة اختُزلت في العائلة والطائفة؟
وليد جنبلاط:
إلى حد كبير، نعم. لكن يجب أيضًا ألا نقول إن النظام كله كان علويًا؛ فقد ضم دروزًا، وسنة، ومسيحيين أيضًا.
أحمد منصور:
لكنهم جميعًا كانوا يخدمون النظام. هل كان أحد منهم يستطيع أن يعارضه أو يبوح بما في نفسه؟
وليد جنبلاط:
أبدًا. ولا أدري إن كنت قد قرأت كتاب نيكولاس فان دام.
أحمد منصور:
بالتأكيد، وهو من أفضل ما كُتب عن تركيبة النظام السوري.
وليد جنبلاط:
نعم، فقد شرح تركيبة النظام بدقة.
أحمد منصور:
في الخامس عشر من أبريل (نيسان) عام 2001، نُقل عنك تصريح قلت فيه إن «الحرس الجديد في سوريا لا يفهم لبنان». فمن تقصد بالحرس الجديد؟
وليد جنبلاط:
أقصد بشار الأسد نفسه، والدائرة المحيطة به. ولا أستطيع اليوم أن أحدد جميع أفراد تلك الدائرة، لكن في تلك الفترة كانت هناك حالة من الارتباك. وكان بعض المسؤولين، مثل عبد الحليم خدام وغيره، يعتبرون بشار شخصية طارئة، وكانوا يصفونه فيما بينهم بأنه «ولد».
أحمد منصور:
وهل كانوا يجرؤون على قول ذلك؟
وليد جنبلاط:
ليس أمامي، وإنما أمام رفيق الحريري، رحمه الله. وكان الحريري يذهب إلى بلودان ويلتقي عبد الحليم خدام، وعددًا من المسؤولين، من بينهم رئيس اتحاد العمال آنذاك. وكان لخدام دائرة خاصة به، وكان يظن أنه يستطيع ملء الفراغ، وكانت تلك، في رأيي، غلطة قاتلة.
طبيعة العلاقة بين رفيق الحريري وعبد الحليم خدام
أحمد منصور:
ما طبيعة العلاقة الوثيقة التي كانت بين عبد الحليم خدام ورفيق الحريري، في ظل ما كان يُقال إن خدام كان يبتز الحريري ماليًا، وإن الحريري بنى له قصرًا في سوريا، كما أهداه منزلًا في باريس؟
وليد جنبلاط:
نعم، أعطاه منزلًا في باريس، وسكن فيه عبد الحليم خدام سنوات.
أحمد منصور:
بعد خروجه من سوريا عام 2005؟
وليد جنبلاط:
بعد اغتيال رفيق الحريري، ذهب خدام إلى باريس، وسكن في منزل الحريري. نعم، كان المنزل يعود إلى رفيق الحريري.
أحمد منصور:
هل كان خدام يبتز الحريري ماليًا؟
وليد جنبلاط:
ممكن، لكنني لا أعلم.

تحدي جنبلاط والحريري لبشار الأسد
أحمد منصور:
كان الرئيس إميل لحود العدو اللدود لكليكما، ثم أصبح رئيسًا للجمهورية في لبنان. وبعد ذلك جرت الانتخابات النيابية في السابع والعشرين من سبتمبر (أيلول) عام 2000، وفاز رفيق الحريري فوزًا ساحقًا.
وليد جنبلاط:
نعم، فوزًا قويًا.
أحمد منصور:
وأنت أيضًا حققت فوزًا كبيرًا.
وليد جنبلاط:
صحيح.
أحمد منصور:
إذن، أصبحتما تتقاسمان السلطة بعد هذا الانتصار الكبير.
وليد جنبلاط:
لم نتقاسم السلطة، بل تحدينا بشار الأسد، وتحدينا أيضًا المجموعة المحيطة به في لبنان، ومنهم جميل السيد، الذي كان صديقًا وخصمًا في الوقت نفسه.
أحمد منصور:
وكان مدير الأمن العام.
وليد جنبلاط:
نعم، مدير الأمن العام. شكّلنا لائحة انتخابية، وتحديناهم، ونجحنا في بيروت وغيرها.
أحمد منصور:
حين قررت الدخول في مواجهة مع الأسد، وأنت تعلم أن الاغتيال بالنسبة إليه كان أمرًا مألوفًا، هل توقعت أن تصل الأمور إلى تصفيتك أنت ورفيق الحريري؟
وليد جنبلاط:
في ذلك الوقت لم نكن نتوقع ذلك. كان الأمر مجرد تحدٍّ سياسي. ولم نكن نعلم أن هناك تخطيطًا لاغتيال رفيق الحريري. وقد برز هذا الأمر لاحقًا، عام 2004، عندما اجتمع الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بالرئيس الفرنسي جاك شيراك خلال الاحتفال بالذكرى الستين لإنزال النورماندي. وكان شيراك قد اختلف مع بوش بشأن غزو العراق، ثم توصلا إلى تفاهم.
أحمد منصور:
فقد رفض شيراك تأييد غزو العراق عام 2003، ثم اتفقا بعد ذلك؟
وليد جنبلاط:
نعم، اتفقا على الملف اللبناني. ومن ذلك التفاهم خرج قرار مجلس الأمن رقم 1559، الذي نص على انسحاب القوات السورية من لبنان، ونزع سلاح الميليشيات اللبنانية، ونزع سلاح الميليشيات غير اللبنانية. كانت هذه، في رأيي، ثلاثة أحكام بالإعدام.
أحمد منصور:
لكن واحدًا فقط نُفذ.
وليد جنبلاط:
نعم، واحد فقط.
أحمد منصور:
سأعود لاحقًا إلى موضوع النفوذ الإيراني في لبنان. لكن بعد تشكيل حكومة الحريري الرابعة، أصبحتما، أنت والحريري، حليفين قويين بعد عام 2000. كم وزارة حصلت في تلك الحكومة؟
وليد جنبلاط:
لا أذكر.
أحمد منصور:
ولماذا كنت ترفض أن تتولى حقيبة وزارية؟ هل كنت ترى نفسك أكبر من الوزارة؟
وليد جنبلاط:
لا، لم يكن الأمر كذلك. كان لدي رفاق أكفاء، مثل غازي العريضي، ومروان حمادة، وغيرهما، وكانوا قادرين على تولي المسؤولية.
أحمد منصور:
كيف بدأ النفوذ الإيراني يتصاعد في لبنان في تلك المرحلة، أو حتى قبلها؟ هل يمكن القول إنه بدأ مع ظهور حزب الله في أوائل التسعينيات؟
وليد جنبلاط:
النفوذ الإيراني رسخ نفسه في المعادلة من خلال شعار: «الجيش، والشعب، والمقاومة». وبعد تحرير الجنوب قلنا إن الوقت قد حان لكي يكون الجيش اللبناني هو المسؤول عن أمن لبنان كله. لكن بقيت تلك المعادلة، «الجيش والشعب والمقاومة»، واستُخدمت، في رأيي، لتكريس النفوذ الإيراني.
أحمد منصور:
لكن الذي تصدى لإسرائيل فعليًا في المواجهات كان المقاومة، وليس الجيش اللبناني.
وليد جنبلاط:
صحيح، كانت المقاومة. لكن كان طموح اللبنانيين أيضًا أن يعودوا إلى الدولة، ولا يزال هذا الطموح قائمًا.
أحمد منصور:
بعد أيام من تشكيل حكومة الحريري، ألقيت خطابًا في مجلس النواب طالبت فيه بإعادة انتشار الجيش السوري، وكان أول خطاب علني داخل البرلمان يدعو إلى ذلك.
وليد جنبلاط:
لم أطالب بخروج الجيش السوري مباشرة، بل طالبت بإعادة تموضعه.
أحمد منصور:
وماذا تقصد بإعادة التموضع؟
وليد جنبلاط:
هذا نص دقيق ورد في اتفاق الطائف. والمقصود أن ينسحب الجيش السوري من جبل لبنان إلى منطقة البقاع، ثم تبدأ بعد ذلك مفاوضات بين الحكومتين اللبنانية والسورية بشأن الانسحاب النهائي. لكن الدنيا قامت عليَّ، واتُّهمت بالخيانة.
أحمد منصور:
بالفعل، قامت عليك حملة كبيرة. فقد رد عليك وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس، كما ردت الحكومة السورية نفسها، وفُرض عليك حظر، وقيل إنك مُنعت من دخول سوريا، بل صرّحوا بأنهم لن يردوا على جنبلاط لأنهم هم الذين صنعوه.
وليد جنبلاط:
رحم الله العماد مصطفى طلاس. لكن، في الحقيقة، لم يمنعوني من دخول سوريا. فقد عدت إليها بعد ذلك، لأن لي أصدقاء هناك. إلا أن العماد حكمت الشهابي قال لي يومها: «لقد ذهبت بعيدًا».
أحمد منصور:
وقال لك غازي كنعان أيضًا إن سوريا بيتك وبلدك، وإنك مرحب بك.
وليد جنبلاط:
نعم.
من هو غازي كنعان وكيف كانت نهايته؟
أحمد منصور:
عرّفنا بغازي كنعان، حتى يعرفه الناس، ويعرفوا دوره وكيف انتهت حياته.
وليد جنبلاط:
قبل أن يأتي إلى لبنان، كان غازي كنعان ضابط استخبارات مسؤولًا، على ما أذكر، عن منطقة حمص. وبحكم قرب حمص من لبنان، كان يعرف أهل طرابلس وأهل البقاع معرفة جيدة. وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، كان المسؤول عن الاستخبارات السورية في لبنان هو محمد غانم، وهو ضابط في الجيش السوري ومتزوج من آل الأطرش. لكن القيادة اعتبرت أنه لم ينجح في مهمته، فجاء غازي كنعان خلفًا له.
أحمد منصور:
وبقي غازي كنعان في لبنان إلى أن جاء بعده رستم غزالة.
وليد جنبلاط:
نعم، وجاء رستم غزالة، واعتبرنا ذلك انتكاسة بالنسبة إلينا.
أحمد منصور:
أي إنكم كنتم ترون أن التفاهم مع غازي كنعان كان أسهل من التفاهم مع رستم غزالة؟
وليد جنبلاط:
كان غازي كنعان مختلفًا. لكن، عندما نتحدث عن الجرائم، فلا بد من القول إن أي جريمة لم تكن تُرتكب إلا بقرار مركزي. كان هو المنفذ، باستثناء حالة واحدة، وهي محمود عبد الخالق، الذي ساعدت الظروف على إنقاذه.
أحمد منصور:
من هو محمود عبد الخالق؟
وليد جنبلاط:
هو الذي حدثتك عنه قبل قليل، القيادي في الحزب السوري القومي الاجتماعي.
أحمد منصور:
نعم، صحيح. كان الاستثناء الوحيد، أما البقية فكانت الأوامر تُنفذ بحقهم.
وليد جنبلاط:
لأن القرار كان مركزيًا.
أحمد منصور:
حين يصبح الإنسان مجرد أداة للقتل، هل يعفيه ذلك من المسؤولية؟
وليد جنبلاط:
أنا لم أقل ذلك، ولم أقل إنه يُعفى من المسؤولية. كل ما قلته هو أن القرار كان مركزيًا.
أحمد منصور:
كيف كانت نهايته؟
وليد جنبلاط:
نهاية من؟
أحمد منصور:
غازي كنعان.
وليد جنبلاط:
لقد ذكرت لك الرواية.
أحمد منصور:
ذكرتها لي خارج التسجيل.
وليد جنبلاط:
برأيي، وبرأيي الشخصي، كان محاطًا بمجموعة جاءت لتقتله. والتفتوا إلى وردة…
أحمد منصور:
وردة… المذيعة اللبنانية؟
وليد جنبلاط:
نعم. وقالوا لها: «بعد قليل ستسمعين خبرًا». وبعدها أُعلن أنه قتل نفسه.
أحمد منصور:
لكنك ترى أنه قُتل؟
وليد جنبلاط:
نعم، هذا رأيي.
أحمد منصور:
مع أنهم قالوا إنه انتحر بإطلاق النار على نفسه.
وليد جنبلاط:
لا أدخل في مثل هذه الروايات الساخرة أو غير الدقيقة.
أحمد منصور:
لكنهم تراجعوا لاحقًا عن بعض التفاصيل التي أُعلنت في البداية.
وليد جنبلاط:
من الذي تراجع؟
أحمد منصور:
السلطات السورية، عندما أعلنت الخبر أول مرة. لكن دعني أسألك: قلت لي إن رستم غزالة، الذي جاء بعد غازي كنعان، كان أسوأ بكثير في تعامله مع اللبنانيين.
وليد جنبلاط:
لا يمكن المقارنة بينهما من حيث المستوى أو أسلوب التعامل. فقد كان رستم غزالة مسؤولًا في بيروت، وقبل ذلك كان مسؤولًا في منطقة المتن. لكنني التقيت عددًا كبيرًا من الضباط السوريين.
أحمد منصور:
مثل من؟
وليد جنبلاط:
التقيت قائد الفيلق السوري في لبنان، سعيد بيرقدار، وكان رجلًا شريفًا، وصاحب هيبة، وعسكريًا محترمًا. كما التقيت إبراهيم صافي، وهو ضابط علوي. وقد اختُطف ابنه وقُتل خلال الثورة السورية، على طريق المطار.
أحمد منصور:
متى حدث ذلك؟ أثناء الثورة السورية؟
وليد جنبلاط:
نعم، خلال الثورة السورية. لقد عرفت أشخاصًا محترمين، كما عرفت آخرين لم يكونوا كذلك.
أحمد منصور:
كيف تصف بعضهم بالمحترمين، وهم كانوا يخدمون نظامًا قمعيًا دمويًا؟
وليد جنبلاط:
ليسوا جميعًا قتلة، أبدًا. ليس كل من خدم في الدولة السورية كان قاتلًا.
تصعيد جنبلاط ضد الوجود السوري
أحمد منصور:
أنت بدأت تصعّد موقفك ضد سوريا، وفي الوقت نفسه كنت تزورها. كيف تفسر ذلك؟ فمثلًا، في السادس عشر من مارس (آذار) 2001، نقلت عنك الجزيرة نت أنك طالبت بتفسير دوافع استمرار الوجود السوري في لبنان، ومع ذلك كنت تذهب إلى سوريا.
وليد جنبلاط:
صحيح، لكن آخر سنة زرت فيها سوريا كانت عام 2011، عندما بدأت الثورة السلمية تتصاعد.
أحمد منصور:
صحيح.
وليد جنبلاط:
بدأت الاحتجاجات في دمشق، ثم في حوران. وعندما أُطلقت النار على المتظاهرين السلميين، كان ماهر الأسد، شقيق بشار الأسد وقائد الفرقة الرابعة، من أبرز المسؤولين عن ذلك.
أحمد منصور:
نعم، ماهر الأسد.
وليد جنبلاط:
كما أن عاطف نجيب اعتقل عددًا من وجهاء العشائر في حوران، وعذبهم وأهانهم. عندها بدأت أشك، ليس في طبيعة النظام، وإنما في نوايا بشار الأسد. ثم ألقى بشار خطابًا في مجلس الشعب، واتهم فيه جميع المتظاهرين السلميين.
أحمد منصور:
أتذكر تلك المظاهرات السلمية، وشعاراتها، مثل: «ما لنا غيرك يا الله».
وليد جنبلاط:
وأيضًا شعار: «الشعب السوري واحد».
أحمد منصور:
صحيح.
وليد جنبلاط:
ثم بدأ بشار الأسد القتل، وبدأ بتشكيل ما عُرف بالشبيحة، وهم مجموعات من المجرمين أُطلق سراحهم واستخدموا في قمع الناس.
مصالحة جنبلاط مع البطريرك صفير
أحمد منصور:
وليد بك، قبل ذلك كانت هناك أحداث كثيرة، وأهمها اغتيال رفيق الحريري. لكن دعنا نواصل التسلسل الزمني. البطريرك صفير زارك، وعُقدت بينكما مصالحة وُصفت بأنها تاريخية. هل طلب منك البطريرك صفير شيئًا، أو اشترط عليك شروطًا؟
وليد جنبلاط:
زارني البطريرك صفير في الرابع من أغسطس (آب) عام 2001.
أحمد منصور:
صحيح.
وليد جنبلاط:
وكانت تلك هي المصالحة الكبرى. لقد تحرك البطريرك صفير بحدسه السياسي، ورأى أن وليد جنبلاط قد غيّر موقفه من النظام السوري، واتخذ موقفًا يدعو، بطريقته، إلى تحرير لبنان من الوجود السوري. وكانت تلك المصالحة الكبرى التي شاركت فيها جميع الأحزاب المسيحية، حتى إن ممثلين عن الرئيس ميشال عون، الذي كان آنذاك في المنفى، حضروا المناسبة، كما حضرت زوجة سمير جعجع، لأنه كان لا يزال في السجن.
أحمد منصور:
ستريدا.
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
بعد المصالحة عاد المسيحيون إلى الجبل مرة أخرى.
وليد جنبلاط:
كانت المصالحة بداية العودة، وبداية الطمأنينة، نعم.
أحمد منصور:
بحسب بعض الإحصاءات التي قرأتها، فإن نسبة العائدين من المهجرين حتى عام 2026 بلغت نحو 35 في المائة فقط.
وليد جنبلاط:
لا، ففي فصل الشتاء لا يكون الوجود كثيفًا في قرى الجبل، لا للدروز ولا للمسيحيين، باستثناء بعض القرى. أما في الصيف، ومع النشاط الاقتصادي وموسم الاصطياف، فيعود الناس إليها. وهذا هو تاريخ الجبل.
أحمد منصور:
ما تقييمك التاريخي لهذه المصالحة وآثارها حتى اليوم؟
وليد جنبلاط:
إنها مصالحة ممتازة.
أحمد منصور:
هل عاد الدروز والموارنة إلى علاقات الجيرة والقرابة كما كانت؟
وليد جنبلاط:
هنا أيضًا أخالفك. لا ينبغي أن نتصور أن تاريخ الدروز والموارنة كله كان تاريخ حروب. أبدًا. صحيح أن أحداث عام 1860 وقعت…
أحمد منصور:
وكذلك حرب عام 1983.
وليد جنبلاط:
نعم، لكن كانت هناك أيضًا مراحل طويلة من الاستقرار، ولم تكن التحالفات دائمًا درزية في مقابل مسيحية. ففي جبل لبنان، أيام الانتداب الفرنسي، كانت هناك الكتلة الوطنية برئاسة إميل إده، وكانت السيدة نظيرة جنبلاط مؤيدة لها، كما كان آل جنبلاط جزءًا منها، وهي كتلة ضمت شخصيات من مختلف الطوائف.
أحمد منصور:
لقد وضعت جدتك في مكانة كبيرة في التاريخ.
وليد جنبلاط:
حتى كميل شمعون، الذي أصبح لاحقًا خصمًا سياسيًا، لم يكن زعيمًا للمسيحيين وحدهم، بل امتدت زعامته إلى السنة والدروز أيضًا. وكان من دير القمر في جبل لبنان.

رفض جنبلاط للاحتلال الأمريكي للعراق
أحمد منصور:
في الخامس عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001، وبعد أربعة أيام فقط من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ألقيت خطابًا في مهرجان مدارس العرفان، قلت فيه إن أسامة بن لادن هو صناعة الاستخبارات الأمريكية، وإن ما جرى في الحادي عشر من سبتمبر عملية استخباراتية أمريكية بامتياز.
وليد جنبلاط:
آنذاك كنا نرى الأمور على هذا النحو. وعلى كل حال، كانت الولايات المتحدة تبحث دائمًا عن عدو تحاربه. ففي زمن الحرب الباردة كان العدو هو الاتحاد السوفيتي.
أحمد منصور:
أي خلال الحرب الباردة.
وليد جنبلاط:
ثم دخل الاتحاد السوفيتي إلى أفغانستان، وكان ذلك خطأً فادحًا. ووفق ما كانت لدي من معلومات، كان المكتب السياسي السوفيتي منقسمًا، وكانت صحة بريجنيف متدهورة، وكان وزير الدفاع من أبرز الداعين إلى دخول أفغانستان واحتلالها.
أحمد منصور:
وكان ذلك في نهاية عام 1979.
وليد جنبلاط:
نعم، واستمر الاحتلال عشر سنوات. وفي تلك المرحلة ظهر بن لادن أداةً لمحاربة الاتحاد السوفيتي، ثم أصبح لاحقًا يُقدَّم بوصفه العدو الأول.
أحمد منصور:
ثم دخلت في أزمة كبيرة مع الولايات المتحدة.
وليد جنبلاط:
أي أزمة تقصد؟
أحمد منصور:
في الثلاثين من مارس (آذار) عام 2003، وبعد ثلاثة أيام فقط من الغزو الأمريكي للعراق، قلت إن الولايات المتحدة قوة احتلال، وإن السبيل الوحيد لمواجهتها هو المقاومة العسكرية.
وليد جنبلاط:
نعم. كنا ننظم في بيروت مظاهرات ضد الغزو الأمريكي للعراق، لكن ذلك لم يكن حبًا في نظام صدام حسين.
أحمد منصور:
بل إنك كنت قد أدليت بتصريحات ضده، وكنت سعيدًا بسقوط نظامه.
وليد جنبلاط:
نعم، لكن تمهل قليلًا. في تلك الفترة كنا نعتقد أن الشعوب العربية كلها ستنتفض ضد الغزو الأمريكي. وفي أثناء ذلك اجتمعت في لندن بصديقي شبلي ملاط، وكان معنا أحمد الجلبي.
أحمد منصور:
نعم.
وليد جنبلاط:
شبلي ملاط صديق قديم، والعلاقة بين آل جنبلاط وآل ملاط تعود إلى أكثر من مئة وخمسين عامًا. لكننا اختلفنا في ذلك الاجتماع مع أحمد الجلبي.
أحمد منصور:
لأن الجلبي كان، في رأيك، صناعة أمريكية.
وليد جنبلاط:
بل كنت أراه صناعة أمريكية وصهيونية.
أحمد منصور:
وأيضًا صهيونية؟
وليد جنبلاط:
نعم، لأن إدارة الرئيس جورج بوش لم تكن وحدها صاحبة القرار، بل كان هناك ديك تشيني، وبول وولفويتز، وغيرهما، ومن بينهم بيل كريستول، الذي يُعد من أبرز منظري التيار المحافظ الجديد.
تحريض جنبلاط على اغتيال نائب وزير الدفاع الأمريكي
أحمد منصور:
كنت شديد العداء لبول وولفويتز. وبعد محاولة اغتياله في بغداد في السادس والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) 2003، قلت: «نأمل أن تكون صواريخ المقاومة العراقية في المرة القادمة أكثر دقة وفاعلية في التخلص من هذا الفيروس الذي يدعى وولفويتز وأمثاله، الذين يعيثون فسادًا في العراق وفلسطين».
وليد جنبلاط:
صحيح، قلت ذلك، وقد سبب لي مشكلات كبيرة، لكنني قلته عن قناعة، لأنني كنت أرفض احتلال العراق، رغم المآسي التي تسبب بها نظام صدام حسين للشعب العراقي.
أحمد منصور:
لكنك بذلك حرضت على قتل نائب وزير الدفاع الأمريكي.
وليد جنبلاط:
نعم، قلت ذلك، فماذا في الأمر؟
أحمد منصور:
أثارت تلك التصريحات ردود فعل أمريكية واسعة. فقد ألغيت تأشيرتك إلى الولايات المتحدة، وأصدرت السفارة الأمريكية بيانًا شديد اللهجة. هل اتصل بك مسؤولون أمريكيون أو وجهوا إليك اللوم؟
وليد جنبلاط:
أذكر أننا كنا على مأدبة عشاء في لندن، فقال لي أحمد الجلبي: «أنت مع من؟». فأجبته: «أنا ضد احتلال العراق؛ لأن العراق، على المستوى الاستراتيجي، هو جزء من العالم العربي، وتقسيمه يعني نهاية العراق». ثم غادرت المأدبة ولم أكمل العشاء.
والتقيت أحمد الجلبي مرة أخرى في بيروت، لكنني تذكرت معرفتي القديمة به عندما كنت أحول الأموال الليبية إلى بنك البتراء في الأردن.
أحمد منصور:
صحيح، لأنه كان هناك آنذاك.
وليد جنبلاط:
نعم. والذي عرفني عليه هو علي غندور، رحمه الله، وكان مستشارًا للملك حسين، وشخصية مميزة. وكان منتميًا إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 1961 في لبنان، انتقل إلى الأردن، وأصبح من المقربين إلى الملك حسين، وأسهم في تأسيس شركة «عالية» للطيران.
أحمد منصور:
الخطوط الجوية الأردنية «عالية».
وليد جنبلاط:
نعم. وعندما التقيت أحمد الجلبي آنذاك، قال لي إن صدام حسين سيسقط، وإن العراق سيتقسم.
أحمد منصور:
متى كان ذلك؟
وليد جنبلاط:
عام 1983 أو 1984.
أحمد منصور:
أي في الفترة التي كان فيها معمر القذافي يحول لك الأموال في الثمانينيات.
وليد جنبلاط:
نعم. عندها أدركت أنه يتمتع بذكاء استثنائي، لكنه كان يسعى إلى هدف محدد، وقد حققه.
أحمد منصور:
خرجنا قليلًا عن موضوعنا، لكن لا بأس. بدأت بعد ذلك الأزمة الكبرى في لبنان التي انتهت باغتيال رفيق الحريري، وكانت بدايتها قرار التمديد للرئيس إميل لحود، في وقت كنتم تعارضون ذلك، بينما كان النظام السوري يصر عليه.
وسأبدأ معك الحلقة القادمة من هذه المحطة: التمديد لإميل لحود، ثم اغتيال رفيق الحريري.
شكرًا جزيلًا لك.
كما أشكركم، مشاهدينا الكرام، على حسن متابعتكم. وفي الحلقة القادمة، إن شاء الله، نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بك جنبلاط، زعيم الدروز في لبنان.
وفي الختام، أنقل إليكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.