يسلط أحمد منصور مع مدير المخابرات العراقية الأسبق، فاضل العزاوي ج12 من حوارهما في برنامج “شاهد على العصر” الضوء على كشف صدام حسين إسم الخائن الذي وشى به، و ملابسات وظروف اعتقال العزاوي في الثاني من مايو 2003، وسر صورة صدام المهينة لحظة اعتقاله في 13 ديسمبر 2003، رغم شجاعته المعروفة،
نص حوار فاضل العزاوي ج12: !!
صدام حسين يكشف الخائن الذي وشى به
أحمد منصور
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور فاضل العزاوي مدير المخابرات العراقية الأسبق وسفير العراق في كل من واشنطن ونيودلهي وموسكو.
دكتور مرحبا بيك.
العزاوي
أهلا وسهلا.
لحظة الاعتقال وبداية الرحلة
أحمد منصور:
قُبِض عليك من قبل القوات الأمريكية في الثاني من مايو/أيار 2003. بعد الليلة الأولى، إلى أين نُقلت؟
فاضل العزاوي:
نُقلت إلى معسكر كوبر.
أحمد منصور:
إلى سجن كوبر.
هذا السجن كان تابعًا للحرس الجمهوري، وكان موقعًا عسكريًا ثم حُوِّل إلى سجن.
فاضل العزاوي:
نعم، كان تابعًا للحرس الجمهوري.
في سجن كوبر
أحمد منصور:
هل رأيت أحدًا ممن تعرفهم في سجن كوبر حين نُقلت إليه في الثاني من مايو؟
فاضل العزاوي:
بالطبع، كنت أعرف الجميع.
أحمد منصور:
من تقصد؟ حدّثني عن الأيام الأولى تحديدًا.
فاضل العزاوي:
في الأيام الأولى، عندما وصلنا، وجدنا خيامًا فقط، وكنت أسكن في خيمة.
الاحتجاز في الخيام
أحمد منصور:
في خيمة وليس في زنزانة؟
فاضل العزاوي:
نعم، لم يكن هناك أي بناء. كان الوضع مأساويًا جدًا، وكنا في الشهر الخامس، والجو شديد الحرارة.
أحمد منصور:
والربيع في العراق لا يستمر سوى عشرين يومًا، ثم يأتي الصيف.
فاضل العزاوي:
للأسف، كأننا مغضوب علينا في العراق حتى في الربيع.
في الخيمة التي سكنتُ فيها، كان يوجد قرابة أربعة من أعضاء قيادة الحزب: سمير عبد العزيز النجم، وفاضل محمود غريب، وغازي العبيدي، وأظن شخصًا رابعًا.
أحمد منصور:
هل كانوا أعضاء في مجلس قيادة الثورة؟
فاضل العزاوي:
لا، جميعهم كانوا أعضاء قيادة في حزب البعث فقط.
أحمد منصور:
كم كنتم في الخيمة الواحدة؟
فاضل العزاوي:
كنا ثمانية أشخاص.
فاضل العزاوي:
كانت الخيمة مقسّمة بفواصل، بعرض هذه الطاولة تقريبًا، عبارة عن قطع خشبية من النوع المستخدم في صناعة الأثاث، طولها ستة أقدام وارتفاعها ثلاثة أقدام.
الأمر نفسه كان ينطبق على بقية الفواصل داخل الخيمة، بحيث يكون لكل شخص مساحة خاصة ينام فيها.
في البداية، لم يكن هناك سرير ولا فراش، كنا ننام على الأرض.
وكان الأمريكيون يعطوننا طوال اليوم لترًا وربع اللتر من الماء فقط، وهذه هي حصتك الكاملة: تشرب منها، وتغتسل، وتتوضأ. أي لتر ماء واحد تقريبًا.
حياة الأسر
أحمد منصور:
أنت رجل دولة منذ زمن طويل، وتعيش في مزرعة مليئة بالخيرات كما ذكرت، وفجأة تغيّر كل شيء في يوم وليلة.
فاضل العزاوي:
نعم، كانت كارثة حقيقية، وأمرًا بالغ الصعوبة.
لكن بحكم أنني أعيش في الريف، لم تكن لدي مشكلة كبيرة؛ فأنا أحب الصيد، وأستمتع بالسفر، خاصة في البراري، وفي الشتاء أحب الجلوس على الشاطئ قرب الماء.
أحيانًا تمر علينا الحياة بشيء من شظف العيش.
الحالة النفسية لقيادات البعث المعتقلة
أحمد منصور:
كيف كان وضع من حولك من المعتقلين من قيادات البعث؟
فاضل العزاوي:
أغلبهم كانوا منزعجين، مذهولين، وحزينين على ما جرى للعراق.
ولا يوجد عراقي أصيل ووطني لا يشعر بالحزن. حتى أن هناك أناسًا لا علاقة لهم بالدولة أو الحزب.
أحمد منصور:
ومع ذلك كانوا معتقلين معكم؟
فاضل العزاوي:
لا، أقصد أنهم كانوا حزينين ومتأثرين بعد خروجنا.
الهزيمة ومعناها الواسع
أحمد منصور:
هل كانت الهزيمة هزيمة للحزب والدولة فقط، أم هزيمة للعرب أيضًا؟
فاضل العزاوي:
كانت هزيمة للعراق، ومن ثم للعرب جميعًا. كانت كارثية، ولا أحد كان يستطيع تجاهل ذلك.
أحمد منصور:
هل تتذكر باقي الثمانية الذين كانوا معك في الخيمة؟
فاضل العزاوي:
مثلًا، المرحوم صباح ميرزا جاء إليّ في الخيمة.
اعتقال القيادات البارزة
أحمد منصور:
علي حسن المجيد قُبض عليه في 21 أغسطس 2003. هل رأيته حين أُلقي القبض عليه؟
وعبد الحميد التكريتي (عبد حمود)، السكرتير الشخصي لصدام حسين، الذي اعتُقل في 18 يونيو 2003، هل جاؤوا به إليكم؟
فاضل العزاوي:
لم نره في البداية، وإنما لاحقًا، بعد أن استقرت الأوضاع ونُقلنا من الخيام إلى المباني.
كانت تلك المباني قاعات كبيرة للحرس، قُسِّمت وحُوِّلت إلى زنازين، وأصبح لكل واحد منا زنزانته الخاصة.
لقاء طه ياسين رمضان
أحمد منصور:
طه ياسين رمضان قُبض عليه في 18 أغسطس، هل رأيته؟
فاضل العزاوي:
نعم، رأيت طه ياسين رمضان، رحمه الله، حين جاؤوا به إلى المعسكر.
كنت أنا وغازي العبيدي، رحمه الله، الوحيدين اللذين سلّما عليه.
وكان منزعجًا لأن القادة والمقرّبين في الحزب لم يسلموا عليه.
أحمد منصور:
هل تقصد أنهم لم يرغبوا في السلام عليه؟
فاضل العزاوي:
لم يبادروا.
أما أنا، فقد مشيت إليه مسافة تقارب عشرين مترًا، وسلّمت عليه.
أحمد منصور:
والبقية لم يعطوه اهتمامًا؟
فاضل العزاوي:
لم يعطوه اهتمامًا.
أحمد منصور:
هل تحدثت معه؟
فاضل العزاوي:
نعم، سلّمت عليه وقبّلته، لأنه كان مسؤولنا الحزبي في فترة سابقة.
أحمد منصور:
طه ياسين رمضان قُبض عليه في 18 أغسطس 2003، وحُكم عليه بالإعدام في نوفمبر 2006، ونُفذ الحكم في مارس 2007.
فاضل العزاوي:
للتوضيح فقط، كان مسؤولنا عندما كنا في المكتب السوري.
أحمد منصور:
لكن في ذلك الوقت لم تكن هناك وحدة بين سوريا والعراق.
فاضل العزاوي:
صحيح، لكنه كان ضمن القيادة القومية، وكان يُسمى المكتب السوري.
بداية التحقيق مع العزاوي
أحمد منصور:
متى بدأ التحقيق معك؟
فاضل العزاوي:
التحقيق تأخر كثيرًا.
أحمد منصور:
أُلقي القبض عليك في 2 مايو 2003، متى بدأ التحقيق فعليًا؟
فاضل العزاوي:
لم يبدأ قبل عام 2004.
شهور بلا تحقيق ولا معلومات
أحمد منصور:
يعني بقيت كل تلك الأشهر دون أن يخبرك أحد بمكانك أو وضعك؟
فاضل العزاوي:
نعم، فالأمريكيون لم يكونوا مستعدين للاحتلال، ولم يكونوا مهيئين له.
أحمد منصور:
وبالتالي كانت الأمور تسير بشكل غير منظم.
فاضل العزاوي:
تمامًا، لم يكن هناك تنظيم.
فاضل العزاوي:
في إحدى المحاولات لإطلاق سراح الرئيس صدام حسين، رحمه الله، لا نعرف من نفّذها، حدث مرتين قصف شديد على منطقة التلة التي كان فيها.
فجاءنا الحرس الأمريكي مباشرة، وأمرونا بالاستلقاء على الأرض، لأن المنطقة كانت مفتوحة ونحن في خيام، وكان من الممكن أن تصيب أي شخص رصاصة طائشة وتقتله.
أحمد منصور:
خلال وجودكم في الخيام، هل كنتم تعرفون من يتم اعتقاله ومن يُجلب إلى المعسكر؟
فاضل العزاوي:
لا، إلا إذا رأيناه قريبًا منا.
أحمد منصور:
هل كانت الخيام مفتوحة على بعضها؟
فاضل العزاوي:
لا، لم تكن مفتوحة على بعضها.
العزلة التامة وخبر اعتقال صدام حسين
اعتقال صدام حسين
أحمد منصور:
أُلقي القبض على صدام حسين في 13 ديسمبر/كانون الأول 2003، متى علمتم بخبر اعتقاله؟
فاضل العزاوي:
لم نعلم بذلك إلا لاحقًا، إذ كان التواصل بيننا ضعيفًا جدًا.
أحمد منصور:
هل كنتم تسمعون الأخبار أو تعرفون ما يجري؟ هل كان لديكم راديو أو أي وسيلة أخرى؟
فاضل العزاوي:
لا، أبدًا.
أحمد منصور:
ولا أحد من الحراس كان يبلغكم بأي معلومات؟ كنتم في عزلة تامة عن العالم؟
فاضل العزاوي:
نعم، عزلة تامة عن الدنيا بكل ما تعنيه الكلمة.
تفاصيل الحياة اليومية داخل المعتقل
أحمد منصور:
كيف كنتم تقضون يومكم؟
فاضل العزاوي:
كان الأمر يختلف من شخص إلى آخر؛
فمنهم من كان يصلّي، ومنهم من كان يراجع ما يحفظه من القرآن،
ومنهم من يتسامر مع غيره،
ومنهم من كان يتذمر ويلقي اللوم على القيادة،
ومنهم من كان يتجه بالدعاء والابتهال إلى الله.
كانت حالات إنسانية ونفسية متعددة، على مدار الساعة.
أحمد منصور:
متى بدأ الأمريكيون التحقيق معك؟ قلت لي إنه كان في بداية عام 2004. هل تتذكر اسم الضابط الذي كان يحقق معك؟
فاضل العزاوي:
لا، لا أذكر.
أحمد منصور:
كيف كان شكل التحقيق؟
فاضل العزاوي:
كان لدي ثلاثة عشر ملفًا.
أحمد منصور:
ثلاثة عشر ملفًا؟! ما أهم هذه الملفات؟
فاضل العزاوي:
ولا ملف منها كان يخصني شخصيًا.
كان هناك ملف باسم صدام حسين،
وملف برزان التكريتي،
وملف المخابرات،
وملف الكويت،
وملف الأسلحة الكيمياوية،
وملف المشروع النووي.
كانت ملفات عامة.
أحمد منصور:
هل تعتقد أن هذه الملفات كانت محور التحقيق مع الجميع، وليس معك وحدك؟
فاضل العزاوي:
نعم، هذا ممكن، لأنها ملفات عامة.
أحمد منصور:
ما أهم الأسئلة التي كان الأمريكيون يسعون للحصول على إجابات لها؟
فاضل العزاوي:
أهمها كان موضوع المشروع النووي.
أحمد منصور:
النووي أم الكيمياوي؟
فاضل العزاوي:
النووي والكيمياوي معًا، لكن التركيز الأكبر كان على هذين الملفين:
أين توجد هذه الأسلحة؟ وكيف يتم إخفاؤها؟
فاضل العزاوي:
كان بعض الناس يقولون للأمريكيين:
“المشروع النووي موجود في مزرعتي، والمزرعة كبيرة جدًا”.
أحمد منصور:
كم مساحتها تقريبًا؟
فاضل العزاوي:
تصل إلى نحو ألف دونم.
أحمد منصور:
وبالتالي كانوا يقولون إن المشروع النووي تحت المزرعة؟
فاضل العزاوي:
نعم، تحت المزرعة.
وكان ذلك – في تقديري – من وشايات بعض الجيران الذين كانت لدينا خلافات معهم.
كانوا يقولون للأمريكيين إن الأسلحة الكيمياوية الخاصة بصدام حسين، ووطبان إبراهيم، وفاضل صفيّلج موجودة في هذه المزرعة.
فكان الأمريكيون يحفرون هنا وهناك، ينبشون الأرض، وهم في حالة رعب،
بينما نحن كنا أبرياء تمامًا من هذه التهم.
أحمد منصور:
هل أخذوك إلى المزرعة في أي مرحلة من مراحل التحقيق؟
فاضل العزاوي:
ولا مرة.
أحمد منصور:
هل بقيت المزرعة بعد اعتقالك أم صودرت فورًا؟
فاضل العزاوي:
صودرت وأُخذت مباشرة.
أساليب التحقيق والتعذيب حتى الموت
أحمد منصور:
ما الطريقة التي كان الأمريكيون يحققون بها معك؟
فاضل العزاوي:
بحكم إجادتي للغة، لم أكن أعاني كثيرًا في التحقيق.
لكن وقعت حالات خطيرة أثناء التحقيق مع آخرين،
حالات قُتل فيها أشخاص.
كانوا يضربونهم أثناء التحقيق، أحيانًا على الرأس، حتى الموت.
أحمد منصور:
هل كان ذلك على يد الأمريكيين؟
فاضل العزاوي:
نعم، حصل ذلك، وحدث لأحد مرافقي حماية الرئيس، رحمه الله.
أحمد منصور:
يعني عُذّب وضُرب حتى مات؟
فاضل العزاوي:
نعم، ضُرب وأُطلق عليه الرصاص وقُتل.
أحمد منصور:
ومن الذي أطلق عليه النار؟
فاضل العزاوي:
أمريكي، على حد علمي. لم أكن حاضرًا، لكن من غيرهم كان يفعل ذلك؟
أحمد منصور:
كيف علمتم بهذه الحادثة؟
فاضل العزاوي:
علمنا لاحقًا، عندما سلموه إلى أهله.
كان شابًا في الأربعين من عمره، وقد سُلّم لهم مقتولًا وعليه آثار الضرب.
أحمد منصور:
كم كانت مدة جلسة التحقيق معك؟
فاضل العزاوي:
كانت متفاوتة؛
أحيانًا قصيرة، وأحيانًا طويلة.
أحمد منصور:
ما أقصر وأطول جلسة؟
فاضل العزاوي:
أقصرها نحو نصف ساعة،
وأحيانًا تمتد من ساعة إلى ساعة ونصف،
وأحيانًا تصل إلى ساعتين.
أحمد منصور:
هل كان التحقيق يتم معك وحدك أم بمشاركة آخرين؟
فاضل العزاوي:
كان يتم معي وحدي فقط، حصرًا.
من الخيام إلى الزنازين
أحمد منصور:
عندما بدأ التحقيق معك، هل كنت لا تزال في الخيمة أم في زنزانة انفرادية؟
فاضل العزاوي:
لا أذكر أن التحقيق جرى وأنا في الخيمة إطلاقًا،
كل التحقيق كان بعد انتقالنا إلى الزنازين.
أحمد منصور:
صف لي شكل الزنزانة.
فاضل العزاوي:
كان عرض الزنزانة أقل من مترين،
وطولها أقل من ثلاثة أمتار.
أحمد منصور:
وماذا كان بداخلها؟
فاضل العزاوي:
في البداية لم يكن فيها أي شيء.
كنا ننام على الأرض.
ثم لاحقًا وُضع سرير عسكري.
تطور ظروف الاحتجاز
فاضل العزاوي:
في البداية، حتى في الخيام، لم يكن هناك أسِرّة.
ثم جاؤوا لاحقًا بأسِرّة عسكرية مصنوعة من الألمنيوم.
وبعد فترة طويلة – سنتين أو أكثر – بدأت تظهر وسائل التدفئة والتبريد داخل الزنازين.
أحمد منصور:
في البداية لم يكن هناك شيء من هذا؟
فاضل العزاوي:
أبدًا.
كانت المرحلة الأولى كارثية بكل المقاييس.
قضاء الحاجة: مرحلة الإذلال الأولى
فاضل العزاوي:
حتى قضاء الحاجة كان مأساة.
لم يكن هناك مرحاض.
كان يرافقك حارسان إلى منطقة مفتوحة،
ويقف حارسان وأنت مقيد،
وتقضي حاجتك على الأرض بهذه الطريقة.
ثم “تطور” الأمر، فجاؤوا بمجرفة وقالوا لك:
احفر حفرة صغيرة، اقضِ حاجتك فيها، ثم ادفنها.
وفي مرحلة لاحقة، جاؤوا بجرافة (بوكلين)،
وحفروا حفرة كبيرة،
ووضعوا أربع أخشاب وصنعوا ما يشبه المقعد.
لكن الوضع كان كارثيًا من حيث القذارة والذباب،
واستمر ذلك قرابة ستة أشهر.
فاضل العزاوي:
بعد ذلك نُقلنا إلى الحمامات التي كان الجيش يستخدمها سابقًا،
وتحديدًا حمامات الفوج الثاني من لواء الحرس.
أُجريت بعض الإصلاحات،
وبدأ الأمريكيون يهتمون تدريجيًا بتحسين الظروف.
في البداية كانوا حاقدين علينا،
لكن مع الوقت تغيّر التعامل،
وأصبحوا أكثر لطفًا،
وتوفرت أمور كثيرة لم تكن موجودة سابقًا.
أصعب سنوات الاعتقال
أحمد منصور:
استمر اعتقالك تسع سنوات. كيف تطورت الأمور خلال هذه المدة؟
فاضل العزاوي:
أصعب فترة كانت السنتين الأوليين.
أحمد منصور:
أي من 2003 إلى 2005؟
فاضل العزاوي:
نعم، وبعد ذلك بدأ التحسن،
وبدأ إدخال التدفئة والتبريد،
وتحسنت نوعية الطعام.
أحمد منصور:
كيف كان وضع الطعام في البداية؟
فاضل العزاوي:
كانوا يعطوننا طعام الطوارئ الأمريكي السيئ جدًا.
كان الطعام حارًا جدًا (مليئًا بالتوابل)،
وكثير من المعتقلين كانوا كبار السن أو يعانون من أمراض،
ولا يستطيعون تناوله.
كان لديهم نوعان من الطعام:
طعام أمريكي للطوارئ،
وطعام آخر محسّن.
وبعد مطالبات طويلة، نجحنا في الحصول على الطعام الأفضل.
منع الزيارات
أحمد منصور:
هل كان أحد من أقاربك يعرف مكانك؟ هل كانوا يزورونك؟
فاضل العزاوي:
لا، لم تكن هناك زيارات في البداية.
استمر هذا الوضع نحو ثلاث سنوات.
وفي السنة الرابعة، عندما استقرت الأمور وخفّ الحقد الأمريكي علينا،
بدأ الوضع يتغير.
أحمد منصور:
هل تريد أن تقول إن الجنود جاؤوا وهم مشحونون ضدكم، لكن تعاملهم تغيّر لاحقًا؟
فاضل العزاوي:
نعم، في البداية كانوا مشحونين وحاقدين،
لكنهم عندما تعاملوا معنا،
وجدونا أناسًا عاديين، مسالمين،
لم تحدث أي محاولة هروب،
ولا أي مشكلة مع أحد.
أحمد منصور:
هل تعرّضت لتعذيب أو ضغوط نفسية من قبل الأمريكيين؟
فاضل العزاوي:
نعم، تعرّضت لتعذيب، لكنه كان بسيطًا.
أحمد منصور:
ما شكله؟
فاضل العزاوي:
كان تعذيبًا اعتياديًا؛ ضرب، صفع، وإيذاء جسدي مباشر.
نعم، حصل ذلك.
أحمد منصور:
هل رأيتم جنودًا عراقيين خلال تلك الفترة، أم كان الوجود أمريكيًا بالكامل في البداية؟
فاضل العزاوي:
لم يكن للعراقيين أي وجود. لم يكن هناك جنود عراقيون.
أحمد منصور:
حتى في الحمايات لم يكن هناك عراقيون؟
فاضل العزاوي:
حتى عندما سُلّمنا لاحقًا للعراقيين، في البداية لم يكن هناك وجود فعلي لهم.
أحمد منصور:
يعني بقيتم مع الأمريكيين ثماني سنوات؟
فاضل العزاوي:
لا، بقينا مع الأمريكيين نحو خمس سنوات، ثم سلّمونا إلى العراقيين، وأكملنا بقية المدة معهم.
صدام حسين داخل المعتقل
أحمد منصور:
أنت وصفت لي شكل السجن ومواقع الزنازين، وحتى موقع زنزانة صدام حسين.
خلال تلك الفترة، وحتى إعدامه، هل التقيت به على الإطلاق؟
فاضل العزاوي:
كنا نراه فقط عندما يُنقل للعلاج أو للتحقيق.
أحمد منصور:
هل كان أحد يجلس معه، أم أن الأمريكيين عزلوه عنكم جميعًا؟
فاضل العزاوي:
كان معزولًا تمامًا.
حتى إنهم أقاموا حول منطقته سياجًا خشبيًا بارتفاع يقارب مترًا.
أحمد منصور:
لكن طاهر العاني يقول إنهم كانوا يتحدثون مع صدام، وصدام كان يتحدث معهم.
فاضل العزاوي:
لا أعلم.
طاهر العاني لديه قدرات خاصة، أما أنا فلم أتحدث معه، ولم أسمع بذلك.
من وشى بصدام
أحمد منصور:
متى عرفت أن صدام حسين قد أُلقي القبض عليه؟
فاضل العزاوي:
لم أعرف في حينها.
عرفنا بذلك متأخرين جدًا.
أحمد منصور:
محامي صدام حسين، خليل الدليمي، كتب كتابًا كبيرًا عنه.
فاضل العزاوي:
نعم، لدي نسخة منه.
أحمد منصور:
يذكر في صفحة 161 رواية صدام عن عملية اعتقاله، وخلاصتها أن قيس النامق، الذي كان صدام يقيم في بيته، هو من وشى به للأمريكيين.
بينما يقول جون نيكسون، ضابط الـCIA الذي حقق مع صدام، إن رئيس حراسه الشخصيين محمد المسلط هو من وشى به مقابل خمسة وعشرين مليون دولار.
أي الروايتين أصح؟
فاضل العزاوي:
قبل إعدام الرئيس صدام حسين، رحمه الله، بعث إلى إخوته ليقابلوه:
سبعاوي ووطبان.
أحمد منصور:
وكان الاثنان معك في السجن.
فاضل العزاوي:
نعم، كانوا جميعًا معنا.
أحمد منصور:
وكنت تتواصل معهم؟
فاضل العزاوي:
نعم، وطبان كان في الغرفة المجاورة لغرفتي.
رواية صدام لأشقائه
فاضل العزاوي:
قال لهم صدام حسين:
“دمي يتحمله قيس النامق وحكمت عمر”،
وحكمت عمر هو خال قيس النامق.
هذه هي الرواية التي نقلها صدام لأشقائه.
أما الرواية الأخرى، المتعلقة بمحمد إبراهيم (أبو مسلط)،
فهو من أقارب الرئيس، ومن عائلة معروفة بالشجاعة والبأس،
وقد نفى صدام أن يكون أيٌّ من أقاربه قد وشى به.
أحمد منصور:
ما أراه أن الوشاية كانت بسبب اعتماد صدام حسين على الواشين،
وهم الذين ضيّعوه، وضيّعوا أبناءه، وضيّعوا بلده، وضيّعوا كل شيء.
فاضل العزاوي:
هذا محتمل.
الأمريكيون مطّلعون، وإذا قالوا إن فلانًا هو الذي وشى، فربما لديهم معلومات.
أحمد منصور:
جون نيكسون يقول في كتابه إن الأمريكيين لم يتوقعوا إطلاقًا القبض على صدام حسين حيًّا.
كانوا يعتقدون أنه إما سيبقى مختفيًا أو سيقاتل حتى النهاية، كما فعل ولداه.
فاضل العزاوي:
الله يرحمهم.
إذا كانت الصورة التي عُرضت لصدام وهو خارج من الحفرة صحيحة وغير مفبركة،
فقد بدا وكأنه مخدَّر، وليس في وضع طبيعي.
وإذا كان مخدَّرًا، فمن الممكن أن تكون الصورة قد فُبركت للإساءة إلى شخصيته.
لقاءات العزاوي داخل سجن كوبر
أحمد منصور:
سأنتقل إلى بعض الشخصيات التي كانت معك في المعتقل.
إذا دار بينك وبين أي منهم حديث مهم يهم الناس أو تاريخ حكم صدام حسين، أرجو أن تخبرنا.
أنت لم تلتقِ بعبد حمود في البداية؟
فاضل العزاوي:
عبد حمود، رحمه الله، عندما سُلّمنا إلى الأمريكيين،
لم تكن لي علاقة به، ولم أكن أحبه.
لكن بعد ما رأيته في السجن،
أستطيع القول إنه أبرز شخص من أقارب صدام ممن التقيت بهم:
نشاطًا، وذكاءً، وشجاعة، وحضورًا فكريًا.
لقاءات مع عبد حمود
أحمد منصور:
هل دار بينك وبينه أي نقاش؟
فاضل العزاوي:
نعم، دارت نقاشات كثيرة،
خصوصًا عندما عشنا لاحقًا في غرفة واحدة عند العراقيين.
أحمد منصور:
أنت وعبد حمود؟
فاضل العزاوي:
أنا وعبد حمود، ومعنا محمود فايز الهزّاع، رحمه الله،
عشنا في غرفة واحدة إلى أن أُفرج عني.
ثم أُخذ عبد حمود من الغرفة نفسها وأُعدم.
أحمد منصور:
أنت خرجت براءة، وعبد حمود أُعدم.
فاضل العزاوي:
نعم،
أما محمود الهزّاع فقد توفي في الغرفة نفسها،
وكان مريضًا ويعاني من مشكلة في القلب.
أحمد منصور:
ما أهم ما دار بينك وبين عبد حمود؟
فاضل العزاوي:
حديث كثير… حديث طويل.
أحمد منصور:
الخلاصة؟
هذا كان أهم رجل حول صدام حسين.
فاضل العزاوي:
كنا نسأله:
كيف حصل هذا؟
لماذا وصلنا إلى هنا؟
لماذا قبلتم المواجهة؟
لماذا الاحتلال؟
لماذا سقط الحكم؟
كنا نلوم بعضنا بعضًا.
أحمد منصور:
ما رأي عبد حمود في أسلوب إدارة صدام حسين للدولة؟
فاضل العزاوي:
لم أره يومًا يسيء إلى الرئيس.
كان دائمًا، عندما نطرح عليه أسئلة محرجة،
يمتنع عن الإجابة،
يسكت ولا يرد.
أحمد منصور:
مثل أي أسئلة؟
فاضل العزاوي:
مثل:
لماذا فعلتم ذلك؟
لماذا أوصلتم البلد إلى هذا المصير؟
لماذا الاحتلال؟
لماذا هذا الدمار؟
أحمد منصور:
أسرار الدولة كلها كانت عند عبد حمود؟
فاضل العزاوي:
جزء كبير منها، وليس كلها.
كانت تمر عبره بحكم كونه حلقة الوصل
بين الرئيس وبين الأجهزة الأمنية الثلاثة:
المخابرات، والاستخبارات العسكرية، والأمن العام.
أحمد منصور:
هل قال لكم متى كانت آخر مرة شاهد فيها صدام حسين؟
فاضل العزاوي:
بالتأكيد، إلى أن اختفوا جميعًا.
أحمد منصور:
ذهب مع الأولاد؟
فاضل العزاوي:
نعم،
وصدام كان يتصرف بذكاء؛
أبعد كل الأشخاص المعروفين عنه
حتى لا يكونوا سببًا في كشف مكانه.
البيت الذي اختفى فيه صدام حسين
أحمد منصور:
البيت الذي اختفى فيه صدام حسين،
هل هو نفسه البيت الذي اختفى فيه عام 1958
بعد اتهامه بمحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم؟
فاضل العزاوي:
ربما،
لكنني لا أعتقد ذلك.
لقد رأيت البيت، وكان مبنيًا بطريقة حديثة،
وفيه نظام أقواس معمارية.
أحمد منصور:
هل زرته بعد خروجك من السجن؟
فاضل العزاوي:
نعم، بعد خروجي.
أحمد منصور:
وحققت في الأمر؟
فاضل العزاوي:
نعم، أردت التأكد بنفسي.
أحمد منصور:
لماذا لا تفصح عن كثير من التفاصيل؟
فاضل العزاوي:
والله، يا أستاذ، أنا مقهور.
صدام معروف بالشجاعة والإقدام،
فكيف يختبئ في حفرة لا يتجاوز حجمها نصف متر في نصف متر؟
هذا غير معقول.
أنا رأيت المكان بنفسي:
كان هناك مدخل بنظام سحب (كالتراكتور)،
تنزل تحته تدريجيًا،
ثم انعطاف إلى اليسار،
وبروز ذكي في البناء،
ثم انخفاض،
وفيه باب يؤدي إلى غرفة
تقريبًا بحجم زنزاناتنا
(أقل من مترين عرضًا وأقل من ثلاثة أمتار طولًا).
لقاء علي حسن المجيد
أحمد منصور:
هل التقيت بعلي حسن المجيد؟
فاضل العزاوي:
نعم، في السجن.
أحمد منصور:
ماذا دار بينكما؟
فاضل العزاوي:
كانت علاقتنا ودّية في البداية.
وفي الفترة الأخيرة من السجن،
كنا نلعب الشطرنج.
كنت ألعب مع كثيرين،
وكان علي حسن المجيد يعرف مبادئ عامة في الشطرنج،
معرفة بسيطة.
أحمد منصور:
الذين صدرت بحقهم أحكام بالإعدام وكان التنفيذ مؤجلًا، هل كانوا يشعرون أن موتهم حتمي لا محالة؟
فاضل العزاوي:
بصراحة، قسم منهم لم يكن يتوقع أن يُنفَّذ حكم الإعدام فعليًا.
أحمد منصور:
عبد حمود، بحكم أنك كنت معه؟
فاضل العزاوي:
عبد حمود، رحمه الله، لم يخطر بباله أبدًا حكم الإعدام.
وأنا أعتز كثيرًا بمعرفتي به خلال تلك الفترة.
أحمد منصور:
كم سنة بقيت معه في زنزانة واحدة؟
فاضل العزاوي:
لا تقل عن سنتين إلى ثلاث سنوات.
ومنذ أن سُلِّمنا إلى العراقيين، أي قرابة أربع سنوات،
بقينا المجموعة نفسها في الغرفة نفسها.
عزيز النومان: حكم لم يُنفذ
أحمد منصور:
عزيز النومان كان معك، وكان حاضرًا في المحاكم.
اعتُقل في 22 مايو 2003، وحُكم عليه بالإعدام في مارس 2009،
ولا يزال في السجن بالناصرية حتى الآن، ولم يُنفذ فيه الحكم؟
فاضل العزاوي:
نعم، لم يُنفذ الحكم.
التهم الموجهة إلى العزاوي
أحمد منصور:
ما التهم الأساسية التي وُجِّهت إليك؟
فاضل العزاوي:
لم تُوجَّه إليّ أي تهمة شخصية.
أحمد منصور:
لكن وُجّهت لك اتهامات في ثلاث قضايا.
فاضل العزاوي:
نعم، لكنها تهم مفبركة:
تجفيف الأهوار،
وطرد الكرد الفيليين من العراق،
وتصفية الأحزاب.
أحمد منصور:
ولم تُتهم في قضية الدجيل؟
فاضل العزاوي:
لا.
شاهد ضد صدام… وشهادة لصالحه
أحمد منصور:
لكنهم استدعوك شاهدًا ضد صدام حسين. كيف تم ذلك؟
فاضل العزاوي:
استدعوني بصفتي شاهد إثبات ضد صدام،
لكنني في المحكمة شهدت لصالح صدام.
أحمد منصور:
كيف استُدعيت للشهادة في قضية الدجيل التي أُعدم صدام بسببها؟
فاضل العزاوي:
قبل أن يفتحوا الباب، أمسكوا يدي ووضعوا القيود،
وقالوا لي: يجب أن تذهب للشهادة ضد صدام حسين.
قلت لهم: أنا لا أصلح للشهادة.
أحمد منصور:
هم الذين أصرّوا، ولم تتطوع أنت؟
فاضل العزاوي:
بالطبع لا. ومن الذي يتطوع لمثل هذا؟
أحمد منصور:
أجبروك إذن.
فاضل العزاوي:
قلت لهم:
أنا لا أصلح للشهادة،
هذا الرجل ابن خالتي، ورئيسي، والمسؤول الحزبي الأعلى.
قالوا: ليس لك خيار.
ربطوا يديّ وقدميّ، وعصبوا عينيّ،
وشعرت أنهم رفعوني اثنين ووضعوني في طائرة،
كانت مرتفعة عن الأرض، مروحية تقريبًا.
أحمد منصور:
ارتفاعها نحو متر وستين سنتيمترًا؟
فاضل العزاوي:
نعم، مرتفعة جدًا،
ولا يمكن لشخص أن يصعد إليها بنفسه.
وعندما وصلنا إلى المحكمة،
وجدنا أننا مجموعة من المعتقلين أُخرجنا معًا.
أحمد منصور:
هل رأيت صدام حسين في المحكمة؟
هل كانت هذه المرة الوحيدة التي رأيته فيها عن قرب؟
فاضل العزاوي:
نعم، رأيته في المحكمة.
أحمد منصور:
هل تحدثت معه؟
فاضل العزاوي:
لا، لم أتحدث معه.
أحمد منصور:
لأنك كنت شاهدًا؟
فاضل العزاوي:
نعم، كنا نجلس على جانب، وهم على جانب آخر،
ولم نكن قريبين.
أحمد منصور:
كيف كان شكل المحكمة؟
فاضل العزاوي:
كانت المحكمة تضم قفصًا.
أحمد منصور:
هل كان صدام وحده؟
فاضل العزاوي:
لا، كان معه آخرون من قضية الدجيل،
ستة أو سبعة أشخاص.
وكانوا يسألوننا إن كنا نريد فتح الستارة.
أحمد منصور:
حتى يراك صدام وترونه؟
فاضل العزاوي:
نعم، وقلت لهم: افتحوا الستارة.
فمن الطبيعي أن يتوقع أي متهم أن الشاهد سيشهد ضده،
لكنني لم أشهد إلا لصالحه.
مضمون الشهادة
أحمد منصور:
ماذا قلت في شهادتك؟
فاضل العزاوي:
كانوا يطرحون أسئلة سخيفة، مثل:
أين تسكن؟
أقول: في بيجي وتكريت.
هل رأيت قضاء الفارس؟
أقول: نعم، عشرات ومئات المرات.
أحمد منصور:
رغم أن المحكمة كانت عراقية شكليًا،
هل كانت تُدار فعليًا من خلف الكواليس من قبل الأمريكيين؟
فاضل العزاوي:
نعم، بالتأكيد.
كان الأمريكيون يجلسون خلفنا، ستة أشخاص.
ومن خلال لهجتهم كنت أميز الأمريكي من البريطاني،
وكان يُقال إن إسرائيليين موجودون في المكاتب.
أحمد منصور:
هل تأكدت من وجود إسرائيليين؟
فاضل العزاوي:
لا أستطيع الجزم،
لكنني أستطيع التمييز بين الأمريكي والبريطاني.
أحمد منصور:
من الذي حقق معك؟ أمريكيون أم بريطانيون؟
فاضل العزاوي:
حقق معي أمريكيون،
وحقق معي بريطانيون أيضًا.
أحمد منصور:
والإسرائيليون؟
فاضل العزاوي:
لا أستطيع الجزم،
فكثير منهم قد يكونون مقيمين في أمريكا أو بريطانيا.
نهاية طارق عزيز في السجن
أحمد منصور:
هل رأيت طارق عزيز في السجن؟
فاضل العزاوي:
نعم، رأيته،
وكنت أعاونه وأقف معه،
خصوصًا في الفترة الأخيرة حين اشتد عليه المرض
وأصبح عاجزًا،
فكنت أعتني به.
أحمد منصور:
توفي في السجن عام 2015.
هل دارت بينكما نقاشات؟
فاضل العزاوي:
لا، يا أستاذ،
الأمر كان منتهيًا.
ماذا نناقش؟
القضية كانت واضحة.
أحمد منصور:
لكن كان لديكم شبه إجماع على أخطاء القيادة.
فاضل العزاوي:
كان لدينا ألم شديد،
وعتب كبير على القيادة.
أحيانًا نحمّلها المسؤولية،
وأحيانًا نقول إن انسحابها وضعفها لم يكن شجاعة.
كانت هناك آراء كثيرة.
برزان التكريتي داخل السجن
أحمد منصور:
برزان التكريتي، الذي تسلمت منه جهاز المخابرات،
كان معك في السجن؟
فاضل العزاوي:
نعم، كان معي.
أحمد منصور:
هل تحدثت معه؟
فاضل العزاوي:
هو ابن خالتي،
وكانت بيننا لقاءات كثيرة،
نجلس ونتحدث.
أحمد منصور:
نُفذ فيه حكم الإعدام عام 2007،
وكان معك في السجن عندما أُخذ للتنفيذ.
ماذا كان يحدث حين يُؤخذ أحدكم؟
فاضل العزاوي:
لم يكونوا يقولون إنهم يأخذونه للإعدام،
بل يقولون: تحقيق أو إجراء ما.
أحمد منصور:
ولا يعود؟
فاضل العزاوي:
لا يعود.
أحمد منصور:
ولا تعرفون إلى أين ذهب؟
فاضل العزاوي:
بعد يومين أو ثلاثة نعلم
إما أنه نُقل إلى مكان آخر
أو أُعدم.
إعدام سبعاوي ووطبان
أحمد منصور:
وطبان توفي في السجن عام 2013،
وسبعاوي كان معك أيضًا.
هل دار بينك وبين سبعاوي شيء تتذكره؟
فاضل العزاوي:
كان هناك سوء فهم في وقت ما،
لكن ذلك أصبح من الماضي.
أحمد منصور:
محمد حمزة الزبيدي.
فاضل العزاوي:
الله يرحمه.
أحمد منصور:
توفي في السجن عام 2005.
فاضل العزاوي:
المعلومات الموثقة تؤكد أنه مرض مرضًا شديدًا،
ونُقل إلى المستشفى،
وحين عرفوا أنه محمد حمزة الزبيدي،
انهالوا عليه ضربًا حتى مات.
أحمد منصور:
هناك حالتان لشخصيات قيل إن لها علاقة وثيقة بملف الأسلحة الكيمياوية،
ومع ذلك أُفرج عنهما:
همام عبد الخالق، وزير التعليم العالي، أُفرج عنه عام 2005،
وهدى صالح عماش، التي كانوا يسمونها “هدى الكيمياوي”.
فاضل العزاوي:
لا، اسمها هدى العزاوي.
أحمد منصور:
اعتُقلت في 5 مايو 2003 وأُفرج عنها.
فاضل العزاوي:
نعم، أُفرج عنها مبكرًا،
وهي من أوائل من خرجوا قبلنا.
أحمد منصور:
كيف تفسر ذلك؟
فاضل العزاوي:
لا أعرف.
الخروج من السجن
أحمد منصور:
محمد مهدي صالح، وزير التجارة، أُفرج عنه أيضًا.
فاضل العزاوي:
نعم، خرجت معه في الوقت نفسه.
أحمد منصور:
ومن الشخصيات المهمة أيضًا حكمت العزاوي، قريبك؟
نهاية حكمت العزاوي ومعاناة المرض في السجن
العزاوي:
حكمت توفي في السجن، رحمه الله.
أحمد منصور:
أُلقي القبض عليه في أبريل…
العزاوي:
نعم، توفي في السجن. كان مريضًا وفي وضع مأساوي، وكان يعاني من مرض السرطان، لكنه لم يتلقَّ أي علاج. ظل على هذه الحال حتى النهاية، وكان صابرًا محتسبًا. في أيامه الأخيرة كان شبه فاقد للوعي، وكنا نهتم به ونرعاه. وأكثر من اعتنى به بيننا كان المرحوم سيف المشهداني، رحمه الله، لأنه كان معه في الغرفة نفسها.
جاء ذلك مصادفة، إذ كان حكمت مريضًا ولا يعرف أين يذهب. وعندما نُقلنا إلى القسم الذي تديره السلطات العراقية، أخذته إلى المجموعة التي كان فيها سيف. وكان سيف رجلًا شهماً، عالي الأخلاق، فرعاه بكل حب وإخلاص.
خيانة سلطان هاشم
أحمد منصور:
سلطان هاشم، وزير الدفاع، رغم أن الأمريكيين – وفق تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) نُشر في 25 سبتمبر 2003 – قالوا إن القوات الأمريكية منحته حصانة من الملاحقة القانونية.
العزاوي:
نعم، قالوا إنهم أعطوه ضمانة بالإفراج عنه، لكنهم خانوا العهد.
أحمد منصور:
وما زال في السجن حتى اليوم.
العزاوي:
نعم، ولا يزال في السجن، وهو مريض جدًا. وسلطان هاشم من أفضل القادة العسكريين أخلاقًا وأدبًا وانضباطًا وسلوكًا.
أحمد منصور:
لا بد أنكم تبادلتم النقاش داخل السجن. هل صحيح أنه أخبرك بأنه لم يعلم بدخول القوات العراقية إلى الكويت إلا عبر الراديو؟
العزاوي:
نعم، أخبرني بأمرين مهمين: الأول، أنه لم يشارك في اتخاذ قرار غزو الكويت.
أحمد منصور:
رغم أنه كان وزير الدفاع آنذاك؟
العزاوي:
نعم، كان وزير الدفاع. والأمر الثاني أنه أعد تقريرًا من ثمانيٍ وعشرين نقطة لحماية بغداد، وتشكيل مجموعات للمقاومة والدفاع والكفاح المسلح، لكن القيادة لم تأخذ بتلك المقترحات.
وكان يردد دائمًا، رحمه الله، أنه لو خرج من السجن فإنه سيُقتل ولن يُسلِّم نفسه للأمريكيين، لأن ذلك – في نظره – يُسيء إلى سمعته وتاريخه العسكري المشرف.
أحمد منصور:
ما أبرز ما بقي في ذاكرتك من السنوات التسع التي قضيتها في السجن بعد سقوط نظام صدام حسين؟
العزاوي:
تسع سنوات ليست زمنًا قصيرًا. تسع سنوات بعيدًا عن العائلة، والعائلة كانت مشرَّدة. أهلي تعرضوا لمداهمات، فهربوا إلى سوريا. ثم حين عرف السوريون أنهم أقارب فلان وفلان، اضطروا للهروب إلى اليمن.
في اليمن، كان بعض الشباب يمتلكون قدرًا من الإمكانيات، فأسسوا شركة لتأجير السيارات. لكن حين استُهدفت إحدى السيارات المميزة، وكان صاحبها شابًا في العشرين من عمره، أصبحت حياته في خطر، فهرب إلى ماليزيا. واضطرت العائلة إلى اللحاق به، مما أدى إلى استنزاف كامل لقدراتهم وإمكاناتهم ومدخراتهم.
هشاشة النظام في لحظة السقوط
أحمد منصور:
من خلال الصورة التي تكوّنت لدي عن نظام صدام حسين في لحظة الانهيار، بدا لي النظام هشًا، رغم الصورة المرعبة التي رُسمت عنه.
العزاوي:
نعم، كثير من قادة الأجهزة الأمنية والجيش كانوا واعين تمامًا بالفارق الهائل بين ما تبقى لدى العراق بعد حرب إيران، وما تمتلكه الدول المهاجمة.
كان “أبو القوة الجوية” يعرف واقع القوة الجوية، و“أبو الدروع” يعرف حال الدروع، و“أبو المدفعية” يعرف حقيقة المدفعية. كانوا يشبّهون الفارق بين الطرفين بالفارق بين شخص يحمل عصا وآخر يحمل ترسانة أسلحة.
تقييم مرحلة حكم صدام حسين
أحمد منصور:
كيف تقيّم فترة حكم صدام حسين؟
العزاوي:
كانت هناك إنجازات في البناء والإعمار، ومواقف وطنية وإنسانية، إضافة إلى إخفاقات. من أبرز الإخفاقات تآكل الجبهة الوطنية. صدام كان حريصًا على إعادة بنائها، لكن بعض أعضاء القيادة رفضوا ذلك بحجة عدم ملاءمة الوقت.
كما أن سقوط العراق لم يكن سببه غزو الكويت وحده، بل كان مرتبطًا أيضًا بموقف القيادة العراقية من القضية الفلسطينية، وما أثاره ذلك من عداء وحقد دولي. وعندما وجدوا ذريعة غزو الكويت، انهالوا على العراق.
كذلك فإن فترة الحصار الاقتصادي كانت قاسية جدًا على الشعب العراقي، وكان بالإمكان التخفيف من معاناتهم بوسائل عديدة، وهو ما لا يزال العراقيون يلومون النظام عليه.
أحمد منصور:
ما تقييمك لأربعين عامًا قضيتها في حزب البعث؟
العزاوي:
الحزب من حيث الفكرة كان مناسبًا لبلد متنوع مثل العراق، بتعدد قومياته وطوائفه. أما فشل التجربة فله أسباب عديدة. وبرأيي، لا يزال فكر الحزب قادرًا – نظريًا – على معالجة مشكلات العراق والأمة العربية.
أحمد منصور:
ما أكثر ما ندمت عليه؟
العزاوي:
لم أندم على شيء.
أحمد منصور:
وما الذي كنت تتمنى تحقيقه؟
العزاوي:
على المستوى الشخصي، كنت أحب الزراعة والطبيعة وتربية الحيوانات.
وعلى مستوى الأمة، كنت أتمنى أن نحافظ على العراق كبلد غني متطور، مثل سويسرا أو النمسا. لكن الحروب، وخاصة غزو الكويت، جلبت كوارث لم نكن مجبرين عليها، وكان يمكن حلها بطرق سلمية.
أحمد منصور:
كيف ترى مستقبل العراق اليوم؟
العزاوي:
أنا سعيد بأن العراق بدأ يستعيد عافيته. لكنني أُدين وأشجب الدور الأمريكي؛ فهم يدّعون الحرص على العراق والديمقراطية، بينما الواقع مليء بالظلم والقتل والتفكك. هم غيّروا الوضع في العراق ضمانًا لأمن إسرائيل، ويسعون إلى مزيد من التفتيت.
أحمد منصور:
دكتور فاضل العزاوي، مدير المخابرات العراقية الأسبق وسفير العراق السابق، أشكرك جزيل الشكر على هذه الشهادة.
العزاوي:
شكرًا جزيلًا لك أستاذ.
أحمد منصور:
هل تود أن تقول كلمة أخيرة؟
العزاوي:
أنا سعيد بلقائك، وليس لدي ما أضيف، إلا أنني أقدّرك كثيرًا.
أحمد منصور:
شكرًا لكم مشاهدينا الكرام، وإلى لقاء قادم مع شاهد جديد على العصر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحلقة
00:39 حبس فاضل العزاوي
06:44 بدء التحقيق مع فاضل العزاوي ؟؟
11:15 طريقة التحقيق مع فاضل العزاوي؟!
12:47 ظروف اعتقال العزاوي المأساوية.
17:00 تعرض العزاوي للتعذيب.
17:57 عزل صدام حسين في السجن.
18:29 من الذي سلم صدام للأمريكيين ؟؟
21:13 لقاءات العزاوي في سجن كوبر.
22:40 عبد حمود سكرتير صدام.
24:21 البيت الذي اختفى فيه صدام !
25:46 لقاءات مع علي حسن المجيد (علي الكيماوي) !.
27:30 قضية الدجيل التي اعدم فيها صدام .
31:29 طارق عزيز .
32:20 برزان التكريتي .
33:42 قتل محمد حمزه الزبيدي!!
36:00 خيانة الأمريكيين لسلطان هاشم وزير الدفاع.
37:50 ذكريات 9 سنوات في السجن ..
39:10 نظام صدام الهش.
40:35 تقييم فترة حكم صدام.