يمثّل الحوار الذي أجراه أحمد منصور في برنامج “بلا حدود” مع البروفيسور محمود ممداني، الخبير البارز في الشؤون الإفريقية، والذي تم بثه في نهاية عام 2009، وثيقة استشرافية كاشفة للمخاطر التي كانت تحيط بالسودان، والتي تحولت اليوم إلى واقع مأساوي.
الحلقة، التي تناولت الأزمة في دارفور ومخاطر انفصال الجنوب، لم تكن مجرد سرد لأحداث ماضية، بل كانت إنذاراً صريحاً بالانهيار الذي تشهده الدولة السودانية حالياً.
التحذير الاستراتيجي: تفكيك الدولة كأجندة دائمة
لخّص البروفيسور ممداني في الحلقة المخاطر الجوهرية التي تهدد السودان في ثلاثة محاور رئيسية، جميعها تشكّل اليوم جذوراً للصراع المسلح الحالي:
- فخ الأجندة الخارجية: كشف الحوار عن كيفية تحويل قضية دارفور إلى أداة لخدمة مصالح جيوسياسية تحت ستار العمل الإنساني. أشار ممداني إلى دور “حركة إنقذوا دارفور” في تضخيم الصراع وتصويره عنصرياً كـ “إبادة جماعية يرتكبها العرب ضد الأفارقة”، بهدف شيطنة الدولة السودانية المركزية ووضعها تحت ضغط التقسيم. هذا التحليل يؤكد أن الصراع لم يكن أبداً داخلياً بحتاً، بل كان محركاً بقوى تسعى لتفكيك أكبر دولة إفريقية عربية.
- خطر الانقسام: نبّه ممداني إلى أن الهدف النهائي للقوى الخارجية هو تفتيت السودان إلى دويلات (أشار البعض إلى أربعة كيانات)، وحذر من أن انفصال الجنوب سيكون مجرد بداية لتدهور مستمر. هذا التحذير يؤطر الأزمات المتعاقبة على الدولة، والتي بلغت ذروتها بفشل الحكومة المركزية في تحقيق وحدة حقيقية قائمة على المواطنة والعدالة.
- عجز المحيط العربي والإفريقي: لفت الحوار بمرارة إلى وقوف العالم العربي متفرجاً على تفكك عمقه الاستراتيجي، محذراً من التداعيات الوخيمة على الأمن القومي، وخاصة أمن مصر المائي (نهر النيل).
تحقق النبوءة: الربط بأحداث السودان الآن (2023 – 2025):
يمكن النظر إلى الحرب المدمرة التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، وما تبعها من تصعيد غير مسبوق، على أنها التحقق الأقصى والأكثر وحشية للإنذار الذي أطلقته الحلقة.
- الانهيار الداخلي: حذر ممداني من أن الدولة السودانية فشلت في بناء شراكة حقيقية بين المركز والأطراف. اليوم، لم يعد الصراع على هامش الدولة (كدارفور سابقاً)، بل أصبح صراعاً داخلياً في قلب العاصمة (الخرطوم)، ما أدى إلى الانهيار الكلي للمؤسسة العسكرية والأمنية وتشريد الملايين.
- تجدد الصراع على الأطراف: يشهد السودان اليوم تدهوراً متسارعاً في مناطق مثل دارفور وكردفان، حيث عادت ذات الخطابات القبلية والتعبئة الإثنية، مدفوعة بمساعي السيطرة على الموارد والنفوذ، وهو ما حذرت منه الحلقة على أنه “الخيار الذي لا يمكن أن يواجهه أحد بعقله السليم”.
- تزايد التدخل الخارجي: بعد أن كان التدخل سابقاً يتم عبر حركات “إنقاذ”، فإنه اليوم يتم عبر دعم لوجستي وتمويل مباشر للأطراف المتحاربة من قِبل قوى إقليمية ودولية تسعى لترتيب المشهد بما يخدم مصالحها في النفوذ والموارد (الذهب، النفط).
لقد كانت الأزمة في دارفور، التي نوقشت في برنامج بلا حدود ، بمثابة “التدريب” على السيناريو الحالي؛ حيث تحول النزاع المسلح اليوم إلى حرب شاملة تلتهم الدولة بأكملها وتؤكد أن الأجندة التفتيتية، التي تم التحذير منها، لم تتوقف يوماً عن العمل.