الطاهر بلخوجة ج2: أحداث بنزرت

يستعرض أحمد منصور مع وزير الداخلية والإعلام التونسي الأسبق الطاهر بلخوجة ج 2 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر تفاصيل أحداث بنزرت
الطاهر بلخوجه

يستعرض أحمد منصور مع وزير الداخلية والإعلام التونسي الأسبق الطاهر بلخوجة ج 2 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر تفاصيل أحداث بنزرت

تحدث الطاهر بلخوجة، وزير الداخلية والإعلام التونسي الأسبق، في برنامج “شاهد على العصر” مع أحمد منصور الذي جرى بثه في 31 مارس 2002، عن المنافسة بين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف، مشيرًا إلى أنها كانت عداوة قديمة، لكنها استفحلت بشكل كبير بعد موافقة بورقيبة على الاستقلال الداخلي، وهو ما اعتبره بن يوسف تنازلًا عن مبادئ الاستقلال التام.

وأوضح بلخوجة أن تعامل بورقيبة مع وزرائه كان جيدًا، إذ كان يستمع إليهم باهتمام، نافياً أن يكون قد تخلّص من رفاقه بعد الاستقلال.

وبيّن أن قبول بورقيبة بالاستقلال الداخلي كان خطوة مرحلية، ولم يكن تخليًا عن الاستقلال التام الذي حصلت عليه تونس عام 1956م.

وأضاف بلخوجة أن أحداث بنزرت كانت جريمة فرنسية مكتملة الأركان، حيث قامت القوات الفرنسية بضرب المدنيين العزّل الذين حاصروا معسكرًا فرنسيًا في بنزرت، للمطالبة برحيل الفرنسيين عن تونس.

نص حوار الطاهر بلخوجة ج2:

أحداث بنزرت

أحمد منصور:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقةٍ جديدة من برنامج (شاهد على العصر).

حيث نواصل الاستماع إلى شهادة وزير الداخلية والإعلام التونسي الأسبق الطاهر بلخوجه.

معالي الوزير، مرحباً بك.

الطاهر بلخوجه: أهلاً وسهلاً.

تصفية بورقيبة لخصومه السياسيين

أحمد منصور: في الحلقة الماضية توقفنا عند وثيقة استقلال تونس التي وقعها بورقيبة في فرنسا في العشرين من مارس عام 1956. عاد بعدها إلى تونس وكان حكم البايات لا يزال قائماً، حيث أسس في 15 أبريل 1956 وزارته الأولى وبدأ في تصفية خصومه السياسيين الذين كانوا يتركزون فيما يُطلق عليهم اليوسفيين، أي أتباع صالح بن يوسف الذي كان أميناً عاماً للحزب وكانت رؤيته مختلفة عن رؤية بورقيبة. كيف كانت الصورة في تلك المرحلة؟

الطاهر بلخوجه: سيدي، موضوع المنافسة بين بورقيبة وصالح بن يوسف قديم… قديم جداً. وكان السبب أن بورقيبة كان رئيس الحزب وصالح بن يوسف كان الكاتب العام، وقد أخذ التنافس أحياناً أدواراً غير طيبة. ولكن الأساس أن بعد الإعلان عن الاستقلال الداخلي تفرّقت المجموعة الوطنية والمجموعة الحزبية في تونس؛ وغالباً ما ساندت المجموعة الحزبية بورقيبة. كان مؤتمر صفاقس عام 1955 ذلك المؤتمر الذي لم يحضره بن يوسف؛ فقد طلب بن يوسف تأجيل المؤتمر ثماني أيام حتى يتمكّن من الحضور، فرفض بورقيبة، وسياسياً كان ذلك اختياراً ممتثلاً ليكون وحده في المؤتمر. وعلى أثر ذلك تغلبت نظرة بورقيبة على نظرة بن يوسف فأُبعد بن يوسف من الحزب، ولم يرضَ بن يوسف بذلك، فقام بعقد اجتماعات عديدة في تونس، من أشهرها اجتماعه في جامع الزيتونة، حيث تحدث عن العروبة والإسلام والاستقلال، وكان يقول إن هذا الاستقلال الداخلي خيانة بالنسبة إلى المنطقة كلها. وكان يرى ـ ويؤيده في ذلك بن بيلا ـ أن من الأفضل أن تكون الحرب كاملة وشاملة للمنطقة وأن تُدخَل الجزائر في ذلك الصراع؛ فالدخول إلى الجزائر حصل عام 1955، وأن نساند الجزائر في حربها كما ساندها المغرب أيضاً. هذه كانت نظرتهم.

أحمد منصور: لأن الثوار الجزائريين كانوا يرون أيضاً في ذلك الوقت أن قبول بورقيبة بالحكم الذاتي وقبوله بوثيقة الاستقلال المنقوصة التي وقعها في 20 مارس 1956 له تأثير سلبي أيضاً على المقاومة المسلّحة ضد الفرنسيين في الجزائر.

الطاهر بلخوجه: انظر، السند في هذا الموقف وعن بُعد حين لم تكن لديهم مسؤوليات كان بن بيلا الذي صرّح بأن هذا الاستقلال الداخلي ملفّق، ملفّق.

أحمد منصور: لم يكن وحده، بل كان كثيرون يرون ذلك.

الطاهر بلخوجه: ملفّق… ملفّق. لم يكن ذلك رأي البسطاء فحسب؛ أما بالنسبة إلى المسؤولين الجزائريين الكبار فبومدين وبو خروبة وغيرهم كانوا يمثلون اتجاهاً آخر، أقرب إلى اتجاه بورقيبة.

أحمد منصور: كانوا يمثلون اتجاهاً آخر قريباً من اتجاه بورقيبة.

الطاهر بلخوجه: كنت أعرفهم، نعم، وأشكرك، لأنني عرفتهم جيداً.

أحمد منصور: اتجاه الفرنسة والتوجه إلى الغرب؟

الطاهر بلخوجه: لا… لا أبداً. ليس فرنسياً يا سيدي، بل اتجاهٌ واقعي إلى حدٍّ ما. أنا أعرف الجزائريين وعشت معهم كطالب؛ كنا في اتحاد الطلبة، وكانوا معنا في الاتحاد.

أحمد منصور: الواقعية أصبحت شعاراً؛ تقولون شعارات كثيرة الآن مما يطرحه الغرب.

الطاهر بلخوجه: لا… ليست شعاراً فحسب، الواقعية في الدنيا أمر مهم وصحيح.

أحمد منصور: هل تعني التخلي عن المبادئ والأصول والمطالب الأساسية، معالي الوزير؟

الطاهر بلخوجه: لا أبداً؛ الواقعية مع احتضان مبدأ… أنا…

أحمد منصور: كل من يتنازل الآن عن مبادئه وعن حقوقه وحقوق شعوبه يسمّي ذلك واقعية.

الطاهر بلخوجه: سيدي، لنعد إلى الموضوع… اتحاد الطلبة الجزائريين والتونسيين، كنا نخبة جزائرية وتونسية ملتصقة ببعضها في باريس حين كنا طلبة، وأعرف اتجاهاتنا وأعرف أمورنا. كيف يمكن أن نفترض أن الجزائريين يرفضون أن نؤمّن لهم الحدود التونسية ونُعين الثورة الجزائرية؟ لأنّ إذا دخلنا نحن في حرب…..

أحمد منصور: الشعب…

الطاهر بلخوجه: آه، إذا دخلنا نحن في حربٍ وانتشرت القوات الفرنسية، فمعناها…

أحمد منصور: أيّ حربٍ تقصد؟

الطاهر بلخوجه: حرب ضدّ فرنسا.

أحمد منصور: متى دخلتم؟

الطاهر بلخوجه: لأنّ الجزائر دخلت في حربٍ مع فرنسا عام 1955.

أحمد منصور: نعم.. نعم.

الطاهر بلخوجه: بل في عام 1954، واستقلت عام 1962، ومن 1954 إلى 1962 كانت الحدود التونسية نوعاً ما تحت سيطرة الجزائريين، وكان القائد الجزائري بومدين هدفه حماية بلده، فبلدته لم تكن تونسية بل جزائرية، وكان هناك ما يُعرف بخط موريس الكهربائي، وكنا نحن نساند الجزائر. يا سيدي، كيف كانت…

أحمد منصور: هذه قصة كبيرة، فالكثير من الجزائريين…

الطاهر بلخوجه: يا سيدي، كيف كان…

أحمد منصور: عفواً، معالي الوزير، كثير من الجزائريين كانوا منخرطين في الجيش الفرنسي آنذاك، وهؤلاء لعبوا دوراً بعد ذلك حينما انضمّوا قُبيل الاستقلال في عام 1962 إلى الجيش الوطني للتحرير، وسيطروا بعد ذلك على الأمور. لا نريد أن ندخل في تفاصيل هذا الموضوع، ولكن لنبقَ في قضية تونس وتصفية…

الطاهر بلخوجه: يا سيدي، تونس…

أحمد منصور: بورقيبة لمعارضيه السياسيين بعد عام 1956.

الطاهر بلخوجه: سأبيّن لك كيف كانت الأمور. مثلاً، كيف كانت حادثة ساقية سيدي يوسف؟ لم يكن الفرنسيون وحدهم من قصف ساقية سيدي يوسف، لأنّ الفرنسيين في يناير أمسكوا باخرة تحمل 150 طناً من السلاح التشيكوسلوفاكي…

أحمد منصور: كانت متجهة إلى الثوّار الجزائريين.

الطاهر بلخوجه: كانت موجهة للجزائريين، وكثير من الجزائريين دخلوا الجزائر رغم وجود الخط الكهربائي، وأسروا أربعة جنود، وجاؤوا بهم إلى تونس، ومرّوا بهم داخل الأراضي التونسية. وبعد ذلك، أسقط الجزائريون طائرة فرنسية، وكان قائد الطائرة قد اختطفه الجزائريون، وطلب منا في يناير وزير الخارجية الفرنسي آنذاك (شومان) أن نحمي الحدود بصفةٍ مزدوجة مع الجيش الفرنسي، فرفضنا ذلك. عندها قرروا قصف ساقية سيدي يوسف.
ساقية سيدي يوسف، يا سيدي، هي قرية صغيرة، ولمن لا يعرفها من المستمعين، تقع على الحدود التونسية، وقد قصفوها بالقنابل، وبلغ عدد الضحايا سبعين، معظمهم من الأطفال الصغار.

أحمد منصور: قصفوا مدرسة بعد ذلك.

الطاهر بلخوجه: نعم، قصفوا مدرسة، وكانت المفارقة أننا نحن الطلبة الذين بنينا تلك المدرسة.

أحمد منصور: حينما كنت رئيس اتحاد الطلبة.

الطاهر بلخوجه: نعم، كنت مع الطلبة.

أحمد منصور: هناك آخرون مثل محمود الماطري، والبحريقي، والطاهر صفرة، وسليمان بن سليمان، والشاذلي الخلادي، كل هؤلاء كانوا مرافقين لبورقيبة في نضاله.

الطاهر بلخوجه: صحيح.. صحيح.

أحمد منصور: وتخلّص منهم الواحد بعد الآخر حتى يستفرد بالحكم.

الطاهر بلخوجه: يا سيدي، لا.. لا، أنا لم أعش تلك الفترة، لأنها كانت سابقةً، فالصراع بين بورقيبة…

أحمد منصور: بعد استقلال 1956.

الطاهر بلخوجه: لا، كانت الخصومة من قبل.

أحمد منصور: لكن جاءت الفرصة بعد الاستقلال ليقضي عليهم.

الطاهر بلخوجه: ليقضي عليهم؟ أبداً، إنما أبعدهم فقط، لم يُقصِهم جسدياً، بل هم أقصوا أنفسهم.

أحمد منصور: هؤلاء هم الذين شاركوا بشكلٍ أساسي في قضية الاستقلال.

الطاهر بلخوجه: صحيح يا سيدي.

أحمد منصور: كل هؤلاء أبعدهم، وجاء بأناس تابعين له من صُنع يده.

الطاهر بلخوجه: يا سيدي، هو كان…

أحمد منصور: حتى يستطيع أن يسيطر على الكل.

الطاهر بلخوجه: نعم، صحيح، كان معه قبل الاستقلال، ثم اختلف معهم، وبعد الاستقلال كان بورقيبة وحده تقريباً في مواجهة صالح بن يوسف، ومعه مجموعة أخرى. أنت تتحدث عن الماطري ومن معه، وهؤلاء اندثروا نوعاً ما، بينما جاءت مجموعة جديدة مثل المنجي سليم، والطيب المهيري، والباهي الأدغم، ومحمد المصمودي، وفرجاني الحاج عمار، والحبيب عاشور. هؤلاء الجدد هم الذين ساندوا بورقيبة ضد بن يوسف، وأصبحوا رجاله بعد ذلك.

أحمد منصور: وأصبحوا رجاله بعد ذلك.

الطاهر بلخوجه: نعم، وأصبحوا رجاله بعد ذلك.

أحمد منصور: وكان يُبعد ويُقرّب منهم حسب رضاه عن هذا أو ذاك.

الطاهر بلخوجه: صحيح.. صحيح، وهذه سياسة.

إلغاء حكم البايات وإعلان الجمهورية

أحمد منصور: في 25 يوليو عام 1957 أُلغي منصب الباي، أي النظام الملكي في تونس.

الطاهر بلخوجه: صحيح.. صحيح.

أحمد منصور: وأُعلن عن الجمهورية، وتولى بورقيبة منصب الرئاسة. يُقال في تلك الفترة إنّ بورقيبة كان يُعد لإعلان ملكية دستورية، ولكن (وسيلة) التي كانت عشيقته آنذاك، ولم تكن زوجته بعد، هي التي ضغطت لإنهاء حكم البايات.

الطاهر بلخوجه: شوف يا سيدي، يا سيدي، حكم البايات… لا يمكن أن يُعقل أن بورقيبة، بتكوينه الغربي كما يُقال وبمقوماته ودراسته في فرنسا، أن يكون ميالاً إلى الملكية، ما كان يمكن أن يميل إلا إلى الجمهورية. ثم يا سيدي، كانت هناك لعبة من طرف الباي نفسه، الباي سنة…

أحمد منصور: 29 يوليو 1957.

الطاهر بلخوجه: نعم، 1957، ولكن نحن…

أحمد منصور: لأن بورقيبة أصبح رئيساً.

الطاهر بلخوجه: أولاً، يا سيدي، أولاً صالح بن يوسف نفسه كان يدعو إلى ملكية دستورية، وأكثر من ذلك، كان متواطئاً نوعاً ما مع الشبلي باي، ابن الباي آنذاك، لأنه أكّد لشبلي باي أنه سيُغيّر طريقة الوراثة، إذ كانت الوراثة بين البايات على أساس السنّ؛ أي الأكبر سناً هو الذي يصبح باياً، فاتفق صالح بن يوسف مع والد شبلي باي على تغيير ذلك. وقد صرّح صالح بن يوسف في الخمسينيات بأنه يريد ملكية دستورية، وصرّح الباي نفسه عام 1951، لما رأى الاتجاه يسير نحو الملكية الدستورية، كما صرّح بورقيبة عام 1954 أو 1955 بأنه يؤيّد ملكية دستورية، لا على أساس الاقتناع بها، بل لطمأنة بعض الأطراف.

أحمد منصور: لا سيما وأنك قلت إن نظام البايات هو نظام وطني، نظام حكم وطني.

الطاهر بلخوجه: نعم، لأن كابوس البايات وكابوس الفرنسيين كانا قائمين، وهذه من المراوغة السياسية لدى بورقيبة، إذ أراد أن يطمئن البايات وفرنسا معاً، فقال لهم: لا تخافوا على تونس، ستكون هناك ملكية دستورية، وسيبقى الباي في مكانه، ولكن من دون أي صلاحيات حقيقية.

أحمد منصور: كان يُخطط لإزالته منذ البداية.

الطاهر بلخوجه: نعم، كان يخطط لذلك من قبل.

أحمد منصور: انخرطتَ أنت في سلك الدولة للمرة الأولى، وأصبحت جزءاً من النظام عام 1959، حينما أوفدت إلى اجتماع الجمعية العامة.

الطاهر بلخوجه: للأمم المتحدة، نعم.

أحمد منصور: للأمم المتحدة، وبقيت هناك ثلاثة أشهر، ثم في يناير من عام 1960 عُيّنتَ وحتى نهاية العام وزيراً مفوضاً ومديراً للديوان في وزارة الخارجية التونسية. كنت في تلك المرحلة شاباً في أواخر العشرينيات أو بداية الثلاثينيات من العمر، وأصبحت تتولى منصباً مرموقاً في الدولة. من الذي عيّنك؟ وكيف قرّبك بورقيبة منه لتصبح أحد رجاله المقرّبين بعد ذلك؟

الطاهر بلخوجه: يا سيدي، كنت مثل كل الإطارات التونسية التي اختارها بورقيبة، والتي اختارها النظام البورقيبي. كما قلت، اتحاد الطلبة كان منبعاً لتلك الكفاءات.

أحمد منصور: كيف كان يختار بورقيبة رجاله؟

الطاهر بلخوجه: كان يختارهم على أساس المتابعة والمعاينة. كان يتابع المسؤولين، وخاصةً الذين كانوا في اتحاد الطلبة، لأننا كنا نخطب ونتحدث، وكانت الصحف تكتب عنا، وكانت لنا مواقف. وهو كان في حاجة إلى هذه الكفاءات، فمعظم الإطارات التونسية خرجت من اتحاد الطلبة. أتذكر منصور أبو علا وغيرَه من جيلنا. بورقيبة اصطفاني آنذاك، وقد ذكرتُ ذلك في كتابي، فعندما أنهيت دراستي كمهندس زراعي، سألني ماذا سأفعل؟ قلت له: سأذهب إلى الوزارة. فقال لي: لا داعي، نحن مقبلون على مآزق سياسية كبيرة، اذهب إلى وزير الخارجية وادخل الوزارة. وهكذا اصطفاني ووجّهني لذلك.

أحمد منصور: هو الذي عيّنك مديراً لمكتب وزير الخارجية؟

الطاهر بلخوجه: لا، لم يعيّني مباشرة، بل أشار على وزير الخارجية بأن يأخذني مديراً، ولو أنّه عيّني فعلاً بتلك الإشارة!

أحمد منصور: عادةً يشير الرؤساء إلى الوزراء ليقوموا بالتعيين.

الطاهر بلخوجه: نعم، أشار، وأشار إلى الجميع بنفس الطريقة، رغم أنه لم تكن هناك استقلالية حقيقية لوزير الخارجية عن رئيس الدولة.

أحمد منصور: كان الصادق المقدّم وزير الخارجية آنذاك.

الطاهر بلخوجه: نعم، صحيح.

أحمد منصور: كيف كانت تُدار وزارة الخارجية في بداية الستينيات في تونس؟

الطاهر بلخوجه: يا سيدي، كانت طريقة الحكم لدى بورقيبة آنذاك تقوم على المتابعة اليومية. ففي كل صباح كان يأتي إلى القصر، إلى مكتبه، ويدخل عليه وزير الداخلية الطيب المهيري، ووزير الخارجية الصادق المقدّم، ومدير الحزب المنجي سليم، وعبد الله فرحات مدير الديوان. كانوا يناقشون كل المشاكل اليومية، ويتخذون القرارات المتعلقة بالداخلية والخارجية. كنتُ أنا مدير ديوان، فكان المقدّم يدخل عليّ ويقول: “استقرّ الرأي على هذا أو ذاك”. فسألته مرة: “كيف استقرّ الرأي؟”، فقال: “استقرّ الرأي، فقط!”، وكانت القرارات تُتخذ على هذا النحو.

أحمد منصور: يعني كلهم كانوا موظفين لدى بورقيبة؟

الطاهر بلخوجه: لا، لم يكونوا موظفين بالمعنى الحرفي، بل كانوا رجاله، أعضاء فريقه المقرّب.

أحمد منصور: لكن بورقيبة بعد ذلك غيّر…

الطاهر بلخوجه: لو كانوا موظفين لكان يجتمع بهم ساعاتٍ طويلة ويتحدث معهم في التفاصيل.

أحمد منصور: هو غيّر الدستور بعد ذلك، يا معالي الوزير…

الطاهر بلخوجه: حتى لو كان يأمر، فكانوا يطبّقون ما يُقرره.

أحمد منصور: كانوا يفعلون ذلك يا معالي الوزير.

الطاهر بلخوجه: يا سيدي، وما المانع؟

أحمد منصور: الوزراء كانوا ينفّذون ما يريد.

الطاهر بلخوجه: بالعكس، كان لدينا رئيس دولة فذّ، رجل على مستوى عالٍ.

أحمد منصور: وكلكم، عفواً، كنتم تنفذون فقط.

الطاهر بلخوجه: لا، كنا نراجعه.

أحمد منصور: لم تكونوا صُنّاع قرار.

الطاهر بلخوجه: كنا نتحدث معه ونناقشه، وكنا مقتنعين.

أحمد منصور: لكنه كان يُفتي في كل شيء، كما قال الصافي سعيد، من الطنجرة إلى الصاروخ.

الطاهر بلخوجه: يا سيدي، الصافي سعيد لم يعش مع بورقيبة، ولا يعرفه.

أحمد منصور: خطابات بورقيبة…

الطاهر بلخوجه: لا يعرف بورقيبة، لا من قريب ولا من بعيد.

أحمد منصور: خطابات بورقيبة كانت تدخلاً في كل شيء.

الطاهر بلخوجه: ليس في كل شيء. إذا كانت لديه المقدرة على الإفتاء، فبارك الله فيه!

أحمد منصور: كانت سياسة تونس الخارجية في ذلك الوقت مرتبطة بسياسة فرنسا.

الطاهر بلخوجه: كيف تكون مرتبطة بسياسة فرنسا؟! نحن يا سيدي، منذ بداية الاستقلال عام 1956، ونحن في صراعٍ مع فرنسا. فرنسا قصفتنا.

أحمد منصور: استقلال منقوص.

الطاهر بلخوجه: نعم، استقلال منقوص.

أحمد منصور: استقلال مشروط بتبعية ثقافية.

الطاهر بلخوجه: أتفق معك، كان استقلالاً منقوصاً.

أحمد منصور: ومشروطاً بتبعية ثقافية.

الطاهر بلخوجه: ومشروطاً، نعم، ولكن صالح بن يوسف لو كان عاقلاً لتفادى ذلك. الشيء الذي لا أتفق فيه هو أنّ صالح بن يوسف كانت له رؤية لخلط الأوراق والدخول في معمعات لا يُعرف مآلها، بينما كانت لبورقيبة رؤية أخرى، واقعية ورائدة. أتفق معك أنه كانت هناك تنازلات، لكنها كانت في نطاقٍ سياسي. خذ وطالب. انتصب وخذ شيئاً من المسؤولية ثم طالب بالمزيد.
سأعطيك مثالاً: في مفاوضات الاستقلال الداخلي في سبتمبر الخمسينيات، وافق الوفد التونسي على أن يكون الأمن والدبلوماسية والجيش بيد فرنسا. فقال بورقيبة: طيب، أعطوهم ذلك وسننشئ لجاناً، وسنأخذ الاستقلال الداخلي أولاً. وبعد ثلاثة أشهر فقط، في نوفمبر، طالبنا بالأمن وأخذناه، وعيّنا مديراً عاماً للأمن. شيئاً فشيئاً اكتمل الاستقلال.

أحمد منصور: حتى يُقنع الناس.

الطاهر بلخوجه: نعم، وأقولها للأمانة: لو لم يكن صالح بن يوسف، ربما ما كان الاستقلال ليتحقق بعد ستة أشهر.
وبورقيبة قال: “لو لم تكن حرب الجزائر، لكنا حصلنا على الاستقلال في ظرف ستة أشهر.”

أحمد منصور: كيف يا معالي الوزير؟

الطاهر بلخوجه: هناك عوامل كثيرة ساعدت بورقيبة والنظام على التحول، وأنا أتفق معك، لكن هذه من خيارات السياسة.

أحمد منصور: أيّ خيارات؟ التنازلات هذه! في يونيو 1959 أجرى بورقيبة تعديلاً على الدستور.

الطاهر بلخوجه: أيّ تنازلات؟! يا سيدي، أخذنا استقلالاً تاماً عام 1959.

أحمد منصور: أي استقلال تام؟

الطاهر بلخوجه: نعم، استقلال تام.

أحمد منصور: ما زالت هناك تبعية حتى الآن، سياسية وثقافية واقتصادية. ليس بالضرورة أن يخرج الاستعمار عسكرياً ويترك غيره، فالتبعية كانت موثقة.

الطاهر بلخوجه: لا، لا، يا سيدي. تقول تبعية! أي تبعية ثقافية أو اقتصادية؟! أيّ بلد اليوم ليس له ارتباط اقتصادي بالآخرين؟ سنعود إلى هذا الموضوع لاحقاً.

أحمد منصور: طيب، خلاص.

الطاهر بلخوجه: يا سيدي، استقللنا عام 1956.

أحمد منصور: اتفقت معي على أنه استقلال منقوص.

الطاهر بلخوجه: استقلال داخلي منقوص، نعم، لكنه اكتمل وأصبح استقلالاً تاماً بعد أشهر، عام 1956، وكانت معجزة.

أحمد منصور: في يونيو 1959؟

الطاهر بلخوجه: معجزة أن ننتقل من استقلال داخلي منقوص إلى استقلال كامل خلال أشهر قليلة.

أحمد منصور: هذا الكلام يخالف الواقع، معالي الوزير.

الطاهر بلخوجه: لا، لا، والله لا يخالفه، بل هو صحيح.

أحمد منصور: في ماذا؟

الطاهر بلخوجه: في الواقع، يا سيدي. عام 1955 كان لدينا استقلال داخلي منقوص، وفي عام 1956 أصبح استقلالاً تاماً، نحن والمغرب معاً. المغرب حصل على الاستقلال قبلنا بثلاثة أشهر تقريباً. كانت فرنسا لها حسابات أخرى، أرادت الاحتفاظ بنفوذها والانشغال بالجزائر وحربها، فتفرّغت لتونس والمغرب وسعت لاستقلالهما لتُبعدهما عن الجزائر، لكن ذلك لم يتحقق كما أرادت.

أحمد منصور: استقلال شفوي.. استقلال شفوي.

الطاهر بلخوجه: يا سيدي، لا. استقلال تونس عام 1956، واستقلال المغرب في العام نفسه، جعلا من البلدين قاعدتين لحرب الجزائر، لدعم إخواننا الجزائريين.

أحمد منصور: بل كنتم قاعدة للفرنسيين، فقد كانوا يقلعون من قواعد بنزرت لضرب المقاومة الجزائرية.

الطاهر بلخوجه: لا أبداً، أبداً، اسمعني يا سيدي، عام 1958…

أحمد منصور: بورقيبة تاجر – كما يقول كثير من المراقبين – بالحرب الجزائرية، وحاول أن يتخذ منها زعامة وطنية.

الطاهر بلخوجه: لا، لا، لا يا سيد أحمد، يا سيد أحمد، لا، لا، لا. بالنسبة للمستمعين العرب والتونسيين، اسمح لي، يا سيدي، أخذنا الاستقلال عام 1956، وفي عام 1958…

أحمد منصور: شكلاً فقط.

الطاهر بلخوجه: لا، يا سيدي، استقلال فعلي، أخذنا كل شيء.

أحمد منصور: ومشروطاً.

بالطبع، إليك النص مصححًا لغويًا وإملائيًا، ومحوَّلًا إلى العربية الفصحى، مع الحفاظ التام على المعنى والأسلوب الحواري الأصلي، ووضع اسمي الضيفين بالخط العريض كما طلبت:


الطاهر بلخوجة: لا.. لا، لم يكن مشروطًا. الاستقلال الداخلي كان مشروطًا، أما الاستقلال التام فلا شرط فيه، في…

أحمد منصور: ليس هناك استقلال تام.

الطاهر بلخوجة: لا.. لا.. بل هناك استقلال تام، وكان في عام 1958.

أحمد منصور: كيف، وبنزرت بقيت إلى…

الطاهر بلخوجة: انتظر، سأجيبك. دعني أكمل قليلًا، دعني أكمل يا أستاذ. عام 1958 كانت ساقية سيدي يوسف، وبعد حادثة الساقية لم يكن الأمر…

أحمد منصور: ساقية سيدي يوسف كانت اعتداءً فرنسيًا على تونس.

الطاهر بلخوجة: انتظرني يا سيدي، اسمعني.. اسمعني. لم تكن تلك سياسة بورقيبة، بل بعد القصف قرّر بورقيبة، وقررنا جميعًا، أن نُطبّق نظام “البلوكس” — أي محاصرة القوات الفرنسية داخل ثكناتها، فلا تخرج منها ولا تصلها أي مؤونة. وتجمّع الشعب حول الثكنات الفرنسية في أنحاء الجمهورية كافة، في تونس…

أحمد منصور: وكان بورقيبة متخوفًا من ذلك، من تحرك الشعب ضده.

الطاهر بلخوجة: انتظر، انتظر.. دعني أكمل. والنتيجة أن حادثة الساقية هي التي جاءت بالجنرال ديغول إلى الحكم، لأن قصف ساقية سيدي يوسف كان فشلًا ذريعًا، فجاء الجنرال ديغول، وفي 17 يونيو 1958 — وكانت الساقية في 2 فبراير 1958 — اتفقنا مع الجنرال ديغول على أن تخرج فرنسا من كل القواعد العسكرية في تونس، باستثناء قاعدة بنزرت. وكان ذلك نجاحًا باهرًا، إذ كانت القوات الفرنسية والدبابات منتشرة في كامل الأراضي التونسية.

أحمد منصور: لكنهم كانوا ينسحبون لأن ضغوط المجاهدين الجزائريين أرهقتهم، وأرادوا أن يتفرغوا لقتالهم، فاستبقوا قاعدة كبيرة لهم في بنزرت.

الطاهر بلخوجة: لا.. لا أبدًا يا سيدي، كانوا في حرب مع الجزائر، وكان الأفضل لهم أن تبقى قواتهم متوزعة في تونس.

أحمد منصور: طالما هناك ولاء سياسي وثقافي واقتصادي لهم، ماذا يريدون أكثر؟

الطاهر بلخوجة: يا سيدي، لقد حصرناهم في بنزرت.. نعم، حاصرناهم هناك. وسأقول لك شيئًا آخر.

أحمد منصور: يا معالي الوزير، هم حققوا بمنحكم الاستقلال ما لم يحققوه بوجودهم العسكري، ولذلك خروجهم كان أمرًا طبيعيًا حتى يتفرغوا لحرب الجزائر.

الطاهر بلخوجة: لا.. لم يكن رهانًا أبدًا، بل كان رهانًا نجح فيه بورقيبة نجاحًا كبيرًا. دعني أوضح لك الحقيقة. انتظر.. انتظر.

أحمد منصور: سنتحدث عن بنزرت بالتفصيل.

الطاهر بلخوجة: نعم، نجحنا في رهاننا حين حاصرنا الجيوش، فخرجوا إلى بنزرت. ولكن الرهان لم ينجح مرة ثانية عندما حاصر بورقيبة قاعدة بنزرت بالشعب التونسي، وطالب…

أحمد منصور: تلك كانت عملية انتحارية، قُتل فيها خمسة آلاف تونسي، ويتحمل بورقيبة المسؤولية الكاملة عنها.

الطاهر بلخوجة: ليست عملية انتحارية، ولم يُقتل خمسة آلاف، بل نحو ألف فقط… لا.. لا، سنتحدث عنها بدقة لاحقًا.


تعديل الدستور وتسلط بورقيبة في الحكم

أحمد منصور: ويُقال إنها كانت مذبحة يتحمل بورقيبة مسؤوليتها. سآتي إليها في حينها. في يونيو 1959 أجرى بورقيبة تعديلًا على الدستور نصَّ على أنه هو من يمارس السلطة التنفيذية، أي يعين الوزراء ويقيلهم. وانتهى بذلك عهد الشراكة، وأصبح بورقيبة المتسلط الأول. وكما قال محمد مزالي — رئيس وزراء تونس الأسبق — إن جميع الوزراء كانوا موظفين لدى بورقيبة.

الطاهر بلخوجة: لا أبدًا.. لا.. لا.

أحمد منصور: كانوا موظفين. ألم يكن يُقيل ويعيّن كما يشاء؟ أنت أُقِلت وعُيّنت عدة مرات.

الطاهر بلخوجة: يا سيدي، هناك نوع آخر من الوظيفة، نسميه في تونس “المخزن”. أي أن الوزير موظف رفيع المستوى في الدولة.

أحمد منصور: لكن الوزير صانع قرار يا معالي الوزير، الوزير رجل صاحب مسؤولية.

الطاهر بلخوجة: يا سيدي، اختار بورقيبة عام 1957 النظام الرئاسي، نعم نظام شمولي.

أحمد منصور: نظام مستبد.

الطاهر بلخوجة: نعم، نظام رئاسي على غرار النظام الأمريكي تقريبًا. وكان الوزراء يُسمَّون “كتّاب دولة”، لم نكن وزراء بالمعنى الكامل. النظام الرئاسي اختير لأن البلاد كانت خارجة من الاستعمار، وما زالت ضعيفة، وتحتاج إلى نظام قوي وحزب واحد، ولذلك اخترناه وسرنا فيه. فلماذا تقول إن بورقيبة تسلّط؟ لم يتسلّط علينا، نحن اخترنا هذا النظام ورضينا به.

أحمد منصور: اصطفاكم.

الطاهر بلخوجة: نعم، اصطفانا يا سيدي، اصطفى المسؤولين الأكفاء. ومن أين يختار غير ذلك؟

أحمد منصور: حتى الوزير كان يخشى أن يتخذ أي قرار يغضب الرئيس، فينتظر تعليماته صباحًا كما كان يقول وزير الخارجية.

الطاهر بلخوجة: والله ليس صحيحًا. والله لم يكن أحد أقدر من بورقيبة على الحديث والنقاش. سأحكي لك قصة لتفهم طريقة حكمه.

أحمد منصور: تفضل.

الطاهر بلخوجة: في السبعينيات، ابتكر مدير الديوان آنذاك فكرة أن يكون ديوان رئيس الجمهورية مثل دواوين رؤساء الدول الأخرى، فاستقدم نحو عشرين موظفًا، وجهزوا مكاتبهم بالأوراق والأجهزة. وفي يوم من الأيام رأى بورقيبة بعضهم في القصر، فسألهم: من أنتم؟ قالوا: نحن نعمل في ديوان السيد المدير. فقال: أي ديوان؟ أنا لديّ مدير ديوان! قالوا: نحن عشرون موظفًا في الديوان. فسألهم: ما عملكم؟ قالوا: نحضّر الأوراق. فقال لهم: لا حاجة لي بكم. وفي اليوم التالي استدعى مدير الديوان وقال له: مع السلامة، مدير التشريفات سيكون مدير ديواني، وسأتولى الحكم باتصال مباشر مع الوزراء.

أحمد منصور: طبعًا، لا مؤسسات ولا دستور ولا نظام دولة! أُلغي كل شيء.

الطاهر بلخوجة: لا.. لا، اسمح لي. كان اتصاله مباشرًا مع الوزراء، وهو الذي يتحدث معهم بلا وساطة. كان بورقيبة رئيس الدولة وحده.

أحمد منصور: وهل هذا نظام دولة؟ هذا نظام فردي مستبد.

الطاهر بلخوجة: لا، ليس نظامًا مستبدًا.

أحمد منصور: ولا يحمل أي شكل من النظام المؤسسي للدولة.

الطاهر بلخوجة: لا.. لا.. متفق معك في أن مؤسسات الدولة لم تقم بدورها كما ينبغي، وأن البرلمان والحزب الواحد والمجتمع المدني كانوا ضعفاء، متفق معك في ذلك.

أحمد منصور: إذن، ما اسم هذا النظام في السياسة؟

الطاهر بلخوجة: هذا يا سيدي نظام اخترناه في مؤتمر بنزرت عام 1964، نظام اشتراكي يقوم على حزب واحد.

أحمد منصور: وأنتم حوله تقولون “آمين” على كل ما يقول.

الطاهر بلخوجة: كان ذلك باختيار القيادات الاشتراكية في ذلك الوقت.

أحمد منصور: أي اشتراكية؟ أنت تبرّئ ساحة بورقيبة.

الطاهر بلخوجة: لا يا سيدي، أنا لا أبرّئه.

أحمد منصور: عندما تقع الأخطاء تكون مسؤولية الوزراء، وعندما يحدث إنجاز يكون لبورقيبة الفضل وحده.

الطاهر بلخوجة: يا سيدي، المسؤولية كانت جماعية. بورقيبة يتحمل مسؤوليته كرئيس جمهورية، ونحن كوزراء نتحمل مسؤوليتنا أيضًا. صحيح أننا لم نكن نحكم بطريقة مثالية ولم نحسن توظيف كل القوى.

أحمد منصور: لم يكن هناك نظام مؤسسي للدولة.

الطاهر بلخوجة: بل كان هناك نظام، وإن كان هشًّا.


تسلط بورقيبة

أحمد منصور: في يناير 1961 حينما عُيّنت قائمًا بالأعمال…

الطاهر بلخوجة: نعم يا سيدي، عُيّنت قائمًا بالأعمال.

أحمد منصور: والتقيت مع ديغول في فبراير 1961، وطلب منك لقاء بورقيبة.

الطاهر بلخوجة: يا سيدي، كيف جرى تعييني في باريس؟ في نوفمبر 1960 أعلن الجنرال ديغول أنه سيجري استفتاء حول الجزائر.

أحمد منصور: نعم، في نوفمبر 1960.

الطاهر بلخوجة: ومن خصال بورقيبة أنه استشرف أن فرنسا قادمة على تغيير كبير في سياستها تجاه الجزائر.

أحمد منصور: فكان لا بد أن يركب الموجة ويظهر بمظهر الزعيم.

الطاهر بلخوجة: بلا شك، وهذه هي السياسة، هذه هي الرؤية.


أحمد منصور: انتهازية.

الطاهر بلخوجة: لا، الرؤية. ثمة انتهازية، ولكن الرؤية لا تكون انتهازية حين لا تُعين الرؤية، فلا يُحبّذ المزج بينهما… هدف الرؤية وفائدتها.

أحمد منصور: استغلال للموقف ليبدو أنه الزعيم الحريص على مصلحة البلاد.

الطاهر بلخوجة: والفائدة في النتيجة، فلو وصلنا في النهاية بهذه الرؤية وبهذه الانتهازية… طيب، سُمّيت أنا وقتها، اختارني واصطفاني مرة ثانية، وقلت وكررت أنه سمّاني في باريس قائمًا بالأعمال، وكانت الجفوة كاملة بعد حادثة الساقية. لم يكن لنا سفير في باريس، كما أن السفراء العرب لم يكونوا موجودين فيها؛ فالسفير العربي الوحيد كان سفير لبنان، وكل البقية كانوا قائمين بالأعمال بعد حادثة ساقية سيدي يوسف. وكانت أمورنا مرتبكة مع فرنسا أيضًا. وفي ذلك الوقت، حين قرر الجنرال ديغول إجراء استفتاء حول الجزائر، تبيّن له أن اتصاله وحديثه مع بورقيبة قد يكون فيه فائدة. وكانت تلك الحالة في الأول من فبراير، في مأدبة غداء أقيمت في قصر الإليزيه للسلك الدبلوماسي، وقد ناداني الجنرال ديغول وقال لي إنه سيكون سعيدًا بالحديث…

لقاء بورقيبة مع ديجول

أحمد منصور: ناداك مباشرة أم رئيس الوزراء الفرنسي؟

الطاهر بلخوجة: بل جاءني مدير التشريفات وطلب مني أن أتبعه إلى القاعة التي كان فيها ديغول ووزراؤه، فأخذني الجنرال ديغول إلى جانب النافذة وقال لي ما قاله حول أنه سيكون من المفيد للجميع أن يتحدث مع بورقيبة، وكانت تلك المفاجأة صاعقة حتى بالنسبة للفرنسيين أنفسهم، ولم يتحدث أحد عن الأمر…

أحمد منصور [مقاطعًا]: طلب منك أن يكون هذا سريًا؟

الطاهر بلخوجة: نعم، طلب مني أن يكون الأمر سريًا، ولكن لسوء الحظ أفشاه بورقيبة.

أحمد منصور: طبعًا، فبورقيبة استغل الموضوع للدعاية الإعلامية، وليس للقيام بدور حقيقي.

الطاهر بلخوجة: أفشاه بورقيبة، وله الحق في ذلك، فكيف تستدعيني ثم تُبقي الأمر خفيًا كأنه سرّ تحت الباب؟

أحمد منصور: هو استغل اللقاء لا لمصلحة الثوار الجزائريين، بل لمصلحته الخاصة، ليظهر أنه زعيم يلعب دورًا في استقلال الجزائر.

الطاهر بلخوجة: لا، لا… هو فعل ذلك لمصلحته الخاصة باعتباره زعيمًا نزل إليه ديغول وطلب التحدث معه. أليس هذا أمرًا كبيرًا لذلك الرجل الذي كان في المنافي؟

أحمد منصور: لأنه رجل فرنسا.

الطاهر بلخوجة: لا، لا، ليس رجل فرنسا.

أحمد منصور: حتى يتوسط لها عند الجزائر؟

الطاهر بلخوجة: يتحدث مع رجل فرنسا، فالشعب يتحدث مع رجل لديه أفكار ليقدّم له أفكارًا جديدة. يناديه البعض “عميلًا”، لكنه ليس كذلك، فالعميل لا يصلح أن يكون صاحب فكر.

أحمد منصور: هو يلعب دورًا مزدوجًا الآن، وليس عملاً بالمعنى المباشر، فهو رجل فرنسا، لكن ليس بالضرورة عميلًا لها.

الطاهر بلخوجة: ليس لدى العميل أفكار، فالعميل لا يفكر… وجاء بورقيبة، وأعددنا اللقاء في شهر فبراير عام 1961، وكان لقاء “رامبوييه” يرتكز على ثلاث نقاط أساسية، لأن هناك التباسات كثيرة. يا سيدي، لقاء رامبوييه كان في وقت حرب الجزائر، وكان الجنرال ديغول يبحث آنذاك عن مخرج، وكانت عليه ضغوط كبيرة داخل فرنسا، وأنا كنت قائمًا بالأعمال في باريس وأعرف ذلك جيدًا. كانت عليه ضغوط خاصة من رئيس وزرائه الأول، ميشيل ديبري، وهو من أشد المتعصبين ومن أكثرهم عداءً فيما يخص قضية الصحراء وقضية الجزائر. وكان ديغول يسعى إلى مخرج من الأزمة، ولهذا تحدث مع بورقيبة، وسمعنا بورقيبة يقول إن ديغول يحمل أفكارًا تحررية، ويسير في طريق الخروج من أزمة الجزائر وحربها، وهذه هي النقطة الأولى.

أما النقطة الثانية، فهي أن بورقيبة تحدث معه بشأن قضية الصحراء، لأن كل شيء مرتبط ببعضه — حرب الجزائر والصحراء. وما هي قضية الصحراء؟ كانت فرنسا في ذلك الوقت تعتبر أنه ربما تسلّم الجزائر استقلالها، لكنها تريد أن تحتفظ بالصحراء، لأنها كانت تعرف ما تحتويه من ثروات بترولية.

أحمد منصور: فكان يطمع في توسيع رقعة تونس، وأن يأخذ جزءًا من الصحراء؟

الطاهر بلخوجة: لا، لا، لا يا سيدي، اسمعني. لم يكن ذلك طمعًا، بل حقًّا من الحقوق. فرنسا كانت تسعى لأن تحتفظ بالصحراء التي تعرف ثرواتها، وكانت تحاول أن تغرينا، كما حاولت أن تغري غيرنا من الأفارقة، بأننا بجوار الصحراء الجزائرية وربما يمكننا أن نستغلها معًا. لكن بورقيبة لم يوافق على ذلك، وقال لديغول: “يا سيدي، قبل أن آتي إلى هنا إلى رامبوييه، تبادلنا — وهذا للتاريخ — مذكرات بين باهي الأدغم وفرحات عباس على أساس أن يُنظر في موضوع الحدود، وليس في موضوع الصحراء، أي الحدود الصحراوية بين تونس والجزائر بعد استقلال الجزائر.”

أحمد منصور: هل كنت في هذا اللقاء؟

الطاهر بلخوجة: لا، لا، لم أكن حاضرًا اللقاء، فقد كان في باريس، لكن بحكم عملي هناك كنت أعرف ما وقع، والوثائق موجودة في الأرشيف التونسي. بالفعل، تبادلت مذكرة بين باهي الأدغم وفرحات عباس بشأن النظر في مسألة الحدود بين تونس والجزائر، وليس حول ملكية الصحراء نفسها.

أحمد منصور [مقاطعًا]: معالي الوزير…

الطاهر بلخوجة: اسمعني يا سيدي، تمهّل قليلًا…

أحمد منصور: الحقيقة غير ذلك.

الطاهر بلخوجة: نعم؟

أحمد منصور: الحقيقة غير ذلك. حينما سعى بورقيبة لعقد لقاء رامبوييه مع ديغول، كان هدفه أمرين لا ثالث لهما:
الأول، أن يتاجر بالثورة الجزائرية ليظهر نفسه الرجل المدافع عن حقوق الجزائريين، فيكسب علاقات معهم في الوقت الذي كانوا يعادونه فيه، ولم يكونوا مرتاحين لدوره.
الثاني، أن بورقيبة — وهو يرى نفسه زعيمًا كبيرًا — كان يعتبر أن تونس صغيرة الحجم على طموحه، فإذا كانت فرنسا تفكر في الاحتفاظ بجزء كبير من الصحراء، فليكن له نصيب منها لتوسيع رقعة تونس. هذا كان هدف بورقيبة الحقيقي.

الطاهر بلخوجة: يا سيدي، اسمح لي، لدي ما أقول…

أحمد منصور [مقاطعًا]: نعم، وهو؟

الطاهر بلخوجة: في مكتبه يا سيدي… اسمعني. هذا كلام فارغ يقوله الصافي وغيره من الرواة، لا يستند إلى الحقيقة. يا سيدي، الخريطة في مكتب بورقيبة نفسها تشهد…

أحمد منصور [مقاطعًا]: ليس كلام الصافي وحده، بل كلام مسؤولين تونسيين كانوا معه.

الطاهر بلخوجة: لا، لا، ليس صحيحًا، لا مسؤولين ولا غيرهم.

أحمد منصور: الصافي لا ينطق من فراغ، بل نقل عن مصادر موثوقة من مسؤولين تونسيين.

الطاهر بلخوجة: لا، يا سيدي، ليس الأمر كذلك، لا، لا…

أحمد منصور: والواقع أيضًا، وطبيعة شخصية بورقيبة، تؤكد هذا.

الطاهر بلخوجة: انتظر يا سيدي، في مكتب بورقيبة كانت هناك خريطة خلف مكتبه، عليها خريطة تونس وفي علامة 233 لم يكن هناك تحديد للصحراء.

أحمد منصور [مقاطعاً]: كان يتركها مفتوحة لأنه يريد أن يوسعها.

الطاهر بلخوجة: لا، لا، لم تكن مفتوحة، لأن الاتفاق الأصلي عام 1910 بين تركيا وفرنسا لم يحدد ذلك، وكانت فرنسا طامعة بالصحراء ولم ترغب في تحديد الحدود بين تونس والصحراء. بورقيبة طلب شيئًا واحدًا: أن تُحدد المسافة من 233 إلى الحدود، وهذا حق من حقوقنا، وطلبنا ذلك من الجزائر، والجزائريون وافقوا. وقلت لديغول وبورقيبة: “الاستقلال سيكون كاملاً مع الجزائر في الصحراء، وسنتفق مع الجزائريين على ذلك”.

أحمد منصور: هذا الكلام يخالف الواقع وطبيعة الدور الذي سعى بورقيبة للعبه لاحقًا من زعامة المنطقة.

الطاهر بلخوجة: لا، لا، زعامة… زعامة…

أحداث بنزرت ويوليو 1961


أحمد منصور : توسعة رقعة تونس والشعور بأنه زعيم أكبر منافساً لعبد الناصر يؤكد أنه كان يسعى لهدفين رئيسيين كما ذكرت. بدايةً، تصاعدت أزمة بنزرت بعد عام 1959، وتحديدًا في 17 فبراير 1959، حين أعلن بورقيبة التخلي مؤقتًا عن بنزرت مقابل السلام في الجزائر، كنوع من “المغازلة” للجزائريين. وفي 1 يونيو 1959، سحب هذا العرض.

الطاهر بلخوجة: نعم، سيدي، صحيح.

أحمد منصور: ثم طلب بنزرت مرة أخرى في 25 يناير، وطالب بورقيبة بانسحاب فرنسا من بنزرت، وبدأت الأحداث تتصاعد حتى قيام الحرب في 22 يوليو 1961، وكانت بمثابة مذبحة دفع بورقيبة التونسيين إليها.

الطاهر بلخوجة: في لقاء رامبوييه كان الحديث عن بنزرت مجاملة، واتفقنا على أن يُرجأ موضوع بنزرت حتى بعد حرب الجزائر مع ديغول، لكن بورقيبة أعاد الطلب لديغول بأننا متفقون على ذلك، ولكن نريد تصريحًا رسميًا بأن فرنسا ستخرج من بنزرت، وأن تُحدد تواريخ الجلاء. هذا الاتفاق كان في فبراير، ثم في مايو 1961، حين طلب أميرال البحر بتوسيع مهبط الطائرات في بنزرت، وقع جدال مع فرنسا حول ذلك.

أحمد منصور [مقاطعًا]: هذه في القاعدة الفرنسية التي كانت موجودة هناك.

الطاهر بلخوجة: نعم، وبورقيبة لم يرض بالموضوع، بل سافر في مايو إلى الولايات المتحدة لمس نبض الرئيس كيندي، للحصول على دعم أميركي.

أحمد منصور: طبعًا، هو كان يعتمد على أميركا.

الطاهر بلخوجة: لا، ليس لأنه رجل أمريكا، بل لأنه يحتاج إلى مساندة عند الحاجة. ذهب إلى كيندي، الذي لم يكن متفقًا معه بالكامل بسبب موضوع برلين والحرب الباردة. عاد بورقيبة متأسفًا قليلًا، لكن هناك أمور لم يُذكرها الصافي، وأنا أكشفها في كتابي.

أحمد منصور: أنا لا أعتمد على الصافي فقط، بل لدي عشرات المصادر الأخرى.

الطاهر بلخوجة: نعم، فرنسا وأميركا قررتا أواخر الستينات الجلاء عن قواعدهما في المغرب، والجنرال ديغول كان يحاول التقرب أكثر، لكن بورقيبة لم يرضَ بذلك، لأنه لا يمكن لزعيم عربي ووطني أن يقبل أن تُلغى القواعد الغربية الأميركية والفرنسية في 1961، بينما فرنسا كانت تحاول السيطرة على الجزائر ومرسى الكبير


أحمد منصور: كل يوم متخبط ما بين القبول والرفض..

الطاهر بلخوجه: لأن لا يا سيدي.. لأن ليست فرنسا، لأن فرنسا في ذلك في بنزرت كانت تعتبر أن بنزرت ومرسى الكبير في الجزائر هم معناها أساس للدفاع وكانت لا.. وكانت..

أحمد منصور [مقاطعاً]: يا معالي الوزير الضغط الشعبي على بورقيبة هو الذي كان يدفعه إلى ذلك وليس رغبته الحقيقية في أن يخرج الفرنسيين من الجزائر..

الطاهر بلخوجه: شو رغبة الشعب..

أحمد منصور: أنتو الشعب.. الشعب كان رافض للوجود الفرنسي..

الطاهر بلخوجه: طلب الشعب يا سيدي..

أحمد منصور: والشعب هو الذي تحرك في..

الطاهر بلخوجه: يا سيدي، الشعب إحنا الذي حركناه، إحنا كنا في حزب الواحد وكان الشعب في إيدينا نحركه ما نشاء ونبعث به واصطفينا معناها الشباب الدستوري الستة..

أحمد منصور: وده معناه الشعب.

الطاهر بلخوجه: يا سيدي، ستة آلاف دستوري ما فيه شك فقط يعني قوة تستعملها وقت الحاجة أنت عندك عدو، وشو القوة بتاعتك القوة..

أحمد منصور: الشعب التونسي كانت الوطنية تغلي في دمائه وقدم الكثير..

الطاهر بلخوجه: يا.. لا.. والعدو.. والقوة بتاعتك الشعب..

أحمد منصور: إنما الشعب.. تقول لي الشعب إحنا بنحركه..

الطاهر بلخوجه: بنحركه من غير شك، نواجه.. بس نواجه بيه، شنوا قوتنا؟

أحمد منصور: كل شيء بتحركوه وتقعدوه، يعني خلاص لم يعد هناك إرادة للـ..

الطاهر بلخوجه: لا.. لا.. لا عندهم إرادة ولكن إحنا أقنعناه، أقنعناه أن كون فرنسا في بنزرت وأن كذا وتحدثنا.. إليه وكان بورقيبة كان له مسامرة أسبوعية في هذا الموضوع، وكان طلب ما كنا، نزل الميدان..

أحمد منصور [مقاطعاً]: طبعاً كانت مقامرة أن يدفع الناس غير مسلحين.. غير مسلحين بأسلحة خفيفة القاعدة، ثم تدكهم فرنسا لتقتل منهم.. خمسة آلاف.

الطاهر بلخوجه: لا.. لا.. اسمع، أولاً يا سيدي.. لا.. لا، لا.. لا أنا.. أنا لأ.. أنا ماشي معاك.. أنا ماشي معاك في هذا، ولكن خليني أفسر لك، شوية وتفهم كل شيء، إحنا يا سيدي فيه بالضبط وقت هذا دفعنا الشعب وماشيت ست آلاف من الشباب الدستوري إلى ذلك، وكان الجيش التونسي الصنديد ذلك.. كان كذلك في ذلك الميدان وحاصرنا القاعدة في بنزرت بالضبط حاصرنا كما حاصرناها.. كما حاصرنا القواعد العسكرية بعد ساقية سيدي يوسف وكان ربما هذا الخطأ بالنسبة لبورقيبة أنه كان هو الرهان بتاعه كان خاطي أن كون.. ولما راهن هناك في الساقية وحاصر الثكنات، فرنسا استجابت وجاءت معناها إلى الاتفاق وخرجت من القواعد بالنسبة لبنزرت لما حاصرنا -يا سيدي اسمعني مني حاجة- حاصرنا قاعدة بنزرت ولا أحداً من العسكريين يخرج من بنزرت وحتى الأميرال أمان طالب.. للإقامة العامة في تونس منعناه وقلنا أبداً وما معنى المؤونة على بنزرت؟ المؤونة الأكل والشرب..

أحمد منصور: من البحر تأتي..

الطاهر بلخوجه: استنى بقى بدل ما.. مش اشترينا أرض، استنى يا سيدي، معناها المؤونة وتتداخل يا سيدي حتى فرنسا.. فرنسا إذ ذاك طلبت منها من (همرشولد) الأمين العام للأمم المتحدة، وجاءنا أمين الأمم المتحدة وطلب من بورقيبة، طلب منه بإلحاح بأن يسمح بأن تدخل على الأقل الخبز والمؤونة إلى القاعدة وقال لبورقيبة طيب، سيدخل الخبز والمؤونة وأنا.. على أساس أن كونه الآن الأمم المتحدة اعتنت بموضوع بنزرت وأنتم معنا شوف.. شوف الذكاء السياسي! وإذاك كان الشعب إذ ذاك مرابط ومعناها.. مع دخول المؤونة ولكن حاصر الجيش الفرنسي لا خروج له من المنطقة، تدخل أماكن.. تدخل أماكن لا خروج له، وكان في بالنا أنكم هذا الرهان الخاطي كان في بال بورقيبة ربما جاء فرنسا إلى المعقول ويقول الجنرال ديغول ألا يا سيدي..

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن ما حدث..

الطاهر بلخوجه: انتظرني.. أنا يا سيدي مبدئياً سأخرج من بنزرت ولكن الاتفاق نقص ذلك، كان.. كما يقول ديغول، وأنا كنت في فرنسا، يقول لا مفاوضات تحت الضغط ولا حديث تحت الضغط وطالب من بورقيبة إنه يرجع كل الجماعة إلى بلدانهم وأنا بعدين.. بعدين، وبعد حرب الجزائر ينظر في مشكلة بنزرت، إحنا تورطنا ودخلنا في الموضوع هذا، ما كان.. وقت اللي كثر الضغط إذاك الشعبي الغير مسلح، وكان معناها الليالي الطوال والشعب كامل أمام البربري، معناها أمام.. أمام الخيوط هذه ككل وأمام السلاح الفرنسي العين، الوجه.

أحمد منصور: أمام الأسلاك الشائكة..

الطاهر بلخوجه: الوجه لوجه، كان الجنرال ديغول بالذات وكان في ألمانيا وقلت أنا كان في ألمانيا في زيارة ألمانيا وربما استشار بالهاتف معناها وزيره الأول وجماعته وأذن من ألمانيا وزير الدفاع (مسمال) بأن يأخذ القضية وأن يتعامل معها كقضية عسكرية.

أحمد منصور: فتم دك هؤلاء وقتلهم..

الطاهر بلخوجه: كيف دك يا سيدي؟ كيف عامل الجزائر؟ إحنا كنا نتوقع شعبنا.

أحمد منصور [مقاطعاً]: مراهنة.. بآلاف الناس غير مسلحين وبسطاء..

الطاهر بلخوجه: لا.. يا سيدي جاءت.. جاءت الناس، جاء العسكر وجاءت الدبابات وجاءت المظلات من الجزائر ونزلت وكانت حرب لمدة يومين، لمدة يومين في.. كانت إحنا ما اعتبرنا أن.. أن كون هذه كان اندفاع من فرنسا وكانت معناها من جنرال ديغول وهذه معناها.. وكانت عنفوان هذا الجنرال يرد على شيء ما، وكان دخل هذه.. هذه الحرب وكنا لم نتمنى تيجي حرب ولم يكن ببالنا أن جنرال ديغول أنه.. أمام شعب شعب معناه سلمي بيديه معناها ينزل به ويقصفه بالطائرات ويقصفه.. هذا جانب فرنسا، هذه الحرب. الحرب وهذه جريمة كبيرة..

أحمد منصور: وبورقيبة شارك في الجريمة أن دفع هؤلاء أيضاً غير.. غير مسلحين وغير موجهين.. لكي يواجهوا هذا..

الطاهر بلخوجه: لا.. لا، ما اندفع لا يا سيدي إحنا كنا ندافع.. إحنا واجهنا كل.. لم ما صدمناش لم نصطدم، لم ندخل الثكنة أبداً، إحنا كنا أمام الثكنة، أمام بالثكنة ويبين أن الشعب…، يجيب على الجريمة الفرنسية وجريمة جنرال أن يبعث لنا بالقنابل وغير ذلك,..

أحمد منصور: كنت وقتها لازالت قائماً بالأعمال.

الطاهر بلخوجه [مقاطعاً]: وهذا.. وهذا كما قال بورقيبة هذا ثمن الخلاص، خلصنا من الاستعمار وخرجنا فرنسا منها..

أحمد منصور: لم تخرج فرنسا بعد ذلك إلا حينما لجأتم إلى الأمم المتحدة.

الطاهر بلخوجه: لا.. لا.. إحنا..

أحمد منصور: وخرجوا بقرار.. بقرار من الأمم المتحدة..

الطاهر بلخوجه: لا.. لا خرجت.. خرجت فرنسا بعد..

أحمد منصور: في 25 يونيو 61 صوتت الجمعية العامة لصالح خروج فرنسا.

الطاهر بلخوجه: لا.. لا أبداً وفرنسا أبداً ولا كانت تعتمد الأمم المتحدة ولا تقل أبداً خرجت فرنسا طبيعياً بعد استقلال الجزائر وثبت أنه كونه غير … في تونس.. كان واضحاً..

أحمد منصور: وتم الاحتفال بعد ذلك بتحرير بنزرت في العام 61.

الطاهر بلخوجه: وجاء بعدها جمال عبد الناصر وجاء بن بيلا ومعناها.. وخطبوا وأقروا بالوطنية للحبيب بورقيبة، وبالرجولية للحبيب بورقيبة الذي أخرج معناها فرنسا من بنزرت..

أحمد منصور: شهادتهم مقدوحة فيها..

الطاهر بلخوجه: مقدوحة؟ على أين مقدوحة؟ انتهازية؟ تعتبرها أن كونه جمال عبد الناصر وبن بيلا..

أحمد منصور: عبد الناصر كان يعادي بورقيبة من البداية وبعد ذلك عاداه أيضاً، ليست هذه هي المرة الوحيدة..

الطاهر بلخوجه: لا.. لا..

أحمد منصور: فرجعت.. جمال هو وبورقيبة كان.. في هذا الموضوع..

الطاهر بلخوجه: لا.. لا مش صحيح، لا سيدي أحمد ويقرأ تاريخه..

أحمد منصور: العداء بين عبد الناصر وبين بورقيبة قديم وكان..

الطاهر بلخوجه: مش من بن بيلا..

أحمد منصور: وكان بورقيبة يرى نفسه.. كان بورقيبة يرى نفسه أنه الأولى بالزعامة العربية.

الطاهر بلخوجه: صحيح.. صحيح..

أحمد منصور: وسعى لتكوين زعامة في المغرب من عبد الناصر وزعامة في المشرق.. ليس.

الطاهر بلخوجه: ولم لا.. ولما لا.. ولما لا؟ أما.. لا أما أكلمك.. ربما.. ربما أنت تحكي على بن بيلا..

أحمد منصور: ليست مشكلة يا سيدي..

الطاهر بلخوجه: بن بيلا، جمال عبد الناصر كان متصل ببن بيلا ومتفق مع بن بيلا..

أحمد منصور: طبعاً.. طبعاً.

الطاهر بلخوجه: متفق على بيلا.

أحمد منصور: أنا لم أقل أن بن بيلا كان يعادي عبد الناصر وإنما بورقيبة..

الطاهر بلخوجه: بورقبية، يعني خدنا بن بيلا كان مع عبد الناصر على طول؟

أحمد منصور: رجعت أنت بعد ذلك في 22 يوليو انتهى عملك كقائم بالأعمال وقطعت العلاقات بين فرنسا وبين تونس، وفي الثاني عشر من أغسطس/ آب 1962م تم اغتيال صالح بن يوسف في واحدة من أكبر عملية الاغتيال السياسي والتي لا تقل عن اغتيال بن بركة المعارض المغربي بعد ذلك، وأعلن عن مسؤولية بورقيبة عن تصفية بن يوسف، في الحلقة القادمة أبدأ معك في اغتيال صالح بن يوسف وتفصيلات هذا الموضوع ودقائقه، أشكرك شكراً جزيلاً.

الطاهر بلخوجه: طيب.. شكراً..

أحمد منصور: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة -إن شاء الله- نواصل الاستماع إلى (وزير الداخلية والإعلام التونسي الأسبق) الطاهر بلخوجه، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاور الحوار


00:00 مقدمة
01:27 المنافسة بين بورقيبة وبن يوسف كانت قديمة واستفحلت بعد الاستقلال الداخلي
03:33 تأثير قبول بورقيبة بالاستقلال الداخلي على الجزائريين
08:00 هل تخلص بورقيبة من رفاقه بعد الاستقلال
09:26 إلغاء حكم البايات (الملكية) في تونس
11:37 كيف كان يختار بورقيبة رجال الدولة ومنهم بلخوجة
13:35 كيف كانت تدار الخارجية في الستينات
15:13 هل كان استقلال تونس منقوصاً وهل اكتمل بعد ذلك في 1956 وكيف خرجت القوات الفرنسية من تونس
22:46 اختيار بورقيبة النظام الرئاسي وهل اختيار وزراء ينفذون الأوامر دون أن يكون لهم رأي
26:57 هل كانت مؤسسات الدولة بواجباتها في ظل وجود حزب واحد فقط في تونس
28:37 تفاصيل لقاء ديجول بالحبيب بورقيبة وقتما كان بلخوجة قائما بالأعمال في باريس قبيل استقلال الجزائر
34:11 أهداف بورقيبة من مقابلة ديجول
37:13 أحداث بنزرت 1961 ومن المسؤول عنها

Total
0
Shares
السابق
أحمد-منصور-زغلول-النجار

حكمة الطواف بالكعبة واستشعار معاني الحج

التالي
زغلول النجار

زغلول النجار: الأطلس الوراثي وأهمية اكتشاف الجينوم البشري

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share