الطاهر بلخوجة ج3: اغتيال صالح بن يوسف وتكريم القَتَلة

يستعرض أحمد منصور مع وزير الداخلية والإعلام التونسي الأسبق الطاهر بلخوجة ج3 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، كواليس اغتيال صالح بن يوسف والتي اعتبرها وصمة عار على نظام بورقيبة.. ويمكن اعتبار هذه المرحلة من تاريخ تونس، كما وصفتها الشهادات، أشبه بـ “صراع قمة الجبل”، حيث تتشابك الرؤى السياسية الحادة حول مستقبل الدولة الحديثة مع العداوات الشخصية العميقة، ما أدى في النهاية إلى تصفية الخصوم وتكريس الحكم الفردي.
الطاهر بلخوجة

يستعرض أحمد منصور مع وزير الداخلية والإعلام التونسي الأسبق الطاهر بلخوجة ج3 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، الذي جرى بثه في 9 يونيو 2002 كواليس اغتيال صالح بن يوسف والتي اعتبرها وصمة عار على نظام بورقيبة

اغتيال صالح بن يوسف

تم اغتيال صالح بن يوسف في فرانكفورت (فيسبادن) بألمانيا في 12 أغسطس 1961. أبرز المتهمين: زرق العيون (الذي يُتهم بالإشراف على التصفية) وصادق بن حمزة ومحمد الرزقي. وقد اعترف بورقيبة في خطاب عام 1973 بمسؤوليته وهنأ من قتل بن يوسف وكرمهم بالأوسمة

يرى بلخوجة أن الخلاف بين بورقيبة وبن يوسف كان تنافساً شخصياً على الحكم، وليس خلافاً أيديولوجياً حول العروبة أو الإسلام

وجرت عملية الاغتيال بعد لقاء زيورخ (فبراير 1961): حيث جرى لقاء شابه التوتر في زيورخ بين بورقيبة وبن يوسف قبل أشهر من الاغتيال، حضرته وسيلة. بورقيبة واجه بن يوسف، متهماً إياه بأنه يريد قتله بالسم أو الرصاص..

يمكن اعتبار هذه المرحلة من تاريخ تونس، كما وصفتها الشهادات، أشبه بـ “صراع قمة الجبل”، حيث تتشابك الرؤى السياسية الحادة حول مستقبل الدولة الحديثة مع العداوات الشخصية العميقة، ما أدى في النهاية إلى تصفية الخصوم وتكريس الحكم الفردي.

أبرز ما جاء في الشهادة:

قال بلخوجة إن صالح بن يوسف قام هو أيضًا بمحاولات عدة لاغتيال بورقيبة، وذكر أن هناك سبع محاولات اغتيال قام بها بن يوسف تجاه بورقيبة.

أشار إلى أن بورقيبة نفسه اعترف لاحقًا بتدبير محاولة الاغتيال وكرم من شاركوا فيها.

أسباب اغتيال بن يوسف:

وقع الاغتيال بعد لقاء عاصف بين بن يوسف وبورقيبة في زيورخ.

نفى بلخوجة الرواية القائلة إن بن يوسف صفع بورقيبة، مؤكداً أنها كانت مجرد مشادة كلامية وتجاوز لفظي في حق الرئيس التونسي.

الحقد المتبادل والصراع على السلطة:

اغتيال بن يوسف جاء نتيجة صراع على السلطة وحقد متبادل بين الرجلين.

حوار الطاهر بلخوجة ج3:

اغتيال صالح بن يوسف وتكريم القَتَلة

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج “شاهد على العصر”. نواصل اليوم الاستماع إلى شهادة وزير الداخلية والإعلام التونسي الأسبق الطاهر بلخوجة. مرحباً معالي الوزير.

الطاهر بلخوجة: أهلاً وسهلاً بكم.

اغتيال صالح بن يوسف.. جرح لا يندمل

أحمد منصور: في الثاني عشر من أغسطس عام 1961، اغتيل المعارض الأبرز للرئيس الحبيب بورقيبة، صالح بن يوسف، في ألمانيا. وتُعدّ هذه القضية من أهم محطات التاريخ التونسي الحديث، وربما تضاهي في خطورتها قضية اغتيال المهدي بن بركة في باريس بعد ذلك بسنوات. كيف تلقيتم نبأ اغتياله؟

الطاهر بلخوجة: من الغريب أن يتحدث وزير داخلية عن واقعة اغتيال حدثت في عهده، ولكن من واجبي أن أروي الحقيقة كما عرفتها. فمرور أربعين عاماً لا يمحو مثل هذه الأحداث، فالاغتيالات لا تُنسى، والتاريخ لا يغفل عنها.

أحمد منصور: التاريخ لا ينسى شيئاً، خصوصاً الجرائم السياسية.

الطاهر بلخوجة: صحيح. لا فرق عندي بين اغتيال بن بركة أو بن يوسف، فكلاهما جريمة قتل لا تُقبل.

وصمة عار


أحمد منصور: نرجو أن تكون شهادتك هذه كاشفة للحقائق، لتسهم في إنصاف التاريخ.

الطاهر بلخوجة: بالفعل، فاغتيال صالح بن يوسف كان وصمةً في نظام بورقيبة، وربما الوصمة الوحيدة من هذا النوع. وأرى أنه لم يكن من طبع بورقيبة أن يأمر بالاغتيال، رغم أنه في عام 1973 هنّأ من نفّذ العملية وكرّمهم ومنحهم الأوسمة. أعتقد أن من نفذوا العملية تصرفوا من تلقاء أنفسهم، دون أمر مباشر منه.

أحمد منصور: لكن بورقيبة اعترف وكرّم القتلة!

الطاهر بلخوجة: نعم، لكنه لم يأمرهم، بل تعامل مع الأمر كواقعٍ مفروض.

صراع الزعيمين


أحمد منصور: نبدأ من عام 1956، حين بدأ الرئيس الحبيب بورقيبة بتغيير البنية الإسلامية في تونس عبر قانون الأحوال الشخصية وغيره.

الطاهر بلخوجة: الخلاف بين بورقيبة وبن يوسف كان تنافساً شخصياً على الحكم، لا خلافاً فكرياً أو عقائدياً. وقد أكّد المؤرخ الفرنسي الكبير شارل أندريه جوليان هذه الحقيقة في شهاداته. فبن يوسف كان يرى نفسه أحقّ بالقيادة، لما امتلكه من قدرات خطابية وشعبية ونضالية لا يُستهان بها.

تحالف بن يوسف مع عبد الناصر


أحمد منصور: بعد عام 1955 فرّ بن يوسف إلى القاهرة، حيث وجد في جمال عبد الناصر داعماً، وفتح له إذاعة “صوت العرب” ليهاجم من خلالها بورقيبة. كانت هناك محاولة صلح بين الرجلين في مارس 1961 لكنها فشلت، وازداد الصراع حدة حتى بات كلٌّ منهما يخطط للتخلص من الآخر.

الطاهر بلخوجة: بالفعل، وقد سُجلت سبع محاولات اغتيال لبورقيبة، بعضها في مطارات تونس وجدة والرباط.

أحمد منصور: لكن في أعقاب تلك المحاولات، كان يتم إعدام العشرات من العسكريين!

الطاهر بلخوجة: هذا غير دقيق، يا سيدي. الذين أُعدموا كانوا من أنصار بن يوسف الذين كوّنوا عصابات مسلحة في الجبال، أمّا محاولات الاغتيال فكانت فردية لا جماعية.


اللقاء الغامض في زيورخ

أحمد منصور: أشرت في مذكّراتك إلى لقاء جمع بورقيبة وبن يوسف في سويسرا عام 1961، لكن التواريخ تختلف بين المصادر.

الطاهر بلخوجة: اللقاء تمّ في فبراير، لا في مارس. كان بورقيبة في طريقه إلى لقاء ديغول في “رامبوييه”، ومرّ بمدينة زيورخ حيث تمّ اللقاء. وقد نُظِّم ذلك اللقاء عبر مبعوثين من بن يوسف، منهم الصادق بن حمزة كاتبه الخاص، وابن طربوط ابن أخته.

جاء بن يوسف إلى زيورخ وطلب من السلطات السويسرية أن يحضر اللقاء شخصيات سياسية محايدة لتأمينه، لا شرطة. وقد أكّد هذا أيضاً الباحث إبراهيم طوبار في كتابه.

استمرار التناحر


أحمد منصور: إذن اللقاء تمّ بوساطة سويسرية جزئية؟

الطاهر بلخوجة: نعم، بترتيب غير رسمي. كان الهدف من اللقاء إنهاء الصراع، لكنّ الثقة كانت معدومة بين الرجلين، ففشل المسعى، واستمر التناحر حتى اغتيال بن يوسف لاحقاً.

لقاء زيورخ… بداية النهاية

أحمد منصور: كان الهدف من وجود الشخصيات السويسرية في اللقاء هو تهدئة الأجواء؟

الطاهر بلخوجة: لا، لم يكن الهدف تلطيف الأجواء، بل أن يكونوا شهوداً على ما يدور في الحوار. غير أن بورقيبة انزعج من وجودهم، ورفض ذلك في البداية، ثم قبل مضطراً بعد إلحاح بن يوسف الذي طلب وجود رجال أمن سويسريين ضماناً للسلامة.

دخل الطرفان اللقاء وسط توتر شديد. قال بورقيبة لخصمه: “لقد كنتُ على حقّ، والدليل أن الاستقلال التام تحقق بعد ستة أشهر فقط”. فردّ عليه بن يوسف قائلاً إن معارضته هي التي عجّلت بخروج فرنسا. ومن هنا احتدم النقاش بينهما.

اتهامات بمحاولة الاغتيال والخيانة


أحمد منصور: هل نقل إليك أحد تفاصيل ما جرى داخل اللقاء؟

الطاهر بلخوجة: نعم، علمت بذلك من شهود حضروا الواقعة: سفير تونس في برن الذي كان الترجمان، والسيدة وسيلة بورقيبة نفسها، والطبيب عمر الشابي، وقد أكدوا لي جميعاً ما حدث.

وفي أثناء الحوار قال بورقيبة لبن يوسف بحدة:
“يا صالح، أنت تنوي قتلي، إما بالسم أو بالمسدس!”

فارتبك بن يوسف وسأله مندهشاً: “من قال لك هذا؟”
فرد بورقيبة: “لديّ معلومات مؤكدة”، ثم أنهى اللقاء غاضباً وغادر القاعة.

كانت الأجواء متوترة إلى أقصى حد، وغادر كلٌّ منهما المكان وهو يوقن أن الآخر عدوّه اللدود.


الطريق إلى الاغتيال

بعد أشهر، وتحديداً في يونيو 1961، اجتمع بن يوسف مجدداً مع بعض معاونيه، بينهم الصادق بن حمزة وبن طربوط، لبحث ترتيب لقاء ثانٍ. وتم الاتفاق على وساطة بشير زرق العيون، أحد المقاومين القدامى والمقرّبين من بورقيبة، وهو في الوقت نفسه ابن خالة بن يوسف.

وفي 12 أغسطس 1961، كان صالح بن يوسف في مدينة فيسبادن بألمانيا، يستعد للسفر إلى غينيا لحضور مؤتمر الرئيس سيكو توري. ورغم تحذير عبد الناصر له من وجود مؤامرة لاغتياله، أصرّ على السفر بعد أن حصل بصعوبة على جواز سفره.

في مساء ذلك اليوم، وصل بن يوسف إلى فرانكفورت، ونزل في فندق “روايا” برفقة زوجته وابن أخته بن طربوط. طلب من زوجته أن تنتظره في مقهى قريب، ودخل غرفته حيث كان ينتظره القدر.


الرصاصة التي غيّرت التاريخ

الطاهر بلخوجة: عندما صعد بن يوسف إلى غرفته، دخل معه ابن أخته بن طربوط، ثم خرج بعد دقائق. بعدها خرج رجلان من الحمّام وأطلقا النار على بن يوسف من الخلف، فأصاباه في رقبته فسقط قتيلاً. هرعت الشرطة السويسرية إلى الفندق، لكن القتلة كانوا قد فرّوا.

وصلني الخبر في اليوم التالي، 13 أغسطس 1961، بينما كنت في زيارة إلى المشرق. أكّد لي السفير أحمد المسيري حينها أن السلطات السويسرية تحقق في الجريمة.

شبكة الاغتيال ومسؤولية بورقيبة


أحمد منصور: من كان وراء تنفيذ العملية؟

الطاهر بلخوجة: الأشخاص الثلاثة الذين دبّروا الجريمة هم:

  1. بشير زرق العيون – الذي جلب المنفذين وتابعهم من روما.
  2. الصادق بن حمزة – الذي رتّب اللقاءات.
  3. محمد الرزقي – الذي كان همزة الوصل بين الداخلية التونسية وبن يوسف.

أما القاتل المباشر فكان عبد الله الورداني.

وقد عُثر في أرشيف وزارة الداخلية التونسية على رسالة مؤرخة في 16 أبريل 1961 كتبها صالح بن يوسف إلى محمد الرزقي، قال فيها إن بورقيبة اتهمه في لقاء زيورخ بمحاولة قتله “بالمسدس الكاتم للصوت”، وطلب تفسيراً لذلك.


مدى علم بورقيبة ؟

أحمد منصور: هل تم اغتيال بن يوسف دون علم بورقيبة؟

الطاهر بلخوجة: لا أستطيع الجزم بذلك. لم أسمع شخصياً أن بورقيبة أصدر أمراً مباشراً، لكن من الراجح أنه كان على علم بما جرى.

أحمد منصور: لكنه اعترف عام 1973 بأنه مسؤول عن مقتل بن يوسف!

الطاهر بلخوجة: نعم، قال ذلك لاحقاً، وربما أراد أن يتحمل المسؤولية السياسية أمام التاريخ، غير أنني أتحدث عما كان بين أيدينا من وثائق، لا عن التأويلات.

اعتراف بورقيبة ومسؤوليته القانونية

الطاهر بلخوجة: بورقيبة حين اعترف بمسؤوليته عن مقتل صالح بن يوسف، فقد أقرّ بذلك أمام التاريخ، ولا جدال في هذا. أمّا من الناحية القانونية، فأنا لم أسمع أنه أصدر أمراً مباشراً بالاغتيال.

أحمد منصور: هناك رواية تقول إن قرار تصفية بن يوسف اتُّخذ بعد اللقاء العاصف بينهما في زيورخ، وأن بن يوسف وجّه إهانات قاسية لبورقيبة، بل يُقال إنه صفعه على وجهه.

الطاهر بلخوجة: هذا غير صحيح إطلاقاً. تلك الرواية أخذها الصافي من كتاب إبراهيم طوبار، وقد التقيت طوبار قبل وفاته، وسألته عن ذلك، فقال لي: “قيل لي” فقط. لم يكن شاهداً على الواقعة، ولا الحاضرون أكّدوا شيئاً من هذا القبيل. لا يمكن أن أتصور أن رجلاً في مقام صالح بن يوسف يمدّ يده ليصفع زعيم دولة مثل بورقيبة، فذلك مناقض لأخلاق السياسة ورجولتها.

أحمد منصور: لكن كثيراً من السياسيين يرتكبون ما لا يُتوقع منهم.

الطاهر بلخوجة: قد يحدث شجار لفظي، أو تبادل للسباب، أما الصفع فلا. كلا الرجلين كان ذا تربية سياسية، ولا يمكن تخيّل مثل هذا السلوك منهما.


من اتخذ قرار الاغتيال؟

أحمد منصور: تذكر بعض المصادر أن قرار تصفية بن يوسف اتُّخذ بحضور الحبيب بورقيبة ووسيلة بن عمار والطيب المهيري وزير الداخلية، ومحمد المصمودي، وبأن بشير زرق العيون كُلّف بالتنفيذ.

الطاهر بلخوجة: لا، هذا غير دقيق. المصمودي لم يكن حاضراً أصلاً عام 1961، ولم يكن يوماً مديراً للحزب كما يُشاع، بل كان وزيراً للإعلام آنذاك. أما الطيب المهيري ووسيلة، فربما علما بالأمر لاحقاً، لكن لا أعتقد أن القرار نوقش جماعياً.

أحمد منصور: إذن ربما صدر القرار بشكل فردي من بورقيبة نفسه؟

الطاهر بلخوجة: نعم، هذا هو الأقرب إلى المنطق. لو وُجد قرار، فقد كان قراراً شخصياً، همسه بورقيبة في أذن المنفذ، لا اجتماعاً أو مؤامرة بين مجموعة. الزعماء الكبار لا يعقدون جلسات للتخطيط للاغتيال، بل يتخذون القرار منفردين.

أحمد منصور: وهل كانت وسيلة بن عمار على علم مسبق؟

الطاهر بلخوجة: ربما علمت بعد ذلك. كانت قريبة جداً من الرئيس، لكن لا أعتقد أنها شاركت في اتخاذ القرار.

لحظة الاغتيال وتلقي الخبر


أحمد منصور: كيف تلقيت نبأ اغتيال صالح بن يوسف؟

الطاهر بلخوجة: كنت في بولونيا مع الوزير الصادق المقدِّم لشرح قضية بنزرت، وفوجئنا في اجتماع يوم 12 أغسطس 1961 بدخول سفيرنا في موسكو أحمد المسيري وهو يقول: “لقد اغتيل صالح بن يوسف.” كانت الصدمة كبيرة رغم أن التوتر بين الرجلين كان قد بلغ ذروته.

دوافع الاغتيال


أحمد منصور: في رأيك، لماذا اغتيل صالح بن يوسف؟

الطاهر بلخوجة: لأن الخلاف بين الرجلين خرج عن إطار السياسة. بدأ تنافساً على الحكم، ثم تحوّل إلى حقد شخصي متبادل. بورقيبة كان يعتقد أن بن يوسف حاول اغتياله بالسم والمسدس، وبن يوسف اتهمه بالخيانة والكفر عبر إذاعة صوت العرب. ومع تكرار محاولات الاغتيال — سبع مرات كما قيل — أصبح كل منهما يرى في الآخر تهديداً لحياته.

أحمد منصور: إذن كانت المسألة أقرب إلى ثأر شخصي منها إلى صراع سياسي؟

الطاهر بلخوجة: نعم، بالضبط. فقدت المسألة بعدها السياسي، وتحولت إلى صراع بقاء بين زعيمين، كلٌّ يعتقد أن الآخر يسعى لقتله.

الهاجس اليوسفي


أحمد منصور: هل ظلّ صالح بن يوسف هاجساً يؤرق بورقيبة حتى بعد اغتياله؟

الطاهر بلخوجة: لا أعتقد أنه خاف منه بعد موته، لكن ظلاله بقيت تُطارد النظام. فبعد اغتياله بعام واحد، ظهرت مؤامرات من أنصاره، ثم أحداث قفصة عام 1980 كانت امتداداً لذلك الإرث اليوسفي. لقد ترك صالح بن يوسف جرحاً عميقاً في تاريخ تونس، واغتياله ظلّ وصمة سياسية لاحقت بورقيبة حتى نهاية حكمه.

تقييم الحادثة في سياق تاريخ بورقيبة

أحمد منصور: تقييمك لهذه الحادثة في ظل تاريخ بورقيبة وحياته السياسية؟

الطاهر بلخوجة: أعتبرها وصمة في تاريخ بورقيبة وفي تاريخنا. لا يُعقل أن يحمي رئيس الدولة قتلة ويمنحهم نياشين. لكن يجب الاعتراف أيضاً بمسؤولية بورقيبة وصالح بن يوسف في الخصام والصراعات التي أدت إلى فتنة في البلاد.

أحمد منصور: هل ترى أن ملف قتل بن يوسف يجب فتحه ومحاكمة القتلة من جديد؟

الطاهر بلخوجة: ملف بن يوسف مفتوح، والأساس أن أي محاولة اغتيال يجب أن تُعاقب، وهذا ما يحدث في كثير من بلدان العالم الثالث.

محاولة الانقلاب ضد بورقيبة (1962)

أحمد منصور: رغم التخلص من صالح بن يوسف، بقي هاجس اليوسفيين يهدد بورقيبة. في 20 ديسمبر 1962، وقعت محاولة انقلاب شارك فيها بعض المدنيين والعسكريين، ومن بينهم النقيب كبير المحرزي. ما معلوماتك عن هذه المحاولة؟

الطاهر بلخوجة: هذه مجرد حكايات، المحرزي كان ملازماً لبورقيبة، ليس قائد الحرس.

أحمد منصور: إذاً من كان بإمكانه تنفيذ محاولة اغتيال؟

الطاهر بلخوجة: كان هناك اتفاق مع جماعة صغيرة، خمسة أو ستة أشخاص فقط، وليس مئات كما يُشاع.

أحمد منصور: إذاً من تم إعدامهم؟

الطاهر بلخوجة: كانوا 11 شخصاً، بعضهم مرتبط بعائلة بورقيبة، والبقية من العسكريين.

صراع على السلطة والسياسة

أحمد منصور: إذاً هذه محاولة انقلاب مثل قتل بن يوسف؟

الطاهر بلخوجة: لا، كانت محاولات محدودة، على ضابطين فقط. الجماعات الكبرى لم تشارك.

أحمد منصور: وماذا عن المدنيين؟

الطاهر بلخوجة: لم يكن هناك مدنيون، كل ما يُقال غير صحيح.

أحمد منصور: ومع ذلك، أُجبر البعض على الاستنطاق في المحكمة.

الطاهر بلخوجة: نعم، لكنهم أكدوا عدم صلتهم بموضوع يوسف، بل كانت دوافعهم ردة فعل على مجزرة بنزرت، لا أكثر.


التحرك ضد ديكتاتورية بورقيبة

أحمد منصور: إذن كل حدث ضخم تحرك فيه الشعب ضد ديكتاتورية بورقيبة كان مرتبطاً بالاستبداد؟

الطاهر بلخوجة: بالضبط، جميعها ردود فعل ضد الديكتاتورية.

ملف بن يوسف وحق التونسيين في السفر

الطاهر بلخوجة: قابلتُ شخصياً زوجة صالح بن يوسف عام 1994 في المهدية، وكانت تشكرني على ما فعلت. وقتها كان ابنه بلا جواز سفر، فأعطيتُه إياه دون استشارة بورقيبة.

أحمد منصور: جواز السفر كان مأساة للتونسيين، حقهم في التنقل كان مقيداً.

الطاهر بلخوجة: متفق معك، ولكنني أريد أن أوضح التفاصيل حول الجوازات لاحقاً.

أحمد منصور: نحن نتحدث عن مرحلة الإذلال التي عاشها التونسيون منذ بداية عهد بورقيبة.

الطاهر بلخوجة: نعم، هناك تفاوت بين العهود. عهد بورقيبة كان نسبياً أفضل من عهود أخرى شهدت اغتيالات وإتلاف للناس.


الإعدامات والتجاوزات في عهد بورقيبة

أحمد منصور: عمليات الإعدام بدأت في فترة ما قبل 62، وامتدت لاحقاً، مع عشرات الضحايا.

الطاهر بلخوجة: صحيح، لكن لم يكن هناك “إتلاف” بمعناه الحرفي، أي أخذ شخص وإلقاؤه في البحر، ولم يحدث هذا في عهدي.

أحمد منصور: وماذا عن التعذيب؟

الطاهر بلخوجة: كانت بعض التجاوزات محدودة، وأنا أتحمل المسؤولية الأدبية والمعنوية عنها، لكن لم يكن هناك إسقاط جسدي أو الموت تحت التعذيب.

أحمد منصور: إذن هل غصت الطرف عن التعذيب؟

الطاهر بلخوجة: لا، لم أحبذ ذلك ولم أشارك فيه، لكن أتحمل المسؤولية عن ما حدث تحت إشرافي بشكل معنوي فقط.


إعدامات 62 واستقرار بورقيبة

أحمد منصور: بعد محاولة انقلاب 62، وإعدام 11 شخصاً، بدأ بورقيبة يشعر بالأمن ويتفرد بالحكم.

الطاهر بلخوجة: لا، بورقيبة شعر بالتفرد منذ البداية. الانقلابات كانت نتيجة تراكمات سياسية، ورواسب اليوسفية، لكنها غير مقبولة بأي حال.

أحمد منصور: هذه الملفات لن تُغلق وستظل مفتوحة.

الطاهر بلخوجة: نعم، يجب أن يُحاسب الجميع في الدنيا والآخرة.


بورقيبة والسياسة الخارجية

أحمد منصور: في 1957، قال بورقيبة إن إسرائيل غير شرعية ولن يعترف بها قبل حل مشاكل العرب. ثم جاءت زيارة أريحا في 1965، بعد مشاركته في قمة القاهرة 1964، لإطلاق مبادرة صلح مع إسرائيل، بالتنسيق مع عبد الناصر.

أحمد منصور: في الحلقة القادمة نبدأ معك من هذا المحور الهام والخطير. أشكرك معالي الوزير.

الطاهر بلخوجة: شكراً جزيلاً.

أحمد منصور: كما أشكر مشاهدينا الكرام على متابعتكم. في الحلقة القادمة، نواصل الاستماع إلى الوزير الأسبق الطاهر بلخوجة. تحيات فريق البرنامج، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


محاور الحوار

00:00 مقدمة
01:27 اغتيال بن يوسف وصمة عار على نظام بورقيبة الذي كرم من قام بذلك
07:00 بورقيبة يعذب ويقتل ضباطاً بتهمة أنهم يوسفيين والخلاف بين بن صالح وبورقيبة كان صراعاً على الحكم
10:22 بن يوسف يهاجم بورقيبة من إذاعة صوت العرب ويحاول اغتياله عدة مرات
13:22 تفاصيل اللقاء بين بورقيبة وبن يوسف في زيورخ وكان لقاء متوتراً
18:00 واقعة اغتيال صالح بن يوسف ومن المتورطين في قتله

25:06 هل صفع بن يوسف بورقيبة في لقاء زيورخ
27:18 اعتراف بورقيبة باغتيال بن يوسف وكيف يعتقد بلخوجة أن يكون صدر الأمر
31:00 لماذا تم اغتيال بن يوسف وهل كان سببه الحقد بين الرجلين
34:35 تفاصيل محاولة الانقلاب عام 1962م على بورقيبة ومن الذي قام بها وهل كانوا يوسفيين
39:33 هل فتح بلخوجة تحقيقاً وهو وزير للداخلية بعد اعتراف بورقيبة بقتل بن يوسف
41:08 التعذيب في عهد بورقيبة ووقت أن كان بلخوجة وزيراً للداخلية
44:55 هل كان بورقيبة بحاجة إلى الاغتيالات ليرسخ حكمه

Total
0
Shares
السابق
زغلول النجار

زغلول النجار: الأطلس الوراثي وأهمية اكتشاف الجينوم البشري

التالي
العميد عبد الله الحامدي

عبد الله الحامدي ج1: التنظيمات السرية في الجيش الليبي

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share