الثورة التونسية: أطاحت بديكتاتور قرطاج وألهمت الربيع العربي وانتهت نهاية مأساوية

تُعد الثورة التونسية، التي اندلعت في 17 ديسمبر 2010 وأطاحت بنظام الديكتاتور زين العابدين بن علي في أقل من أربعة أسابيع، حدثاً تاريخياً مفصلياً لم يغير المشهد السياسي في تونس فحسب، بل أطلق شرارة موجة من الانتفاضات الشعبية غير المسبوقة: ”ثورات الربيع العربي”. يسعى التقرير التالي إلى توضيح أبعاد الحدث، و كيف تحولت مأساة فردية إلى انتفاضة شعبية عارمة غيرت وجه المنطقة، وإن انتهت نهاية مؤلمة..
الثورة التونسية


تُعد الثورة التونسية، التي اندلعت في 17 ديسمبر 2010 وأطاحت بنظام الديكتاتور زين العابدين بن علي في أقل من أربعة أسابيع، حدثاً تاريخياً مفصلياً لم يغير المشهد السياسي في تونس فحسب، بل أطلق شرارة موجة من الانتفاضات الشعبية غير المسبوقة: ”ثورات الربيع العربي”.

فحينما أضرم محمد البوعزيزي -المولود في سيدي أبو زيد في العام 1984- النار في جسده النحيف على إثر شعوره بالقهر والبؤس لم يكن يدري، أنه يشعل حرائق ستطيح وتسقط أنظمة جثمت عقودا على صدور شعوبها، التي ما ظنت يوماً أنها ستسقط، واعتقدت على الدوام، أنها راسخة رسوخ الجبال، عصية على التغيير.

وكان البوعزيزي قد أقدم على حرق نفسه؛ بعد منعه من بيع الخضراوات والغلال على عربته، ورفض المسؤولين في سيدي أبو زيد مقابلته، و حينما أراد رفع شكوى بالبلدية تعرض للإهانة والصفع من إحدى الموظفات..

يسعى التقرير التالي إلى توضيح أبعاد الحدث، و كيف تحولت مأساة فردية إلى انتفاضة شعبية عارمة غيرت وجه المنطقة، وإن انتهت سريعاً نهاية مؤلمة..

جذور السخط والغضب: أسباب الثورة والثورات التي تلتها

لم تكن الثورة التونسية وليدة لحظة عابرة أو رد فعل على حادثة البوعزيزي فقط، بل كانت تتويجاً لعقود من التهميش الاقتصادي، والفساد الممنهج، والقمع السياسي.
كانت البلاد -مثل مثيلاتها العربية- بمثابة برميل بارود ينتظر شرارة.. في أرضية تراكمت داخلها مسببات الانفجار على مدى سنوات طويلة.

شهدت تونس في عهد زين العابدين بن علي تبني سياسات الخصخصة التي أدت إلى تدهور حاد في الخدمات العامة الأساسية، و زيادة الأعباء بشكل مباشر على المواطن التونسي، وكما يشير المحامي عبد الناصر عويني، فإن “التعليم أصبح بكلفة عالية جداً ومستوى منهار”، وتم “تخريب برامج التعليم بشكل منهجي ومقصود”، مما أفرغ هذه القطاعات الحيوية من مضمونها الاجتماعي.

في المقابل تشدد النظام التونسي، بالاتفاق مع الاتحاد الأوروبي، في فرض عقوبات على  من يحاولون الهروب، والهجرة غير الشرعية، أُغلق هذا الباب، وتلاشى المتنفس.
يقول عويني:  لم يعد اليأس يدفع الشباب إلى “حرق” الحدود، بل إلى حرق أجسادهم في وطنهم.

الفساد المؤسسي:

تحول الفساد في عهد بن علي من مجرد رشاوى فردية إلى نظام ممنهج ومؤسسي، يقول عويني: “استشراء الفساد كان بشكل منهجي… في مستوى رئيس الدولة وعائلته..” يقصد زوجة الرئيس ليلى الطرابلسي وعائلتها..  كما “تمأسس الفساد عبر سيطرة العائلات المتصاهرة بشكل تراتبي”، الذين تناوبوا على استنزاف ثروات البلاد. لم تعد السلطة السياسية مجرد أداة حكم، بل أصبحت بوابة للاستثراء السريع وغير المشروع.

القبضة الأمنية والدولة البوليسية

كان نظام بن علي يعتمد بشكل أساسي على جهاز أمني ضخم ومتشعب لفرض سيطرته المطلقة، ووفقاً لشهادة عبد الناصر عويني، كانت تونس تٌحكم بما يقارب 14 جهازاً أمنياً مختلفاً، من أمن الدولة والمخابرات، إلى الاستعلامات والأمن العمومي ووحدات التدخل. وكان بن علي يمسك بخيوط هذه المنظومة بشكل مباشر..

هذه القبضة الأمنية حولت تونس إلى “قلعة مظلمة”، معزولة إعلامياً ومراقبة بشكل لصيق، بحسب قول عويني.

الشرارة التي أشعلها البوعزيزي
في النهاية لم تكن بنية الدولة البوليسية مجرد أداة قمع، بل أصبحت عن غير قصد آلية لتوحيد السخط وتعميمه، حتى باتت البلاد في حاجة ماسة لشرارة رمزية لتشتعل، هذه الشرارة وفرها البوعزيزي، حينما أحرق جسده، في 17 ديسمبر 2010 .
كانت الحادثة هي الرمز الذي جسّد معاناة جيل بأكمله من القهر والتهميش، واللحظة التي كُسر فيها جدار الخوف الذي بناه النظام على مدى عقود. 

شرارة وجدت السياق

لم تكن حادثة البوعزيزي هي الأولى من نوعها، ففي مايو 2010، أقدم شاب من مدينة تالة على إحراق نفسه في المنستير لنفس الأسباب المعيشية، بحسب شهادة المحامية منية بو علي، لكن ما ميز حادثة البوعزيزي هو السياق الذي وقعت فيه، حيث كان مستوى السخط الشعبي قد بلغ ذروته.

في لحظات تحولت قضية البوعزيزي إلى قضية رأي عام حولها الشباب من خلال منصات التواصل الإجتماعي، إلى انتفاضة جماهيرية وثورة شعبية، كانت منصات التواصل فيها على حد تعبير عبد الناصر عويني، بمثابة: “وكالة أنباء متنقلة قادرة على إعطاء الخبر في لحظة بالصورة والصوت والشواهد”.

تحوّل المسار: من المطالب الاجتماعية إلى الثورة السياسية

تحولت الاحتجاجات فجأة في يوم 28 ديسمبر 2010 من طابعها الاجتماعي والاقتصادي، إلى ثورة سياسية صريحة تطالب بإسقاط النظام بأكمله:  “الشعب يريد إسقاط النظام”، عقب تظاهر المحامين، ثم الاتحاد العام التونسي للشغل.

عوامل الحسم: كيف تحول القمع إلى وقود للثورة؟

كان نجاح الثورة التونسية في الإطاحة بنظام بن علي، نتاج صمود شعبي غير مسبوق في وجه القمع، وأخطاء تكتيكية قاتلة ارتكبها النظام، وموقف حاسم اتخذته المؤسسة العسكرية في اللحظات الأخيرة.

لجأ النظام منذ البداية إلى الحل الأمني، لكن القمع الوحشي أتى بنتائج عكسية تماماً.
تقول المحامية منية بو علي :”في يوم 8 يناير، استخدمت قوات الأمن القناصة والرصاص الحي ضد المتظاهرين السلميين في تاله”. حيث جرى استهدافهم في مناطق قاتلة (القلب، الرأس، الحنجرة)، مما يؤكد نية القتل المبيتة.

بدلاً من أن يخمد هذا العنف المفرط الاحتجاجات، فإنه لم يزد الناس إلا إصراراً ورغبة في الانتقام. تحولت مدينة تالة بأكملها إلى حالة عصيان، وخرج الأهالي، نساءً ورجالاً، إلى الشوارع. تقول بو علي: “لم يزدهم إلا إصراراً، يعني كانت رغبة في الانتقام”. هذا المشهد تكرر في القصرين ومدن أخرى، حيث تحول القمع إلى وقود للثورة.

تآكل سلطة النظام 

مع اتساع رقعة الاحتجاجات، بدأ النظام يفقد زمام المبادرة. 

في خطابه الأول يوم 28 ديسمبر، توعد بن علي “مثيري الشغب”، وفي خطابه الثاني يوم 10 يناير، وصف المحتجين بـ”عصابات ملثمة”، ثم في خطابه الأخير يوم 13 يناير، قدم تنازلات كبيرة مثل إقالة وزير الداخلية والتعهد بعدم الترشح لانتخابات 2014.

هذه التنازلات قرأها الشارع كعلامة على انهيار النظام. وكما يؤكد عويني، فإن بن علي “عمره ما تنازل”، وبالتالي فإن تراجعه كان دليلاً قاطعاً على أنه في موقف ضعف. وفي الوقت نفسه، أدى استمرار الاحتجاجات في مناطق متعددة إلى استنزاف قوات الأمن واجهادها، مما أضعف قدرتها على السيطرة والانتشار بحلول اليوم الحاسم.

يوم الحسم

شكّل يوم 14 يناير 2011 ذروة المواجهة ونقطة النهاية للنظام. في مواجهة تظاهرة حاشدة ضمت عشرات الآلاف من المواطنين الذين توجهوا إلى شارع الحبيب بورقيبة وتمركزوا أمام وزارة الداخلية. نزل الجيش إلى الشوارع لحماية المنشآت الحيوية، ولكنه، وبشكل لافت، لم يطلق النار على المتظاهرين. ما كشف الأجهزة الأمنية القمعية، يقول عبد الناصر عويني: “انتهى مخزون وزارة الداخلية من الغاز انتهى مطلقاً”، أصبحت الصورة واضحة: لقد فقد النظام السيطرة تماماً وعجز مادياً عن قمع الحشود. هذه العوامل مجتمعة، وخصوصاً حجم مظاهرة 14 يناير الهائل، أدت إلى هروب بن علي في مساء اليوم نفسه، لتطوي صفحة من تاريخ تونس وتبدأ صفحة جديدة.

في تلك اللحظة، خرج المحامي عبد الناصر عويني إلى شارع الحبيب بورقيبة الذي كان قد أخلاه الرصاص والغاز، وصرخ في مقطعه المصور الشهير الذي أصبح أيقونة للثورة: “المجرم هرب… بن علي هرب”.

الثورة التونسية تلهم الربيع العربي

إن نجاح الثورة التونسية، التي انطلقت من منطقة مهمشة وأطاحت بأحد أعتى الديكتاتوريات العربية في غضون أربعة أسابيع فقط، كان له صدى مدوٍّ في جميع أنحاء العالم العربي. لقد حطمت هذه الثورة “جدار الخوف” الذي كان يحيط بالشعوب العربية لعقود، وأثبتت أن الأنظمة التي تبدو صلبة ومنيعة يمكن أن تنهار أمام الإرادة الشعبية المنظمة والمصممة، بسهولة..

أصبح شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، أيقونة الثورات في مصر وليبيا واليمن وسوريا. 

“النهاية المأساوية” للثورة التونسية

في سياق الفشل السياسي اللاحق، فشلت الثورة التونسية، التي أنهت 23 عامًا من الديكتاتورية والقمع في الاستمرار، كما فشل الربيع العربي، وسقطت البلاد في يد الاستبداد مجدداً، وإن كان الحاكم هذه المرة لا يملك كاريزما بن علي، ولا قوته، ولا كامل أدواته!!
أضحت ثورة الياسمين خريفاً، كما أضحى الربيع العربي برمته خريفاً..
فالأمل الذي وُلد في شوارع العاصمة، بدءاً من سيدي أبو زيد، قد تبدد، ودخلت البلاد في “منحدر رهيب..” .

بين الثورة و الفشل


شهدت البلاد بين الثورة والسقوط الديمقراطي، ولادة أكثر من 200 حزب سياسي ونحو 10 آلاف جمعية ومنظمة مجتمع مدني.
ولدت نحو 360 صحيفة (يومية وأسبوعية)، ونحو 20 إذاعة محلية، وأكثر من 15 محطة تلفزيونية، مما حرر الفضاء العام من قبضة المراقبة الحكومية.

كما عاشت تونس أجواء “انتخابات حرة للمرة الأولى عبّر فيها الشعب عن قناعته”، وتشكلت الأحزاب والنقابات بحرية، مما أرسى دعائم نظام ديمقراطي تعددي.
إلا أن هذه الإنجازات المؤسساتية لم تكن كافية لتحصين التجربة ضد التصدعات الداخلية.
فالمناكفات السياسية والمصالح الحزبية الضيقة نجحت بجدارة في تثبيت حالة من الإحباط الشعبي، كانت المدخل الذي استغله الرئيس قيس سعيد لقلب المشهد السياسي بالكامل، واسترداد عهد الاستبداد، بعد أعلن خلال إحيائه الذكرى التاسعة للثورة في 2019 في سيدي بوزيد، تاريخ 17 ديسمبر من كل سنة، عيدا وطنيا للثورة التونسية!!

لم يتوقف سعيد عن اتخاذ سلسلة من الإجراءات الاستثنائية التي فككت بشكل منهجي ومتعمد البنية الديمقراطية التي تم بناؤها بشق الأنفس على مدى عقد كامل، وأعلن بشكل رمزي في صخب الاعتقالات، وحل البرلمان، وتدمير الهيئات الرقابية المستقلة، وضرب المجتمع المدني، نهاية التجربة الثورية الملهمة بحق …

في الختام، يمكن القول إن الثورة التونسية لم تكن حدثاً عفوياً، بل كانت نتيجة حتمية لتراكمات عميقة من القهر الاقتصادي، والفساد السياسي، والاستبداد الأمني، الذي وحد الشعب التونسي كما لم يوحده شيئ آخر، نجحت الثورة بسبب صمود الشعب وامتلاكه إرادة التغيير في لحظة تاريخية، في المقابل فشل النظام في قراءة الوضع على الأرض، وظن أن استخدامه المفرط للعنف، سيضمن استعادة زمام المبادرة، نجحت الثورة وقدمت أولى دروسها للشعوب المحيطة: قوة الإرادة الشعبية تكسب في مواجهة الاستبداد، ما فتح الباب للربيع العربي الذي أضحى خريفاً؛ بسبب مناكفات سياسية ومصالح حزبية، شتت المعارضة، وأعادت السلطة للدولة العميقة، وأعادت الأوضاع للمربع صفر، وكأن ثورات لم تقم..

المزيد

Total
0
Shares
السابق
عبد الناصر عويني

عبد الناصر عويني ج1: أسباب ثورة التونسيين على بن علي؟

التالي
منية بوعلي

منية بوعلي ج1: قصص مؤلمة من الثورة التونسية

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share