يستعرض أحمد منصور، مع المحامية والناشطة من مدينة تالة التونسية، منية بوعلي ج2 من حوارهما في برنامج شاهد على الثورة، والذي جرى بثه بتاريخ 1يوليو 2012، جرائم نظام بن علي والتنكيل بالجنازات ومنع تلاوة القرآن في منازل الشهداء .
منية بوعلي ج2:
جرائم نظام بن علي والتنكيل بالجنازات ومنع تلاوة القرآن
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقةٍ جديدة من برنامج شاهدٌ على الثورة حيث نواصل الاستماع إلى شهادة أستاذة القانون والمحامية منية بو علي حول الأحداث التي وقعت في مدينة تالا خلال الثورة التونسية أستاذة منية مرحباً بكِ.
منية بو علي: مرحباً بك.
أحمد منصور: أنا معكِ يوم ثمانية يناير 2011 حينما سقط في تلك الليلة سقط فيها خمسة شهداء في مدينة تالا بعد الشهيد الخامس ما الذي حدث وأهل المدينة كلهم في الشارع؟
نضال من أجل الإسعاف
منية بو علي: لقد كان عدد المصابين بالرصاص الحي مهولاً، إلى جانب الشهداء الخمسة. قضينا بقية الوقت حتى بزوغ الفجر في محاولة تضميد جراح الجرحى وإسعافهم، وكانت عملية نقلهم إلى مستشفى مدينة القصرين عسيرة جداً.
أحمد منصور: وكيف كانت تلك الصعوبة؟
منية بو علي: كانت القصرين تبعد عنا مسافة كبيرة.
أحمد منصور: خمسين كيلومتراً تقريباً.
منية بو علي: نعم، خمسين كيلومتراً.
أحمد منصور: ألم يكن هناك مستشفى في “تالة”؟
منية بو علي: كان هناك مستشفى محلي فحسب.
أحمد منصور: وهو بالتأكيد لا يستطيع التعامل مع حالات الإصابة بالرصاص الحي.
منية بو علي: هو مستشفى يتعامل مع حالات الطوارئ فقط، وكانت هناك إصابات بالقنابل المسيلة للدموع، وجرحى إضافيون نتيجة العنف الذي مورس عليهم من قِبل أعوان الأمن. كان المستشفى المحلي ضيقاً وغير قادر على استيعاب هذا الكم الهائل من الجرحى، فكان لا بد من نقلهم إلى المستشفى الجهوي بالقصرين، لكن مدينة تالة كانت محاصرة؛ فالدخول إليها من جهة مدينة “الكاف” كان مغلقاً، والخروج منها باتجاه “القصرين” كان مغلقاً كذلك.
أحمد منصور: وهذان هما الطريقان الرئيسان اللذان يربطان المدينة بما حولها.
منية بو علي: تماماً، لذا كانت عملية الخروج تتم من داخل المدينة عبر مناطق جبلية وعرة.
أحمد منصور: تقصدين أنكم هربتم بالجرحى بعيداً عن أعين الشرطة؟
منية بو علي: نعم، فبالتأكيد لم يكن بوسعنا المرور من أمامهم؛ إذ لاحق رجال الأمن الجرحى والشهداء حتى داخل المستشفى.
أحمد منصور: كيف حدث ذلك؟
منية بو علي: دخلوا المستشفى المحلي في تالة وحاولوا اعتقال بعض الجرحى وهم أحياء، ونشب شجار ومشادة بين أحد كبار مسؤولي الأمن وبين الطبيب والممرضات هناك، حيث حاول المسؤول اعتقال الجرحى ومنع عملية إسعافهم.
أحمد منصور: ما اسم هذا المسؤول؟
منية بو علي: العميد يوسف بن عبد العزيز.
أحمد منصور: وهو الآن من بين المتهمين؟
منية بو علي: نعم، هو الآن بين المتهمين، وكان هو المشرف على العمليات الأمنية وإطلاق الرصاص وقتل الناس في مدينة تالة.
أحمد منصور: هو المتهم الأول إذن؟
منية بو علي: هو المتهم الرئيسي؛ كونه كان يترأس الفرقة الأمنية التي أطلقت الرصاص، وهو من كان يصدر الأوامر والتعليمات بمختلف صورها.
تالة تبكي شهداءها وسط إطلاق الرصاص
أحمد منصور: كيف كان الصباح في تالة يوم التاسع من يناير؟
منية بو علي: كان صباحاً رهيباً وحزيناً؛ حتى الطقس في ذلك اليوم كان مغيماً وكئيباً. بدأت تالة يومها تلملم جراح الليلة السابقة على وقع عويل النساء وبكاء الرجال. لقد بكينا جميعاً شهداءنا.
أحمد منصور: المدينة كلها كانت تبكي؟
منية بو علي: مدينة تالة بأكملها بكت شهداءها بلا استثناء، فقد سقط خيرة أبنائها وهم في زهرة العمر. كان أمامهم مستقبل كبير، وأحلام بسيطة بأن يعملوا ويؤسسوا عائلات، “ويوسّعوا” على أهاليهم كما نقول بالعامية، لأنهم جميعاً من عائلات فقيرة. الشهيد “أحمد ياسين الرتيبي” مثلاً، كان هو أمل والديه اللذين يعيشان تحت خط الفقر؛ كانت أمه تراه يكبر أمامها وتكبر معه فرحتها بأنه هو من سيأتي بالفرج للعائلة ولإخوته. هؤلاء الشباب كانوا يحملون آمال عائلاتهم بأكملها.
صمت الجيش
أحمد منصور: وماذا عن قصة الشهيد السادس؟
منية بو علي: الشهيد “وجدي السايحي” استشهد يوم الثاني عشر من يناير في الساعة الحادية عشرة إلا ربعاً صباحاً. وقبل استشهاده، تمت مداهمة الحي الذي يقطن فيه، وبالتحديد المنزل الذي كنت موجودة فيه أنا والأخ بلقاسم السايحي.
أحمد منصور: دعيني أعود معكِ إلى يوم التاسع من يناير؛ إذ حدثت مواجهات وملاسنات بينكم وبين قيادات الأمن في اليوم التالي للمجزرة.
منية بو علي: كان ذلك يوم الأحد، ولم تكن مجرد ملاسنات، بل كانت المدينة كلها مشحونة ضد تمترس رجال الأمن. وفي تلك الفترة كان الجيش التونسي متواجداً في المدينة.
أحمد منصور: كيف كان موقف الجيش؟ يبدو أنه كان سلبياً.
منية بو علي: نعم، كان موقفاً سلبياً للأسف.
أحمد منصور: لم يفعل شيئاً والقتل يحدث أمامه؟
منية بو علي: لم يحرك ساكناً، كان يدّعي أن دوره هو حماية المؤسسات، ولا أدري كيف تُحمى المؤسسات والمنشآت ويُترك الإنسان!
أحمد منصور: يحمون الحجر والطوب ويتركون البشر!
منية بو علي: الجيش يجب أن يحمي الإنسان والوطن، والوطن لا قيمة له بلا ناس.
أحمد منصور: باختصار، ماذا حدث في ذلك اليوم؟
منية بو علي: كانت تالة في حالة هيجان تتجاوز الغضب. كانت عمليات إسعاف الجرحى متواصلة، وكذلك محاولات منع نقلهم إلى المستشفى. كانت عملية الإسعاف تتم خلسة؛ فبعض الجرحى الذين سقطوا في الشوارع الموازية للشارع الرئيسي أُدخلوا إلى المنازل المجاورة لمداواتهم بعيداً عن أعين الأمن.
إليك ضبط الحوار باللغة العربية الفصحى، مع الحفاظ على الأمانة في نقل المعنى واستخدام عناوين جانبية مبتكرة وتنسيق الأسماء بخط عريض:
جرائم القتل العمد
أحمد منصور: ومداواته.
منية بو علي: نعم، مداواته وإبقاؤه داخل المنزل. كانت عملية الإسعاف بدائية وتقليدية، تهدف فحسب إلى محاولة وقف النزيف.
أحمد منصور: محاولة وقف النزيف فحسب.
منية بو علي: وقف النزيف وتضميده، لكن الرصاص الذي استُخدم كان من النوع “اللولبي”، وهو رصاص قاتل يخترق الجسد مخلفاً ثقباً صغيراً، لكنه يستمر في الدوران داخل الساق أو اليد أو أي مكان يصيبه.
أحمد منصور: إذن ليس رصاصاً عادياً.
منية بو علي: ليس رصاصاً عادياً أبداً، فالإصابة به تؤدي إلى تفتيت الجزء المصاب، وهو ما يستدعي تدخلاً جراحياً عاجلاً.
أحمد منصور: يستدعي مستشفىً وعمليات جراحية دقيقة.
منية بو علي: يتطلب مستشفىً، وعملية جراحية، وإسعافاً على يد متخصصين. وهذا يفسر بقاء الرصاصة في ظهر أحد المصابين في مدينة القصرين حتى يومنا هذا.
أحمد منصور: القصرين اشتعلت في ذلك اليوم، أليس كذلك؟
منية بو علي: اشتعلت ليلة الثامن من يناير، فور وصول خبر سقوط الشهداء الأوائل في تالة.
أحمد منصور: وفور وصولهم إلى القصرين.
منية بو علي: نعم، وبمجرد وصول الخبر، خرج أهالي حي الزهور وحي النور في حالة من الغليان الشعبي تضامناً مع شباب تالة.
جنائز تحت الحصار
أحمد منصور: متى دُفن الشهداء؟
منية بو علي: قبل الدفن، جرت مفاوضات بين الأهالي وبين العميد والشرطة.
أحمد منصور: وأنتِ شاركتِ في هذه المفاوضات؟
منية بو علي: نعم، أنا من توجهت إلى العميد “يوسف بن عبد العزيز” للتفاوض معه؛ كي يفتح لنا الطريق ويسمح بمرور الجنازات.
أحمد منصور: أخبرينا، ماذا دار في تلك المفاوضات؟ وماذا قلتِ له وبماذا أجابكِ؟
منية بو علي: طلبتُ منه سحب أعوان الأمن إلى الخلف وفتح الطريق الرئيسي. وبحكم أن تالة مدينة جبلية، فلا يمكن تشييع خمس جنازات في وقت واحد بجموع غفيرة عبر مسالك وعرة أو مناطق غابية ووديان صغيرة. لكنه رفض تماماً.
أحمد منصور: رفض إخلاء الطريق لمرور الجنائز!
منية بو علي: رفض ذلك، بل تطور الأمر إلى إطلاق الرصاص على جنازة الشهيد “أحمد ياسين الرتيبي”، حتى سقط النعشُ أرضاً.
أحمد منصور: سقط النعشُ على الأرض!
منية بو علي: نعم، سقط النعش. وحينها رأيتُ مشهداً سيبقى محفوراً في ذاكرتي، مشهداً يجسد قيمة الأبوة؛ فعندما سقط النعش، فرّ الناس من حولي وبقيتُ أنا وأحد الشبان ووالد الشهيد.
أحمد منصور: بجانب النعش.
منية بو علي: بل ارتمى الأب فوق نعش ابنه ليحتضنه تحت رصاصهم المنهمر. ورغم أن الجسد داخل الصندوق قد فارق الحياة ولا يحتاج حماية، إلا أن غريزة الأب دفعته لاحتضان النعش. كنا نحاول جذبه قائلين: “ابتعد يا حاج، أنقذ نفسك”، لكنه استمات في حماية النعش، بينما كان البوليس مستعداً لقتله فوق جثمان ابنه. لقد تجردوا من إنسانيتهم؛ فكيف لبشر أن يرى أباً يحتضن نعش ابنه ويستمر في إطلاق الرصاص؟! كانت لديهم رغبة محمومة في القتل، ولا أدري أكانت أوامر أم تصرفات فردية، وهذا هو اللغز القائم في قضية شهداء تالة والقصرين.
اعتقال المحامية
أحمد منصور: ماذا فعل المسؤول الأمني بعد ذلك؟
منية بو علي: رغم محاولتي مواجهته بالقوانين المنظمة لمهنة الأمن وبلوائح وزارة الداخلية، إلا أنه ضرب بكل ذلك عرض الحائط.
أحمد منصور: هل تطاول عليكِ بالسب؟
منية بو علي: انتهى الأمر بإيقافي واعتقالي في تلك اللحظة.
أحمد منصور: ألقوا القبض عليكِ؟
منية بو علي: نعم، كنتُ أنا والأخ “فوزي الهداوي” (عضو لجنة متابعة الأحداث التي شكلناها في الرابع من يناير لتوثيق الجرائم). توجهنا للتفاوض، فأمر “يوسف بن عبد العزيز” بالقبض عليّ.
أحمد منصور: واحتُجزتِ؟
منية بو علي: نعم، احتُجزتُ لمدة أربع ساعات، ولم يُفرَج عني إلا بعد تدخل العميد “عبد الرزاق الكيلاني” (عميد المحامين)، الذي بلغه الخبر من الزملاء الذين شهدوا عملية الاعتقال واتصلوا بمحامي القصرين.
أحمد منصور: وهو ما يوازي منصب “نقيب المحامين”. والسلطات كانت تتحسب للاصطدام بهم في عهد بن علي.
منية بو علي: حاول النظام مراراً اختراق قطاع المحاماة، لكن النقابة كانت سداً منيعاً ضد الديكتاتورية. ونتذكر العنف الذي قوبل به إضراب المحامين في الثلاثين من ديسمبر في تونس العاصمة وسوسة وبنزرت وباجة والقصرين. لقد حوصرت محكمة القصرين بعدد مهول من رجال الأمن رغم أن عدد المحامين في الداخل لم يتجاوز الخمسين.
أحمد منصور: لقد كان بن علي يرتعد خوفاً من محامي تونس.
منية بو علي: كان خوفاً يطارده حتى في منامه.
أحمد منصور: أُفرِج عنكِ في التاسعة من يناير بعد أربع ساعات، أي في حوالي الساعة الثانية ظهراً. ماذا حدث في بقية اليوم؟ وهل دُفن بقية الشهداء؟
منية بو علي: بعد أربع ساعات.
أحمد منصور: في أي ساعة كان ذلك تقريباً؟
منية بو علي: كانت الساعة الثانية ظهراً.
أحمد منصور: ماذا حدث في بقية ذلك اليوم؟ هل تم دفن بقية الشهداء؟
منية بو علي: بالتأكيد، عدتُ واتصلتُ بعائلات الشهداء وتفقدتُ الأوضاع هناك، كما استعلمتُ عن الحالة الصحية للجرحى الذين نُقلوا إلى المستشفى، وكنا نحاول التنسيق لتشييع جنازات بقية الشهداء.
أحمد منصور: كيف كان مشهد موكب بقية الشهداء؟
منية بو علي: كان موكب الدفن رهيباً؛ لا تزال صوره محفورة في ذاكرتي حتى اللحظة، وأرى أنه لابد من تخليد هذه اللحظات في تاريخ المدينة وتاريخ تونس كبلد. لقد شهدتُ لأول مرة جنازة بتلك الفخامة والمهابة.
أحمد منصور: هل خرجت المدينة بأكملها للمشاركة؟
منية بو علي: نعم، جرت العادة أن يقتصر تشييع الجنائز على الرجال فقط، لكن في ذلك اليوم خرج الجميع؛ الرجال والنساء والأطفال، المدينة والقرى المجاورة بأكملها. خرجت تالة لوداع خمسة من أبنائها في يوم واحد ولحظة واحدة.
تنكيل بالموتى واستهزاء بالشهادة
أحمد منصور: وجميعهم شهداء سقطوا برصاص الشرطة.
منية بو علي: نعم، ومن أمام الجامع الكبير المجاور لمكتبي مباشرة، في ذات الشارع الذي سقط فيه أربعة من الشهداء. إنه موقف لا أتمنى أن أعيشه ثانية؛ أن ترى هذا العدد من الشهداء يُحملون في وقت واحد. والمخزي كان ذعر البوليس التونسي من جنازة، رغم ادعائه الحرص على الأمن، وتذرعه بأن موكب التشييع قد يسبب شغباً. لقد تعهدتُ شخصياً للعميد “يوسف بن عبد العزيز” بأن يتولى الجيش التونسي الموجود هناك حماية المواطنين والجنائز لتمر بسلام بدلاً من حماية الجدران والمؤسسات، لكنه تعنت ورفض. كانت العملية مقصودة للتنكيل حتى بجنائز الشهداء، وكان كلما ذُكر اسم “شهيد” يضحك باستهزاء، مواصلاً حالة العنف التي جُبل عليها رجال الأمن حتى في التعامل مع الأموات.
أحمد منصور: كيف قضت تالة ليلتها يوم التاسع من يناير؟
منية بو علي: باتت حزينة تبكي شهداءها في حالة غضب عارمة لا تفيها الكلمات حقها. ولدينا عادة في تونس، لا سيما في القرى المحافظة، وهي قراءة القرآن الكريم كاملاً (الستون حزباً) في ليلة دفن الميت؛ حيث يتم توزيع الأجزاء على مجموعة من الحفظة. وتخيل كيف كان تعامل “يوسف بن عبد العزيز” في موقف كهذا!
أحمد منصور: هل وصل الأمر إلى المنع؟
منية بو علي: بل داهم المنازل أثناء تلاوة القرآن على أرواح الشهداء، وأطفأ الأنوار عليهم. لقد نكّل بعائلات الشهداء بعد الدفن بأسلوب رهيب.
القاتل في قفص الاتهام
أحمد منصور: كيف هو وضعه في المحكمة الآن؟
منية بو علي: هل تقصد وضعه القانوني أم النفسي؟
أحمد منصور: كليهما.
منية بو علي: قانونياً، هو متهم من الدرجة الأولى بوجه اتهام “القتل العمد مع سابق الإصرار”. أما نفسياً، فقد رأيته في المحكمة عدة مرات، وأثناء “المكافحة” (المواجهة القانونية) التي جرت بيني وبينه كشاهدة في القضية. ولأكون صادقة، كان الخوف بادياً عليه، وقد فقد الكثير من وزنه ومن سمات الغطرسة التي كانت تملأ وجهه، لكنه لم يفقد صلفه؛ فقد هددني أمام قاضي التحقيق حين أصررتُ على فضح قسوته مع الجنازات والمتظاهرين. لقد نفيتُ ادعاءاته بأن قتل الشهداء كان “دفاعاً عن النفس” ضد زجاجات حارقة أو أسلحة بيضاء، كما كذّبتُ مزاعمه بشأن حرق مؤسسات الدولة؛ إذ قمنا بتصوير تلك المؤسسات وبثها مباشرة لتفنيد تضليل “القناة البنفسجية” (تونس 7) التي كانت تروج لرواية السلطة.
أحمد منصور: والبيان الرسمي للحكومة، كيف كان موقفه؟
منية بو علي: كان محاولة للتنصل من الموقف المتأزم. ووفق القانون التونسي، هو يواجه الآن عقوبة الإعدام إذا ثبتت التهم وطُبق القانون.
أحمد منصور: هل اعترف بجرمه؟
منية بو علي: بالتأكيد لا.
العصيان المدني
أحمد منصور: نعود إلى جو تالة؛ في ليلة التاسع من يناير هُجمت البيوت ومُنعت تلاوة القرآن وأُطفئت الأنوار.
منية بو علي: نعم، هي المداهمات الليلية.
أحمد منصور: وقُبض على الكثير من الشباب في تلك الليلة.
منية بو علي: نعم، اعتقلوا من تبقى من الشباب؛ فمنهم من استشهد، ومنهم من جُرح، والبقية سُيقوا إلى غياهب السجون أو احتُجزوا في مراكز الأمن، ولم يخرجوا إلا يوم تحرير الأرض في الثاني عشر من يناير حين فتحنا الأبواب بأيدينا.
أحمد منصور: وفي يوم العاشر من يناير؟
منية بو علي: استمرت المواجهات بالكر والفر والحجارة. ودخلت مدينة تالة في عصيان مدني شامل؛ أُغلقت المؤسسات، وخرج الأهالي ليفترشوا الشوارع والساحات قعوداً (جلوس القرفصاء) تعبيراً عن رفضهم لما حدث. وكالعادة، قوبل هذا التحرك بذات العنف، علماً بأنه في ذلك اليوم تم استبدال القائد الأمني؛ فخرج “يوسف بن عبد العزيز” وحل محله “منصف العجيمي”.
أحمد منصور: وهل واصل “العجيمي” نفس النهج القمعي؟
منية بو علي: بالطبع، وأكبر دليل على ذلك هو سقوط الشهيد السادس، “وجدي السايحي”.
إليك ضبط الحوار باللغة العربية الفصحى الرصينة، مع الحفاظ على الأمانة التامة في نقل المعنى واستخدام عناوين جانبية معبرة وتنسيق الأسماء بخط عريض:
أحمد منصور: الشهيد السادس.
منية بو علي: الشهيد السادس هو “وجدي السايحي”، استشهد في الثاني عشر من يناير. وفي تلك الفترة، كانت الاعتقالات في صفوف الشباب مستمرة، تجري ليلاً بأساليب مداهمة غريبة ومروعة.
أحمد منصور: كيف كانت تلك المداهمات؟
منية بو علي: داهموا حتى المحال التجارية، ووقع نهبٌ واسع للممتلكات.
أحمد منصور: تماماً كما حدث في المدن الأخرى.
منية بو علي: نعم، لأنها ذات العقلية الأمنية القمعية.
أحمد منصور: ففي “منزل بوزيان” أيضاً داهموا المحال وسرقوها.
منية بو علي: سرقت المنازل والمحال ونُهبت، وفي البيوت التي لم يجدوا فيها شباباً، كانت النساء تُعامل بالضرب والإهانة.
أحمد منصور: وماذا عن قصة الشهيد السادس؟
منية بو علي: قصة الشهيد السادس وجدي السايحي قصة أحتفظ لها في داخلي بإحساس مؤلم؛ لأنني أشعر بأنني كنت سبباً في استشهاده.
أحمد منصور: لقد كنتِ ملاحقة من قِبل الأمن آنذاك.
منية بو علي: بالتأكيد كنتُ ملاحقة، وربما لو كان هناك قدر أكبر من الحيطة…
مداهمات وملاحقات الناشطين
أحمد منصور: صفِي لنا ما حدث.
منية بو علي: كانت تحركاتنا كأعضاء للجنة مرصودة بدقة، فقد كان صف الشباب مخترقاً من قِبل “العيون” أو المخبرين الذين جندهم بن علي. كنا نحاول التنقل من مكان لآخر تجنباً للرصد؛ فإما أن نجتمع في مكتبي كونه محمياً قانوناً من الاقتحام، أو في دار “بالقاسم السايحي” لتوافر خدمة الإنترنت هناك، ليتسنى لنا إرسال الصور والتوثيقات لقناة “الجزيرة” والقنوات العالمية والمنظمات الحقوقية مثل “هيومن رايتس ووتش”.
أحمد منصور: كنتم ترسلون التقارير من منزله؟
منية بو علي: نعم، فبعد إغلاق مراكز الإنترنت العامة في “تالة”، أظهر الأخ “بالقاسم السايحي” شجاعة كبيرة بالسماح لنا باستخدام الإنترنت من بيته. ما حدث هو أن الأمن بيت النية لاعتقالي واعتقال بالقاسم وكل من يوجد في المنزل، فتم تطويق الأزقة الفرعية بالسيارات الأمنية.
أحمد منصور: وأحدثوا حالة من الرعب.
منية بو علي: نعم، نزل رجال الأمن وشرعوا في ترهيب المواطنين، وضرب أبواب المنازل المقفلة بعنف لمنع الناس من الخروج أو مشاهدة عملية الاعتقال.
أحمد منصور: هل كان القصدُ أنتِ تحديداً؟
منية بو علي: القصدُ كان المجموعة التي يرصدونها. حين وقفت سيارة الأمن أمام المنزل وتيقنتُ أنهم سيقتحمون، قلتُ لبالقاسم: “سيقتحمون المنزل الآن، عليك بالهرب فوراً”. أظهر شجاعة نادرة وسألني: “وأنتِ يا أستاذة؟”، فأجبته: “اهرب أنت، أنا سيحميني المحامون والنقابة”.
أحمد منصور: حاول الهرب من السطح؟
منية بو علي: نعم، وبينما كان يحاول الهرب، لم يقف شباب الحي مكتوفي الأيدي؛ فقد أعطوا إشارات بالتصفير لتجمع الشباب، واندلعوا في الساحة التي استشهد فيها وجدي السايحي لاحقاً. رشقوا الأمن بالحجارة لتشويش الموقف ومنعهم من القبض علينا، ولإعطائنا وقتاً للفرار. في تلك اللحظة استخدم الأمن الرصاص الحي والمطاطي والقنابل المسيلة للدموع.
أحمد منصور: كل هذا القمع في موقف واحد؟
منية بو علي: نعم، وأُصيب الشهيد “وجدي السايحي” برصاص حي وفارق الحياة في لحظات، كما أُصيب “سمير السايحي” في ساقه، وشاب آخر بجراح بليغة. ولا زلتُ أحمل إحساساً بالذنب تجاه وجدي حتى الساعة.
أحمد منصور: من كان قائد تلك القوة؟
منية بو علي: المنصف العجيمي، وهو من المتهمين الآن لكنه في حالة سراح.
أحمد منصور: في حالة سراح؟!
منية بو علي: لم يتم إيقافه، بل تمت ترقيته إلى رتبة أعلى، وهو الآن مدير عام بوزارة الداخلية، ويقف سداً منيعاً أمام جلب أعوان الأمن المسؤولين عن القتل للمحاكمة.
أحمد منصور: ربما يتغير الموقف مع الحكومة الجديدة. وكيف كانت جنازة الشهيد السادس؟ هل قُبض عليكِ بعدها؟
منية بو علي: لا، فقد أنقذ الموقف سقوط الشهداء والجرحى، وتغيرت المعادلة تماماً؛ إذ وردت تعليمات في ذلك اليوم (12 يناير) بإخلاء مدينة تالة من الأمن.
أحمد منصور: وأصبح الجيش هو المتواجد الوحيد؟
منية بو علي: نعم، ومنذ ذلك اليوم وإلى يومنا هذا، تالة بلا أمن رسمي.
أحمد منصور: سنة كاملة تقريباً بدون أمن؟
منية بو علي: نعم، والشباب الذين قادوا الثورة هم من شكلوا لجان حماية الأحياء وحموا المدينة من السلاح المهرب والسيارات المشبوهة، خاصة وأننا منطقة حدودية. لقد كانوا هم رجال الأمن الحقيقيين.
مدينة تالة لحظة هروب بن علي
أحمد منصور: الموقف تغير بسرعة وهرب بن علي في الرابع عشر من يناير. كيف تلقيتم الخبر في تالة؟
منية بو علي: كحال كل التونسيين؛ فرحة يشوبها الاستغراب والخوف، لم تكن فرحة “صافية” في البداية لأننا لم نكن ندرك إن كان قد غادر الحكم نهائياً أم لا. لكن سرعان ما ساد الإحساس بالتخلص من الطاغية، وانبعثت الرغبة في الحياة مجدداً رغم الفقر الذي لا تزال تعانيه تالة.
أحمد منصور: ما هو أملكِ في الحكومة القادمة وفي التغيير الجديد؟
منية بو علي: أملي كبير، رغم إشفاقي على الحكومة من “تسونامي” الملفات الذي ينتظرها.
أحمد منصور: وماذا تنتظرين من محاكمة المتهمين بقتل الشهداء؟
منية بو علي: أنتظر أمرين؛ أولاً من القضاة التونسيين أن يثبتوا استقلاليتهم وتجرد المحاكمة عن أي حسابات سياسية، فالقاضي جزء من هذا الشعب الذي قمعه بن علي. وثانياً من المحاماة التونسية أن تظل سداً منيعاً ضد الديكتاتورية وتقف بجانب المتضررين لتحقيق محاكمة عادلة.
أحمد منصور: منية بو علي، المحامية وأستاذة القانون، أشكركِ شكراً جزيلاً على هذه الشهادة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، حتى ألقاكم في حلقة قادمة مع شاهد جديد على الثورة، هذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحوار
0:00 المقدمة
0:32 صعوبة إسعاف الجرحى
2:40 ملاحقة الأمن للجرحى في المستشفيات
3:10 منع العميد يوسف بن عبد العزيز مداواة الجرحى ومحاولة اعتقالهم
4:19 الأحزان تغرق مدينة تالة وبكاء شهداءهم
6:54 قصة الشهيد وجدي السايحي
7:40 تواجد الجيش في تالا وموقفه السلبي
9:12 مداواة المصابين في المنازل خوفا من الأمن
9:56 استخدام الرصاص اللولبي مع الثوار التونسيين
10:55 غليان في مدينة القصرين بعد سقوط شهداء تالة
11:34 مفاوضات مع رجال الأمن للسماح بمرور الجنازات
12:47 رمي جنازة الرتيبي بالرصاص واحتضان والده للنعش وهروب المشيعين
15:53 اعتقال منية بو علي وتدخل عميد المحامين لخروجها
18:25 الاعتداءات على المحامين من سلطات بن علي
20:32 موكب دفن الشهداء واستهزاء الأمن والتنكيل بالجنازات
23:27 مداهمة منازل الشهداء ومنع تلاوة القرآن
25:09 الوضع القانوني والنفسي للعميد يوسف بن عبد العزيز
28:07 استمرار الاعتقالات والمواجهات في تالة
29:22 العصيان المدني في مدينة تالة يوم 10 يناير
30:47 نهب المحلات التجارية
31:20 قصة سقوط الشهيد وجدي السايحي
39:02 مسؤولية يوسف العجيمي عن القتل وترقيته ومنع محاسبة الأمن
39:58 إخلاء المدن التونسية من الأمن
41:06 اللجان الشعبية لحماية مدينة تالة
42:09 هروب بن علي
43:12 محاكمة قتلة المتظاهرين