محمد بن سعيد آيت إيدر ج1: بدايات العمل المسلح في المغرب ضد الاستعمار

يستعرض أحمد منصور، مع أحد قادة جيش التحرير المغربي، محمد بن سعيد آيت إيدر ج1 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، الذي جرى بثه في ١١ أبريل ٢٠١٠، نشأته وانضمامه لحزب الاستقلال، وحجم النفوذ الفرنسي والإسباني بالمغرب، و بدايات العمل المسلح في المغرب ضد الاستعمار.
أحمد منصور ومحمد بن سعيد آيت إيدر

يستعرض أحمد منصور، مع أحد قادة جيش التحرير المغربي، محمد بن سعيد آيت إيدر ج1 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، الذي جرى بثه في ١١ أبريل ٢٠١٠، نشأته وانضمامه لحزب الاستقلال، وحجم النفوذ الفرنسي والإسباني بالمغرب، و بدايات العمل المسلح في المغرب ضد الاستعمار.

نص حوار محمد بن سعيد آيت إيدر ج1:

بدايات العمل المسلح في المغرب ضد الاستعمار

ولد محمد بن سعيد آيت إدر في قرية بن منصور بشتوكة آيت باها في الريف المغربي، يوم 1 يوليو/تموز ١٩٢٥ .
نشأ وترعرع في ظل احتلال المغرب من الفرنسيين والإسبان.

 التحق بجامعة بن يوسف في مراكش حيث انتمى إلى حزب الاستقلال وشارك في حركة التحرير.

 اعتقل للمرة الأولى عام 1952 فأعيد إلى الريف والتحق بالمنظمة السرية لمقاومة الاحتلال في أغادير.

 وفي العام 1955 انتقل إلى مدينة تطوان لمباشرة العمل في قيادة جيش التحرير المغربي وفي بداية العام 1956 عين مسؤولا عن مكتب المقاومة في الدار البيضاء وفي العام 1957 عاد إلى الجنوب كأمين عام لحزب الاستقلال.
شارك في تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في سبتمبر عام 1959 وفي فبراير من العام 1960 اعتقل مع مجموعة من المقاومين حيث استغلت هذه الفرصة لحل جيش التحرير في جنوب المغرب، وبعد أحداث يوليو عام 1963 اضطر لمغادرة المغرب إلى فرنسا حيث بقي لاجئا سياسيا حتى عاد للمغرب مرة أخرى في العام 1981.
نجح كعضو في البرلمان المغربي وكان أول من كشف عن سجن تازمامارت الرهيب تحت قبة البرلمان..

نتابع في هذه الحلقة والحلقات القادمة شهادته على عصر جيش التحرير المغربي وعصر الحسن الثاني. أستاذ بن سعيد مرحبا بك.

النشأة في ظل الاحتلالين الفرنسي والإسباني

محمد بن سعيد آيت إدر: أهلاً وسهلاً.

أحمد منصور: وُلدتَ عام 1925 في قرية بن منصور بمنطقة شتوكة آيت باها.
حين وُلدتَ، كانت حرب الريف ضد الاحتلال الإسباني، التي قادها الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي واستمرت من عام 1921 إلى 1926، ما تزال قائمة. نشأتَ وترعرعتَ في ظل احتلالين، إسباني وفرنسي، للمغرب. كيف كانت نشأتك في تلك الظروف؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نشأتُ في عائلة ميسورة بمنطقة شتوكة آيت باها، وكانت لعائلتي علاقات واسعة في المنطقة، بحكم أن والدي كان يشتغل بالتجارة، إلى جانب اشتغال العائلة بالفلاحة والتجارة. كنا من العائلات الكبيرة في المنطقة، وكانت لنا تنقلات وزيارات متعددة بحكم النشاط التجاري.
في طفولتي، كنت أرى قوافل الجيش الفرنسي تمر أمام قريتنا متجهة نحو الجنوب المغربي، في فترة لم تكن فيها طرق معبدة. كانت هذه القوافل كثيرة، وغالباً ما تبيت ليلة قرب القرية. وبعد مرورها، كنا نلاحظ بقايا وأشياء جديدة لم تكن مألوفة في البادية، مثل بعض المشروبات والمواد الحديثة.

أحمد منصور: من مخلفات الجيش الفرنسي؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، كانت أشياء جديدة تماماً بالنسبة لسكان الريف الذين لم يعايشوا مظاهر الحداثة. وفي تلك الفترة أيضاً، شاع الحديث عن تثبيت نظام الحماية وبسط سلطته عبر إنشاء البنيات التحتية، مثل الطرق والمكاتب الإدارية وبعض المستشفيات.

أحمد منصور: تقصد الحماية الفرنسية؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، الحماية الفرنسية، من خلال مراكزها العسكرية ومعسكرات الجيش التي أُنشئت أساساً لحماية نفسها. كان ذلك في بداية ثلاثينيات القرن الماضي.

أحمد منصور: في ذلك الوقت، كان الفرنسيون والإسبان يمسكون بزمام السلطة في المغرب، وقيّدوا نظام الحكم والسلطان باتفاقيات عديدة، حتى أصبح السلطان بلا سلطة فعلية، بينما كانوا هم يديرون كل شيء.

محمد بن سعيد آيت إدر: كل هذه الأمور لم أكن على علم بها آنذاك.

أحمد منصور: لم تكن تعرف شيئاً في ذلك الوقت؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، لم أكن أعرف شيئاً.

أحمد منصور: وماذا كنت تعرف إذن؟

محمد بن سعيد آيت إدر: ما كنا نعرفه هو أن هناك احتلالاً، وكان الإحساس به غير طبيعي بالنسبة للمواطنين. كان الخوف سائداً، إضافة إلى فرض الخدمة الإجبارية على السكان؛ إذ كان على كل مواطن أن يعمل ثلاثة أشهر في السنة مجاناً، مساهمةً في مشاريع البنية التحتية.
وبفضل ذلك، شهدت المنطقة تطوراً سريعاً في مجال المواصلات، كما تم إيصال الكهرباء إلى بعض المناطق، وتحسين بعض الخدمات الاجتماعية مثل المستشفيات. وأنا شخصياً استفدت من هذه الخدمات، إذ أُصبت بمرض في أذني عندما كنت في نحو الثانية عشرة من عمري، واضطررت للذهاب على ظهر بغل إلى منطقة بعيدة عن قريتنا لتلقي علاج بسيط بالتقطير. واستمر المرض فترة طويلة، ولم يُعالج نهائياً إلا بعد الاستقلال. ومع ذلك، كنا نرى مظاهر تقدم لم تكن مألوفة في المنطقة.

الضرائب والتجنيد والحياة السياسية في ظل الحماية

أحمد منصور: هل كان الفرنسيون يُجبرون المغاربة على الخدمة في الجيش الفرنسي كجنود مجندين لخدمة فرنسا؟

محمد بن سعيد آيت إدر: كان هناك تجنيد، لكن الدوافع كانت متعددة؛ فالفقر كان منتشراً في المنطقة، وكان بعض الناس يلتحقون بالخدمة بحثاً عن لقمة العيش، إضافة إلى عامل الخوف. ومن أولى الإجراءات التي فرضتها الحماية أيضاً فرض الضرائب على الفلاحين.

أحمد منصور: كيف كان ذلك؟

محمد بن سعيد آيت إدر: كان يُطلق عليها اسم “التركيب”.

أحمد منصور: فرضها الفرنسيون؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، فرضها الفرنسيون على الفلاحين، وكانت تُجبى على المواشي وعلى الأرض وعلى الإنتاج الفلاحي. عرفتُ ذلك لأن عمي كان شيخ قبيلة، وكانت الإدارة الفرنسية تستخلص الضرائب من منزلنا، إذ لم تكن المكاتب الإدارية منتشرة، فكانوا يعتمدون على بيوت الشيوخ كمراكز للإدارة المحلية.

أحمد منصور: في ذلك الوقت، كان المغرب مقسماً إلى مناطق نفوذ: الريف تحت النفوذ الإسباني، ومراكش تحت النفوذ الفرنسي، وطنجة ذات وضع دولي، وإفني أيضاً تحت النفوذ الإسباني. كيف أثّر هذا التقسيم على وضع المغرب؟

محمد بن سعيد آيت إدر: كان الإحساس بالاحتلال يتركز أساساً في المناطق القريبة من النفوذ الإسباني. ومن المصادفات أنني انتقلت لاحقاً للدراسة في مدرسة قريبة من الحدود الفاصلة بين المنطقتين الخاضعتين للحكم الإسباني والفرنسي.

أحمد منصور: كيف كانت الدراسة آنذاك؟

محمد بن سعيد آيت إدر: كانت الدراسة تقليدية في مجملها، ونتعلم بعض التاريخ. وعندما انتقلت عام 1942، كانت الحرب العالمية الثانية في أوجها، وكنا نسمع إشاعات في المنطقة الخاضعة للإسبان تدعو إلى الانتصار لهتلر وفرانكو.

أحمد منصور: أي كان هناك تعاطف مع هتلر ضد الفرنسيين والإسبان؟

محمد بن سعيد آيت إدر: كان التعاطف أكبر مع هتلر بدعوى أن “عدو عدوي صديقي”، لأن الناس لم يروا من الفرنسيين سوى القمع. وفي عام 1946، شهد المغرب انفراجاً سياسياً في صفوف الحركة الوطنية، لكنني لم أكن على علم بذلك آنذاك.

أحمد منصور: أي أنك كنت معزولاً تماماً في الريف عن الحركة الوطنية؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، لم أكن أعرف شيئاً عن الحركة الوطنية. كل ما عرفته لاحقاً أن العالم المختار السوسي كان من بين العلماء الذين نُفوا من مراكش إلى منطقتنا في أقاصي سوس. وبعد عام 1946، استفاد من قرار المقيم العام الفرنسي إيريك لافو، الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية في سياق سياسة انفتاح انتهجتها الحكومة الفرنسية آنذاك تجاه مستعمراتها، ومن بينها المغرب.
استفادت الحركة الوطنية من هذا الانفراج بعودة علال الفاسي والحسن الوزاني من المنفى، وكانت تلك بداية مرحلة جديدة. لم أكن أعلم بكل ذلك في حينه، لكنني استفدت منه لاحقاً، إذ كان هذا الانفراج سبباً في انتقالي إلى مراكش.

أحمد منصور: خلال تلك الفترة، اندلعت الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939، وكانت الحركة الوطنية المغربية تسعى إلى الاستقلال. وفي 11 يناير 1944، اجتمعت الأحزاب المغربية وأعدّت وثيقة المطالبة بالاستقلال، ووقّعها 64 زعيماً سياسياً، وفوّضوا حزب الاستقلال، بزعامة علال الفاسي، لتقديم المطلب إلى الملك وإلى سلطات الحماية الفرنسية.
كانت مطالب المغاربة آنذاك تتمثل في الاستقلال التام، ووحدة الأراضي المغربية، وإقرار الملكية الدستورية، والتعاون بين الملك والشعب لتحرير البلاد. لكن الرد الفرنسي كان عنيفاً؛ إذ نُفي علال الفاسي إلى الغابون، وأحمد بلفريج إلى كورسيكا، وأُعدم عدد من شباب الحركة الوطنية، وقُتل عشرات المتظاهرين. وأنت كنت في الريف لا تعلم شيئاً عن كل ذلك.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، لم أكن أعرف شيئاً، ولم أتعرف على هذه الأحداث إلا لاحقاً، بعد انخراطي في الحركة الاستقلالية.

الانتقال إلى مراكش وبداية مرحلة جديدة

أحمد منصور: بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حدث نوع من التراجع عن سياسة القمع، وأُفرج عن الزعماء، وعاد علال الفاسي، لكن المواجهات لم تتوقف. وفي عام 1948، انتقلتَ أنت إلى مراكش لاستكمال دراستك.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم.

أحمد منصور: ماذا أضافت لك هذه النقلة من العزلة التامة في الريف، حيث لا راديو ولا أخبار ولا معرفة بما يجري خارج القرية والمدرسة، إلى مدينة مراكش التي كانت آنذاك حاضرة كبرى في المغرب؟

محمد بن سعيد آيت إدر: الجديد في هذه المرحلة أن المختار السوسي اختار مجموعة من طلبة سوس، من الجنوب، وخضعنا لدراسة سريعة ومكثفة لتعويض ما كان ينقص طلبة التعليم التقليدي، خاصة في الجغرافيا والتاريخ والمعارف العامة. وكان ذلك في سنتي 1948 و1949.

أحمد منصور: تقصد 1948 و1949؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، هاتان السنتان أهلتاني للالتحاق بكلية ابن يوسف. وفي تلك الفترة أيضاً وقعت نكبة فلسطين، وكانت هذه النكبة أول حدث سياسي كبير يثير اهتمامي. بدأنا نتابع الصحافة لأول مرة.

أحمد منصور: صحيفة لسان حزب الاستقلال.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، كنا نتابع من خلالها أخبار الحرب الدائرة في فلسطين. ومن المصادفات أن زميلاً لي كان يدرس معي في البادية أُتيحت له فرصة الهجرة عبر مصر إلى فلسطين، والتحق بالقوافل التي ذهبت للمساعدة في حرب فلسطين، وكتب لي رسالة من بيت لحم آنذاك، ولا يزال على قيد الحياة.

أحمد منصور: أي أنه كان من الفدائيين الذين انتقلوا من مصر إلى فلسطين؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، عبر مصر.

أحمد منصور: هل تذكر اسمه؟

محمد بن سعيد آيت إدر: اسمه محمد… لا أتذكر لقبه الآن.

أحمد منصور: لكنه كان يراسلك؟

محمد بن سعيد آيت إدر: أرسل لي رسالة واحدة، وبعد ذلك، عندما كنت عضواً في البرلمان، عثرت على ملفه ضمن ملفات المجاهدين في حرب فلسطين، ولدي وثائق وشهادات من ضباط إسرائيليين تثبت مشاركته، ولا يزال الملف محفوظاً لدي.

أحمد منصور: أي أنك حتى عام 1948 لم تكن تعلم شيئاً عما يدور خارج الريف، ثم ذهبت إلى مراكش فاكتشفت أن العالم واسع: فلسطين، الحرب، اليهود، إسرائيل، والسياسة الدولية.

محمد بن سعيد آيت إدر: بالطبع. هناك تعرّفت لأول مرة على الصحافة، والهاتف، والإذاعة، والسينما.

أحمد منصور: وكان عمرك آنذاك 23 عاماً.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، 23 عاماً. شاهدت فيلماً عن عنترة، وكان من أوائل الأفلام التي عُرضت آنذاك. ثم دخلت حياة جديدة، خاصة بعد انخراطي في حزب الاستقلال.

الانخراط في حزب الاستقلال والعلاقة مع الملك

أحمد منصور: ما الذي دفعك إلى الانتماء لحزب الاستقلال عام 1948؟

محمد بن سعيد آيت إدر: دفعتني نكبة فلسطين أولاً، كما لعب زملائي دوراً مهماً في إقناعي واستقطابي للعمل داخل حزب الاستقلال.

أحمد منصور: كنت تتابع آنذاك التطورات السياسية؛ زيارة محمد الخامس إلى فرنسا في الأول من أكتوبر 1950، مطالبته بإلغاء المعاهدة الفرنسية، رفض الفرنسيين لذلك، رفضه توقيع بعض المراسيم، حصار القصر الملكي في 24 فبراير 1952، ثم رضوخه وعزله أعضاء الديوان وتأكيده صداقته لفرنسا. كان محمد الخامس يوصف في تلك الفترة بأنه شخصية ضعيفة، سرعان ما ترضخ للفرنسيين، وهم الذين اختاروه ولياً للعهد باسم محمد بن يوسف، وكان سلطاناً لا ملكاً.

محمد بن سعيد آيت إدر: في فترة انخراطي في حزب الاستقلال، كان ما يسمى بالتحالف مع السلطان قائماً. وأسبابه أن حزب الاستقلال كانت شعاراته الأساسية تتمثل في الدفاع عن الملك.

أحمد منصور: تقصد التحالف بين القصر وحزب الاستقلال. هذا التحالف الذي أحاول فهم أسسه: هل كان دعماً مطلقاً للسلطان دون مقابل؟

محمد بن سعيد آيت إدر: حسب تقييمي، فإن النخبة السياسية التي بدأت عملها منذ 1934، وخاصة بعد ظهير 1930 المعروف بالظهير البربري، وجدت نفسها أمام خيار مواجهة الاستعمار الفرنسي. تشكلت الكتلة الوطنية، وقدمت مطالب إصلاحية داخل نظام الحماية، لكن الفرنسيين لم يستجيبوا لها. عندها وقع الارتباك، فتم اللجوء إلى ورقة الملك.
ولهذا دعت الكتلة الوطنية إلى اعتبار 18 نوفمبر من كل سنة عيداً وطنياً، لأنه يوافق تاريخ تولي محمد بن يوسف العرش سنة 1927.

أحمد منصور: كسلطان.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، كسلطان. وبدأت مظاهر الترويج له في الاحتفالات والدعاية السياسية.

أحمد منصور: أنا أحاول أن أفهم…

محمد بن سعيد آيت إدر: هذا الخيار كان تلقائياً، والنخبة لم تكن تمتلك آنذاك الأفق السياسي الذي يسمح لها باستخدام ورقة الملك دون ثمن.

أحمد منصور: ما أحاول فهمه هو طبيعة العلاقة بين المخزن أو القصر والنخبة السياسية في المغرب منذ الثلاثينيات وحتى اليوم. أجدها علاقة ضبابية؛ دعم مطلق للسلطان قبل الاستقلال دون مقابل، وكأن السلطان أخذ كل شيء ولم يمنحهم شيئاً.

محمد بن سعيد آيت إدر: هذا اتضح لاحقاً، ولكن بعد فوات الأوان. الخطأ، كما قلت سابقاً، أن التحالف قام على أساس البيعة.

أحمد منصور: دون ثمن.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، فقد تبنت النخبة نظام المخزن بكل تاريخه، في إطار من التقديس، دون المطالبة بنقاش حقيقي حول السلطة.

أحمد منصور: أستاذ، اسمح لي، أحاول أن أفهم دون إساءة، وأحتاج مساعدتك: كيف يمكن تفسير هذه البنية النفسية لدى المغاربة، التي تصل أحياناً إلى حد تقديس المخزن أو الملك؟

محمد بن سعيد آيت إدر: ورقة الملك كانت مفيدة للحركة الوطنية، لأن الملك وقف إلى جانب حزب الاستقلال في محطات عديدة، رغم بعض التردد أحياناً. لكنه كسب الرأي العام الشعبي بشكل عفوي في مناطق مختلفة.
وقد حاول بعض الباحثين تقييم التجربة بالقول إن هناك اتجاهين داخل الحركة: اتجاه ليبرالي يمثله محمد بن الحسن الوزاني بثقافة غربية، واتجاه عروبي يمثله علال الفاسي. لكن هذا التقسيم لم يكن ثابتاً، لأن الخلاف بين الفريقين لم يتحول إلى خلاف سياسي أو أيديولوجي واضح، بل ظل في كثير من الأحيان خلافاً شخصياً بين الزعيمين.

الخلافات داخل الحركة الوطنية ودعم القصر

أحمد منصور: أي إن الخلاف كان شخصياً بين الزعماء.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، كان خلافاً شخصياً، ولم تكن هناك فروق ملموسة.

أحمد منصور: لا يوجد شيء واضح يمكن القول إنه يميّز هذا عن ذاك؟

محمد بن سعيد آيت إدر: لأن المحيط السياسي الذي كان يحيط بالطرفين كان متشابهاً، والجميع يحمل توجهاً مختلطاً.

أحمد منصور: وكلاهما كان يدعم القصر.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، كلاهما.

النفي إلى الريف وبدايات العمل المقاوم

أحمد منصور: في 11 يناير عام 1952 اجتمعت الأحزاب الوطنية المغربية مرة أخرى، كما اجتمعت عام 1944 حين كنتَ في الريف لا تعلم شيئاً عما يجري. وقد قدمت للملك المذكرة نفسها التي قُدمت قبل ثماني سنوات، لكن فرنسا رفضتها مجدداً.
في العام نفسه، اعتُقلتَ للمرة الأولى، وأُعيد نفيك إلى الريف، حيث لا صحافة ولا راديو ولا تلفزيون، بعد أن عشت أربع سنوات في مراكش. ما أثر هذا النفي عليك، وكيف انعكس على حياتك؟

محمد بن سعيد آيت إدر: خلال إقامتي في مراكش، شهدتُ أحداثاً بالغة الأهمية، كان لطلبة كلية ابن يوسف دور بارز فيها، وذلك في إطار المواجهة مع الإقطاعي الكبير، باشا مراكش الحاج التهامي الغلاوي.
الحادثة الأولى وقعت عام 1951، حين أعلن طلبة كلية ابن يوسف إضراباً تضامناً مع اعتقال طلبة جامعة القرويين في فاس. وقد تدخلت السلطات بعنف شديد لقمع الإضراب، واستُخدم الضرب بالجلد، حيث تلقّى كل طالب نحو مئتي جلدة.

أحمد منصور: مئتا جلدة؟!

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، مئتا جلدة، إضافة إلى إجبار الطلبة على أكل الفلفل الحار، المعروف آنذاك بـ“الفلفل السوداني”.

أحمد منصور: في أفواههم؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، وكانت تلك المرة الأولى.

أحمد منصور: أي كانوا يعذبونهم بإجبارهم على أكل الفلفل الحار؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، وكان ذلك عام 1951.

أحمد منصور: للتوضيح، كان باشا مراكش الحاج الغلاوي موالياً للفرنسيين، ويتمتع بنفوذ واسع، حتى بدا وكأن مراكش كيان مستقل، ينافس السلطان محمد الخامس من حيث السلطة والدعم الفرنسي.

محمد بن سعيد آيت إدر: كان ذلك في إطار مواجهة الحركة الوطنية، مع التأكيد على أن السلطة الحقيقية كانت بيد الفرنسيين.

أحمد منصور: أي إن لا السلطان ولا الغلاوي كان بيده القرار الفعلي.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، الفرنسيون هم من منحوا صفة الحكم لبعض الشخصيات فقط لمواجهة الخطر الذي كانت تمثله الحركة الوطنية.

أحمد منصور: وكان باشا مراكش يعمل ضد الحركة الوطنية لصالح الفرنسيين.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، كان يعرقل عملها وسياساتها.

أحمد منصور: كيف تم اعتقالك أنت؟

محمد بن سعيد آيت إدر: بسبب مشاركتي في الإضراب.

تصاعد القمع ونشأة التنظيمات المقاومة

محمد بن سعيد آيت إدر: في تلك الفترة، كانت القضية المغربية مطروحة على مجلس الأمن من طرف الكتلة الإفريقية الآسيوية والجامعة العربية. وطلب الفرنسيون من مجلس الأمن إرسال وفد للاطلاع على ما زعموا أنه إنجازات تنموية، من بينها سد بين الويدان، الذي كان آنذاك أهم سد في المغرب، في نواحي بني ملال.
وعندما وصل الوفد إلى مراكش، دعا حزب الاستقلال إلى تنظيم مظاهرة كبرى لاستقباله وتقديم مذكرة تطالب بالاستقلال. هنا تدخلت قوات الغلاوي بعنف، واعتُقل عدد من الطلبة وقيادات الحزب، وصدر بحقهم أحكام قاسية، ونُفوا من المنطقة. وخلال ذلك، عثرت الإدارة على اسمي ضمن الطلبة المشاركين في تلك الأحداث، فتم نفيي.

أحمد منصور: نُفيتَ إلى الريف مرة أخرى.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، إلى الريف مجدداً.

أحمد منصور: إلى حيث لا حياة تقريباً.

محمد بن سعيد آيت إدر: بالفعل، لم تكن هناك حياة سياسية أو إعلامية.

أحمد منصور: ماذا فعلت بعد ذلك؟

محمد بن سعيد آيت إدر: قررتُ العمل داخل حزب الاستقلال، من خلال التنظيم السياسي المرتبط بمنطقة أغادير.

أحمد منصور: حزب الاستقلال.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، حزب الاستقلال.

أحمد منصور: هل كان للحزب وجود في الريف آنذاك؟

محمد بن سعيد آيت إدر: كان وجوده ضعيفاً.

أحمد منصور: لكن نفيك ساهم في توسيع نشاط الحزب في الريف.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، وساهم أيضاً في تنظيم احتفالات عيد العرش.

أحمد منصور: كلها تحت شعار العرش!

محمد بن سعيد آيت إدر: لأن عيد العرش كان مناسبة للتعبير عن الشعارات الوطنية وطرح مطالب الحزب.

أحمد منصور: رغم أن العرش كان ضعيفاً والفرنسيين يهيمنون على كل شيء.

محمد بن سعيد آيت إدر: كان ذلك في إطار عيد العرش الفضي، أي مرور 25 سنة على تولي محمد بن يوسف العرش.

أحمد منصور: كسلطان.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، كسلطان. وكانت تلك من أكبر التظاهرات التي نظمتها الأحزاب السياسية آنذاك، وهو ما أثار غضب الفرنسيين.

الأحزاب السياسية وتصاعد خيار المقاومة

أحمد منصور: ما أبرز الأحزاب التي كانت تنافس أو تعارض حزب الاستقلال في تلك الفترة؟

محمد بن سعيد آيت إدر: كان هناك حزب الشورى والاستقلال.

أحمد منصور: برئاسة محمد بن الحسن الوزاني.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، وكان الحزب الشيوعي أيضاً، لكنه لم يكن يتمتع بشرعية شعبية.

أحمد منصور: يمكن القول إن المغرب سياسياً كان بين حزبين كبيرين: حزب الاستقلال بزعامة علال الفاسي، وحزب الشورى والاستقلال بزعامة محمد بن الحسن الوزاني.

محمد بن سعيد آيت إدر: إضافة إلى حزب الإصلاح في الشمال بقيادة عبد الخالق الطريس، ثم حزب الحر، الذي كان يُتهم بأنه حزب موالٍ للإسبان. كما كان هناك حزب المكين ناصر، لكنه كان ضعيفاً جماهيرياً.

أحمد منصور: تصاعدت المواجهات مع الفرنسيين، وازدادت الضغوط على السلطان محمد بن يوسف، حتى تم اعتقاله ونفيه في 20 أغسطس 1953 إلى كورسيكا ثم مدغشقر، وتنصيب محمد بن عرفة مكانه. ما أثر ذلك على الحركة الوطنية؟

محمد بن سعيد آيت إدر: كانت فترة عيد العرش الفضي قد فجّرت الصراع مع الإدارة الاستعمارية، وكانت أحداث 8 يناير 1952 مناسبة لاتخاذ قرار قمع حزب الاستقلال وإيقاف نشاطه.

أحمد منصور: حزب الاستقلال؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم. وبعد عيد العرش، وأثناء وجودي في الريف، قررتُ التواصل مع جريدة العَلَم لتنظيم مراسلات من المنطقة. وتصادف ذلك مع يوم 5 ديسمبر 1952، وهو يوم اغتيال الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد.

أحمد منصور: فرحات حشاد كان زعيماً نقابياً في تونس، وهنا نقطة مهمة، وهي أن تونس والجزائر والمغرب كانت بينها علاقات تضامن وتواصل في مرحلة المقاومة.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، كان هناك تعاطف واسع، خصوصاً بعد دخول تونس مرحلة الكفاح المسلح عام 1951، إثر اعتقال قيادة الحركة السياسية وعلى رأسها الحبيب بورقيبة. وكان لذلك دور أساسي في تنامي الوعي بخيار المقاومة في المغرب.

أحمد منصور: لنقل المقاومة لا العنف.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، المقاومة.

أحمد منصور: تفضل.

محمد بن سعيد آيت إدر: يمكن القول إن عام 1952 يمثل مرحلة مفصلية في التاريخ السياسي المغربي؛ إذ كانت المعركة السياسية في ظاهرها نضالاً سلمياً مشروعاً، لكن داخل القواعد، وخصوصاً داخل حزب الاستقلال، كان خيار المقاومة مطروحاً بقوة.

البدايات الأولى للمقاومة الوطنية (1947–1951)

أحمد منصور: كيف كانت بدايات المقاومة؟

محمد بن سعيد آيت إدر: بدأت المقاومة في مرحلة تاريخية مهمة، تعود إلى عام 1947، أثناء زيارة الملك محمد بن يوسف إلى طنجة. في تلك الفترة، تشكّلت داخل حزب الاستقلال مجموعة من المناضلين القاعديين، قرروا إنشاء خلية سرية لمواجهة السلطات الفرنسية.

أحمد منصور: هل يمكن القول إن الخلايا الأولى للمقاومة في المغرب بدأت عام 1947، وكانت نواتها أفراداً من حزب الاستقلال؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، كانوا أفراداً من حزب الاستقلال، لكن من دون علم قيادة الحزب. ثم تشكّلت خلية ثانية عام 1951، خلال التوتر الذي وقع بين الجنرال جوان وحزب الاستقلال، وتهديده بعزل الملك إذا لم يوقّع على الإصلاحات التي طُرحت عليه آنذاك. وكما في الخلية الأولى، تشكّلت هذه الخلية أيضاً بعيداً عن علم القيادة.

أحمد منصور: من الذي أسس الخلية الأولى؟

محمد بن سعيد آيت إدر: أسستها مجموعة من المناضلين، من بينهم شخص يُدعى الصديقي، وآخرون.

أحمد منصور: كم كان عددهم تقريباً؟

محمد بن سعيد آيت إدر: كانوا نحو سبعة أفراد.

أحمد منصور: وفي أي منطقة بدأ نشاطهم؟

محمد بن سعيد آيت إدر: في المدينة القديمة بالدار البيضاء.

أحمد منصور: ما طبيعة النشاط الذي قاموا به؟

محمد بن سعيد آيت إدر: قاموا بتوزيع منشورات، كما أقدموا على حرق بعض المصالح الفرنسية.

أحمد منصور: هل نفذوا عمليات قتل أو قنص ضد الفرنسيين؟

محمد بن سعيد آيت إدر: لا، لم يحدث ذلك في تلك المرحلة.

أحمد منصور: إذن حتى ذلك الوقت لم يكن هناك استخدام للسلاح. وفي عام 1951، من أسس الخلية الثانية؟

محمد بن سعيد آيت إدر: الخلية الثانية تشكّلت أيضاً باسم “المتطوعين”، وكانت تدعو الناس عبر المنشورات إلى الإضراب، خاصة أيام الجمعة.

أحمد منصور: أي أن كل ذلك كان عبر المنشورات وليس باستخدام السلاح؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، لم يكن هناك سلاح.

أحمد منصور: أي من عام 1947 إلى 1951 لم يُستخدم السلاح؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، باستثناء بعض المحاولات المحدودة لاستهداف عناصر معينة، خصوصاً بعد أن بدأ الفرنسيون في إعداد خريطة سياسية جديدة عبر إنشاء أحزاب وصحف موالية لهم. وكانت هذه الخلايا تتابع هذه التحركات، كما تابعت التحضيرات لتنصيب بديل للملك محمد بن يوسف، وهو ما تحقق لاحقاً عند عزله.

أحمد منصور: تقصد عزله عام 1953؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم. وبعد أحداث ديسمبر 1952، توسعت هذه الخلايا وتكاثرت.

من العمل السري إلى العمل المسلح بعد نفي الملك

أحمد منصور: إذن بدأت تتشكل خلايا متعددة، أغلبها من أفراد منتمين لحزب الاستقلال، من دون علم القيادة السياسية، لكنها لم تبدأ بعد باستخدام السلاح. متى كانت البدايات الأولى للعمل المسلح؟

محمد بن سعيد آيت إدر: بدأت بعض المحاولات قبل 20 أغسطس، لكن الغالبية العظمى من العمليات المسلحة انطلقت بعد 20 أغسطس 1953.

أحمد منصور: أي بعد نفي الملك. متى التحقتَ أنت بخلايا المقاومة؟

محمد بن سعيد آيت إدر: في الجنوب، وبعد أحداث ديسمبر 1952، التي شكّلت محطة مفصلية، حاولتُ الاتصال بالقيادة المؤقتة للحزب.

أحمد منصور: ديسمبر 1952؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، كانت المحاولة الأولى أواخر 1952، ثم تجددت في أبريل 1953.

أحمد منصور: أي قبل نفي السلطان.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، قبل نفيه. حاولتُ التواصل مع القيادة المؤقتة لحزب الاستقلال لمعرفة الموقف وخطوات العمل.

أحمد منصور: من كان يمثل القيادة المؤقتة آنذاك؟

محمد بن سعيد آيت إدر: الشخص الذي اتصلتُ به كان عبد الرحمن بدو، وهو عضو في لجنة القيادة المؤقتة.

أحمد منصور: وكان علال الفاسي آنذاك قد نُفي إلى مصر.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، إلى مصر.

أحمد منصور: ومن كانت تضم القيادة المؤقتة لحزب الاستقلال؟

محمد بن سعيد آيت إدر: ضمّت عبد الكريم غلاب، ومحمد الدويلي، وعبد القادر الفاسي، وبشير بن العباس، وعبد الرحمن بدو. هؤلاء كانوا الأبرز. هذه القيادة لم تكن تملك رؤية واضحة بشأن خيار المقاومة، باستثناء عبد القادر الفاسي.

أحمد منصور: لنسمّه خيار المقاومة، لا العنف.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، خيار المقاومة. عبد القادر الفاسي هو الوحيد الذي التحق فعلياً بإحدى مجموعات المقاومين.

أحمد منصور: وأين كان المهدي بن بركة في تلك الفترة داخل حزب الاستقلال؟

محمد بن سعيد آيت إدر: كان في السجن. اعتُقل عام 1951 بأمر من الجنرال جوان، على خلفية الصراع حول مجلس الشورى الحكومي، حين طالب حزب الاستقلال بالمشاركة فيه وانتقد سياسة جوان، ما أدى إلى توتر شديد بين الجنرال جوان والملك محمد بن يوسف.

انطلاق العمل المسلح واستهداف رموز الاستعمار

أحمد منصور: متى بدأت المقاومة العمل المسلح بشكل مباشر، واستهداف الفرنسيين وعملائهم من المغاربة؟

محمد بن سعيد آيت إدر: بدأ ذلك بعد نفي محمد الخامس مباشرة. ففي اليوم الثالث أو الرابع بعد نفيه، جرت محاولة لتفجير قطار في القنيطرة. ثم جاءت العملية الأبرز يوم 11 سبتمبر 1953، عندما نفذ علال بن عبد الله محاولة اغتيال محمد بن عرفة.

أحمد منصور: بن عرفة كان السلطان الذي نصبه الفرنسيون بديلاً عن محمد الخامس.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، وكان يُنظر إليه كسلطان صوري. في تلك المرحلة، نشطت ألوية متعددة للمقاومة، وتركزت عملياتها في البداية على المخبرين والعملاء المغاربة.

أحمد منصور: قُتل عدد كبير من مفتشي السلطة المغاربة. أليس في ذلك انحراف عن الهدف الأساسي، أي استهداف الفرنسيين أنفسهم؟

محمد بن سعيد آيت إدر: الفرنسيون كانوا أيضاً مستهدفين، لكنهم كانوا محصنين بشكل كبير. ومع تطور العمل، وصلت المقاومة إلى عناصر فرنسية نافذة، تمثل اللوبي الذي دبّر المؤامرة ضد الحركة الوطنية وضد الملك محمد بن يوسف.
وقد نُفذت عمليات اغتيال مهمة في مراكش والدار البيضاء، من بينها اغتيال الدكتور إيرو، الذي كان من كبار رموز الاستعمار وأحد أعمدة النفوذ الاقتصادي الفرنسي في المغرب.

أحمد منصور: أي أحد أعمدة الاحتلال الفرنسي.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، وهذا التطور دفع الحكومة الفرنسية إلى مراجعة حساباتها، بعد فشل تجربة الجنرال جوان والسياسة التي اعتمدت على عزل الملك وضرب حزب الاستقلال، ما أدى إلى البحث عن مخرج سياسي للأزمة.

أحمد منصور: يمكن القول إن الخلايا الأولى للمقاومة كانت متناثرة، بلا قيادة موحدة، وأنها تشكلت من أفراد من حزب الاستقلال دون علم القيادة السياسية، في ظل نفي علال الفاسي واعتقال عدد من القيادات، ووجود قيادة جماعية مؤقتة للحزب.

محمد بن سعيد آيت إدر: هذا صحيح. ففي المرحلة الأولى، لم يكن العمل موحداً، لكن معظم هذه الخلايا كُشف أمرها لاحقاً، وتعرض أعضاؤها للاعتقال.

تفكيك الخلايا السرية والاعتقالات الواسعة

أحمد منصور: في أي سنة جرى ذلك؟

محمد بن سعيد آيت إدر: جرت الاعتقالات ابتداءً من أواخر عام 1953. فعلى سبيل المثال، منظمة اليد السوداء كانت منظمة سرية، يتكوّن أعضاؤها تقريباً جميعاً من مناضلي حزب الاستقلال، ومن بينهم الراشدي وآخرون عُرفوا لاحقاً.
وقد كُشف أمر هذه المنظمة بعد اعتقال أحد أعضائها، واسمه بوجمعة، أثناء إحدى دوريات الشرطة الفرنسية، حيث وُجد بحوزته مسدس.

أحمد منصور: وتحت التعذيب اعترف، فاعتُقل 55 شخصاً.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، جرى اعتقال نحو 55 عضواً من هذه المنظمة.

أحمد منصور: هذه هي منظمة اليد السوداء.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم. كما كُشفت منظمات أخرى في فاس والرباط، غير أن أقوى التنظيمات كانت المنظمة السرية التي كانت لها صلات مباشرة ببعض القيادات البارزة في حزب الاستقلال.

أحمد منصور: وكنتَ على صلة بهذا التنظيم.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، وكان من أعضائه الزقيّري، ومجموعات أخرى من الوجوه المعروفة في تلك الفترة. كما التحق به عبد القادر الفاسي، وهو عضو قيادي، لكن التحاقه كان من الخارج.

التمويل والتسليح والعلاقة مع إسبانيا

أحمد منصور: من أين كان يأتيكم التمويل؟

محمد بن سعيد آيت إدر: في البداية كان التمويل يأتي من بعض التجار المغاربة، إضافة إلى إمكانيات الفدائيين أنفسهم.

أحمد منصور: وبعد ذلك؟

محمد بن سعيد آيت إدر: ظلت الإمكانيات المادية محدودة، كما أن استيراد السلاح كان ضعيفاً.

أحمد منصور: من أين كنتم تحصلون على السلاح؟

محمد بن سعيد آيت إدر: كان السلاح يُجلب من المنطقة الخاضعة للاحتلال الإسباني في الجنوب، حيث كان الناس يشترونه من الجنود الإسبان، أو من سبتة ومليلية.

أحمد منصور: أي إن الإسبان لم يكونوا مستهدفين، وكان الاستهداف موجهاً فقط ضد الفرنسيين، بينما كان الإسبان يتعاطفون معكم.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، ففي تلك الفترة فتحت إسبانيا باب اللجوء السياسي. وكان الحاكم العام في تطوان، الجنرال فاليينو، يتعامل مع هذا الأمر بتعليمات معينة، كما كانت له اتصالات مع علال الفاسي.

أحمد منصور: أي إنكم كنتم تلجؤون إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الإسبانية.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، في تطوان شمالاً، وكذلك في الجنوب. وقد تم ذلك في إطار ترتيبات جديدة، خاصة بعد تدخل علال الفاسي لدى الإسبان لتعيين ممثل لحزب الاستقلال في تطوان، يتولى استقبال اللاجئين وتنظيم شؤونهم.

أحمد منصور: هل يمكن القول إن الإسبان كانوا يدعمون مقاومي حزب الاستقلال ضد الفرنسيين؟

محمد بن سعيد آيت إدر: لم يكن دعماً مباشراً، بل كانوا يغضّون الطرف.

أحمد منصور: يغضّون الطرف.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، دون مساندة مباشرة.

اندلاع الثورة الجزائرية

أحمد منصور: في الأول من نوفمبر 1954 اندلعت الثورة الجزائرية، واستمرت حتى عام 1962، وكان للمغرب دور في دعمها. ما أثر اندلاع الثورة الجزائرية على المقاومة في المغرب؟

محمد بن سعيد آيت إدر: إذا نظرنا إلى الوضع في المغرب العربي آنذاك، نجد أن انطلاق العمل المسلح في تونس كان عاملاً أساسياً في دفع خيار المقاومة في المغرب، وكذلك في الجزائر.
وكانت هناك اتصالات مبكرة بين الحركات السياسية في المغرب العربي، إذ يشير محمد حربي إلى أن وفداً جزائرياً التقى علال الفاسي عام 1948 لبحث خيار الكفاح المسلح.

أحمد منصور: محمد حربي كاتب ومؤرخ جزائري كتب عن تلك المرحلة.

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم. ويذكر أن الوفد طرح على علال الفاسي خيار الكفاح المسلح، لكنه أجاب بأن حزب الاستقلال آنذاك يراهن على ورقة الملك، وليس على العمل المسلح، ففشلت تلك المحاولة. كما أشار حربي أيضاً إلى دور المهدي بن بركة في تلك النقاشات.

أحمد منصور: أي إن القيادة السياسية لحزب الاستقلال كانت تميل إلى الحل السياسي، بينما سعت قواعد الحزب إلى تشكيل خلايا مقاومة مسلحة دون علم القيادة، ثم بدأ بعض القياديين يدعمون هذا التوجه لاحقاً.

محمد بن سعيد آيت إدر: قيادة حزب الاستقلال، في الإطار الرسمي، لم تختر المقاومة المسلحة، بل فضّلت العمل السياسي. غير أن عدداً من قيادات الحزب انخرطوا فعلياً في العمل المقاوم، من بينهم علال الفاسي، وعبد القادر الفاسي، وعبد الرحمن اليوسفي.

أحمد منصور: أي بعد أن أصبح تيار المقاومة هو الغالب.

محمد بن سعيد آيت إدر: لا، بل إن بعضهم اختار هذا الطريق منذ عام 1953. غير أن ضعف النخبة المثقفة داخل الحزب حال دون توليها قيادة العمل المقاوم. فقد كانت قيادة المقاومة بيد مناضلين شباب، عاديين، يفتقرون إلى التكوين السياسي والرؤية الشاملة.

أحمد منصور: هل كانت هناك فجوة بين المقاومة، خاصة شبابها، وبين النخبة السياسية لحزب الاستقلال؟

محمد بن سعيد آيت إدر: نعم، رغم أن النخبة السياسية أعلنت دعمها للكفاح المسلح. لكن الإشكال كان في غياب قيادة سياسية قادرة على استثمار المقاومة، سواء في التفاوض مع فرنسا أو في رسم آفاق ما بعد الاستقلال.
فقيادة المقاومة كانت ضعيفة، ولم تكن تملك رؤية مستقلة لا تجاه الأحزاب السياسية ولا تجاه الملك، بل ظلت متمسكة بعودة الملك إلى العرش.

بداية التحول لجيش التحرير

أحمد منصور: في 22 أغسطس 1955 عُقد ما يُعرف بمؤتمر إيكس ليبان في فرنسا، ودُعيت إليه الأحزاب المغربية لبحث مستقبل المغرب. هل حضرت هذا المؤتمر؟

محمد بن سعيد آيت إدر: لا.

أحمد منصور: كيف تابعت هذا المؤتمر؟ وما أثره على مستقبل المغرب؟

محمد بن سعيد آيت إدر: في تلك الفترة، كان حزب الاستقلال قد عرف تحولات عميقة منذ ضربة 1952. كما أن مرحلة المقاومة أحدثت تغييرات داخل القواعد والأطر، وأسهمت في نشوء هيئات جديدة، من بينها ما سُمي بلجنة التحرير.
كما لعب الاتحاد المغربي للشغل، منذ مارس 1955، دوراً مهماً في تشكيل ألوية جديدة، استكملت الصراع بعد توقيع الاتفاقات السياسية.

أحمد منصور: هل نجح السياسيون المغاربة في جني ثمار ما حققته المقاومة من ضربات للمحتل الفرنسي؟

محمد بن سعيد آيت إدر: لا، لم ينجحوا. فرغم الضربات القوية التي وجهتها المقاومة، وما أدت إليه من تغيير في السياسة الفرنسية، وإقالة الجنرال جوان، وتعيين مقيم عام جديد في عهد حكومة منديس فرانس ثم حكومة إدغار فور، وإطلاق سراح معتقلين سياسيين، فإن هذه المرحلة لم تُستثمر سياسياً كما ينبغي.
وكان بالإمكان، في ظل اندلاع الثورة الجزائرية ووجود اتصالات مغاربية، التنسيق بشكل أوسع في العمل المسلح.

أحمد منصور: في هذه المرحلة، ومع عجز السياسيين عن استثمار المقاومة، تطور الأمر من مقاومة إلى جيش تحرير. وفي أكتوبر 1955 أُعلن عن انطلاق جيش التحرير في شمال المغرب. كنتَ أنت أحد القادة الذين شاركوا في تشكيله. سنبدأ الحلقة القادمة بالحديث عن تشكيل جيش التحرير في شمال المغرب، وتأثيره لاحقاً على الحياة السياسية في المغرب.
أشكرك جزيل الشكر، كما أشكر مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. نواصل في الحلقة القادمة شهادة السيد محمد بن سعيد آيت إدر، أحد قادة جيش التحرير في المغرب.
إلى اللقاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاور الحوار

00:00 مقدمة
00:50 السيرة الذاتية
02:55 نشأته
07:13 خدمة المغاربة في الجيش الفرنسي وفرض الضرائب علي الفلاحين
08:25 تقسيم المغرب بين النفوذ الفرنسي والإسباني وأثر ذلك
10:16 الانفراج السياسي عام 46 وعزلته التامة في الريف
12:40 انتقاله إلى مراكش لاستكمال دراسته وتأثير ذلك عليه
15:44 اسباب انتمائه الي حزب الاستقلال والتحالف بين السلطان وحزب الاستقلال
18:54 العلاقه بين القصر وبين النخبه السياسية في المغرب
22:08 اعتقاله للمرة الأولى عام 52 وإعادته للريف مرة أخرى وأثر ذلك عليه
23:53 الباشا الكلاوي حاكم مراكش ومنافس للسلطان
24:36 القبض عليه ونفيه للريف مرة أخرى وعمله السياسي
27:08 أهم الأحزاب المنافسة لحزب الاستقلال
28:07 أثر اعتقال الملك ونفيه وتنصيب بن عرفة على الحركة الوطنية
30:40 بدايات المقاومة وانتشار خلايا من أفراد بحزب الاستقلال بدون علم القيادة
34:08 دخوله في المقاومة، والقيادة المؤقتة للحزب
36:54 بداية العمل المسلح واستهداف الفرنسيين وعملائهم من المغاربة
39:15 الخلايا الأولي للمقاومة لم تكن موحدة، وتعرض مجموعة للاكتشاف والاعتقال
41:12 مصادر تمويل المقاومة ومصادر السلاح
43:10 اندلاع الثورة الجزائرية وأثرها علي المقاومة
44:46 اتجاه قيادات الاستقلال للعمل السياسي والأعضاء يلتحقون بالمقاومة
47:12 مؤتمر إيكس ليبان ودعوة الأحزاب المغربية لبحث مستقبل المغرب
48:23 السياسيون المغربيون لم يستفيدوا من ضربات المقاومة 

Total
0
Shares
السابق
أحمد بنّور

أحمد بنّور ج10 : تزوير انتخابات عام 1981 ودور سعيدة ساسي في السلطة

التالي
محمد بن سعيد آيت إيدر

محمد بن سعيد آيت إيدر ج2: تأسيس جيش التحرير المغربي وكواليس مقتل المساعدي

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share