على حافة العصر: سباقُ الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين

حين جلس الرئيس دونالد ترامب إلى نظيره الصيني شي جين بينغ في بكين في مايو 2026، لم تكن التجارة وحدها على الطاولة، بل تقنيةٌ يصفها المحلّلون بأنّها الأكثر تحويلًا منذ أن أنارت الكهرباء البيوت الأمريكية في عشرينيات القرن الماضي. لقد صار الذكاء الاصطناعي الجائزة الجيوسياسية الكبرى..
أحمد منصور

بقلم: أحمد منصور

حين جلس الرئيس دونالد ترامب إلى نظيره الصيني شي جين بينغ في بكين في مايو 2026، لم تكن التجارة وحدها على الطاولة، بل تقنيةٌ يصفها المحلّلون بأنّها الأكثر تحويلًا منذ أن أنارت الكهرباء البيوت الأمريكية في عشرينيات القرن الماضي. لقد صار الذكاء الاصطناعي الجائزة الجيوسياسية الكبرى؛ فهو تقنية عامّة الأغراض تُراكِم تفوّقها عبر الاقتصاد كلّه، ولها استخداماتها العسكرية والأمنية المباشرة، ومدخلاتها -وفي مقدّمتها الرقائق الأكثر تطوّرًا- محصورةٌ في حفنة من الشركات والدول. ومن هذا التقاطع وُلد أشرسُ سباقٍ تقنيّ في عصرنا.

فماذا تقول الأرقام فعلًا؟ خلص مؤشّر الذكاء الاصطناعي الصادر عن معهد ستانفورد للذكاء المتمحور حول الإنسان، في نسخته لعام 2026، إلى أنّ الصين «كادت تمحو أيّ تقدّمٍ أمريكي».

كان المشهد يبدو محسومًا لصالح أمريكا حتى يناير 2025، حين أطلق مختبرٌ صينيّ صغير غير معروف اسمه DeepSeek نموذجه R1، مدرَّبًا -بحسب ما أعلن – برقائق أقلّ قوّةً وبكلفةٍ زهيدةٍ نسبيًا. هزّت تلك «لحظة DeepSeek» الأسواق وأطاحت بمليارات من قيمة إنفيديا في جلسة واحدة، وأعادت ضبط السؤال الذي ما زال يتردّد في واشنطن وبكين معًا: من سيربح سباق الذكاء الاصطناعي؟ غير أنّ السؤال، كما نبّهت مجلّة TIME في مارس 2026، قد يُبسِّط أكثر ممّا يوضّح، لأنّ السباق ليس واحدًا بل سباقاتٌ متعدّدة.

فماذا تقول الأرقام فعلًا؟ خلص مؤشّر الذكاء الاصطناعي الصادر عن معهد ستانفورد للذكاء المتمحور حول الإنسان، في نسخته لعام 2026، إلى أنّ الصين «كادت تمحو أيّ تقدّمٍ أمريكي». فالنموذج الأمريكي الأوّل لم يكن يتقدّم في مارس 2026 إلّا بنحو 2.7% على أقرب منافسٍ صيني، بعد أن تبادل الطرفان صدارة التصنيف غير مرّة منذ مطلع 2025. بل إنّ الصين باتت تتصدّر العالم في أبحاث الذكاء الاصطناعي واستشهاداته، وفي براءات الاختراع التي نالت منها نحو 74% من إجمالي ما مُنح عالميًا، وتنشر الروبوتات الصناعية بمعدّلٍ يقارب تسعة أضعاف النسق الأمريكي. في المقابل، تحتفظ أمريكا بتفوّقٍ ساحق في رأس المال: نحو 258.9 مليار دولار من الاستثمار الخاصّ مقابل 12.4 مليارًا للصين في عامٍ واحد.

لكنّ المعركة الفاصلة ليست في النماذج، بل في «القدرة الحاسوبية»؛ أي في الرقائق ومراكز البيانات التي تُدرَّب عليها وتُشغَّل. وهنا يتّسع البَون: تقدّر مجلّة Foreign Affairs في مقالها «أسطورة سباق الذكاء الاصطناعي» أنّ الشركات الأمريكية تتحكّم بنحو 70% من القدرة الحاسوبية العالمية مقابل عشرة في المئة للصين. ومن هذا المنطلق يدافع داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، في مقاله «حول DeepSeek وضوابط التصدير» عن قيود الرقائق بوصفها «أداةً وجودية»؛ فالعالم -في رأيه- سيتحدّد بين صيغةٍ أحادية القطب تبقى فيها الريادة لواشنطن، وصيغةٍ ثنائية القطب تبلغ فيها الصين ما يسمّيه «بلدًا من العباقرة داخل مركز بيانات». وقد بلغ تحذيره ذروته في دافوس حين شبّه إجازة بيع رقائق H200 للصين ببيع أسلحةٍ نووية لكوريا الشمالية.

على الضفّة المقابلة يقف جنسن هوانغ، مؤسّس إنفيديا التي صارت أوّل شركةٍ تتجاوز قيمتها خمسة تريليونات دولار، ليقلب الحجّة رأسًا على عقب. ففي تصريحٍ لصحيفة فاينانشال تايمز في نوفمبر 2025 أطلق عبارته الصادمة: «الصين ستفوز في سباق الذكاء الاصطناعي»، قبل أن يخفّف لاحقًا فيقول إنّها «على بُعد أجزاءٍ من الثانية خلف أمريكا». وهوانغ يرى منذ مؤتمر Computex في مايو 2025 أنّ ضوابط التصدير «فشلٌ» ولم يحقّق غايته، بل دفع الصين إلى الاكتفاء الذاتي عبر هواوي وكامبريكون. ويسند معهد بروكينغز هذا القلق برقمٍ لافت ورد في شهادة الباحث كايل تشان أمام الكونغرس: الرقائق الصينية المحلّية باتت تشكّل نحو 41% من سوق الصين عام 2025، نصفها تقريبًا من هواوي، بعد أن كانت حصّة إنفيديا تتجاوز 90% قبل 2023.

ثمّ ينتقل عنق الزجاجة من الرقائق إلى الكهرباء. فبينما تتعثّر شبكات الطاقة في مدنٍ أمريكية حتى صارت بعض الشركات تبني محطّاتها الخاصّة، تمضي الصين في توليدٍ متسارعٍ من الفحم والنووي والمتجدّدة قد يمنحها -بحسب تقديراتٍ نقلتها TIME- نحو 400 جيجاوات فائضة بحلول 2030، أي ما يقارب أربعة أضعاف القدرة النووية الأمريكية الحالية. ولم يُخفِ هوانغ أنّ الكهرباء المدعومة وتبسيط الإجراءات في الصين يمنحان مشغّلي مراكز البيانات هناك أفضليةً يصعب على الغرب مجاراتها.

على أنّ السؤال الأعمق يظلّ: نحو أيّ خطّ نهايةٍ نركض؟ ترى Foreign Affairs أنّ الأرجح ليس انتصارًا أمريكيًا أو صينيًا حاسمًا، بل «ثنائيةٌ قطبية غير متماثلة» تتقاسم فيها القوّتان النفوذ على محاور مختلفة: أمريكا في طليعة النماذج المغلقة والأكثر قدرة، والصين في انتشار النماذج المفتوحة الرخيصة التي تجتذب الجنوب العالمي. ويصوغ كايل تشان من بروكينغز جوهر القلق الأمريكي بعبارةٍ مكثّفة: «الخوف الأكبر في واشنطن أن تبلغ الصين الذكاء العام أوّلًا»، فيما يعدّ بيل دريكسل من معهد هدسون المنافسة «وجوديةً» بالنسبة إلى بكين التي ترى في التقنية مفتاح تجاوز تاريخٍ من المعاهدات غير المتكافئة. أمّا ديميس هاسابيس، رئيس Google DeepMind والحائز على جائزة نوبل في الكيمياء، فاختصر المسافة بقوله إنّ الفارق بين النموذجين الصيني والغربي بات يُقاس بالأشهر لا بالسنوات.

وتزيد واشنطن المشهد التباسًا بسياسةٍ متقلّبة. فقد ألغى ترامب «قاعدة انتشار الذكاء الاصطناعي» التي ورثها عن إدارة بايدن في مايو 2025، ثمّ أجاز بيع رقائق H200 -ثاني أقوى رقائق إنفيديا- لنحو عشر شركات صينية، لكن برسمٍ يذهب إلى الخزانة الأمريكية بلغ نحو 15%. وفي الوقت نفسه يدفع الكونغرس في الاتجاه المعاكس عبر «قانون أمن الرقائق»، وهو ما يصفه معهد تشاتام هاوس بأنّه «أسوأ العالمَين»: تشدّدٌ وتساهلٌ في آنٍ يُربكان سلاسل التوريد. ومع ذلك يصرّ ديفيد ساكس، قيصر الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض، على أنّ الصين لا تتخلّف عن أمريكا إلّا بثلاثة إلى ستّة أشهر، وهو تقديرٌ دفع منصّة PolitiFact إلى وصف زعم ترامب بأنّه «يتقدّم على الصين كثيرًا» بأنّه «نصف صحيح» لا أكثر.

قد لا يكون لهذا السباق خطّ نهايةٍ واحد أصلًا، بل متسابقان يركضان نحو غايتين مختلفتين: أمريكا تلاحق التفوّق النوعي وحلم الذكاء العام، والصين تنشر الذكاء في كلّ مفصلٍ من اقتصادها ومجتمعها وجيشها
أحمد منصور

في نهاية المطاف، قد لا يكون لهذا السباق خطّ نهايةٍ واحد أصلًا، بل متسابقان يركضان نحو غايتين مختلفتين: أمريكا تلاحق التفوّق النوعي وحلم الذكاء العام، والصين تنشر الذكاء في كلّ مفصلٍ من اقتصادها ومجتمعها وجيشها. وفي هذا الزحام تبرز مساحاتٌ ثالثة -من الخليج الغنيّ بالطاقة إلى الهند صاحبة أكبر خزّان للمواهب- تتموضع لتكون ميدانًا لا مجرّد متفرّج. لكنّ الخطر الأكبر، كما يلمّح أكثر من باحث، أن ينشغل العملاقان بالفوز فيغفلا عن المخاطر المشتركة التي يولّدها التسارع نفسه. وربما يُكتب على عصرنا، إن لم يُحسِن أهله إدارته، أنّه السباق الذي لم يربحه أحدٌ لأنّ الجميع كانوا يركضون، بلا هوادة، نحو خطوط نهايةٍ لا يراها بعضهم بعضًا.

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور ووليد جنبلاط

كواليس شهادة جنبلاط على العصر (5): اختطاف وليد جنبلاط

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share