في الحلقة الحادية عشرة من شهادته على العصر، يستعرض أحمد منصور، مع الزعيم الدرزي اللبناني، وليد جنبلاط، أسرار وخفايا تصفية زعماء السنة في بيروت، ومنهم: رئيس الحكومة رشيد كرامي، والشيخ حسن خالد مفتي بيروت، والشيخ صبحي الصالح، أحد كبار الأئمة، ومحمد شقير، مستشار الرئيس أمين الجميل..
ورفض جنبلاط التعليق على الحكم القضائي بإدانة سمير جعجع بقتل رشيد كرامي، وقال إن سياق التصفيات والإبادة السياسية للقيادات السنية، بعد توقيع الاتفاق الثلاثي، كان يهدف لإضعاف الموقف السني العام، وقال إن القاتل معروف !.
ورفض الزعيم الدرزي تصريح عمر كرامي بأن وليد جنبلاط هو الحاكم الفعلي لبيروت الغربية، وتحدث عن علاقته بميتران، والدور الفرنسي التاريخي في بيروت.
وكشف جنبلاط عن سر علاقته بالسوفييت، ورأيه في عوامل انهيار الاتحاد السوفيتي.
كما تناول الحوار الحروب بالوكالة بين حافظ الأسد وصدام حسين على الأراضي اللبنانية، ومكافأة العرب للأسد بعد مشاركته في حرب تحرير الكويت.

رابط الحلقة على الجزيرة ومنصاتها الرقمية
وذكر زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي خلفيات قصف قواته الفندق الذي يقيم به المبعوث العربي، الأخضر الإبراهيمي، وكذا القصف على أطراف القصر الذي يقيم به الأميران، صباح الأحمد، وسعود الفيصل، وهدفه من وراء ذلك!
وأوضح جنبلاط أن معركة سوق الغرب بينه وبين ميشال عون، فتحت الأبواب لتوقيع اتفاق الطائف، وكشف عن اعتراضاته على الاتفاق، ووقوف النظام السوري ضد، رغم كونه أقرب حلفائه! وذكر بعض خفايا حروب الموارنة ضد الموارنة.
يذكر أن اتفاق الطائف، الذي وُقّع في 30 سبتمبر 1989 وأُقِر بقانون في 22 أكتوبر 1989، ووُضع بوساطة عربية (سعودية – سورية)، يعتبر المرجعية النهائية التي يستمد منها اللبنانيون وفاقهم الوطني وسلمهم الأهلي بعد الحرب الأهلية التي استمرت قرابة 15 عاماً.

نص حوار وليد جنبلاط ج11 من شهادته على العصر:
تصفية زعماء السنة وقصف القادة العرب وحكم الميليشيات لبيروت
أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم في حلقة جديدة من برنامج «شاهد على العصر»، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بك جنبلاط، زعيم الدروز في لبنان. وليد بك، مرحبًا بك.
وليد جنبلاط:
أهلًا، مرحبًا.
اغتيال رشيد كرامي
أحمد منصور:
في الأول من يونيو (حزيران) عام 1987، اغتيل رئيس الحكومة، رشيد كرامي، بانفجار عبوة في المروحية العسكرية التي كانت تقله من قاعدة أدما إلى بيروت. وكان كرامي رئيس حكومتكم، وأنت كنت وزيرًا للأشغال في هذه الحكومة. أين كنت في ذلك الوقت؟ وكيف وصلك الخبر؟
وليد جنبلاط:
أعتقد أنني كنت في بيروت، ووصلني الخبر، وصُدمت به؛ لأن علاقتي كانت جيدة جدًا مع رشيد أفندي. ورشيد أفندي كرامي، وهذا لقبه، كان يعتبر نفسه من آل كرامة في عين زحلتا، وكان يقول إن أصوله، في مكان ما، تعود إلى الدروز في عين زحلتا، كما كان يعتبر نفسه أيضًا من التنوخيين الذين دافعوا عن منطقة من مناطق الجبل، حيث توجد اليوم قلعة سرحمول إلى جانب الشويفات. وكان يعتبر نفسه من أهل الجبل. رحم الله رشيد كرامي.
أحمد منصور:
كان مقربًا منك على المستوى الشخصي، وكانت بينكما علاقة وثيقة؟
وليد جنبلاط:
إذا كان أحد يتذكر، فسيتذكر ذلك الوفد الكبير من أهل الجبل الذي ذهب إلى طرابلس للمشاركة في التشييع.
أحمد منصور:
سآتي إلى نقطة التشييع، لكن ماذا عن الأجواء التي سبقت اغتيال رشيد كرامي؟
وليد جنبلاط:
ليس لديَّ فكرة.
أحمد منصور:
كان رشيد كرامي رمزًا سنيًا، فضلًا عن كونه رئيسًا للحكومة، وكان يتمتع إلى حدٍّ ما بالكاريزما والحضور والشخصية. عرِّفه للمشاهدين الذين لا يعرفونه، ولا سيما غير اللبنانيين.
وليد جنبلاط:
كان من الشخصيات السنية واللبنانية البارزة في تاريخ لبنان، ومن خلال نضال آل كرامي أيضًا ضد الانتداب الفرنسي، منذ أيام والده عبد الحميد كرامي، المعروف بتاريخه الكبير في لبنان، شأنه شأن الشخصيات التقليدية والوطنية. ولم يكن مجرد شخصية وطنية أو سنية، بل كانت له علاقات وروابط مع مختلف اللبنانيين.
أحمد منصور:
قال أمين الجميل، في شهادته معي في برنامج «شاهد على العصر»: «كان كرامي، في ذلك اليوم، على موعد مع الرئيس كميل شمعون ورئيس مجلس النواب حسين الحسيني، لاستكمال البحث في تسوية سياسية كنا قد بدأنا صياغتها قبل أسبوع». هل كانت لديك فكرة عن هذه التسوية؟
وليد جنبلاط:
لا، سمعت بذلك من الشيخ أمين.
أحمد منصور:
يقول كريم بقرادوني، ولا أدري مدى دقة شهادته، في كتاب «السلام المفقود»، إن كرامي كان قد قدم استقالته إلى الرئيس الجميل في الرابع من أيار (مايو) 1987، لكن الجميل لم يقبلها. وأنت كنت وزيرًا في الحكومة، فلا بد أنك تعلم أنه قدم استقالته.
وليد جنبلاط:
أعتقد أنه قدم استقالته، لكن هل قبلها أمين الجميل أم لا؟ بصراحة، لا أذكر.
أحمد منصور:
ما الذي دفعه إلى تقديم الاستقالة؟ ممَّ كان غاضبًا؟ وما الذي جعله يقدم على هذه الخطوة؟
وليد جنبلاط:
في تلك الحكومة، التي يقول أمين إنها كانت متوازنة، لم يكن هناك توازن، بل كان هناك شيء من الفوضى، وكانت هناك ممارسات عدة من قبل أصدقاء الشيخ أمين، كي لا نقول الشيخ أمين نفسه.
أحمد منصور:
مثل ماذا؟
وليد جنبلاط:
مثل وديع حداد، وغير وديع حداد.
أحمد منصور:
وماذا كانوا يفعلون؟
وليد جنبلاط:
كانوا يقومون بأمور مخالفة للدستور.
أحمد منصور:
وهل كان هناك دستور يُحتكم إليه في لبنان؟
وليد جنبلاط:
من ذلك، على سبيل المثال، موضوع المراسيم الاشتراعية، التي دارت حولها معركة سياسية كبيرة. نحن لم نوافق على المراسيم الاشتراعية التي أرادها أمين الجميل.
أحمد منصور:
تقصد المراسيم الرئاسية؟
وليد جنبلاط:
إلى حدٍّ ما، نعم. كانت نوعًا من استبدال المجلس النيابي بقرار حكومي، ولذلك لم نوافق عليها.
أحمد منصور:
وبالتالي رفضتم هذا الأمر؟
وليد جنبلاط:
نعم، رفضناه، وأخذ الموضوع أبعادًا معينة.
أحمد منصور:
أُدين سمير جعجع عام 1994 باغتيال رشيد كرامي، وصدر بحقه حكم بالإعدام. هل فعلًا كان سمير جعجع هو من قتل رشيد كرامي؟
وليد جنبلاط:
لن أدخل في حكم المحكمة، لا في موضوع سمير جعجع ولا في موضوع داني شمعون؛ لأن سمير جعجع اتُّهم آنذاك من قبل محكمة لبنانية بأنه يقف وراء اغتيال رشيد أفندي كرامي، وكذلك داني شمعون. ومن حيث المبدأ، إذا بدأت بالطعن في الأحكام القضائية، فلن يبقى قضاء. فلنترك الأمر للقضاء، والتاريخ هو الذي يحكم.
أحمد منصور:
إذن، أنت تقر بحكم المحكمة ولا تتدخل فيه، والمحكمة لم تحكم من فراغ.
وليد جنبلاط:
ولاحقًا، كما تعلم…
أحمد منصور:
صدر العفو عنه في 18 تموز (يوليو) 2005، وأنت كنت ممن صادقوا على العفو عنه.
وليد جنبلاط:
صحيح.
أحمد منصور:
لماذا صادقت على العفو عنه؟
وليد جنبلاط:
لم أكن… كنت نائبًا في ذلك الوقت؟
أحمد منصور:
نعم، كنت نائبًا، فقد بقيت نائبًا طوال تلك الفترة.
وليد جنبلاط:
عن أي سنة تتحدث؟
أحمد منصور:
عن عام 2005.
وليد جنبلاط:
نعم، صحيح، كنت نائبًا. لأن الصدمة كانت هائلة بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري.
أحمد منصور:
رشيد كرامي…
وليد جنبلاط:
كان لا بد من…
أحمد منصور:
رفيق الحريري، عام 2005.
وليد جنبلاط:
نعم، عام 2005.
أحمد منصور:
صحيح.
وليد جنبلاط:
وحكومة نجيب ميقاتي…

أحمد منصور:
شارك مئات الآلاف من اللبنانيين في جنازة رشيد كرامي في طرابلس. هل صحيح أنك عندما ذهبت إلى هناك رفض عمر كرامي أن يصافحك أو يتقبل منك التعزية؟
وليد جنبلاط:
أبدًا، أبدًا، أبدًا. لقد كان احتفالًا وطنيًا هائلًا في طرابلس، وخاصة عندما رأوا تلك المئات من العمائم، عمائم المشايخ الدروز، تجوب شوارع طرابلس. أبدًا، لقد كان، إلى حدٍّ ما، عرسًا وطنيًا.
أحمد منصور:
في تلك الفترة.
وليد جنبلاط:
كان عرسًا أليمًا، لكن كانت معنويات طرابلس مرتفعة.

إبادة القيادات السنية
أحمد منصور:
شهدت تلك الفترة ما يمكن تسميته بالإبادة السياسية للقيادات السنية. فقد اغتيل الشيخ حسن خالد، مفتي بيروت، في 16 أيار (مايو) 1989، في منطقة كنت مسؤولًا أمنيًا عنها.
وليد جنبلاط:
أي منطقة؟ لا.
أحمد منصور:
كنت تسيطر على المنطقة في بيروت الغربية التي يقع فيها دار الإفتاء، عندما اغتيل الشيخ حسن خالد.
وليد جنبلاط:
لم يكن للحزب التقدمي الاشتراكي وجود في دار الإفتاء. وأعلم أنه في ذلك الوقت خرجت بعض الأصوات واتهمتني. والذي اغتيل أيضًا في منطقة مختلطة من بيروت هو الشيخ صبحي الصالح. وكان الشيخ صبحي الصالح من كبار العلماء والأئمة المعروفين في الوسط السني، وكانت المنطقة هناك مختلطة.
أحمد منصور:
في ساقية الجنزير، حيث اغتيل الشيخ صبحي الصالح.
وليد جنبلاط:
نعم، في ساقية الجنزير.
أحمد منصور:
وكانت تلك المنطقة تحت سيطرة قواتكم. هل كنت تعرف الشيخ صبحي الصالح جيدًا؟
وليد جنبلاط:
كيف؟
أحمد منصور:
هل كنت تعرفه جيدًا؟
وليد جنبلاط:
لا، وإنما تعرفت إلى ابنه.
أحمد منصور:
لأنه كان صديقًا لوالدك.
وليد جنبلاط:
كان صديقًا لوالدي، لكنني تعرفت إلى ابنه، وهو، على ما أعتقد، يقيم في الإمارات أو في دبي. وقد التقيته مرة في بيروت، وشرحت له، ونفيت أن تكون لي أي علاقة بالأمر.
أحمد منصور:
إذًا، السوريون هم الذين قتلوه؟
وليد جنبلاط:
جاء ذلك في سياق التصفية، وفي سياق إضعاف الموقف السني العام، وفي سياق الاتفاق الثلاثي، وفي سياق تصفية ياسر عرفات، على ما يبدو.
أحمد منصور:
محمد شقير، الذي كان مستشارًا للرئيس أمين الجميل، وكان أيضًا من القيادات السنية، اغتيل في بيروت الغربية.
وليد جنبلاط:
محمد شقير قُتل في منزل الدكتور يوسف حتي. وكان الدكتور يوسف حتي طبيب العائلة، وطبيب آل جنبلاط، وصديقًا لكمال جنبلاط. كما أن شقيقه هو فيليب حتي، المؤرخ الكبير المعروف.
أحمد منصور:
نعم، وصاحب كتاب مهم عن تاريخ لبنان.
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
عندما رصدت تلك المرحلة، من عام 1982 إلى عام 1989، وقد خصصت لها جزءًا كبيرًا من دراسة الاغتيالات، وجدت أنك وصفتها بنفسك بأنها إبادة سياسية للقيادات السنية المعتدلة.
وليد جنبلاط:
نعم، للقيادات السنية، لكن لماذا تقول «المعتدلة»؟ هنا يوجد خطأ. أين هي القيادات السنية المتطرفة؟ لم تظهر مثل هذه القيادات إلا لاحقًا، عندما وقعت أحداث صيدا، وظهر الشيخ أحمد الأسير. عندها بدأ هذا الوصف يُستخدم.
أحمد منصور:
لكن في تلك المرحلة لا يمكن القول إن هناك قيادات متطرفة. قد ظهر شخص واحد لاحقًا، لكن عملية تصفية القيادات شملت معظم رموز السنة، كما قلت أنت، بعد الاتفاق الثلاثي.
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
إذًا، أصبح معروفًا من الذي كان يقوم بهذه التصفيات؟
وليد جنبلاط:
ليست لديك أدلة، لكنني أتحدث عن السياق العام.
انتهاء ولاية أمين الجميل
أحمد منصور:
انتهت ولاية الرئيس أمين الجميل في خريف عام 1988. وصحيح أن حافظ الأسد كان يدعم ترشيح ميخائيل الضاهر، بحسب ما ذكر لي أمين الجميل؟
وليد جنبلاط:
كان مرشحًا قبل ميخائيل الضاهر. فقد قيل إننا رشحنا سليمان فرنجية، وجاء سليمان فرنجية إلى بيروت، لكنه لم يحصل على الأصوات الكافية، فعاد إلى الشمال. وكان يقيم في فندق بريستول. ثم جاءت المقولة الشهيرة لريتشارد ميرفي: «مخايل الضاهر أو الفوضى».
أحمد منصور:
ريتشارد ميرفي.
وليد جنبلاط:
نعم، ريتشارد ميرفي، الذي أصبح لاحقًا سفيرًا في دمشق لمدة تقارب عشر سنوات.
أحمد منصور:
في 20 أيلول (سبتمبر) 1988، هل ذهبت سرًا إلى دمشق قبل 48 ساعة من نهاية ولاية الرئيس الجميل، لبحث الفراغ الرئاسي مع الرئيس حافظ الأسد؟
وليد جنبلاط:
لا. الرئيس الأسد طلب منا دعم سليمان فرنجية. وكان بعض النواب، الذين كانوا في المنطقة الغربية، إذا صح التعبير، قد التحقوا بالمنطقة الشرقية. وكذلك بعض نواب جزين. وأذكر، في إطار طريف، أن الدكتور فريد سرحال استضفناه في فندق بريستول، فظن أنه مرشح لرئاسة الجمهورية. وقلنا له: إذا كان هناك مجال، يا دكتور سرحال، فانتخب سليمان فرنجية. لكن الانتخابات لم تجرِ، ولم يحدث شيء.
أحمد منصور:
في 22 أيلول (سبتمبر) 1988، وقبل ساعات من انتهاء ولايته…
وليد جنبلاط:
فريد سرحال، نعم.
أزمة حكومتي ميشال عون وسليم الحص
أحمد منصور:
عيَّن الرئيس أمين الجميل قائد الجيش، العماد ميشال عون، رئيسًا لحكومة عسكرية انتقالية. كيف قيَّمتم هذا القرار؟
وليد جنبلاط:
اعتبرناه مخالفة للدستور، وعلى أثره وُلدت حكومتان: حكومة سليم الحص، وحكومة ميشال عون التي شكَّلها الرئيس أمين الجميل.
أحمد منصور:
وصفت ذلك في تصريح لصحيفة الأنوار، وقلت: «إنها بداية شيزوفرينيا الجمهورية». إلى جانب أي حكومة وقفتم آنذاك؟
وليد جنبلاط:
وقفنا إلى جانب سليم الحص. وكان أمين الجميل قد عيَّن ثلاثة ضباط، من بينهم ضابط درزي هو اللواء محمود أبو درغم. فقلنا له: يا محمود، هذا ليس موقعك. وكان من كبار ضباط الجيش اللبناني، وله تاريخ مشرِّف، لكننا قلنا له: في السياسة، يا لواء محمود، هذا ليس موقعك. فاستقال.
أحمد منصور:
ذكر الرئيس سليم الحص، في كتابه «بين القرار والهوى»، أنك زرته فجر الثالث والعشرين من أيلول (سبتمبر) 1988، وأكدت له دعمك المطلق.
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
إذًا، كان واضحًا أن حربًا ستندلع في لبنان.
وليد جنبلاط:
كان واضحًا أن حربًا ستندلع في لبنان، لكننا لم نكن نعلم أن وراء هذه الحرب معادلة أكبر، هي المعادلة العربية المرتبطة بصدام حسين.
أحمد منصور:
سنأتي إلى صدام حسين لاحقًا. لكن في الفترة الممتدة من 23 أيلول (سبتمبر) 1988 إلى 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 1989، كان في لبنان حكومتان: حكومة ميشال عون، وحكومة سليم الحص؛ حكومة في بيروت الغربية، وأخرى في بيروت الشرقية.
وليد جنبلاط:
وفي تلك الفترة ابتكروا ما سُمي بـ«المراسيم الجوالة». فقد كانت لكل حكومة، من حيث المبدأ، صلاحياتها، لكن كان لا بد من تسيير شؤون الدولة، فابتكروا نظام المراسيم الجوالة.
أحمد منصور:
لكن في ذلك الوقت، أي خلال الفترة من عام 1987 إلى عام 1989، وكما قال عمر كرامي، وليس أنا، فإن وليد جنبلاط كان الحاكم الفعلي لبيروت الغربية، أكثر من رئيس الحكومة سليم الحص.
وليد جنبلاط:
لم أكن حاكمًا، بل كانت الميليشيات هي التي تحكم بيروت الغربية.
أحمد منصور:
وأنت كنت زعيم تلك الميليشيا.
وليد جنبلاط:
حسنًا، لكن لا يمكنك أن تقول إنني كنت أحكم كل بيروت الغربية. كنت مسؤولًا عن الأحياء التي كانت تُعرف بأنها أحياء الحزب الاشتراكي.
أحمد منصور:
وكيف كنت تدير تلك الأحياء؟ من حيث الأمن والحياة اليومية؟
وليد جنبلاط:
لم أكن أديرها. وعندما اكتشفت أمر أبي هيثم، رأيت حجم الاختراق الأمني الذي أصاب الحزب التقدمي الاشتراكي.
أحمد منصور:
وكان يلعب هذا الدور في تلك الفترة؟
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
شخص واحد تسبب في كل تلك المصائب؟
وليد جنبلاط:
نعم، كان يملك المال، وكان يجبي الإتاوات، وكانت لديه أسلحة.
أحمد منصور:
وكان هو الذي يدير الميليشيا في منطقتك آنذاك؟
وليد جنبلاط:
كان الرجل الثاني. أما الرجل الأول فكان القائد العسكري أبو سعيد عينترازي، واسمه عصام عينترازي، وهو يقيم اليوم في الولايات المتحدة. لكن أبا هيثم كان الأقوى من حيث النفوذ.

طبيعة الدور الفرنسي في لبنان
أحمد منصور:
في تلك الفترة استقبلك الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران أكثر من مرة. هل ذهبت إلى باريس؟
وليد جنبلاط:
لا، مرة واحدة.
أحمد منصور:
صحيفة لوموند قالت إنك زرته أكثر من مرة، وإن آخر زيارة كانت في 12 تموز (يوليو) 1988.
وليد جنبلاط:
من قال ذلك؟
أحمد منصور:
صحيفة لوموند.
وليد جنبلاط:
لوموند؟ نعم.
أحمد منصور:
ما طبيعة الدور الفرنسي في ذلك الوقت؟
وليد جنبلاط:
الدور الفرنسي، إذا أردت، يعود إلى عهد لويس الرابع عشر، إذ كانت فرنسا مهتمة بلبنان.
أحمد منصور:
وما سر هذا الاهتمام؟
وليد جنبلاط:
لسبب بسيط.
أحمد منصور:
لأنهم كانوا يسمون بيروت «باريس الصغرى»؟
وليد جنبلاط:
نعم، هذا صحيح، لكن في لبنان واقعًا مسيحيًا، وواقعًا لبنانيًا متميزًا. ولبنان ما زال، حتى هذه اللحظة، متميزًا عن بقية البلاد العربية، رغم بعض التراجع في حرية الحركة، وحرية الرأي، وحرية الأحزاب، فضلًا عن الوجود المسيحي التاريخي في لبنان.
أحمد منصور:
هذا بالنسبة للوجود المسيحي، لكن كانت هناك أيضًا علاقة قوية جدًا بين الفرنسيين والدروز، وبك شخصيًا.
وليد جنبلاط:
لقد عشنا مع المسيحيين في الجبل فترات طويلة من الوئام. وفي عام 1860 حدث الشرخ الكبير، ثم جاء نظام المتصرفية، وعشنا بعد ذلك بعيدًا عن الحروب والحساسيات. وخلال فترة الانتداب عشنا مع المسيحيين، ولا سيما الموارنة، وكانت جدتي نظيرة جنبلاط تقيم أفضل العلاقات معهم.
أحمد منصور:
وجدتك كانت زعيمة كبيرة.
وليد جنبلاط:
نعم، وكانت تريد استقرار الجبل، وقد نجحت في ذلك.
أحمد منصور:
وما الفوائد التي جنيتها أنت من هذه العلاقة؟
وليد جنبلاط:
بعد ذلك جاءت الاضطرابات، ثم جاءت أحداث عام 1975. أما قبلها، فلم تكن هناك تلك المشكلات أو الخلافات المسيحية الدرزية في الجبل إطلاقًا.
أحمد منصور:
أقصد: ما الفوائد التي جنيتها للدروز من خلال علاقتك الوثيقة بالفرنسيين؟
وليد جنبلاط:
الفائدة العملية التي جنيتها هي إقامة علاقة جيدة مع الفرنسيين. كما أنشأت في دير القمر مركزًا ثقافيًا فرنسيًا في عهد الرئيس فرانسوا ميتران. وفي النهاية، أنت تتعامل مع دولة.
أحمد منصور:
وهل كانوا يقدمون لكم منحًا دراسية أو أي نوع من الدعم؟
وليد جنبلاط:
أما المنح الدراسية، فأغلبها جاء إلى الحزب التقدمي الاشتراكي من الاتحاد السوفييتي، وقد حصلنا على آلاف المنح.
أحمد منصور:
لكنك عندما تفتتح مركزًا ثقافيًا فرنسيًا، فمن الطبيعي أن يكون ذلك بدايةً للمنح الدراسية، ودورات اللغة الفرنسية، وغير ذلك.
وليد جنبلاط:
كان المركز الثقافي في دير القمر قائمًا داخل مبنى أثري قديم قمت بترميمه، ثم افتتحناه برعاية السفير الفرنسي آنذاك.
فهم اللعبة السياسية
أحمد منصور:
قل لي، وأنا لا أقصد المجاملة، لكن هناك شبه إجماع، سواء لدى خصومك أو حلفائك، على أنك من أكثر السياسيين فهمًا للعبة السياسية في المنطقة، وأنك دائمًا تسبق الأحداث بخطوة، أو تقفز قبل وقوعها.
وليد جنبلاط:
لسبب بسيط، لدي بعض المعلومات، وأعرف كيف أخاطب السفراء، وأعرف كيف أخاطب الرؤساء، ثم أخرج من ذلك. ولا أشغل نفسي بالأمور الصغيرة أو باللعبة اللبنانية الضيقة. أفكر إقليميًا، وأفكر دوليًا، وربما يمنحني ذلك ميزة، لا أكثر.
أحمد منصور:
كثيرون يقولون: نتمنى أن نفهم وليد جنبلاط، وأن نفهم كيف يغير تحالفاته بسرعة كبيرة، وكيف يسبق الآخرين بخطوات، وكيف يتخذ قراراته.
وليد جنبلاط:
أنا لا أغيِّر. ليست القضية قضية تغيير تحالفات. لقد شاعت عني مقولة إنني أبدل مواقفي باستمرار، لكن أليست السياسة العالمية نفسها تتغير؟ إنها تتغير بطبيعتها.
أحمد منصور:
وما المبادئ التي تقف عليها؟
وليد جنبلاط:
أحاول أن أتأقلم مع السياسة العالمية.
أحمد منصور:
وما القواعد الأساسية الثابتة التي لا تغيِّرها؟
وليد جنبلاط:
بعد كارثة الجبل، جرت المصالحة التاريخية عام 2001 مع رجلٍ عملاق، هو البطريرك صفير.
أحمد منصور:
سآتي إلى هذه النقطة.
وليد جنبلاط:
حسنًا.
أحمد منصور:
سأتناولها بالتفصيل.
وليد جنبلاط:
هذه أهم من كل شيء.
علاقة جنبلاط مع السوفييت، ورؤيته لعوامل انهيارهم!
أحمد منصور:
سنتحدث عنها بالتفصيل. لكن كيف كانت العلاقة مع الاتحاد السوفييتي في تلك الفترة، من عام 1985 إلى عام 1989، وهي الفترة التي كان يُقال فيها إن وليد جنبلاط هو الحاكم الفعلي لبيروت؟ سواء اختلفت مع هذا الوصف أو اتفقت، فهذا ما كان يُقال، وأنت نفسك قلت إن الميليشيات كانت تؤدي دورًا أساسيًا في تلك المرحلة.
وليد جنبلاط:
كنا ميليشيا، لكن هذا لا يعني أنني كنت حاكم بيروت، أو أن غيري كان حاكمها. كنا نسيطر على بعض الأزقة، وسط الفوضى والإرهاب.
أحمد منصور:
ومن الذي صنع هذا الإرهاب؟ هل كنتم تمارسون الإرهاب؟
وليد جنبلاط:
المواطن اللبناني العادي، ولا سيما البيروتي، لم يكن يشعر بالارتياح عندما يرى عنصرًا من الحزب التقدمي الاشتراكي، أو عنصرًا من حركة أمل، أو عنصرًا من الحزب السوري القومي الاجتماعي.
أحمد منصور:
صحيح. في فترة البيريسترويكا، في عهد ميخائيل غورباتشوف، كنت حليفًا للاتحاد السوفييتي، وكان السفير السوفييتي في لبنان…
وليد جنبلاط:
سولداتوف، نعم.
أحمد منصور:
وكانت بينكم ترتيبات، كما أن السوفييت زودوكم بالدبابات والأسلحة. فكيف تغيرت العلاقة مع الاتحاد السوفييتي خلال فترة البيريسترويكا؟
وليد جنبلاط:
لقد حضرت افتتاح الحوار الذي أرساه آنذاك ميخائيل غورباتشوف، وكان ذلك بحضور عدد من قادة العالم، في عام 19…
أحمد منصور:
عام 1990؟
وليد جنبلاط:
لا.
أحمد منصور:
عام 1987؟
وليد جنبلاط:
نعم، عام 1987، في الذكرى السبعين للثورة. كانت هناك خطابات، وخطابات، وخطابات، وفي النهاية لقاءات مع رؤساء، وكان أصغرهم سنًا قد تجاوز الثمانين. كان هناك نيكولاي تشاوشيسكو، وأندريه غروميكو، أما الوحيد الشاب بينهم فكان فيدل كاسترو.
أحمد منصور:
فيدل كاسترو، رئيس كوبا.
وليد جنبلاط:
كان ميخائيل غورباتشوف يحاول إنقاذ الاتحاد السوفييتي من حالة الجمود الداخلي، لكنه لم يكن يدرك أن سرطان البيروقراطية قد انتشر في جميع مفاصل الدولة، وأن سرطان الفساد وصل إلى كل أجزائها.
أحمد منصور:
كيف انهارت هذه الإمبراطورية التي كانت تربطك بها علاقة وثيقة؟
وليد جنبلاط:
انهارت من الداخل؛ لأن العمود الفقري للنظام، القائم على الإرهاب الديكتاتوري الذي أسسه ستالين، كان قد انتهى.
أحمد منصور:
منذ عهد ستالين، أي منذ أربعينيات القرن الماضي؟
وليد جنبلاط:
بدأت مرحلة الأفول.
أحمد منصور:
أي إن الإمبراطورية السوفييتية استمرت أكثر من أربعين عامًا قبل أن تنهار.
وليد جنبلاط:
كانت قد بدأت بالفعل في التراجع.
أحمد منصور:
أكثر من أربعين عامًا.
وليد جنبلاط:
ثم لا تنسَ طبيعة تلك الإمبراطوريات. كنت أذهب إلى موسكو ضمن الوفود المحظوظة، وكنا نقيم في فندق اللجنة المركزية.
أحمد منصور:
نعم.
وليد جنبلاط:
لكن، في الطريق، كنت ترى دائمًا الطوابير نفسها أمام المتاجر لشراء اللحم أو الخبز أو غيرهما من المواد الأساسية. لم يتغير هذا المشهد منذ أول زيارة لي إلى الاتحاد السوفييتي مع والدي كمال جنبلاط عام 1967، في الذكرى الستين للثورة، وحتى عام 1987. بقي المشهد كما هو. لا يمكن أن تُطعم الناس بالشعارات الاشتراكية، أو بالمبادئ الماركسية اللينينية وحدها. ثم إن الحرية كانت غائبة.
أحمد منصور:
لكن، على الأقل، كنت تتبنى هذه المبادئ.
وليد جنبلاط:
لا، لم أكن أتبناها بهذا المعنى. فالحزب التقدمي الاشتراكي يحترم الحرية الفردية والملكية الفردية.
أحمد منصور:
لكن هذا لم يكن قائمًا عندما كانت بيروت تحت سيطرتكم.
وليد جنبلاط:
لا، هذا غير صحيح.
أحمد منصور:
الناس فقدت تلك الحريات.
وليد جنبلاط:
في تلك المرحلة، لم نكن نبشر بالاشتراكية التقدمية في بيروت، بل كنا نعيش حالة من الفوضى. وفي موسكو أيضًا كان الشعب الروسي يريد الحرية. ثم إن غورباتشوف اتخذ إجراءً مضحكًا.
أحمد منصور:
ماذا فعل؟
وليد جنبلاط:
حاول الحد من شرب الفودكا.
أحمد منصور:
وكانت تلك كارثة!
وليد جنبلاط:
وهذا يوضح لك إلى أي حد…
أحمد منصور:
كانت الفودكا عندهم مثل الماء، فكيف يمنع الناس منها؟
وليد جنبلاط:
وظن غورباتشوف أن الغرب سيدعمه من خلال سياسة البيريسترويكا، لكن الغرب خدعه؛ لأنه، في الأساس، كان ولا يزال يريد تدمير الاتحاد السوفييتي. والاتحاد السوفييتي، أو روسيا الاتحادية لاحقًا، بقي قائمًا بفضل ترسانته النووية. ولولا الصواريخ النووية، لتفكك منذ زمن بعيد.
أحمد منصور:
هل أسهم غورباتشوف، من خلال هذه السياسات، في إسقاط الإمبراطورية السوفييتية؟
وليد جنبلاط:
كان جسد الدولة مصابًا بالسرطان، وقد وصل المرض إلى القمة. ثم وقعت محاولة الانقلاب، وتذكر قصف «البيت الأبيض»، أي مبنى البرلمان الروسي، بالمدفعية.
أحمد منصور:
في عهد بوريس يلتسن. هل أدركت، خلال تلك الزيارة، أن الاتحاد السوفييتي كان في طريقه إلى الانهيار، وأنها ربما تكون زيارتك الأخيرة؟
وليد جنبلاط:
أدركت أن هناك مرضًا عميقًا. وكالعادة، حضرت آخر عرض عسكري كبير للجيش الأحمر. كان العرض جميلًا، لكن ماذا بعد؟ إذا كان الجندي، أو عائلته، لا يجد ما يكفي من الطعام، فما جدوى العرض العسكري؟
أحمد منصور:
ما أبرز العوامل التي أدت، في رأيك، إلى انهيار الإمبراطورية السوفييتية؟
وليد جنبلاط:
ذكرت لك بعض ملامحها، لكنني أعتقد أن غياب الحرية كان العامل الأهم. وقبل عام، أو بعد عام، من احتفالات 1987، انهار جدار برلين، ذلك الجدار الذي بُني بالدم، وسقط عليه كثيرون وهم يحاولون عبوره. ومع ذلك، انهار في النهاية كما لو كان مصنوعًا من الورق المقوى.
إعلان حرب التحرير ضد الجيش السوري
أحمد منصور:
في 14 آذار (مارس) 1989، أعلن العماد ميشال عون «حرب التحرير» ضد الجيش السوري، ووجَّه المدفعية نحو بيروت الغربية ومواقع الجيش السوري، وقال عبارته الشهيرة: «لقد دُمِّرت بيروت ثماني مرات، فما الذي يمنع أن تُدمَّر مرة تاسعة؟».
وليد جنبلاط:
كانت حربًا عبثية، وكنا في غنى عنها، لأنها في النهاية لم تحقق شيئًا. وكما اعترفت سابقًا، كنا، في مرحلة معينة، أدوات للنظام السوري، لكن كان لدينا هدف. وفي المقابل، كان ميشال عون أيضًا أداة لصدام حسين، الذي ظن أنه يستطيع إخراج حافظ الأسد من لبنان أو إضعافه هناك. ثم ارتكب صدام حسين خطأه القاتل، فبعد انتهاء حربه مع إيران غزا الكويت، فاستغل حافظ الأسد الفرصة، ووصل نفوذه إلى قصر بعبدا.

حرب بالوكالة على الأراضي اللبنانية
أحمد منصور:
نريد أن يفهم المشاهد العربي طبيعة تلك العبثية. فميشال عون لم يعلن حرب التحرير من فراغ، بل بعد أن عقد تحالفًا مع صدام حسين، الذي موَّله بالسلاح ليخوض حربًا ضد حلفاء سوريا في لبنان، وكأنها حرب بالوكالة بين حافظ الأسد وصدام حسين.
وليد جنبلاط:
كان ذلك في ظل مناخ عربي جعل صدام حسين يظن أنه انتصر في معركة القادسية. ثماني سنوات من الحرب، ولم يحقق سوى التقدم بضعة كيلومترات على حساب دماء الجنود العراقيين. وبعض القادة، بل كثير منهم، يصيبهم الغرور.
أحمد منصور:
ما طبيعة الصراع بين حافظ الأسد وصدام حسين آنذاك، وقد أصبحت الساحة اللبنانية، للمرة العاشرة، ميدانًا لتصفية الحسابات بين قوتين خارجيتين؟
وليد جنبلاط:
لم يكن حافظ الأسد مستعدًا لأن يقبل بوجود منافس له في لبنان، لا أكثر ولا أقل.
أحمد منصور:
أيًّا كان هذا المنافس؟
وليد جنبلاط:
أيًّا كان.
أحمد منصور:
منذ اغتيال كمال جنبلاط، كان كل من يحاول منافسته يُستهدف؟
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
كل من يبرز كان يتم التخلص منه.
وليد جنبلاط:
وبشير الجميل قُتل، وميشال عون نُفي، لأنه لجأ إلى السفارة الفرنسية، ثم غادر لبنان.
أحمد منصور:
إذن، عندما تحدى ميشال عون حافظ الأسد، وأعلن حرب التحرير مطالبًا بخروج الجيش السوري من لبنان، كان صدام حسين هو الداعم الرئيسي له.
وليد جنبلاط:
بحسب ما كان يُقال آنذاك، كانت شحنات السلاح تأتي، على ما أعتقد، من ميناء العقبة، ثم تمر بإجراءات التفتيش في حيفا، قبل أن تُفرَّغ في أحد موانئ بيروت.
أحمد منصور:
أريد منك أن توضح هذه الحقيقة؛ لأنني قرأت تصريحًا منسوبًا إليك تقول فيه إن الأسلحة التي كان صدام حسين يرسلها إلى ميشال عون كانت تمر عبر دولتين عربيتين، ثم عبر ميناء حيفا في إسرائيل، قبل أن تتولى إسرائيل إيصالها إلى ميناء جونيه في لبنان. حدثنا عن هذا المسار، وما الدولتان العربيتان اللتان كانتا تمر عبرهما هذه الأسلحة؟
وليد جنبلاط:
ولماذا نقول إنها كانت متحالفة مع إسرائيل؟
أحمد منصور:
دعنا نتجاوز أسماء الدول حتى لا تضعها في موقف محرج، لكن هل كانت الأسلحة فعلًا تذهب أولًا إلى إسرائيل قادمة من صدام حسين؟
وليد جنبلاط:
بحسب ما قيل لنا، كانت تصل إلى ميناء العقبة.
أحمد منصور:
ومن الذي قال لك ذلك؟
وليد جنبلاط:
مصدر سوري.
أحمد منصور:
لكن ربما كان المصدر السوري غير صادق.
وليد جنبلاط:
ربما، لكن في النهاية، كيف كان يمكن أن يصل السلاح؟
فهذا السلاح العراقي لم يكن يستطيع المرور عبر الحدود السورية، ولا أن يدخل الأراضي السورية ثم يصل إلى جونية. كان ذلك مستحيلًا. كما أنه لم يكن بالإمكان نقله جوًا، فلا بد أنه جاء من طريق آخر.
أحمد منصور:
وما طبيعة هذا السلاح؟ هل كان مدفعية ثقيلة وصواريخ؟ فقد سقط على بيروت الغربية، بحسب ما ذكره السفير ماتا في 15 آب (أغسطس) 1989، نحو أربعمائة ألف قذيفة خلال ستة أشهر فقط.
وليد جنبلاط:
كانت مدفعية وراجمات صواريخ.
أحمد منصور:
وقد نُشر تحقيق عن تلك الحرب، جاء فيه أن بيروت كانت أكثر مدينة تعرضت للقصف في تاريخ الحروب.
وليد جنبلاط:
نعم، لقد تعرضت بيروت لقصف كثيف.
أحمد منصور:
وأنا أتحدث عن حرب ميشال عون وحدها، التي شهدت سقوط أربعمائة ألف قذيفة.
وليد جنبلاط:
وليس ذلك فقط، فهناك أيضًا الحصار الإسرائيلي عام 1982، ثم ما فعله الإسرائيليون لاحقًا. واليوم نتحدث عن نحو ثلاثة آلاف قتيل في مختلف أنحاء لبنان، وأكثر من أحد عشر ألف جريح.
أحمد منصور:
اتهمك ميشال عون بأنك كنت رأس الحربة في التحالف السوري ضده خلال تلك الحرب.
وليد جنبلاط:
ليت ميشال عون يذكر ما حدث لاحقًا، عندما وقعت الكارثة الثانية التي أصابت المسيحيين. فالكارثة الأولى كانت التهجير الكبير بعد حرب الجبل، أما الكارثة الثانية فكانت عندما تقاتل قادة الميليشيات: ميشال عون، بصفته قائدًا للجيش، وسمير جعجع، وسقط عدد كبير من الضحايا.
وللتاريخ، أرسل إليَّ ميشال عون رسولًا اسمه أنطوان الأشقر، من آل الأشقر في بلدة ديك المحدي، وهو رفيق في الحزب التقدمي الاشتراكي منذ سنوات طويلة.
سألته: ما المطلوب يا أنطوان؟
فقال: إن ميشال عون يريد إرسال ضابط اسمه فؤاد الأشقر، ويحتاج إلى أن يمر عبر خطوطنا في طريقه إلى جزين.
أحمد منصور:
لكي يحارب سمير جعجع؟
وليد جنبلاط:
لا، إلى جزين.
أحمد منصور:
جزين الخاضعة للوجود الإسرائيلي؟
وليد جنبلاط:
نعم، وكانت المختارة تقع في منتصف الطريق. فمرَّ الضابط عبر خطوطنا، وذهب إلى جزين، وأعتقد أنه التقى هناك، أو في مكان آخر، بمسؤولين إسرائيليين، ثم عاد بعد يومين، وكان عابس الوجه وكئيبًا.
أحمد منصور:
وهل التقيته؟
وليد جنبلاط:
نعم، استضفته وقدمت له فنجان قهوة. وعندما رأيت ملامحه وعينيه، أدركت أنه كان قد ذهب لطلب مساعدة من إسرائيل. لكن إسرائيل كانت قد حسمت أمرها آنذاك، وكانت التسوية تقضي بدخول القوات السورية إلى قصر بعبدا، بعد مشاركة حافظ الأسد في حرب تحرير الكويت إلى جانب العرب والتحالف الدولي.
أحمد منصور:
أي إنه حصل على الجائزة.
وليد جنبلاط:
نعم، وفي المقابل حصل حافظ الأسد على لبنان، وعلى بعبدا.
أحمد منصور:
وسنأتي إلى هذه المكافأة؛ لأنه تم الاتفاق آنذاك على إبعاد ميشال عون.
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
أي إن حافظ الأسد، بعد مشاركته في حرب تحرير الكويت عام 1990، كوفئ بهذا الأمر.
وليد جنبلاط:
صحيح.
قصف جنبلاط للقادة العرب
أحمد منصور:
اللجنة العربية الثلاثية، التي كانت تضم الملك الحسن الثاني، والملك فهد، والرئيس الشاذلي بن جديد، تشكلت في قمة الدار البيضاء. هل ذهبت إلى الدار البيضاء؟ وهل استدعوك؟
وليد جنبلاط:
لا، لم أذهب.
أحمد منصور:
لكن اللجنة الثلاثية كلفت الأخضر الإبراهيمي بإجراء الاتصالات. هل التقيته عندما جاء إلى بيروت؟
وليد جنبلاط:
التقيته مرات عديدة، لكن في تلك المرحلة لم ألتقِ به. كان يقيم في فندق البستان في بيت مري.
أحمد منصور:
نعم.
وليد جنبلاط:
وكان في مهمة لم نكن متفقين معها. وأذكر أن أحد فصائل الحزب التقدمي الاشتراكي قصف الفندق، ثم اعتذرت للأخضر الإبراهيمي.
أحمد منصور:
من دون أن تكون على علم بذلك؟
وليد جنبلاط:
بل كنت أعلم، واعتذرت له. وكان ذلك خلال مؤتمر رعته المملكة العربية السعودية، نظمه السفير السعودي في بيروت تمهيدًا لاتفاق الطائف.
أحمد منصور:
يعني أمرتم بقصف الفندق، ثم اعتذرتم للرجل، مع أنه كان من الممكن أن يلقى حتفه!
وليد جنبلاط:
ومع ذلك، كلما ذهبت إلى باريس، وما زلت أدعو الله أن يطيل عمره، ألتقي بالأخضر الإبراهيمي.
أحمد منصور:
وتقول له: أنا كنت أقصف الفندق الذي كنت تقيم فيه؟
وليد جنبلاط:
وهل تعلم ماذا حدث أيضًا؟
أحمد منصور:
ماذا؟
وليد جنبلاط:
في إحدى المرات تعرض مكان وجود الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، للقصف في بعبدا.
أحمد منصور:
تقصد الشيخ صباح الأحمد نفسه؟
وليد جنبلاط:
لا، أقصد مكان وجوده، لا شخصه.
أحمد منصور:
الشيخ صباح الأحمد الصباح، وزير خارجية الكويت آنذاك، وأميرها لاحقًا.
وليد جنبلاط:
وكان الأمير سعود الفيصل موجودًا أيضًا.
أحمد منصور:
نعم، الأمير سعود الفيصل. حدثني عن هذه الواقعة، فهي غير مذكورة في الكتب.
وليد جنبلاط:
وقع قصف على أطراف القصر.
أحمد منصور:
أي إنهم كانوا داخل القصر؟
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
وهل كانت تلك رسالة تحذيرية منكم؟
وليد جنبلاط:
كانت رسالة اعتراض، مفادها: لماذا يقف العرب مع ميشال عون وضدنا؟
أحمد منصور:
عندما ذهبوا لزيارته؟
وليد جنبلاط:
نعم. وقد أدى ذلك إلى خلاف كبير بيني وبين الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله.
أحمد منصور:
وما طبيعة هذا الخلاف؟
وليد جنبلاط:
ثم التقينا لاحقًا في أحد الفنادق المجاورة لمنطقة الأهرام.
أحمد منصور:
في مصر؟
وليد جنبلاط:
نعم، في مصر.
أحمد منصور:
نعم، أظنه فندق سيسيل، أو شيء من هذا القبيل.
وليد جنبلاط:
لا، كان فندقًا جميلًا جدًا، بناه الاستعمار الفرنسي.
أحمد منصور:
تقصد الفندق المبني بالخشب؟
وليد جنبلاط:
نعم. ولم أتعرف إليه في البداية؛ لأنه لم يكن يرتدي الزي العربي.
أحمد منصور:
الزي الكويتي.
وليد جنبلاط:
فقال لي: «إذا كان جبل على جبل لا يلتقيان، فإن صديقًا مع صديق يلتقيان». ثم تصالحنا.
أحمد منصور:
رغم أنه كان يعلم أنك أنت من أمر بقصف الموقع؟ وكيف كانت مصالحتك مع الأمير سعود الفيصل؟
وليد جنبلاط:
كان الأمير سعود الفيصل يلمح إلى ذلك دائمًا، ولكن بأدب ورقي. كان يقول لي، وكأنه يعاتبني: «حسنًا… بالأمس قصفتني!». ومع ذلك، لم يكن هناك أطيب منه.
أحمد منصور:
إذن، كانت لديكم رسائل سياسية تتعمدون إرسالها من خلال هذه الأفعال. فعندما قصفت محيط الوفد العربي، كنت تقصد توجيه رسالة، لا استهدافهم مباشرة. لكن القذائف قد تخطئ أهدافها.
وليد جنبلاط:
أعرف ذلك.
أحمد منصور:
وربما الذين كلفتهم بالقصف تجاوزوا الحدود قليلًا.
وليد جنبلاط:
لم نكن إلى هذه الدرجة. كان رماة المدفعية لدينا ماهرين، ومحيط القصر واسع، والحمد لله.
معركة سوق الغرب
أحمد منصور:
كانت معركة سوق الغرب هي المعركة الفاصلة، أو معركة كسر العظم، بينك وبين ميشال عون، أو بين حلفاء سوريا من جهة وميشال عون من جهة أخرى. وأنت كنت تقاتل وحدك، أليس كذلك؟
وليد جنبلاط:
نعم، خضت تلك المعركة وحدي. وأذكر أن العماد حكمت الشهابي قال لي: «انتبه، فسوف تواجه أفضل ألوية الجيش اللبناني». ولم ننجح عسكريًا؛ لأن الجبهة كانت طويلة، وخسرنا أربعين أو خمسين شهيدًا. لكن تلك المعركة هي التي فتحت الطريق إلى اتفاق الطائف.
أحمد منصور:
هل تقصد معركة سوق الغرب تحديدًا، أم مجمل المعارك؟
وليد جنبلاط:
معركة سوق الغرب، التي وقعت في 13 آب (أغسطس) 1989. وهي المعركة التي أوقفت القصف على بيروت والبقاع.
أحمد منصور:
وكيف دارت هذه المعركة؟ صفها لنا، لأنك قلت إنها كانت نقطة التحول التي قادت إلى اتفاق الطائف.
وليد جنبلاط:
جمعت القادة، وقلت لهم: سنحاول السيطرة على سوق الغرب. وكنا قد حاولنا اقتحامها عام 1983 وفشلنا. لقد كانت تمثل عقدة عسكرية، وليس بمعنى أن سقوطها يؤدي إلى انهيار كل الجبهة، بل كانت لها رمزية كبيرة.
أحمد منصور:
وأين كان نبيه بري، الحليف الآخر لسوريا، في هذه المعركة؟
وليد جنبلاط:
في هذه المعركة كنت وحدي.
أحمد منصور:
وهل نسقت المعركة مع السوريين؟
وليد جنبلاط:
لا، كان السوريون متفرجين؛ لأن التحالفات كانت قد بدأت تتغير، ولأن حافظ الأسد كان قد انضم إلى التحالف لتحرير الكويت.
أحمد منصور:
لكن الحرب كانت قد بدأت أساسًا ضد الوجود السوري، عندما أعلن ميشال عون حرب التحرير. فلم تكن موجهة ضد الدروز.
وليد جنبلاط:
خضت المعركة من أجل إسكات المدافع التي كانت تقصف الجبل وبيروت.
اتفاق الطائف
أحمد منصور:
كيف تم التوصل إلى اتفاق الطائف، الذي أُبرم في 30 أيلول (سبتمبر) 1989؟
وليد جنبلاط:
بعد معركة آب بدأ الحديث الجدي عن الطائف. وفي عام 1989 ذهب أعضاء مجلس النواب اللبناني إلى هناك.
أحمد منصور:
وكان عددهم اثنين وستين نائبًا.
وليد جنبلاط:
نعم، اثنان وستون نائبًا، وكان من بينهم نائبان يمثلان نهج كمال جنبلاط؛ لأنهما انتُخبا في عهده، وكانا يمثلانني أيضًا، وهما الشيخ توفيق عساف وزاهر الخطيب. وهناك تمت التسوية والاتفاق. أما التنفيذ الكامل للتسوية، فقد تحقق لاحقًا بعد اقتحام قصر بعبدا عام 1990.
أحمد منصور:
سنأتي إلى اقتحام بعبدا لاحقًا، لكن اتفاق الطائف له رمزية تاريخية؛ لأنه أوقف الحرب وأعاد تنظيم الحياة السياسية. كيف جرى التنسيق معكم بشأن هذا الاتفاق؟ ففي النهاية، ما أقره النواب كان يعكس تفاهمات الزعماء في بيروت.
وليد جنبلاط:
لا، لم يكن مجرد اتفاق بين الزعماء، بل كان إعادة للتوازن في الدستور، وإعادة للتوازن بين المكونات اللبنانية.
أحمد منصور:
وُصف رئيس مجلس النواب حسين الحسيني بأنه «عراب الطائف». فما طبيعة الدور الذي قام به؟
وليد جنبلاط:
كان حسين الحسيني يقول إن لديه أسرار اتفاق الطائف. وبصراحة، بعد وفاته، ربما كانت لديه ملفات في منزله تتعلق بالطائف، لكننا لم نسمع يومًا عن وجود ملفات سرية.
أحمد منصور:
لأن كل شيء أصبح واضحًا بعد الاتفاق، ولم يعد هناك ما يمكن اعتباره سرًا.
وليد جنبلاط:
ما عدا استكمال تنفيذ الاتفاق.
أحمد منصور:
لكنك انتقدت اتفاق الطائف. فقد نشرت صحيفة السفير في 13 تشرين الأول (أكتوبر) 1989 تصريحًا لك قلت فيه إن اجتماعات الطائف ليست سوى هدنة للموارنة، تتيح لهم إعادة تنظيم صفوفهم.
وليد جنبلاط:
ليس كل ما كانت تنشره السفير صحيحًا. نحن طالبنا في الطائف، وبالتحديد للدروز، بمنصب إضافي. فهناك رئاسة الجمهورية للموارنة، ورئاسة مجلس النواب للشيعة، ورئاسة مجلس الوزراء للسنة، وقلنا: بعد كل هذه التضحيات، نريد موقعًا للدروز أيضًا.
أحمد منصور:
وما الذي كنتم تطالبون به تحديدًا؟
وليد جنبلاط:
طرحنا إنشاء مجلس للشيوخ، لكن السوريين اعترضوا على ذلك.
أحمد منصور:
السوريون هم الذين اعترضوا؟
وليد جنبلاط:
نعم، اعترضوا. ثم، خلال مؤتمر الطائف، قال السوريون: حسنًا، ليكن هناك مجلس شيوخ، لكنهم ربطوا ذلك بأمر قد يكون من المستحيل تحقيقه، وهو إلغاء الطائفية السياسية. أي إن إنشاء مجلس الشيوخ أصبح مشروطًا أولًا بإلغاء الطائفية السياسية، وهذا يعني الاصطدام بالكنائس، وبسائر المرجعيات الدينية، وبالامتيازات الطائفية للجميع، ثم بعد ذلك يمكن إنشاء مجلس الشيوخ.
أحمد منصور:
لكن إذا كان مجلس الشيوخ نفسه قائمًا على أساس طائفي، فكيف يكون الحل؟
وليد جنبلاط:
حافظ الأسد لم يكن يريد هذا الأمر.
أحمد منصور:
إذن، كان حافظ الأسد هو الحاكم الفعلي للبنان.
وليد جنبلاط:
صحيح.
أحمد منصور:
اتفاق الطائف تضمن بنودًا تشبه إلى حد كبير ما ورد في الاتفاق الثلاثي، أليس كذلك؟ مثل تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، وإعادة تنظيم الجيش، والعلاقات المميزة مع سوريا.
وليد جنبلاط:
لا، ليس تمامًا. أما العلاقات المميزة مع سوريا، فقد تُرجمت لاحقًا إلى معاهدات مع سوريا، وكانت أشبه بإملاءات على لبنان.
أحمد منصور:
هناك من قال إن الميزة الوحيدة في اتفاق الطائف هي النص على أن لبنان وطن نهائي، سيد، مستقل، أما بقية البنود فكانت كما أرادها حافظ الأسد.
وليد جنبلاط:
لا، فقد تغيرت صلاحيات رئيس مجلس الوزراء. سابقًا كان رئيس الجمهورية هو الذي يعين الحكومة، أما بعد الطائف، فأصبحت الكتل النيابية تسمي رئيس الوزراء لدى رئيس الجمهورية، ثم يتولى رئيس الوزراء تشكيل الحكومة.
انتخاب رينيه معوض رئيساً لـ لبنان
أحمد منصور:
اجتمع البرلمان اللبناني في 5 تشرين الثاني (نوفمبر)، وانتخب رينيه معوض رئيسًا للجمهورية. عندها أصبح موقف ميشال عون أكثر صعوبة.
وليد جنبلاط:
نعم، البرلمان اللبناني انتخب رينيه معوض. لكن قبل ذلك، وقبل أن يتم الانتخاب رسميًا، دعينا إلى دمشق، أنا ونبيه بري، وكان معي مروان حمادة، بحضور عبد الحليم خدام، وحكمت الشهابي، وعلي دوبا.
وأذكر أن أحدهم، وأعتقد أنه أبو جمال خدام، سألنا: «من تريدون؟ من ترشحون؟».
فقلت بعفوية: رينيه معوض. لأنه كان رجلًا معتدلًا، وينتمي إلى المدرسة الشهابية، فطرحت اسمه.
أحمد منصور:
إذن، أنت الذي رشحت رينيه معوض لرئاسة الجمهورية؟
وليد جنبلاط:
نعم، أنا الذي رشحته.
أحمد منصور:
وهل يعني ذلك أن السوريين لم يكن لديهم مرشح؟
وليد جنبلاط:
لا، وقد غضب إلياس الهراوي، ولم أكن أقصد ذلك. فقد كان الخيار آنذاك بين إلياس الهراوي ورينيه معوض، ثم استقر الأمر على رينيه معوض.
أحمد منصور:
وبعد 409 أيام من الفراغ الرئاسي، انتُخب رينيه معوض رئيسًا، ثم اغتيل.
وليد جنبلاط:
نعم، اغتيل بعد احتفالات عيد الاستقلال.
أحمد منصور:
بل بعد سبعة عشر يومًا فقط من انتخابه، في يوم الاستقلال.
وليد جنبلاط:
نعم. واغتيل قرب القاعدة الجوية التي أصبحت اليوم مطارًا ثانيًا في لبنان، وهي قاعدة القليعات.
أحمد منصور:
ومن كانت له المصلحة في اغتياله؟ ومن الجهة التي يمكن أن تكون وراء ذلك؟
وليد جنبلاط:
برأيي، كانت القيادة السورية. فقد كانوا يريدون إلياس الهراوي رئيسًا.
أحمد منصور:
لكن إذا كنت أنت من رشح رينيه معوض، فما الذي كان يمنع السوريين من أن يقولوا لك منذ البداية: نحن نريد إلياس الهراوي؟
وليد جنبلاط:
صحيح أنني رشحته، لكنني لم أكن أملك كل خيوط اللعبة السياسية، ولا كل أدواتها، ولا كل أسرارها. هم كانوا يريدون رئيسًا يتخذ قرار اقتحام قصر بعبدا.
أحمد منصور:
حيث كان ميشال عون يتحصن.
وليد جنبلاط:
نعم. ولا أعتقد أن رينيه معوض كان مستعدًا لاتخاذ مثل هذا القرار.

حروب الموارنة ضد الموارنة
أحمد منصور:
في تلك المرحلة بدأت حرب الإلغاء بين الموارنة، أي الحرب بين ميشال عون وقوات سمير جعجع.
وليد جنبلاط:
صحيح.
أحمد منصور:
رفع عون شعار «توحيد البندقية»، واستمرت تلك الحرب من كانون الثاني (يناير) حتى أيلول (سبتمبر) 1990، وأودت بحياة آلاف المسيحيين. كيف كان موقفكم منها؟
وليد جنبلاط:
سأكون صريحًا معك. لقد كانت حربًا عبثية، لكننا، منذ شباط (فبراير) وحتى معركة سوق الغرب، كنا تحت قصف مدافع ميشال عون، أو مدافع الجيش اللبناني. وبعد ذلك تنفسنا قليلًا، وارتحنا بعض الشيء، ثم جاءت التسوية الكبرى، وهي اتفاق الطائف.
أحمد منصور:
لقد نُقل عنك، في 20 شباط (فبراير) 1990، أنك قلت: «دعوا الموارنة يقتلون بعضهم بعضًا، فنحن لن نتدخل».
وليد جنبلاط:
لا أعتقد أنني قلت ذلك، ثم إننا، أساسًا، لم نكن قادرين على التدخل.
أحمد منصور:
لكن من مصلحتكم أن يستمروا في الاقتتال.
وليد جنبلاط:
لا. عندما تبتعد الحرب عنك، ولو للحظة، فإنك تتمسك بهذه الهدنة.
أحمد منصور:
لكن هنا بدأ…
وليد جنبلاط:
وعلى فكرة، إذا أردت أن تعرف سبب خلافهما الحقيقي، فعليك أن تسألهما.
أحمد منصور:
وهذا ما أريد معرفته: لماذا اختلفا؟
وليد جنبلاط:
اسألهما، فكلا الفاعلين الأساسيين ما زالا على قيد الحياة: ميشال عون وسمير جعجع.
أحمد منصور:
وهل لم يفصح أي منهما عن السبب الحقيقي حتى الآن؟
وليد جنبلاط:
ليس على حد علمي.
أحمد منصور:
لأنني لم أجد سببًا واضحًا للحرب سوى أن كل واحد منهما كان يريد أن يصبح الزعيم الأول للموارنة، أي إنها كانت، في جوهرها، معركة شخصية.
ثم بدأت علاقتك بالبطريرك نصر الله صفير في تلك المرحلة، أليس كذلك؟
وليد جنبلاط:
في عام 2000، وأعتقد أنه كان في صيف ذلك العام، أصدر مجلس الأساقفة والبطاركة المسيحيين نداءً طالب فيه بانسحاب الجيش السوري كاملًا من لبنان، وذلك بعد تحرير الجنوب في العام نفسه.
أحمد منصور:
لا، أنا أقصد أن علاقتك به بدأت في تشرين الثاني (نوفمبر) 1989، عندما تعرض لاعتداء، فبعثت إليه برقية، أو ذهبت لمؤازرته، ومن هناك بدأت العلاقة.
وبعد ذلك مباشرة بدأت عملية إخراج ميشال عون من قصر بعبدا، وهو ما سأبدأ معك الحديث عنه في الحلقة القادمة.
أشكرك جزيل الشكر.
كما أشكركم، مشاهدينا الكرام، على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة، إن شاء الله، نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بك جنبلاط، زعيم الدروز في لبنان.
وفي الختام، أنقل إليكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.