وليد جنبلاط ج12 من شهادته على العصر: العفو عن أمراء الحرب في لبنان ودوافع اغتيال الأسد للرئيس رينيه معوض؟!

في الحلقة الثانية عشرة من شهادته على العصر، يواصل أحمد منصور حواره مع الزعيم الدرزي اللبناني، وليد جنبلاط،  ويتناول أسرار حرب الموارنة أو ” حرب الإلغاء” التي اندلعت بين ميشال عون وسمير جعجع في 31 يناير عام 1990، وحصدت آلاف الأرواح من الطرفين. و يستعرض مغزى العفو عن أمراء الحرب في لبنان ودوافع اغتيال الأسد للرئيس رينيه معوض؟!
أحمد منصور ووليد جنبلاط

في الحلقة الثانية عشرة من شهادته على العصر، يواصل أحمد منصور حواره مع الزعيم الدرزي اللبناني، وليد جنبلاط،  ويتناول أسرار حرب الموارنة أو ” حرب الإلغاء” التي اندلعت بين ميشال عون وسمير جعجع في 31 يناير عام 1990، وحصدت آلاف الأرواح من الطرفين. 

وقال جنبلاط إن إميل لحود كان واجهة الجيش اللبناني الذي اقتحم قصر الرئاسة في بعبدا، وأن الجيش السوري هو من قام بالعملية، وأعدم عقب ذلك عدد كبير من الجنود والضباط اللبنانيين، فيما فر عون إلى السفارة الفرنسية التي وفرت له الحماية.

وقال الضيف إن الأسد قتل الرئيس رينيه معوض بعد أسبوعين فقط من اختياره رئيساً، لرفضه اقتحام قصر الرئاسة بالقوة، وهو ما وافق عليه الرئيس اللاحق إلياس الهراوي.

وبحسب بطرس غالي فإن العملية ضد عون غطيت دوليا بشكل صريح من واشنطن؛ مقابل مشاركة دمشق في عملية عاصفة الصحراء.

وأكد وليد جنبلاط أن الأسد لم يكن يعادي الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مطلق، كما كان ظاهراً للعيان.

وقال جنبلاط إن كل الفرقاء، بمن فيهم هو، يتحملون مسؤولية الحرب الأهلية اللبنانية التي أسفرت عن مقتل مائة وخمسون ألف شخص، وجرح مائتي ألف، فقد سبعة عشر ألفا، وهجرة تسعمائة ألف،  بحسب أرقام منظمة العفو الدولية.

تناول الحوار كيفية اندماج رفيق الحريري في الكيان السياسي اللبناني حتى أصبح رئيس حكومة في العام 1992، بعد أن وصل المنطقة مندوباً للسعودية، بدلاً عن الأمير بندر بن سلطان، والعلاقات الدافئة بينه وبين جنبلاط.

وأشار جنبلاط إلى أن الحريري كان يملك علاقات دولية هائلة، وأنه تلقى تطمينات سورية كاذبة من وليد المعلم، بأنه لن يجري اغتياله!! بينما كانوا يحضرون لاغتياله، وقال إنه لاحظ عدائية بشار الأسد تجاهه؛ حينما كان يتحدث عنه..

كما تحدث الزعيم الدرزي عن دوافع اغتيال الباحث الفرنسي ميشيل سورا في الجنوب اللبناني، وقصة اختراق عاطف العجمي للمختارة، ومحاولاته للإيقاع بين كمال جنبلاط والطائفة الدرزية، وتناول أيضاً عمليات الفساد وتضاعف ديون لبنان بعد ست سنوات من وجود رفيق الحريري في السلطة من  10 مليار دولار عام 98 إلى 21 مليار دولار. 

يذكر أن رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان الأسبق كان واحداَ من أكبر رجال الأعمال العرب، ساهم بشكل كبير في إعمار لبنان بعد فترة الحرب الأهلية. واستقال اعتراضاً على تمديد رئاسة الرئيس إميل لحود فترة ثانية بضغط من سوريا، ودخلت البلاد بعد اغتياله في 14 فبراير 2005، في أزمة سياسية حظي كل طرف من أطرافها بدعم أطراف إقليمية.  

نص حوار وليد جنبلاط ج12 من شهادته على العصر:!

العفو عن أمراء الحرب في لبنان ودواقع اغتيال الأسد للرئيس رينيه معوض؟

أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بيك جنبلاط، زعيم الدروز في لبنان. أهلاً بك، بيك وليد.

وليد جنبلاط:
أهلاً، مرحباً.

حرب الموارنة

أحمد منصور:
في الحلقة الماضية طرحت سؤالاً تاريخياً يبحث عن إجابة، وربما يسأل عنه كثير من اللبنانيين وغيرهم، وهو عن حرب الإلغاء التي اندلعت بين ميشال عون وسمير جعجع في 31 يناير (كانون الثاني) عام 1990، واستمرت حتى سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، وحصدت أرواح آلاف الموارنة من الطرفين. لم يعرف أحد سبب هذه الحرب حتى اليوم إلا هذين الرجلين: ميشال عون وسمير جعجع. هل من الناحية التاريخية مطلوب من كلٍّ منهما الآن، بعد هذه السنوات الطويلة، أن يتحدث ليفصح عن سبب تلك الحرب التي أودت بحياة آلاف الناس من الطرفين؟

وليد جنبلاط:
طبيعي، طبيعي، كي يعلم الجمهور لماذا اختلفا؟ وما كان السبب؟ هذه الحلقات التي تقوم بها مع المسؤولين والسياسيين اللبنانيين مهمة جداً، لكن تبقى هناك حلقة، إذا صح التعبير، ناقصة: حلقة سمير وميشال عون.

أحمد منصور:
ميشال عون، كنت قد أجريت معه آخر مرة في برنامج بلا حدود، وغضب وكاد لا يكمل الحوار لولا أني ضغطت عليه ليبقى، وبعدها رفض أن يمنحني أي حوارات أخرى، مع أنه اليوم يجب أن يكشف عن هذا الجانب من تلك المرحلة.

بعد اغتيال رينيه معوض بيومين فقط، وعلى غير ما يجري في الانتخابات الرئاسية اللبنانية حيث يصل الفراغ أحياناً إلى 400 أو 500 يوم، تم بعد يومين فقط انتخاب إلياس الهراوي رئيساً للجمهورية في لبنان.

وليد جنبلاط:
تم انتخاب إلياس الهراوي رئيساً للجمهورية.

أحمد منصور:
بعد يومين فقط؟

وليد جنبلاط:
بعد يومين.

أحمد منصور:
هذه هي المرة الوحيدة التي لا توجد فيها أزمة رئاسة في لبنان.

وليد جنبلاط:
لأنه في ذلك الوقت كان الترتيب أن يأتي الرئيس إلياس الهراوي أساساً. أما رينيه معوض فقد انتُخب تلبية لرغبتنا، لرغبتي ورغبة مروان حمادة، لكن في الترتيب العام السوري كان المطلوب هو إلياس الهراوي.

دواقع اغتيال الأسد للرئيس رينيه معوض؟!

أحمد منصور:
هل كان حافظ الأسد بحاجة إلى أن يترك رينيه معوض يصل إلى الرئاسة، ثم يُغتال بعد أسبوعين، ثم يضع مرشحه هو، وتنتهي القصة؟

وليد جنبلاط:
الموضوع لم يكن مجرد مرشح حافظ الأسد فقط. كان المطلوب رئيس يقبل باقتحام بعبدا عسكرياً. أعتقد أن رينيه معوض لم يكن ليقبل باقتحام موقع الرئاسة بالقوة. كان المطلوب أن يأتي إلياس الهراوي، وهو في مكان ما لبّى هذا الطلب. وعندما أتى الهراوي وشُكِّلت الحكومة، تم تعيين إميل لحود قائداً للجيش.

أحمد منصور:
إميل لحود هو الذي نفذ المهمة وأخرج ميشال عون من القصر الرئاسي؟

وليد جنبلاط:
إميل لحود كان الواجهة، وكان الجيش اللبناني هو الذي اقتحم بعبدا، لكن خلفه كان هناك جيش سوري. الجيش السوري هو الذي نفذ العملية.

إعدام الجيش السوري لمئات الضباط والجنود اللبنانيين!!

أحمد منصور:
الجيش السوري قام بالعملية في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1990، ومصادر لبنانية عديدة ذكرت أن الجيش السوري أعدم نحو 400 جندي وضابط من الجيش اللبناني ممن كانوا متحصنين مع عون.

وليد جنبلاط:
أُعدم عدد كبير من الجنود والضباط، في منطقة اسمها ضهر الوحش، وهي منطقة على مشارف عاليه. لماذا أُعدموا؟ لأنه عندما اقتحم الجيش السوري كانت هناك تحصينات كبيرة ومقاومة، إضافة إلى حقول ألغام. انتقاماً من ذلك أُعدموا. لا أدري إن كان العدد 400 أو أكثر أو أقل. وفي الوقت نفسه، للتاريخ، يُقال إن ميشال عون لجأ إلى السفارة الفرنسية.

أحمد منصور:
هرب؟

وليد جنبلاط:
نستخدم هذا التعبير.

أحمد منصور:
هرب وترك جنوده وضباطه يواجهون مصيرهم على يد السوريين؟

وليد جنبلاط:
هكذا يقول التاريخ، نعم.

أحمد منصور:
وأنت كنت عايش، أخبرنا.

وليد جنبلاط:
نعم، هكذا يقول التاريخ. والذي أوصل عائلة ميشال عون إلى السفارة كان، على ما أعتقد، إيلي حبيقة.

أحمد منصور:
هو الذي أوصل العائلة إلى السفارة؟

وليد جنبلاط:
نعم، بعد أن غادر هو.

لجوء ميشال عون لفرنسا

أحمد منصور:
ثم بقي في السفارة تحت الحماية الفرنسية؟

وليد جنبلاط:
نعم، الفرنسيون كانوا يحمون ميشال عون، ليس كشخص فقط، بل كرمز للرئاسة. وهناك تعبير استخدمه فرنسوا ميتران: شرف فرنسا مرتبط بميشال عون (L’honneur de la France).

أحمد منصور:
شرف فرنسا مرتبط بميشال عون؟

وليد جنبلاط:
نعم.

أحمد منصور:
لماذا؟ ماذا لدى ميشال عون حتى يرتبط شرف فرنسا به؟

وليد جنبلاط:
كانت هناك مجموعة من النواب الفرنسيين يأتون إلى لبنان، وعندما كانت تحصل مظاهرات شعبية كبيرة في قصر بعبدا تأييداً لميشال عون، شارك فيها عشرات الآلاف، وكان يرافقهم نواب فرنسيون. كان له حضور شعبي في فرنسا أو لدى شريحة من النواب الفرنسيين.

أحمد منصور:
من أين استمد هذه الشعبية؟ هل مجرد عدائه لسوريا وحافظ الأسد؟

وليد جنبلاط:
نعم.

أحمد منصور:
إلى هذه الدرجة كانت هناك كراهية لنظام الأسد في لبنان؟

وليد جنبلاط:
عند بعض اللبنانيين نعم، وعند آخرين لا.

مكافأة الأسد مقابل مشاركته في عاصفة الصحراء

أحمد منصور:
بطرس غالي في مذكراته «سنوات في بيت زجاجي» يقول إن العملية ضد عون غُطيت دولياً بشكل صريح من واشنطن، مقابل مشاركة دمشق في عاصفة الصحراء في الكويت.

وليد جنبلاط:
صحيح، كان هناك مشاركة للقوات السورية في تحرير الكويت ضمن التحالف الدولي والعربي. ثم إن القوات السورية استعرضت في نيويورك، في مانهاتن، خلال احتفال كبير للقوات التي حررت الكويت.

أحمد منصور:
داخل نيويورك؟

وليد جنبلاط:
نعم، داخل نيويورك.

أحمد منصور:
هذا يوضح أن كثيراً من الأمور التي تُعلن رسمياً يكون خلفها اتفاقات وكواليس. ففهم إطاحة ميشال عون مرتبط أيضاً بتفاهمات دولية، منها مشاركة سوريا في تحرير الكويت، رغم العداء المعلن بين دمشق وواشنطن، إلا أن هناك أموراً كثيرة كانت تجري تحت الطاولة.

وليد جنبلاط:
كان حافظ الأسد دائماً يحفظ لنفسه خطاً للرجعة، فلم يكن يعادي الولايات المتحدة الأمريكية، لكنه كان يقف كحاجز وكضرورة للحوار. أعتقد أن رؤساء عديدين من أمريكا جاؤوا إلى دمشق أو التقى بهم حافظ الأسد في جنيف.

أحمد منصور:
نعم، طبعاً، هذه سنأتي عليها في قصة سوريا عندما التقى بالرئيس كلينتون، لكنه لم يوقّع معه، وفشل الاتفاق، والتقى به ثلاث مرات.

وليد جنبلاط:
والتقى بغيره أيضاً.

أحمد منصور:
نعم، نفس الرئيس إلياس الهراوي الذي سمح أو أمر القوات باقتحام عون، عفا عن ميشال عون، فلجأ عون إلى فرنسا وبقي منفياً أربعة عشر عاماً، ثم عاد في عام 2005. الأقدار عجيبة في السياسة اللبنانية: شخص يُطرد ويُنفى ثم يعود ليصبح رئيساً للبنان.

وليد جنبلاط:
عاد بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وكان هناك قانون عفو عام شمل ميشال عون الذي كان في فرنسا، وكذلك سمير جعجع الذي كان في السجن.

أحمد منصور:
ومن المشاهد العجيبة أيضاً أن الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران استقبل ميشال عون في فرنسا عندما لجأ إليها بعد خروجه من لبنان.

وليد جنبلاط:
نعم، سكن ميشال عون في مرحلة معينة في فيلا تابعة للدولة الفرنسية في منطقة مرسيليا، ثم انتقل إلى باريس، وسكن في بيت يملكه صديق لي قديم، توفي رحمه الله، اسمه الياس أبو ديوان… أو جوزيف أبو ديوان، وهو اسم مرتبط بالمكان: La Maison….

أحمد منصور:
أنت كنت تتابع تحركاته؟

وليد جنبلاط:
لا، لم يكن أبو ديوان يخبرني دائماً، لكنه كان صديقاً منذ الصبا.

أحمد منصور:
ما رأيك في قضية ميشال عون منذ تمرده على سوريا وإعلانه الحرب عليها، وحربه مع سمير جعجع، وضرب القصر الرئاسي، ثم لجوئه إلى السفارة الفرنسية، ثم خروجه لاحقاً؟

وليد جنبلاط:
(جوزيف) أبو ديوان، كنا في موقعين متخاصمين. وقد حدثتك عن الحرب التي خضتها في سوق الغرب، وحدثتك أيضاً عن قصف ميشال عون للمنطقة الغربية والجبل والبقاع، حيث كانت القوات السورية موجودة هناك، وكان يقصف مواقعها.

لكن لم يكن هناك أمر للقوات السورية باقتحام بعبدا، بل كان هناك أمر بالتصدي فقط، على طريقتهم. المهم أن الاقتحام لم يتم على النحو الذي يُصوَّر أحياناً.

أحمد منصور:
قل لي للحقيقة والتاريخ: هل شاركت في حرب إخراج عون من القصر الرئاسي؟

وليد جنبلاط:
لا، أبداً. الذي أخرج ميشال عون هو الجيش اللبناني المنضوي تحت سلطة الرئيس إلياس الهراوي، وبمشاركة الجيش السوري.

ضحايا الحرب الأهلية اللبنانية

أحمد منصور:
بحسب أرقام منظمة العفو الدولية في تقرير صدر عام 1992، قُتل في الحرب الأهلية اللبنانية 150 ألف شخص، وجُرح 200 ألف، وفُقد 17 ألفاً، وهُجّر نحو 900 ألف.

وليد جنبلاط:
ممكن، نعم.

أحمد منصور:
من المسؤول عن هؤلاء؟

وليد جنبلاط:
كل الناس، كل الفرقاء.

أحمد منصور:
وأنت من بينهم؟

وليد جنبلاط:
طبعاً.

أحمد منصور:
ولم يُحاسب أحد.

وليد جنبلاط:
لكن بدرجات متفاوتة، كل من شارك في الحرب مسؤول.

أحمد منصور:
كثيرون يسألون عن المخطوفين الذين فُقدوا ولم يُعرف مصيرهم حتى الآن.

وليد جنبلاط:
كانت هناك لجنة للمخطوفين تترأسها سيدة من آل حلواني، وكانت تقوم بتحركات مع عائلات المخطوفين في بيروت ومن كل المناطق. لكن الموضوع لم يكن محصوراً بطرف واحد.

أحمد منصور:
هل تعتقد أن هؤلاء المخطوفين قُتلوا أو صُفّوا؟

وليد جنبلاط:
أعتقد أنهم قُتلوا. بعد حصار بيروت أو خلاله، جرى تجميع مئات المخطوفين، كما سُمعت، قرب المدينة الرياضية، ثم نُقلوا إلى الجنوب اللبناني.

أحمد منصور:
من الذي نقلهم؟

وليد جنبلاط:
إسرائيل وعملاؤها، وفي أماكن أخرى قُتلوا على أيدي أطراف مختلفة.

أحمد منصور:
يعني لبنان مليء بمقابر جماعية؟

وليد جنبلاط:
صحيح. وقد كُشف عن بعضها، مثلما حدث بعد حرب الجبل، حيث تم الاتفاق بعد المصالحة على إعادة دفن الشهداء بعد الكشف عن المقابر الجماعية. وكانت هذه مسؤولية وزارة المهجرين، وقد كُشف عن معظم المقابر، لكن لا أعلم إن كانت كلها قد كُشفت.

أحمد منصور:
أنت كنت وزيراً في تلك المرحلة ومسؤولاً عن هذا الملف؟

وليد جنبلاط:
نعم، لكن الوزير قبلي كان إيلي حبيقة، ثم رأت الظروف السياسية، ومع الرئيس الهراوي، أن أتولى هذه الوزارة.

العفو عن أمراء الحرب في لبنان!

أحمد منصور:
قانون العفو العام أُقر في 26 أغسطس 1991، وأعفى جميع أمراء الحرب اللبنانيين من المحاسبة. هل كان قراراً عادلاً؟

وليد جنبلاط:
كان قراراً سياسياً، وليس قرار عدل.

أحمد منصور:
من أجل ماذا؟

وليد جنبلاط:
من أجل التسوية. السوريون كانوا من أبرز الداعمين، وكذلك السعودية، وكان هناك غطاء أمريكي لاتفاق الطائف.

أحمد منصور:
بعد هذا العفو دخلتَ البرلمان وأصبحت نائباً، ثم انتُخبت في عام 1992 لأول مرة عبر الاقتراع الشعبي.

وليد جنبلاط:
قبل الانتخابات، عُيِّنت نفسي. كانت هناك مقاعد شاغرة في البرلمان، فصدر تشريع يسمح بالتعيين لملئها، فعُيِّنت نائباً، وغيري أيضاً.

أحمد منصور:
احكِ لنا هذه الحكاية، فالتاريخ اللبناني معقد جداً.

وليد جنبلاط:
مثلاً، عُيِّنت نائباً مكان والدي في مقعد في دير القمر، في موقع كان يشغله كميل شمعون. ثم جاء لاحقاً النائب جان عبيد، وهو صديق كبير لكمال جنبلاط ولي شخصياً.

ثم جرت الانتخابات لاحقاً وتمت الأمور انتخابياً.

أحمد منصور:
إذن أصبحت الأمور “بالأمر الواقع”.

وليد جنبلاط:
ثم جرت الانتخابات وانتهى هذا الوضع.

أحمد منصور:
على فكرة، أنا سعيد أنك في هذه الحلقات ضحكت أكثر من الابتسام، وهذه نادراً ما يراها الناس. الآن أنت دخلت حكومة الحريري الأولى، والحريري انتقل من مجرد مستشار في السعودية إلى لاعب سياسي أساسي في لبنان. وكان أول لقاء بينك وبينه في باريس في نوفمبر 1992؟

وليد جنبلاط:
رفيق الحريري شارك منذ عام 1982 أو 1983 عبر شركة أوجيه في إعادة إعمار بعض مناطق بيروت. ثم لاحقاً، وبعد تعيين الأمير بندر بن سلطان سفيراً في واشنطن، أصبح الحريري شخصية سياسية ذات دور واسع، وتكيّف مع الوضع اللبناني والسوري، وأصبح له طابع سياسي واضح.

دخول رفيق الحريري إلى السياسة اللبنانية

أحمد منصور:
كيف اندمج الحريري في الكيان السياسي اللبناني حتى أصبح رئيساً للوزراء؟

وليد جنبلاط:
رفيق الحريري، رغم ثروته، بدأ حياته في صيدا وكان قريباً من حركة القوميين العرب، أي أنه لم يكن بعيداً عن السياسة أصلاً.

وليد جنبلاط:
كانت النتيجة توافقاً سعودياً سورياً ودولياً، لأنه كان، بخلاف غيره من رؤساء الحكومات في لبنان، يملك علاقات دولية هائلة: فرنسية وأمريكية وغيرها. وسخّر هذه الإمكانات لصالح إعادة إعمار لبنان، وفي الوقت نفسه فهم طبيعة العلاقة الخاصة بين لبنان وسوريا.

أحمد منصور:
ما هي استراتيجية علاقتك التي أقمتها مع رفيق الحريري؟

وليد جنبلاط:
رفيق الحريري، في الثمانينات، وخلال حرب الجبل عام 1983، قدّم عبر الملك فهد بن عبد العزيز مساعدات للحزب التقدمي الاشتراكي، وللمؤسسات في الجبل الدرزي، وكانت مساعدات مالية.

أحمد منصور:
أنت قلت في حوارك مع غسان شربل إنه رجل مؤمن بالعمل الخيري وبأسلوب المؤسسات. هذه القوى الناعمة تلعب دوراً كبيراً في صناعة الولاء والعلاقات.

وليد جنبلاط:
الحريري من الذين أرسلوا أعداداً كبيرة من اللبنانيين إلى الخارج، إلى الجامعات الغربية والأمريكية، أعتقد ما بين 10 إلى 30 ألف طالب للتعلّم، إلى جانب أعماله الخيرية مثل إنشاء المستشفيات وغيرها.

أحمد منصور:
توليتَ حقائب وزارية متتالية: وزير دولة في حكومة عمر كرامي من 1990 إلى 1992، ثم وزير دولة في حكومة رشيد الصلح، ثم وزير المهجرين في حكومات لاحقة.

وليد جنبلاط:
رشيد الصلح… لا، لست متأكداً من التواريخ.

أحمد منصور:
وزير المهجرين في حكومة الحريري المتتالية منذ 21 أكتوبر 1992، وبقيت حتى 1998. حصلت أزمة بينك وبين الحريري عام 1998. أولاً، كيف بقيت العلاقة بينكما بين 1992 و1998؟

وليد جنبلاط:
كانت هناك علاقة خاصة، شخصية.

أحمد منصور:
كيف كان شكلها؟

وليد جنبلاط:
صداقة. هناك أشخاص تلتقي بهم لأول مرة وتشعر أنهم قريبون منك، وهو أيضاً يشعر بذلك. كنا نختلف أحياناً في تفسيرات سياسية، مثلاً لم أكن موافقاً على بعض سياسات الحريري الإعمارية، وكنت أميل إلى بقاء دور القطاع العام أقوى من القطاع الخاص.

لكن هذه الخلافات كانت تأخذ أحياناً طابعاً شخصياً، ثم كان هناك موعد ثابت كل يوم أحد الساعة السادسة. كنا نذهب إلى رفيق الحريري، أحياناً وحدي، وأحياناً مع غازي العريضي ومروان حمادة، ثم يزول كل شيء. كانت نظرته مليئة بالصداقة والود، وكنا نتجاوز الخلافات.

أحمد منصور:
يعني كانت الخلافات لا تدوم، وتزول كل أحد؟

وليد جنبلاط:
نعم، كل أحد… حتى الأحد الأخير قبل اغتياله قال لي: “إما يقتلونك أو يقتلونني”. قبل استشهاده شعر بأن هناك خطراً، رغم أنه تلقى تطمينات سورية كاذبة من وليد المعلم، الذي أرسل له رسالة طمأنته بأن المخابرات لن تتدخل في الشأن اللبناني، وكانت تلك أكبر كذبة، إذ كانوا يجهزون لاغتياله.

مقتل ميشيل سورا تحت التعذيب في الجنوب اللبناني

أحمد منصور:
الباحث الفرنسي ميشيل سورا في كتابه لبنان تحت الوصاية السورية يقول إن ما جرى كان شراكة مدروسة في لبنان بين شيعي ودرزي بأموال سنية تحت سقف الوصاية السورية. كيف ترد على هذا الوصف؟

وليد جنبلاط:
هذا فيه كثير من التنظير. لا أدري إن كان ميشيل سورا قاله بهذه الصيغة، وهو باحث فرنسي توفي تحت التعذيب والمرض.

أحمد منصور:
أين؟

وليد جنبلاط:
في السجون.

أحمد منصور:
سجون من؟

اختراق عاطف العجمي لدائرة كمال جنبلاط تمهيدا لاغتياله

وليد جنبلاط:
يُقال في سجون حزب الله، لكن إن كنا نتحدث عن ميشيل سورا تحديداً، فهو كتب دراسة عن الطائفة العلوية، ودخل في مناطق حساسة ومحرمات، كما دخل قبلَه كمال جنبلاط.

وفي هذا السياق، عام 1976، دخل إلى بيتنا في المختارة شخص غريب يُدعى عاطف العجمي.

أحمد منصور:
في بيتكم؟

وليد جنبلاط:
نعم، في المختارة وفي بيروت. ادعى أنه درزي، ولم يكن كذلك، وكان غريب الشكل.

أحمد منصور:
هل رأيته؟

وليد جنبلاط:
كنت أعرفه جيداً. أصبح جزءاً من البيت لفترة طويلة، وكان يأتي ويذهب.

أحمد منصور:
كيف كان دوره؟

وليد جنبلاط:
دخل إلى كمال جنبلاط، وكان كمال مهتماً بالدراسات الصوفية. قال له إن هناك كتباً إضافية من “الحكمة الدرزية”، ويمكنه جلب نسخ منها. لكنه لم يأتِ بالمخطوطات الأصلية، بل كان يأتي بأوراق مزعومة كل فترة.

وبما أن كتب الحكمة لا تُطبع، بل تُنسخ بخط اليد، كان الأمر حساساً.

أحمد منصور:
حتى اليوم لا تُطبع؟

وليد جنبلاط:
لا، أبداً.

أحمد منصور:
أي أن كتب الحكمة التي يطّلع عليها الدروز بعد سن الأربعين لا تُطبع؟

وليد جنبلاط:
نعم، بل تُنسخ بخطاطين متخصصين عبر الأجيال.

أحمد منصور:
هل قرأت هذه الكتب؟

وليد جنبلاط:
كلا.

أحمد منصور:
لم تكن مهتماً بهذا الجانب؟

وليد جنبلاط:
كما قلت لك سابقاً، لم أدخل في هذا المجال.

أحمد منصور:
لكن هذا جزء من الدين بعد الأربعين؟

وليد جنبلاط:
صحيح، لكن ربما…

أحمد منصور:
معظم الدروز غير مهتمين إن كانت تُكتب أو لا؟

وليد جنبلاط:
هناك طبقة من “العُقّال” وطبقة من “الجهّال”، وأنا من الثانية، والسياسة غلبت كل شيء.

ثم بقي عاطف العجمي يتحرك بين الأماكن، ولا أحد يعرف مصدر تلك الكتب حتى اليوم. وكان كمال جنبلاط يعتقد بوجودها، واستدعى شيخاً جليلاً هو الشيخ أبو يوسف صالح عبد الخالق، وهو خطاط معروف من الدروز، ليكتب بعض هذه النصوص.

وقد وُزّعت بعض النسخ على مقامات دينية في جبل لبنان، بل حاول إرسال بعضها إلى جبل العرب في سوريا.

لكن عاطف العجمي، في إطار ما يمكن تسميته بنظرية ميشيل سورا، كان من الذين حرضوا كمال جنبلاط على موضوع الطائفة العلوية.

أحمد منصور:
كيف حرضه؟

وليد جنبلاط:
أتى بسير وروايات عنهم، وفي مرحلة ما ظهرت أفكار مثل “الأعور الدجال”… وهي مفاهيم معروفة في بعض المعتقدات.

أحمد منصور:
هذه موجودة في معتقدات كثيرة.

وليد جنبلاط:
هي من الأساطير برأيي، وكمال جنبلاط ـ مع الأسف ـ كتب بعض المقالات.

أحمد منصور:
عن “الأعور الدجال”؟

وليد جنبلاط:
عن العلويين.

أحمد منصور:
عن العلويين نشرها؟

وليد جنبلاط:
نشر بعضها، نعم. وهذا أمر… وهنا تدخل في المقدسات. لماذا ندخل في هذه الأمور؟ هذه ليست مقدسات، بل هي اعتداءات على معتقدات طوائف معينة. كنا بغنى عن هذا الشيء.

أحمد منصور:
هل قرأت ما كتبه كمال جنبلاط؟

وليد جنبلاط:
لا، لا.

أحمد منصور:
هل عرفت ماذا قال عن العلويين، مما أغضبهم؟

وليد جنبلاط:
هاجمهم، هاجم المعتقد العلوي. بصراحة، لست أتذكر الآن، نحن نتحدث عن قبل 40 أو 50 سنة.

أحمد منصور:
ما شاء الله، ذاكرتك لا تنسى شيئاً.

وليد جنبلاط:
لكن استكمالاً لقصة هذا الشخص، عاطف العجمي… بعد استشهاد كمال جنبلاط بأسبوع، كنا قد انتهينا من الدفن وكل شيء، جاء وقال لي: أنا أريد المغادرة. فهمت قصده، ولم أكن أحبه أساساً، فأعطيته عشرة آلاف ليرة لبنانية آنذاك، واختفى.

وفي إحدى الرحلات بين عمّان ودمشق، توقفت عند محطة وقود قرب منطقة الكسوة على مشارف دمشق. فرأيت سيارات دبلوماسية، لكن أحد الدبلوماسيين كان لبنانياً. سلّم عليّ وقال: “شو أخبار الشيخ عاطف؟ أين وصل عاطف العجمي؟”

قلت له: لا أعلم. فقال: سمعت أنه أصبح في أستراليا.

دبلوماسي لبناني يسألني عنه ويعرف أخباره بهذه الطريقة. عندها استنتجت بطريقتي أن عاطف العجمي ربما أُرسل من جهة مخابرات معينة بهدف تضليل كمال جنبلاط. وهذا ـ برأيي ـ كان سبباً إضافياً في اغتياله.

أحمد منصور:
هذه قصة مهمة جداً لفهم أساليب المخابرات، وفهم طبيعة حساسية المعتقد العلوي تجاه ما يُنشر عنه.

وليد جنبلاط:
هكذا تعمل أجهزة المخابرات: تضليل وتوجيه. وللأسف، تم تضليل كمال جنبلاط، وظن أن مهاجمة العلويين قد تُضعف الحكم، لكنه فشل.

أحمد منصور:
وهنا تعيدنا إلى ميشيل سورا، الذي كتب أيضاً عن أسرار العقيدة العلوية، فتمت تصفيته في جنوب لبنان.

وليد جنبلاط:
وكذلك سليم اللوزي، الكاتب في مجلة الحوادث.

أحمد منصور:
الكاتب اللبناني المعروف.

وليد جنبلاط:
نعم. كتب مقالاً شهيراً عن العلويين، ثم تم استدراجه، وقيل له “يمكنك العودة إلى لبنان، لا مشكلة”، فعاد ثم خُطف. وأعتقد أن أحمد جبريل هو من خطفه، وعُذِّب تعذيباً شديداً، حتى وُضعت يده في الحمض.

أحمد منصور:
وهو حي؟

وليد جنبلاط:
نعم، وهو حي.

أحمد منصور:
كأن الرسالة كانت: “أنت تكتب عنا، فتفضل هذا جزاؤك”.

وليد جنبلاط:
نعم.

تضاعف ديون لبنان في عهد الحريري

أحمد منصور:
دعنا نعود إلى رفيق الحريري. عندما بحثت في ديون لبنان قبل توليه رئاسة الحكومة عام 1992، كان الدين حوالي 3.2 مليار دولار من أصل 10 مليارات. لكن في عام 1998 وصل إلى 21 ملياراً، وفي عام 2019 إلى نحو 92 ملياراً، وبعض الدراسات تقول 110 مليارات. لماذا تضخمت ديون لبنان إلى هذا الحد حتى وُصفت بأنها كارثة جيل؟

وليد جنبلاط:
هو ليس مسؤولاً بشكل مباشر. جاء بمشروع إعمار كبير، لكن أحد الأسباب الأساسية للدين كان قطاع الكهرباء. هذا القطاع تولته وزارة الطاقة، وكان قبلها بيد إيلي حبيقة.

وقبل حبيقة، كان الوزير جورج إفرام، رجل أعمال معروف ومحترم، ثم أُقيل فجأة وجاء إيلي حبيقة. ومن هناك بدأت مشاكل كبيرة، وسوء إدارة، وفساد.

أحمد منصور:
إيلي حبيقة انتهت قصته بالقتل، وكان مرتبطاً بصبرا وشاتيلا، وله أدوار معروفة. لكن كيف تسبب وجوده في الوزارة بزيادة الفساد والديون؟

وليد جنبلاط:
لا أستطيع الدخول في التفاصيل الدقيقة، لكن قطاع الطاقة حتى اليوم ما زال فيه علامات استفهام كبيرة، خاصة في موضوع شراء الفيول لمحطات الكهرباء، ووجود تجار معروفين في هذا المجال.

أحمد منصور:
ووزارة المهجرين التي كنت تتولاها، هل كانت سبباً في الهدر؟

وليد جنبلاط:
وُجهت اتهامات بوجود هدر في وزارة المهجرين، نعم، لكنه لا يُقارن بحجم الهدر في قطاع الكهرباء.

أحمد منصور:
كيف تقيم فترة حكم إلياس الهراوي؟

وليد جنبلاط:
كان الحكم بالتنسيق مع الرئيس الحريري. كانت الأدوار موزعة: الهراوي لإدارة السياسة العامة ضمن سقوف معينة، والحريري للاقتصاد والإعمار، ونبيه بري للمجلس النيابي، ضمن توازنات إقليمية واضحة، خصوصاً سورية.

أحمد منصور:
وكان يتمتع بحس فكاهي؟

وليد جنبلاط:
نعم، أهل زحلة معروفون بالفكاهة، أحياناً تكون فكاهتهم لاذعة، لكنه كان صاحب نكتة حاضرة دائماً في التعامل مع السياسيين.

أحمد منصور:
بعد انتهاء عهد الهراوي، دعمت سوريا وصول إميل لحود إلى الرئاسة، وأنت كنت قد رشحت إميل لحود سابقاً.

وليد جنبلاط:
لم أرشحه للرئاسة، بل اقترحت اسمه لقيادة الجيش بدلاً من ميشال عون. لكن لاحقاً، وبعد وفاة باسل الأسد بحادث سيارة، وهو الذي كان يُعدّ خليفة حافظ الأسد، تغيرت المعادلات.

خلافات رفيق الحريري مع سوريا

وليد جنبلاط:
في عام 1996 قمنا بمؤامرة لبنانية–سورية، شارك فيها رفيق الحريري، ووليد جنبلاط، وحكمت الشهابي، وعبد الحليم خدام، بهدف تأخير الاستحقاق.

أحمد منصور:
في لبنان؟

وليد جنبلاط:
نعم، في لبنان. في عام 1995 مددنا لولاية إلياس الهراوي ثلاث سنوات.

أحمد منصور:
صحيح.

وليد جنبلاط:
مددنا له لتفادي وصول إميل لحود.

أحمد منصور:
آه، لكن في النهاية جاء.

وليد جنبلاط:
لكن خلال تلك الفترة بقي قائدًا للجيش. استفدنا من ثلاث سنوات إضافية. ثم جاء في الانتخابات، وكانت انتخابات شبه صورية. حين جرت الانتخابات، كانت جبهة النضال الوطني التي أترأسها تضم ثمانية نواب. سبعة منهم رفضوا انتخابه.

أحمد منصور:
أنت هاجمته وقلت إنه يقود انقلابًا على اتفاق الطائف، رغم أنه صنيعة سورية وأنت حليف لسوريا.

وليد جنبلاط:
لا أذكر أنني قلت ذلك، لكننا رفضنا انتخابه آنذاك. وكان معنا سبعة نواب. أحد النواب، ويدعى عبدو بجاني، طلب مني السماح له بالتصويت، لأنه تربطه علاقة صداقة بإلياس الهراوي، فاحترمت رأيه، وبقي سبعة نواب معترضين.

أحمد منصور:
وليد بيك، هنا نقطة مهمة: أنتم حلفاء سوريا، وهو مرشح الأسد، فكيف اعترضتم عليه؟

وليد جنبلاط:
كان هذا أول اعتراض، وليس الأول فعليًا، فقد اعترضت سابقًا على حرب المخيمات. نعم، كنا نعترض، وكانوا يتقبلون أحيانًا ويضغطون أحيانًا أخرى، لكن في النهاية كنت أفرض موقفي. لاحقًا اعترضنا أيضًا على التمديد لإلياس الهراوي، وشارك في ذلك 29 نائبًا.

أحمد منصور:
سأعود إلى موضوع إميل لحود. ما سبب الخلاف بين لحود والحريري؟

وليد جنبلاط:
الخلاف بين لحود والحريري يعود إلى الخلاف بين بشار الأسد والحريري. كانت هناك حملة منظمة ضد رفيق الحريري باعتباره شخصية سنية لبنانية ذات طموحات قد تمتد إلى سوريا، وكان يجب وقف هذا النفوذ.

أحمد منصور:
لكن في البداية لم يكن هذا موجودًا، وكان هناك تحالف بين الحريري والسوريين.

وليد جنبلاط:
ثم جاء بشار.

أحمد منصور:
قبل بشار كان هناك أيضًا بعض الخلافات.

وليد جنبلاط:
كان نجم بشار الأسد في صعود. وفي إحدى المرات زرت بشار قبل أن يصبح رئيسًا، مع غازي العريضي، ولاحظنا حدة في موقفه تجاه رفيق الحريري. وفي مناسبة أخرى دعاني اللواء غازي كنعان إلى الغداء في عنجر.

وعنجر منطقة على الحدود السورية اللبنانية، وفيها مقر النفوذ السوري في لبنان. كان السياسيون اللبنانيون يذهبون إليها بشكل دائم.

أحمد منصور:
لكن عنجر كانت تُعد مركز القرار السوري في لبنان، وكان السياسيون يذهبون إليها كنوع من “الحج السياسي”.

وليد جنبلاط:
صحيح. وهناك عرّفني غازي كنعان على بشار الأسد قبل أن يتولى الرئاسة.

أحمد منصور:
ولمست فيه شخصية حادة؟

وليد جنبلاط:
في ذلك الوقت كان مجرد حديث عام، لكن غازي كنعان قال لي كلامًا لا أنساه.

أحمد منصور:
ماذا قال لك؟

وليد جنبلاط:
قال بعد مغادرة بشار: “أردت أن تتعرف على بيت الأسد، لأنك لا تعرفهم جيدًا”.

أحمد منصور:
كان يهددك؟

وليد جنبلاط:
قالها بهذه الطريقة. وتذكرت هذه الكلمة عام 2005 عندما اغتيل رفيق الحريري.

أحمد منصور:
تقصد عندما اغتيل غازي كنعان.

وليد جنبلاط:
نعم، عندما اغتيل غازي كنعان.

أسباب الخلاف بين وليد جنبلاط وإيميل لحود؟

أحمد منصور:
غازي كنعان كان من أبرز أركان النظام في لبنان، ورغم ذلك انتهى مقتولًا مثل غيره.

أنا حاولت تفكيك الخلاف بينك وبين لحود، ووجدت أنه يُقال إن لحود رجل عسكري منضبط، وأنت سياسي براغماتي، وأنه كان ينظر إليك كزعيم ميليشيا، بينما كنت تعتبره ضابطًا فرضته دمشق. وهناك أيضًا خلاف على دور الجيش والأجهزة الأمنية، إضافة إلى الخلاف حول رفيق الحريري. هل هذه الاستنتاجات صحيحة؟

وليد جنبلاط:
إلى حد ما. لحود كان ينفذ السياسة السورية. ومن الأمور التي يمكن تسجيلها له أنه أعاد تركيب الجيش اللبناني، فلم تعد هناك وحدات طائفية أو مذهبية، بل جيش موحد. وهذا يُحسب له. كما تم تثبيت عقيدة الجيش اللبناني كعقيدة وطنية عربية، تعتبر إسرائيل العدو.

حتى اليوم، هذه العقيدة ما زالت قائمة، وقد أُخذت على بعض القيادات العسكرية عندما تحدثت في الخارج.

أحمد منصور:
حتى في المفاوضات الأخيرة؟

وليد جنبلاط:
نعم، وحتى اليوم هناك هجوم على قائد الجيش، لا على الوفد نفسه.

أحمد منصور:
رغم أن قائد الجيش ماروني.

وليد جنبلاط:
نعم.

أحمد منصور:
في 24 أيار 2000 في فجر ذلك اليوم انسحبت القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بعد اثنين وعشرين عاما من الاحتلال.
أبدأ معك الحلقة القادمة من هذا شكرا جزيلا لك.
كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم.
في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بيك جنبلاط زعيم الدروز في لبنان.  

في الختام، تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور

على حافة العصر: سباقُ الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share