هل تقبل غزة اعتذار لندن ؟

متى يعتذر الساسة عن جرائم الحرب التي ارتكبوها أو دعموها؟ سؤالٌ يتردد اليوم في بيوت غزة المهدَّمة، كما في أروقة أنظمة الحكم التي وقفت إلى جوار إسرائيل ودعمت جرائمها، لا سيما الدول الغربية: هل يعتذر السياسي الغربي حين يوخزه ضميره أمام أشلاء الأطفال، أم حين تنطق صناديق الاقتراع، فيكتشف أن بقاءه السياسي صار معلَّقًا على كلمة «آسف»
أندي بيرنهام

بقلم: أحمد منصور

متى يعتذر الساسة عن جرائم الحرب التي ارتكبوها أو دعموها؟ سؤالٌ يتردد اليوم في بيوت غزة المهدَّمة، كما في أروقة أنظمة الحكم التي وقفت إلى جوار إسرائيل ودعمت جرائمها، لا سيما الدول الغربية: هل يعتذر السياسي الغربي حين يوخزه ضميره أمام أشلاء الأطفال، أم حين تنطق صناديق الاقتراع، فيكتشف أن بقاءه السياسي صار معلَّقًا على كلمة «آسف»، وعلى أن يردد بعض العبارات والجمل التي ينقذ بها نفسه وحزبه من السقوط السياسي الأخلاقي التاريخي الذي بدأ يلاحق كثيرًا من السياسيين الذين دعموا إسرائيل وجرائمها في حربها على قطاع غزة؟

في الأسابيع التي سبقت التاسع من يوليو 2026، كانت أوساط إسرائيلية واسعة، ومعها اليمين المتطرف في الولايات المتحدة، تتغنى بقدوم أندي بيرنهام إلى رئاسة الوزراء البريطانية -بعد الاستقالة المخزية لرئيس الوزراء ستارمز- بوصفه رجلًا مضمونًا لا خوف منه؛ فصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية نشرت، أواخر يونيو 2026، قراءة مطمئنة عن سجله، خلاصتها أنه عضو في جماعة «أصدقاء إسرائيل في حزب العمال»، وسبق أن وصف حركة مقاطعة إسرائيل عام 2015 بأنها «حاقدة»، وامتدح وعد بلفور الذي أصدرته بريطانيا، وأقامت به الكيان الإسرائيلي على أطلال فلسطين، فيما وثَّقت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، في 23 يونيو 2026، تاريخه الطويل في محاربة معاداة السامية. ثم جاءت الصفعة من حيث لم يحتسبوا.

في فيديو بثَّه أندي بيرنهام يوم الخميس 9 يوليو 2026، كما أوردت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، قال الرجل الذي لم يعد يفصله عن مقعد رئاسة الوزراء سوى إجراءات التتويج: «استجابة حزب العمال الأولى لما جرى في غزة سببت جرحًا هائلًا. لقد أخطأنا، وأنا آسف لذلك». وفي حوار مطول مع صحيفة الغارديان، نُشر في اليوم نفسه، ونقلته وكالة رويترز، أقرَّ بأن «بريطانيا كانت بطيئة جدًا في المطالبة بوقف إطلاق النار»، متعهدًا بمزيد من الضغط على الحكومة الإسرائيلية. ولم يقف عند حدود الاعتذار؛ فقد وصف معاناة أهل غزة، بحسب إذاعة «إل بي سي» البريطانية في 9 يوليو، بأنها «ندبة على ضميرنا الجماعي»، وأعلن، كما وثَّقت صحيفة تايمز أوف إسرائيل في اليوم ذاته، عزمه على النظر في عقوبات إضافية، وحظر التجارة مع المستوطنات غير الشرعية، ودعمه الكامل لقيود تراخيص السلاح «كي لا تُستخدم قنبلة أو رصاصة بريطانية في غزة أو الضفة الغربية»، متهمًا حكومة نتنياهو بأنها «تحاول بوضوح جعل حل الدولتين مستحيلًا».

ولمن يظن أن ضمير السياسي البريطاني قد تحرك، فإن الأرقام تروي السبب الحقيقي لهذا الاعتذار. ففي الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو 2026، خسر حزب العمال السيطرة على ثمانية مجالس، وأكثر من مئتين وخمسين مقعدًا، في أولى النتائج المعلنة صبيحة اليوم التالي، كما نقلت تايمز أوف إسرائيل، ووصف عميد خبراء الاستطلاع البريطانيين جون كيرتس النتائج بأنها: بقدر ما توقعه الجميع للعمال من سوء أو أسوأ.
وقبلها، في 27 فبراير 2026، سقط مقعد «غورتون ودنتون» في عقر دار بيرنهام بمانشستر في يد حزب الخضر. وكشف استطلاع أجرته مؤسسة «جيه إل بارتنرز» لمركز «بوليسي إكستشينج»، ونُشر مطلع مايو 2026، أن تأييد المسلمين البريطانيين لحزب العمال انهار من نحو ثمانين في المئة إلى ثلاثة وثلاثين فقط، ونسبة المسلمين لا بأس بها في التأثير في الانتخابات البريطانية.
أما داخل الحزب نفسه، فقد وجد استطلاع «سيرفيشن»، الذي أُجري بين 22 و26 مايو 2026، بتكليف من منظمات «أنقذوا الأطفال» و«المعونة المسيحية» و«العون الطبي للفلسطينيين»، ونشره موقع «ليبر ليست» في 5 يونيو، بقلم دانيال غرين، أن سبعة وثمانين في المئة من الأعضاء يؤيدون حظر تجارة المستوطنات، وثمانية وسبعين في المئة يطالبون بوقف كل صادرات السلاح إلى إسرائيل.

هذه هي أخلاقيات الغرب كما عرفتها عن قرب، في أكثر من أربعين عامًا من تغطية حروبه وأزماته، من جبال أفغانستان إلى حصار سراييفو إلى أزقة الفلوجة: القيم الإنسانية للسياسيين الغربيين ليست سوى لافتة تُرفع حين تخدم المصلحة
أحمد منصور

وهنا تظهر الأسباب الحقيقية لهذا الموقف، وهي حقيقة تاريخية رسخها رئيس وزراء بريطانيا في القرن التاسع عشر، وأحد آباء دبلوماسيتها، اللورد بالمرستون، حين قال أمام مجلس العموم في الأول من مارس 1848: «ليس لنا حلفاء أبديون، وليس لنا أعداء دائمون؛ مصالحنا وحدها هي الأبدية الدائمة». فلما صارت غزة مصلحة انتخابية، تحرك الضمير البريطاني فجأة، ولكن بشكل مكشوف وضحل.

هذه هي أخلاقيات الغرب كما عرفتها عن قرب، في أكثر من أربعين عامًا من تغطية حروبه وأزماته، من جبال أفغانستان إلى حصار سراييفو إلى أزقة الفلوجة: القيم الإنسانية للسياسيين الغربيين ليست سوى لافتة تُرفع حين تخدم المصلحة، وتُطوى حين تعارضها، والرأي العام الغربي لا يتحرك إلا حين تفيض الصور عن قدرة آلة الدعاية على احتوائها. وغزة أفاضت؛ فقد قُتل أكثر من ألف فلسطيني منذ اتفاق «وقف إطلاق النار» المعلن في أكتوبر الماضي، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، كما أوردت شبكة الجزيرة الإنجليزية في 9 يوليو 2026، بخلاف أكثر من مائتي ألف قتيل ومفقود وجريح في حرب العامين، ولا يزال الدم الفلسطيني يُراق كل يوم تحت لافتة أكذوبة الهدنة، ولا تستطيع أن تُجمله مساحيق التجميل السياسي.

لقد أجبرت طوفان الأقصى دولًا كثيرة على أن تحول موقفها، وبريطانيا ليست جزيرة معزولة في هذا التحول

لقد أجبرت طوفان الأقصى دولًا كثيرة على أن تحول موقفها، وبريطانيا ليست جزيرة معزولة في هذا التحول؛ فقد أعلنت إسبانيا وأيرلندا والنرويج اعترافها بدولة فلسطين، اعترافًا دخل حيز التنفيذ في 28 مايو 2024، وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أمام برلمان بلاده، يوم الإعلان في 22 مايو: «مع نتنياهو، حل الدولتين في خطر». ولحقت بها سلوفينيا في 4 يونيو 2024، ثم صارت، في 1 أغسطس 2025، أول دولة أوروبية تفرض حظر سلاح شاملًا على إسرائيل، كما وثَّقت الجزيرة الإنجليزية، وتتابعت اعترافات فرنسا وبلجيكا والبرتغال بفلسطين في سبتمبر 2025، حتى إن بريطانيا نفسها -تحت ستارمر الذي أطاحت به عاصفة الغضب- اعترفت بفلسطين، وفرضت عقوبات على وزراء إسرائيليين.

 إن الانحياز الغربي المطلق لإسرائيل، ذلك الجدار الذي بدا عصيًا على الكسر منذ عام 1948، تتساقط لبناته لبنة بعد لبنة؛ لا لأن العواصم الغربية عرفت طريق الهداية، بل لأن شعوبها لم تعد تحتمل، ولأن أثمان التواطؤ صارت تُدفع من مقاعد السياسيين في البرلمانات.

وماذا يعني هذا كله لإسرائيل ومستقبلها؟ يعني أن الحصانة التي عاشت عليها في العواصم الغربية سبعة عقود تتآكل قاعدتها؛ فالأجيال الغربية الجديدة لم تعد ترى فيها «واحة الديمقراطية»، بل دولة تُصدِّر إليها صور الأطفال القتلى تحت الركام، والقادة الذين كانوا يتسابقون إلى تل أبيب صاروا يتسابقون إلى النأي عنها. وهم لا يفعلون هذا، لأن الفضيلة انتصرت في ضمائرهم، بل لأن الضعف أمام إسرائيل صار خسارة في صناديق الاقتراع.

اعتذر بيرنهام لغزة، لكن غزة لن تقبل الاعتذار؛ لأن ما جرى لها لا يمحوه الاعتذار، وإنما محاكمة مجرمي الحرب الذين شاركوا في الجرائم التي ارتُكبت بحق شعبها. غزة صمدت، ولا تزال، وستبقى لتفضح ضمير الغرب الغائب، لا سيّما بعدما أصبحت دماء شعبها هي الميزان الذي تُوزن به عروش الحكام والمتسابقين نحو السلطة في الغرب.

المزيد من الموضوعات

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور ووليد جنبلاط

وليد جنبلاط ج12 من شهادته على العصر: العفو عن أمراء الحرب في لبنان ودوافع اغتيال الأسد للرئيس رينيه معوض؟!

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share