ماذا يبقى من الآباء حين يرحلون؟

سؤالٌ ظلّ يلاحقني وأنا أقرأ ما كتبته الشيخة المياسة بنت حمد في رثاء والدها: “يُبا”.. كلمة واحدة من لهجة أهل الخليج، لكنها تختزن من الحنين ما تعجز عنه المجلدات. غير أن الذي استوقفني في هذا النص ليس دموع ابنةٍ فقدت أباها، فالدموع على الآباء قديمةٌ قِدَم الإنسان، وإنما استوقفني أبٌ استطاع أن يزرع في نفوس أبنائه مكانةً أكبر من الأبوة، فصار الوطن في وجدانهم معنى مختلفًا، وصارت الحياة في أفواههم مذاقًا آخر.
حمد بن خليفة والمياسة بن حمد

بقلم/ أحمد منصور:

سؤالٌ ظلّ يلاحقني وأنا أقرأ ما كتبته الشيخة المياسة بنت حمد في رثاء والدها: “يُبا”.. كلمة واحدة من لهجة أهل الخليج، لكنها تختزن من الحنين ما تعجز عنه المجلدات. غير أن الذي استوقفني في هذا النص ليس دموع ابنةٍ فقدت أباها، فالدموع على الآباء قديمةٌ قِدَم الإنسان، وإنما استوقفني أبٌ استطاع أن يزرع في نفوس أبنائه مكانةً أكبر من الأبوة، فصار الوطن في وجدانهم معنى مختلفًا، وصارت الحياة في أفواههم مذاقًا آخر.

العظماء لا يورّثون أبناءهم أموالًا ولا مناصب، وإنما يورّثونهم بوصلة، فإذا ضلّت بهم الطرق عادوا إليها فاهتدوا.
أحمد منصور

“المقياس قطر”.. هكذا لخّصت الابنة وصية أبيها، لا وصيةً تُقال عند الفراق، بل حياةً كاملة عاشها أمامهم قدوةً لا موعظة. والآباء العظماء لا يورّثون أبناءهم أموالًا ولا مناصب، وإنما يورّثونهم بوصلة، فإذا ضلّت بهم الطرق عادوا إليها فاهتدوا. علّمها السباحة والغوص والسفر، لكنه علّمها قبل ذلك كله أن العطاء أعظم ما يملكه الإنسان، وأن من وضع وطنه قبل نفسه لم يخسر نفسه، بل وجدها.

وتأملتُ في الرجل الذي وصل إلى الحكم ثم تنازل عنه بملء إرادته، وهو أمرٌ غير مألوف في منطقةٍ يتشبث فيها الحاكم بكرسيه حتى آخر نَفَس، فأدركتُ أن من ربّى أبناءه على أن الوطن أكبر من الأشخاص، لا بد أن يكون قد ربّى نفسه أولًا على أن المسؤولية أمانة تُسلَّم لا غنيمة تُحتكر. 

إنّ الأبوة الحقيقية ليست أن تمنح أبناءك حياةً مريحة، بل أن تمنحهم قضيةً يعيشون من أجلها.
أحمد منصور

وكان يقدّم نفسه للناس بكلمتين: «أنا حمد»، وكان من تواضعه -حسبما رأيت وعلمت- أنه يحب أن يناديه الناس باللقب الذي يُنادى به بسطاءُ الناس: «أبو مشعل». وما كان ينادي أحدًا باسمه مجردًا، كان يقدّر الناس ويحترمهم ويعطيهم قدرهم، وما أعظم التواضع حين يصدر عمّن يملك كل أسباب السلطة والمكانة والكبرياء.

إنّ الأبوة الحقيقية ليست أن تمنح أبناءك حياةً مريحة، بل أن تمنحهم قضيةً يعيشون من أجلها. فالأب الذي يزرع في أبنائه معنى أكبر من شخصه، يظل حيًّا فيهم بعد رحيله، يوقظهم باكرًا كما كان يوقظهم، ويسألهم عن الخطوة التالية كما كان يسألها عن : “ما هو المتحف التالي الذي سنفتتحه؟”.

حين يأتي الموت لا يبقى إلا الحب والإرث.. والآباء الذين زرعوا أوطانًا في قلوب أبنائهم، لا يموتون. 

Total
0
Shares
السابق
الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

الجزيرة ..و الإرث الذي تركه حمد بن خليفة

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share