لماذا يخشى ترامب انتخابات الثالث من نوفمبر؟

في السادس من يناير/كانون الثاني 2026 خاطب دونالد ترامب نوّاب حزبه في خلوةٍ بمركز كينيدي في واشنطن، فقال فيما نقلته عنه وكالة «يونايتد برس إنترناشونال» في اليوم نفسه: «عليكم أن تفوزوا في انتخابات التجديد النصفي، لأننا إن لم نفز فسيجدون سبباً لعزلي. سأُعزَل».
أحمد منصور وترامب

بقلم/ أحمد منصور:

في السادس من يناير/كانون الثاني 2026 خاطب دونالد ترامب نوّاب حزبه في خلوةٍ بمركز كينيدي في واشنطن، فقال فيما نقلته عنه وكالة «يونايتد برس إنترناشونال» في اليوم نفسه: «عليكم أن تفوزوا في انتخابات التجديد النصفي، لأننا إن لم نفز فسيجدون سبباً لعزلي. سأُعزَل».

قالها ترامب استنفاراً لقادة حزبه وأعضائه، وهي في جوهرها إقرار بأن معركته الفاصلة ليست الانتخابات الرئاسية المقررة في نوفمبر عام 2028 بل انتخابات الكونجرس النصفية المقررة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026؛ فالرئيس الأمريكي لا يُقاس بقوة انتخابه، وإنما بحجم السلطات التي في يديه، وعدم خضوعه لأغلبية من الكونجرس يشكلها الحزب الآخر تستجوبه وتسائله وتعرقل مشروعاته. بالنسبة لترامب التاريخ يقف له بالمرصاد. فبحسب دراسة نشرها معهد «بروكينغز» في الثامن والعشرين من أغسطس/آب 2025، تراجع حزب الرئيس في عشرين من اثنتين وعشرين انتخابات نصفية منذ 1938. 

أما بالنسبة لشعبية ترامب، فقد نشر استطلاع أجرته «رويترز–إبسوس» بين السادس عشر والتاسع عشر من أكتوبر أيّد أداءه 31 في المئة ورفضه 66، ولم يؤيّده من الجمهوريين أنفسهم إلا 77 في المئة. وفي استطلاع «نيويورك تايمز–سيينا» الذي أعلنه معهد سيينا في الحادي والعشرين من أكتوبر، تقدّم الديمقراطيون بعشر نقاط وبلغ تقييم ترامب تراجع شعبيته إلى 36 في المئة، وهو تراجع كبير بالنسبة له.

أما أسباب انخفاض شعبية ترامب فكثيرة، على رأسها الفاتورة العسكرية التي تعتبر القنبلة التي سيفجرها الديمقراطيون. فبحسب تقرير مكتب الموازنة في الكونغرس الصادر في الخامس عشر من سبتمبر/أيلول 2026، بلغت كلفة العمليات ضد إيران 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس، ويقدّر المكتب تكاليف كل شهر إضافي من القتال بما بين ملياري دولار وثلاثة إذا بقيت حدّته منخفضة نسبياً، ويرى أن ما بين نصف وثلثَي المخزون الأمريكي المجتمع من أربعة أنواع من الصواريخ الاعتراضية — باتريوت وثاد وإس إم-3 وإس إم-6 — استُهلك منذ يونيو/حزيران 2025، مع تصريحه بأن تقديره محفوف بغموض كبير لأن وزارة الدفاع لم تردّ على استفساراته. ويضاف إليها ملفات جيفري إبستين التي انتزع الكونغرس نشرها ثم اندلعت الحرب مع إيران فغطت عليها، ثم 3.3 مليار دولار تمويلاً عسكرياً سنوياً لإسرائيل و500 مليون للدفاع الصاروخي المشترك، وفق مذكّرة التفاهم 2019–2028 كما تنصّ وزارة الخارجية الأمريكية.

وما يقوله الديمقراطيون أدقّ مما يُقال. فقد كتبت «سيمافور» في التاسع من أكتوبر أن العزل ما زال «كلمةً بغيضة» عند كثير من النواب الديمقراطيين، لكن الخطة البديلة هي استهداف الوزراء فقد يكون «صمّام تخفيف ضغط»، وأن مقابلاتها مع ستة منهم رجّحت استهداف وزير الدفاع بيت هيغسيث حيث يعتبره الديمقراطيون «أسلم موضعٍ للنزول» — وهذا توصيف الصحيفة لا قول الديمقراطيين. وسُئل زعيم الأقلية حكيم جيفريز في مقابلة مع «نيوز 12» بثّت في التاسع عشر من أكتوبر، ونشر مكتبه نصّها في الحادي والعشرين منه، عمّا يدفعه إلى عزلٍ ثالث لترامب، فأجاب: «لم نستبعد شيئاً ولم نُدخل شيئاً»، وأحال الأمر إلى لجنتَي القضاء والرقابة. فالخطة الموثّقة استدعاءاتٌ ورقابة، والعزل احتمالٌ لا وعد؛ لكنّ الاستدعاء وحده يكفي. 

قد يقال إن الجمهوريين حصّنوا أنفسهم سلفاً، وهي حجّة ذات سند. فقد أعادوا رسم الدوائر في منتصف العقد، وصُمّمت خريطة تكساس وحدها لتكسبهم خمسة مقاعد، وأجازت المحكمة العليا العمل بها في الرابع من ديسمبر/كانون الأول 2025 بقرارٍ عاجل خالفه ثلاثة من قضاتها، ثم نقضت حكم المحكمة الأدنى في أبريل/نيسان 2026. ثم أُزيح الاستحقاق المالي للحكومة إلى ما بعد الانتخابات، إلى الحادي عشر من ديسمبر، بقانونٍ أقرّه مجلس النواب بـ370 صوتاً مقابل 48 ووقّعه ترامب في الثاني من سبتمبر.

غير أن ذلك كله لم يكفِه. فـ«تقرير كوك السياسي» يقدّر أن إعادة الرسم لا تكسبهم إلا نحو أربعة مقاعد، ويرى باحثان في «بروكينغز» أن خريطة تكساس لن تضيف خمسة بل اثنين على الأرجح. وفي الثالث والعشرين من أكتوبر حوّل «كوك» تسعة عشر مقعداً بعيداً عنهم، فصار ما يميل إلى الديمقراطيين 220 مقعداً — وعتبة الأغلبية 218 — مقابل 198 و17 متأرجحاً، وكتبت محلّلته إيرين كوفري أن طريق الجمهوريين إلى الاحتفاظ بالسيطرة على المجلس «تبخّر تماماً تقريباً»، وقدّر أن يكسب الديمقراطيون بين اثني عشر واثنين وعشرين مقعداً. ويدخلون التصويت بـ218 مقعداً مقابل 214، بمستقلٍّ واحد ومقعدين خاليين، وقد صوّت أكثر من 24 مليون أمريكي مبكراً حتى مساء الثالث والعشرين من أكتوبر بأرقام مختبر الانتخابات في جامعة فلوريدا.

لقد تمكن ترامب من إعادة رسم الخريطة الانتخابية للبلاد لكنها لم تكفِه، ولم يبقَ له إلا الصندوق. والرؤساء لا يسقطون يوم تُحسَب أصوات اختيارهم، بل يوم يخسرون الكونجرس الذي كان يحميهم من المساءلة والاستجواب.

Total
0
Shares
السابق
مقال أحمد منصور

هل تخلّت بريطانيا عن إسرائيل؟

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share