بقلم : أحمد منصور
في الثلاثين من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقف جلعاد إردان، مندوب إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة، أمام مجلس الأمن، وقد علّق على صدره نجمةً صفراء كتلك التي فرضها النازيون على اليهود، وقال لأعضاء المجلس: «من اليوم فصاعدًا، كلما نظرتم إليّ، ستتذكرون ما يعنيه الصمت في وجه الشر».
أراد إردان أن يستدعي ما يتاجر به الإسرائيليون منذ الحرب العالمية الثانية عما فعله هتلر بهم، فإذا به يفتح باب المقارنة على مصراعية. ولم يتوقع مندوب إسرائيل في مجلس الأمن أن يأتيه النقد والاعتراض من داني ديان، رئيس مؤسسة «ياد فاشيم» الإسرائيلية لتخليد ذكرى المحرقة، الذي قال إن ما فعله المندوب «يُهين ضحايا الهولوكوست ودولة إسرائيل». لم يكن هذا إدانة وإنما جحوداً واستكباراً لأن الرقعة الصفراء في نظره «ترمز إلى عجز الشعب اليهودي ووقوعه تحت رحمة الآخرين». والسؤال الذي لم يطرحه أحد في تلك القاعة: من المحاصَر الأعزل اليوم؟ من الذي يتعرض لأسوأ مما تعرض له اليهود على يد هتلر وعلى يد من ؟ علي يد من يتاجرون بمأساة بعض اليهود ويركبون على ظهور العالم منذ عقود ابتزازاً واستعطافاً واسكتباراً وإهانة .
لقد سار نتنياهو على خطى هتلر بل وتفوق عليها، وإن مقارنة جادة بين ما قام به هتلر وما تفوق عليه فيه نتنياهو لا تقيس المحطة الأخيرة، بل الطرق التي أدت إليها
وإذا كان ما حدث في غزة، لم يجر في غرف الغاز التي لا توجد عليها سوي أدلة يشكك فيها بعض المؤرخين ممن أصروا علي مواجهة تلك الرواية، ودفعوا ثمنها مثل الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي، والمؤرخ البريطاني الشهير ديفيد إيرفينغ -الذي استضفته في برنامج” بلا حدود” – وسجن بسبب أفكاره عن المحرقة والتشكيك في أعدادها، وأنه لا توجد فيديوهات ولا أفلام ولا صور ولا وثائق تؤكد الروايات التي يستخدمها الصهاينة ذريعة لركوب العالم واستغفاله، بل واستخدامها ذريعة لمواجهة كل من يكشف جرائم إسرائيل ويواجهها حتى بالقانون، لكن العالم كله شاهد ما جرى في غزة بالصوت والصورة وعلى الهواء مباشرة؛ وبالتالي لا يوجد شخص على ظهر الكوكب يتمتع بشيء من الإنسانية أنكر أن ماحدث في غزة كان إبادة جماعية .
لقد سار نتنياهو على خطى هتلر بل وتفوق عليها، وإن مقارنة جادة بين ما قام به هتلر وما تفوق عليه فيه نتنياهو لا تقيس المحطة الأخيرة، بل الطرق التي أدت إليها، فحروب الإبادة لا تبدأ بالمحارق بل بعدة خطوات تسبقها، منها: استخدام لغةٌ تنزع عن الضحية إنسانيتها، وحصارٌ يجعل الجوع سلاحاً، وقد بدأ ذلك منذ العام ٢٠٠٦، حينما فازت حماس في الانتخابات التي طلبت الولايات المتحدة إجراءها، وضغطت على حماس للمشاركة فيها، كانت هناك قوانين وتشريعات تجعل التمييز والعنصرية والتهجير والتدمير سلوكًا مشروعًا. وهي خطوات واضحة في تجربة ألمانيا النازية، وقد قطعت فيها حكومة نتنياهو الصهيونية، ومن سبقها، شوطًا بعيدًا.
لنبدأ باللغة، ففي التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت فرض «حصار كامل» على غزة وقال «: نحن نقاتل حيوانات بشرية ونتصرف على هذا الأساس»، هكذا أصبح أهل غزة مجرد حيوانات بشرية في نظر الصهاينة.
وفي الثامن والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2023 قال نتنياهو: «عليكم أن تتذكروا ما فعله بكم عماليق، كما يقول كتابنا المقدس»،. وتلك هي الخطوة الأولى في كل تجربة من هذا النوع؛ فالنظام النازي جعل اليهود في دعايته ثم في قوانينه خطراً على «الدم الألماني» قبل أن يجعلهم هدفاً للقتل.
وحين خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في السادس عشر من سبتمبر/أيلول 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، سمّت نتنياهو والرئيس إسحاق هرتسوغ وغالانت محرّضين عليها، وقالت رئيستها نافي بيلاي إن «المسؤولية عن هذه الجرائم الفظيعة تقع على السلطات الإسرائيلية في أعلى مستوياتها».
أما الخطوة الثانية، وهي الأشدّ شبهاً بالتجربة النازية، فهي التجويع فحسبما يروج دعاة المحرقة، وعلى رأسهم متحف الهولوكست الأمريكي أنه في نوفمبر/تشرين الثاني 1940 أغلقت سلطات الاحتلال الألماني غيتو وارسو على أكثر من أربعمئة ألف يهودي في مساحة لا تتجاوز 1.3 ميل مربع، ولم تتجاوز حصة الفرد من الطعام عام 1941 ألفاً ومئة وخمسة وعشرين سعراً حرارياً في اليوم، وهي حصة «لا تكفي لإبقاء الإنسان حياً»، فمات نحو ثلاثة وثمانين ألفاً جوعاً ومرضاً بين 1940 ومنتصف 1942، بحسب ادعاءاتهم. ولهذا كتبت الصحفية اليهودية الأمريكية ماشا غيسن في مجلة «نيويوركر» في التاسع من ديسمبر/كانون الأول 2023 أن غزة أشبه بـ«غيتو يهودي في بلد من أوروبا الشرقية تحتله ألمانيا النازية.
ثم أعلن «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي» في الثاني والعشرين من أغسطس/آب 2025 وقوع المجاعة رسمياً في محافظة غزة، مقدّراً أن 514 ألف إنسان يعيشونها، فوصفها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأنها «كارثة من صنع الإنسان»، ووصف نتنياهو التقرير بأنه «فرية دم حديثة» وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في الحادي والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرتي توقيف بحق نتنياهو وغالانت، في مقدمة تهمهما «جريمة الحرب المتمثلة في التجويع أسلوباً من أساليب الحرب» فإذا بالولايات المتحدة تلاحق قضاة المحكمة كأنهم مجرمين وتحتفي بالمجرم نتنياهو وأعوانه بالاستقبال والترحاب .
إن أخطر الشهادات خرجت من داخل إسرائيل ومن قادتها السياسيين الذين يرونها تسير إلي الهاوية، والنهاية المحتومة لذا فإنهم يحذرون من التمادي الذي سيجعل مصير إسرائيل مثل مصير ألمانيا النازية ومصير نتنياهو مثل مصير هتلر
والخطوة الثالثة هي سن القوانين والتشريعات. في الخامس عشر من سبتمبر/أيلول 1935 أصدر النظام النازي قوانين نورمبرغ التي حصرت المواطنة في أصحاب «الدم الألماني أو ما يقاربه»، فتحوّل اليهود من مواطنين إلى رعايا. وفي الثامن عشر من فبراير/شباط 2018 نشر زئيف ستيرنهل، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية وأحد أبرز دارسي الفاشية الأوروبية والحائز «جائزة إسرائيل» عام 2008، مقالاً في صحيفة «لوموند» الفرنسية حذّر فيه من «عنصرية قريبة من النازية في بداياتها» تنمو في إسرائيل، مذكّراً بأن العنصرية الألمانية لم تبدأ بالقتل، بل بنزع الحقوق المدنية والإنسانية عن اليهود. وكان في صدارة ما حذّر منه مشروع قانون القومية، الذي أقرّه الكنيست بعد خمسة أشهر، في التاسع عشر من يوليو/تموز 2018، بأغلبية 62 صوتاً مقابل 55، ونصّ على أن حق تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل «حصري للشعب اليهودي» ، وهناك عشرات التقارير الدولية التي تتحدث عن العنصرية الصهيونية ضد أصحاب الأرض من الفلسطينيين وهي يصعب حصرها .
فهل هذه قراءة خصوم إسرائيل وحدهم؟ الحقيقة أن أخطر الشهادات خرجت من داخل إسرائيل ومن قادتها السياسيين الذين يرونها تسير إلي الهاوية، والنهاية المحتومة لذا فإنهم يحذرون من التمادي الذي سيجعل مصير إسرائيل مثل مصير ألمانيا النازية ومصير نتنياهو مثل مصير هتلر.
ففي مايو/أيار 2016 وقف الجنرال يائير غولان، نائب رئيس الأركان آنذاك، في ذكرى المحرقة ليقول إن أكثر ما يخيفه هو «إدراك العمليات المقيتة التي جرت في أوروبا، وفي ألمانيا خصوصاً، قبل سبعين وثمانين وتسعين عاماً، والعثور على علامات لها هنا بيننا اليوم»، وبعد تسع سنوات، في العشرين من مايو/أيار 2025، قال غولان نفسه، وقد صار رئيساً لحزب «الديمقراطيين»، لإذاعة «كان» الإسرائيلية العامة: «الدولة العاقلة لا تقتل الأطفال كهواية»، فاتهمه نتنياهو بـ«التحريض الجامح». وفي الشهر نفسه كتب رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت في «هآرتس» أن ما يجري في غزة «قتل عشوائي بلا حدود، قاسٍ وإجرامي للمدنيين»، كما نقلت مجلة «ذا ويك» في الثامن والعشرين من مايو/أيار 2025. ثم أصدرت منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية «بتسيلم» في السابع والعشرين من يوليو/تموز 2025 تقريراً عنوانه «إبادتنا الجماعية»، وقالت مديرتها يولي نوفاك: «لا شيء يُعدّك لإدراك أنك جزء من مجتمع يرتكب إبادة جماعية» ، ورغم أنه يمكن أن توضع في إطار الخلاف السياسي و الدعاية إلا أنها توثق الجرائم بلسان الإسرائيليين أنفسهم .
وفي الغرب جاءت أوضح الأصوات من مثقفين يهود. ففي الخامس عشر من يوليو/تموز 2025 كتب عمر بارتوف، الذي خدم في الجيش الإسرائيلي أستاذ دراسات الهولوكوست والإبادة في جامعة براون ، في «نيويورك تايمز» يقول : «خلاصتي التي لا مهرب منها أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني»، مضيفاً: «أدرّس مقررات عن الإبادة منذ ربع قرن، وأستطيع أن أتعرّف عليها حين أراها». أما المفكر اليهود الأمريكي نورمان فنكلستين، ابن الناجيَين من المحرقة، فقد وصف غزة بأنها «معسكر اعتقال ضخم»، معتبراً أن إسرائيل هي التي ابتذلت مصطلح الهولوكوست بكثرة استعماله.
وعلى المستوى السياسي كان التصريح أكثر مباشرة ووصفا لنتنياهو بهتلر. ففي السابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2023 تساءل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: «هل ما يفعله نتنياهو أقل مما فعله هتلر؟»، كما نقل موقع «المونيتور». وفي الثامن عشر من فبراير/شباط 2024 قال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في أديس أبابا إن ما يجري للشعب الفلسطيني في غزة لم يحدث في أي لحظة من التاريخ إلا «حين قرر هتلر قتل اليهود»، فاستدعى وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس السفير البرازيلي إلى «ياد فاشيم» ليعلن أن لولا «شخص غير مرغوب فيه» في إسرائيل حتى يتراجع، بحسب «تايمز أوف إسرائيل».
وفي الأول من سبتمبر/أيلول 2025 أقرّت «الرابطة الدولية لباحثي الإبادة الجماعية» قراراً يصف ما تفعله إسرائيل في غزة بالإبادة، بتأييد 86 في المئة من المصوّتين، فردّت الخارجية الإسرائيلية بأن الرابطة «تتهم ضحية الإبادة نفسها». والأرقام تفسّر هذا الإجماع المتنامي: فقد تجاوزت حصيلة القتلى الفلسطينيين في غزة 74 ألفاً وفق وزارة الصحة في غزة، كما نقلت «واشنطن تايمز» في السابع والعشرين من سبتمبر/أيلول 2026، بل أقرّ مسؤول عسكري إسرائيلي للصحفيين في يناير/كانون الثاني 2026 بأن الجيش يقبل رقماً يقارب سبعين ألف قتيل، كما نقلت «الغارديان».
غير أن التحوّل الأخطر لم يجرِ في أنقرة ولا في برازيليا، بل في العواصم التي بنت شرعية إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية. ففي الثامن من أغسطس/آب 2025 أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن حكومته «لن تأذن بأي صادرات لمعدات عسكرية يمكن استخدامها في قطاع غزة حتى إشعار آخر»؛ وألمانيا هي الدولة التي جعلت أمن إسرائيل، تكفيراً عن جرائم هتلر، جزءاً من «مصلحة الدولة العليا» كما قالت المستشارة أنجيلا ميركل أمام الكنيست في الثامن عشر من مارس/آذار 2008. وفي الثامن من سبتمبر/أيلول 2025 أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز حظراً على السلاح لإسرائيل، قائلاً إن ما يجري «ليس دفاعاً عن النفس، ولا مجرد هجوم، بل إبادة لمجتمع أعزل». وفي الحادي والعشرين من سبتمبر/أيلول 2025 اعترفت بريطانيا وكندا وأستراليا رسمياً بدولة فلسطين.
لقد تاجر الإسرائيليون بالمحرقة و العداء للسامية طيلة عقود ليرهبوا العالم، لكنهم ارتكبوا بحق الفلسطينيين أفظع مما ارتكبه هتلر بحقهم وفق ما شاهده ويشاهده العالم أجمع طيلة أكثر من ثلاث سنوات .
فما الذي تعلّمه نتنياهو من هتلر إذاً؟ تعلّم منه الكثير تعلم منه المحرقة، ولكن بأساليب أخرى أكثر بشاعة ونذالة واحتقاراً للعالم وقوانينه الدولية، إنه لم يمارس جرائمه خلال الحرب الأخيرة فقط وإنما يمارسها ضد الفلسطينيين منذ عقود، من خلال استخدام لغة تُسقط إنسانيتهم، وحصاراً يجعل رغيف الخبز سلاحاً ضدهم، وقانوناً يجعل الحق حكراً على المحتلين ضد أصحاب الأرض.
لقد وضع نتنياهو الأمم المتحدة تحت حذائه حينما وقف متشدقا علي منبرها متحديا العالم أجمع تماماً كما سبق و وضع هتلر العالم تحت حذائه، وقرر أن يخوض حروبه دون رادع، حتى انقلب كل شيء عليه في النهاية فانتحر.
فهل سيمشي نتنياهو على نهجه، ويكمل على خطاه، ويلقى نفس مصيره ؟ إن غداً لناظره قريب .
المزيد