أحمد بن بيلا ج 12 : انقلاب بومدين في الجزائر ..وتأييد أميركا له

يتناول أحمد منصور مع الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلا ج 12 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر الحديث عن انقلاب بومدين في الجزائر ..وتأييد أميركا له
أحمد بن بيلا

يتناول أحمد منصور مع الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلا ج 12 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر والذي جرى بثه بتاريخ 22 ديسمبر 2002، الحديث عن الصراع بين الولايات الجزائرية بعد الاستقلال والانقلاب الذي قاده هواري بو مدين و أطاح به من السلطة ..

نص حوار أحمد بن بيلا ج 12 :

انقلاب بومدين فى الجزائر ..وتأييد أميركا له

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (شاهد على العصر)، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلا.
سيادة الرئيس، مرحباً بك.

أحمد بن بيلا: أهلاً.

الصراعات الداخلية في الولايات وتعامل بن بيلا معها

أحمد منصور: بعد استقلال الجزائر بحوالي عام تقريباً، بدأت صراعات داخلية كبيرة بين الولايات المختلفة. كان هناك ست ولايات، كل ولاية لها جيشها واستقلالها الذاتي في أثناء فترة الثورة، ولها قيادتها المستقلة، ميزانيتها، وصندوقها وكل شيء يتعلق بها. ثم بدأت الصراعات، وحسين آية أحمد أحد الزعماء الأساسيين، مثلاً قاد ثورة مسلحة في منطقة القبائل، وقمتم بحرب أيضاً ضد هذه المناطق. وفي 12 تشرين/أكتوبر 1963 أعلنت احتلال جميع مراكز ولاية القبائل من قِبَل قوات الحكومة، وتم اعتقال حسين آية أحمد وغيره.
هذه الظروف المعقدة التي توصف بأنها فترة صراعات وقلاقل في فترة حكم بن بيلا، كيف وقعت هذه الأشياء؟ وكيف تم ضبطها؟ وكيف المجاهدون يتحولون إلى قتلة لبعضهم البعض في النهاية؟

أحمد بن بيلا: هذه نتيجة طبيعة الثورة بالذات، والثورة على أن تحمي نفسها توزعت، انقسمت حتى أصبحت تقريباً كيانات مكتملة تدافع على نفسها، تحدد عملها، وأصبحت كأنه دولة صغيرة، لكن يعني تنظيمات تسير أمورها على حسب ظروفها الصعبة، وسلاحها قليل، والتموين قليل، والعدو قوي. وبطبيعة الحال وقع انكماش، كل منطقة إلا ولازم تحصل على كل ما تستحقه من أشياء لتستمر في العمل، وكانت نوع من الاستقلالية بين الولايات، وهذا فرضته الظروف الحقيقة.

أحمد منصور: لكن هل كل الولايات كانت تريد الاستقلال، أم كانت صراعات محددة بين بعض الولايات؟

أحمد بن بيلا: ما فيش صراعات في ذلك الوقت إلا صراعات ربما داخل كل ولاية، هذه سنة الله. لكن العمل فرض علينا أن نوزع العمل ونعطي كل منطقة شبه تسيير ذاتي، استقلالية لكل منطقة، لأن كل ولاية مش متشابهة. فيه ولايات يصعب تمويلها مباشرة، وفي ولايات سهلة التزويد، لذلك كل ولاية تتمسك بما عندها. هذا استمر سنوات عديدة. بعد الاستقلال، كنا عندنا ست كيانات، ست جيوش، وقررنا أن يكون كيان واحد ودولة واحدة وجيش واحد، وهذا لم يكن سهلاً.

أحمد منصور: هل يمكن أن توضح لي ترتيب الولايات؟

أحمد بن بيلا: الأولى هي الأوراس (باتنة)، الثانية شمال قسنطينة من الحدود التونسية حتى بلاد القبائل، الثالثة بلاد القبائل، الرابعة وسط الجزائر بما فيها العاصمة والمدن الكبيرة مثل شلف وبليدة، الخامسة وهران، السادسة الصحراء.

أحمد منصور: هل وقفت على الأسباب التي أدت إلى وقوع هذه الصراعات؟ هل تختلف الأسباب من ولاية لأخرى؟

أحمد بن بيلا: الأسباب الأساسية هي الخلاف بين الحكومة المؤقتة والجيش في الحدود، وبعض الولايات كان لها وضع خاص، خاصة الرابعة (العاصمة).

أحمد منصور: صحيح، دعنا نرجع لما حدث في مؤتمر طرابلس وتونس بعدها؟

أحمد بن بيلا: هو نتيجة طبيعة الثورة، الثورة بمقتضى المعطيات اضطرت على أن تتوزع، وهذه وقعت ليس في الجزائر فقط، بل في كل بلاد.

أحمد منصور: بالضبط، الثوار بعد نجاح ثوراتهم يقومون أحياناً بحركات مسلحة ضد بعضهم البعض، ويعتقلون بعضهم البعض. ذكرت في المرة الماضية كيف اعتقلت بوضياف، وعددت الأسماء، وأنت قلت أنك دفعتهم للإقامة الجبرية وليس الاعتقال.

أحمد بن بيلا: الإقامة الجبرية… لم يكن هناك اعتقال بالمعنى الصارم.

أحمد منصور: حسين آية أحمد قام بحركة مسلحة ضد الحكومة، ضد إخوانه الثوار.

أحمد بن بيلا: نعم، وقبض عليه، لأن في كل ولاية…

أحمد منصور: أنت قبضت عليه في سنة 1964، 16 إبريل؟

أحمد بن بيلا: سامحني سيدي…

أحمد منصور: 17 أكتوبر 1964.

أحمد بن بيلا: مع هذه الأحداث ومع عظمتها، كانت الأمور بسيطة في الولاية الرابعة، ولم تكن حرباً أهلية في كل القبائل.

أحمد منصور: لماذا؟

أحمد بن بيلا: لأن وضع بلاد القبائل كان خاصاً وظهرت نعرات جهوية.

أحمد منصور: لازالت إلى اليوم مشكلة القبائل قائمة…

أحمد بن بيلا: ما زالت جذورها باقية حتى اليوم.

أحمد منصور: إعلان الرئيس بوتفليقة عن اللغة الأمازيغية كلغة رسمية، هل سيحل مشكلة القبائل؟

أحمد بن بيلا: أنا مع هذا. كل الدول التي لديها لغات غير رسمية، يمكن أن تكون وطنية، أما اللغة الرسمية يجب أن تُدرس بصفة ضرورية.

أحمد منصور: أريد أصل الآن كيف تم حل هذه المشكلة، لأنها من المعضلات الأساسية التي واجهتك في السلطة.

أحمد بن بيلا: والله، هذا لم يكن مشكل الولايات، ولم يكن للأمازيغية علاقة بالسياسة، بل كانت اتهامات بالعمل ضد الحكم الفردي والديكتاتوري، ولا علاقة للأمازيغية بذلك.

أحمد منصور: يعني كانوا يتهمونك بالديكتاتورية؟

أحمد بن بيلا: نعم، أيوه.

أحمد منصور: ديكتاتور.

أحمد بن بيلا: شوف، سامحني، والله أنا أحكي لك حاجة.

أحمد منصور: احكي لي، اتفضل سيدي.

أحمد بن بيلا: يوم من الأيام، جاءني رئيس الولاية اسمه محمد الحاج، محمد ولد الحاجي، رجل عظيم وفاضل. جاء وقال لنا إن كان هناك خطأ في عمله، وجاء إلى الجزائر واستقبلته، وأقنعته، ثم قال لي: “أحمد، سي أحمد، أريد أن أتي لك بـ 50، 60، 70 مسؤول عسكري لتتحدث معهم بنفس اللهجة والأسلوب، لازم تقنعهم، لأن صعب علي أن أقنعهم”، وكان ذلك يوم الثلاثاء.

أحمد منصور: ده كان محمد ولد الحاجي، أحد قادة ولايات القبائل مع حسين آية أحمد.

أحمد بن بيلا: نعم، هذا كان في نفس وقت مسألة تندوف.

أحمد منصور: أنت عزلته في 29 سبتمبر، وهو في 12 أكتوبر 1963 أعلن عن عودته بعد المعركة التي وقعت بين الجزائريين.

أحمد بن بيلا: أيوه، كان رجلاً فاضلاً، جاء ومعه 2-3 من المرافقين، وقنعتهم وطلبت أن أرى باقي جماعته.

أحمد منصور: أقنعتهم أنك لست ديكتاتوراً، وأن حكمك ليس فردياً.

أحمد بن بيلا: هم قالوا لي كده، مثلما تقول. استقبلتهم، وما عنديش حتى كراسي، جلسنا في الأرض كلهم 60-70 وأنا.

أحمد منصور: في مقر الرئاسة على الأرض؟

أحمد بن بيلا: نعم، في مقر الرئاسة. ما كانش عندي 70 كرسي.

أحمد منصور: وبتدعم الحركات الثورية في العالم كله؟

أحمد بن بيلا: ما فيش، جلسنا في بيتي، على الأرض، وطلبت منهم من يريد الكلام أن يرفع يده. جاء شاب ليس صغيراً جداً، ولكنه ليس كبير السن، وأول كلمة قالها… قلت له: “اتفضل اتكلم”. قال: “قلنا إنك ديكتاتوري”. قلت له: “زيد اتفضل”. قال: “أنت ديكتاتوري”. قلت له: “تسمح لي أن أجاوب؟” قال: “اتفضل جاوب”. قلت له: “يا أخي، إلى اليوم ما تعرفش الديكتاتوريين، لو تعرفهم، ما يجلسوش معاك على الأرض، ويقولوا لك: أنت ديكتاتوري، وبعدها تأكل القديد، ممكن يقتلك، لكن الحمد لله، أنت تقول ديكتاتوري مليون مرة وتخرج، ما فيش حد يمسّك”. ضحكوا الجميع، واستمر الحوار ساعتين، وأنا أجاوب لكل واحد حتى انتهت الجلسة. في النهاية، محمد ولد الحاجي أخذ الكلمة وقال ما يجب قوله، وانتهت المسألة.



طبيعة الوضع الاقتصادي الجزائري أثناء حكم بن بيلا

أحمد منصور: سيادة الرئيس، في ظل هذا الوضع بدأت الأمور تتفاقم ضدك، اتهمت بأنك تقرب الانتهازيين وتبعد المجاهدين الحقيقيين، وإن الوضع الاقتصادي بدأ يتدهور، وإنك ركزت على الإصلاح الزراعي فقط وتجاهلت القطاع الصناعي، وإن البطالة ارتفعت بشكل كبير، وزادت عمليات السلب والنهب والفوضى في البلاد. وهذا ما ذكره صديقك فتحي الديب في كتابه “عبد الناصر وثورة الجزائر”، نقلاً عن محمد خيضر صديقك أيضاً.

أحمد بن بيلا: نعم، خيضر قال هذا الكلام. ونحن استلمنا بلاد يا أخي في خراب، فرنسا سلمتنا بلاد مدمرة، وقتلوا لنا مليون ونصف شهيد.

أحمد منصور: لكنك كنت تجمع الأموال من الشعب.

أحمد بن بيلا: نعم، لأن فرنسا ما تركت لي شيء، ما عندي شيء.

أحمد منصور: ما حجم ما جمعته، ألم يكن كافياً للقيام بالإصلاحات؟

أحمد بن بيلا: لا أبداً، 7 ملايير سنتيم كنا نأكل بها خمسة أيام فقط.

أحمد منصور: هؤلاء الفرنسيون، لكنك طلبت من الشعب أن يمدك بالذهب.

أحمد بن بيلا: قلت لهم: “ما عنديش شيء لأعطيكم”، وهم تدبروا أمرهم.

أحمد منصور: ماذا فعلوا؟

أحمد بن بيلا: نظموا أنفسهم، رغم فقرهم، وأعطوا ما يستطيعون لشعبهم وحكومتهم.

أحمد منصور: تبرع الناس، النساء بالذهب…

أحمد بن بيلا: نساء ورجال، يومياً، من 8 صباحاً حتى 2 ليلاً لمدة 6 أشهر. ناديتهم مرتين يكفي، لكن استمروا بالقدوم.

أحمد منصور: ما حجم ما جمعتم؟

أحمد بن بيلا: الحجم موجود، عندي حتى ورقة تثبت ذلك.

أحمد منصور: هذه الورقة؟

أحمد بن بيلا: نعم، نشرت في جريدة جزائرية منذ أسبوع.

أحمد منصور: فقط منذ أسبوع؟

أحمد بن بيلا: نعم، تصرح بكل الأموال التي جمعت في صندوق التضامن، وكلها محفوظة كما هي.

أحمد منصور: يعني حتى الآن الأموال موجودة ولم تمس؟

أحمد بن بيلا: طبعاً، كلها مرسومة بالأرقام في الجريدة.

أحمد منصور: لا أعرف الفرنسية، باختصار، ما محتوى الورقة؟

أحمد بن بيلا: بالفرنسية، أكثر من 3 أطنان ذهب، و48 طناً مجوهرات موجودة في البنك الجزائري.

أحمد منصور: هذا الذي جمعته أثناء فترة حكمك؟

أحمد بن بيلا: نعم، مصونة، ولم ينقص منها شيء.

أحمد منصور: ألم يكن هذا كافياً لبدء ثورة صناعية في البلاد؟

أحمد بن بيلا: لا، في البداية كنت مع الثورة الزراعية، الصناعة جاءت لاحقاً.

أحمد منصور: الزراعية، والصناعة؟

أحمد بن بيلا: نعم، الصناعة الثقيلة جاءت بعدنا، الصناعة الخفيفة لم تكن ضمن خطتنا، الصناعة الثقيلة كانت فخاً في ذلك الوقت.

أحمد منصور: لماذا رفضت الصناعة في البداية؟

أحمد بن بيلا: لأن الأساس هو تلبية الاحتياجات الأساسية للمعيشة. حتى اليوم، قوانين بعض الدول مثل أمريكا تحدد مساحة الأرض للزراعة، والهدف هو التحكم بالأسعار واحتكار الأسواق.

أحمد بن بيلا: علشان لقمة العيش، لأن لقمة العيش لهم هذا اللي يدي لقمة العيش لبعض الدول.

أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن.. لكن هذا لا، سيادة الرئيس، هذا لا يمنع أن يكون هناك صناعة في البلاد.

أحمد بن بيلا: لأ، سامحني، لقمة العيش هذه هي سياسة حتى يعني تكون رجل طيب بالنسبة لهم.

أحمد منصور: لكن هل نجحت فيها؟

أحمد بن بيلا: بالنسبة لهم، نعم، تديني لقمة العيش، لكن لازم تكون رجل طيب والله!

أحمد منصور: لكن هل نجحت في هذا؟

أحمد بن بيلا: نجحت.

أحمد منصور: هل نجحت في عمل ثورة زراعية في الجزائر؟

أحمد بن بيلا: نجحت في العام، نجحت في السنين الأولى، لدرجة أننا لبينا حاجاتنا وكانت فلاحة ممتازة لمدة سنين رائعة، والحمد لله لم يكن هناك عوز أو طوابير لطلب الطعام.

أحمد منصور [مقاطعاً]: لا، فيه عوز، فيه بطالة وفقر.

أحمد بن بيلا: لا، لا أبداً.

أحمد منصور: كل هذا كان في عهدك أيضاً؟

أحمد بن بيلا: يا سيدي، أنا قعدت في الحكم سنتين ونصف.

أحمد منصور: أهم سنتين ونصف في…

أحمد بن بيلا: كل هذه السنتين ونصف، كل هذه المشاكل…

أحمد منصور: كل المشاكل موجودة فيهم.

أحمد بن بيلا: ما خذلت بلادي، والله. طُرد الفرنسيون، مليونين ونصف فرنساوي، 850 ألف عسكري، كسروا البلاد وهدموها، وتركوا البلاد في حالة لا تُصدق من العوز والجوع والتشرذم.

أحمد منصور: لكن أيضاً لم يكن هناك أمن، كان هناك سلب ونهب.

أحمد بن بيلا: كان هناك أمن، من أروع ما يكون في وقتي.

أحمد منصور: فتحي الديب، صديقك، يقول في كتابه “عبد الناصر وثورة الجزائر” نقلاً عن محمد خيضر…

أحمد بن بيلا: إذا اتكلمنا عن محمد خيضر…

أحمد منصور: ذهبوا واشتكوا إلى عبد الناصر.

أحمد بن بيلا: محمد خيضر كان معارض ولم يكن…

أحمد منصور: كل من يعارضك يكون وحش؟

أحمد بن بيلا: لا، قلت لك، محمد خيضر رجل طيب، وهذا لا يعجب بعض الناس.

أحمد منصور: أنا سأتحدث عن محمد خيضر بشكل مفصل، لكن أيضاً اتبعت سياسة التأميم، وأدى ذلك إلى هروب رؤوس الأموال، وبالتالي لم يكن هناك صناعة.

أحمد بن بيلا: هذا كلام مختصر وتعميماً غير صحيح.

أحمد منصور: طب قل لنا الحقيقة.

أحمد بن بيلا: أنا أممت الفرنسيين، لم أممت الجزائريين. الأرض كلها كانت للفرنسيين، أممت كل الأراضي الفرنسية والصناعات الفرنسية شيئاً فشيئاً. الجزائر لم تأخذ منهم شيء، بل أعطيت لهم شيء، مثل مليونين ونصف هكتار من أفضل أراضي الجزائر.

أحمد منصور: اعتقلت رفقائك في الجهاد، وبوضياف كتب كتاباً في السجن سماه “ديكتاتورية بن بيلا”.

أحمد بن بيلا: من هو هذا؟

أحمد منصور: بوضياف.

أحمد بن بيلا: والله، بوضياف رجل عظيم.

أحمد منصور: لماذا وضعته في السجن؟

أحمد بن بيلا: لم أضعه في السجن، وضعته في الإقامة الجبرية لأنه خرج في المعارضة وأسس حزباً ماركسياً (ماويست).

أحمد منصور: يعني؟

أحمد بن بيلا: لا، أنا لست ماركسياً، وغالبية شعبنا مسلم.

أحمد منصور: لكن لك علاقة بماو؟

أحمد بن بيلا: نحبه ونفضل ماو على أمريكا بكثير.

أحمد منصور: لكن الرجل أسس حزباً ماوياً.

أحمد بن بيلا: لا، أنا شايف العيب كله في أمريكا والنظام الذي عملته.

أحمد منصور: لكنك لم تسمح بأي صحفي أجنبي بأن يكتب عنك كلمة واحدة وطردت صحفياً فرنسياً.

أحمد بن بيلا: أبداً.

أحمد منصور: خلال 24 ساعة طردته لأنه…

أحمد بن بيلا: من هم الفرنسيون؟

أحمد منصور: نعم، صحفي.

أحمد بن بيلا: أنا كنت مع الحوار قبل طرده.

أحمد منصور: هذا الصحفي قابلَك بعد خروجك من السجن.

أحمد بن بيلا: من هو هذا الصحفي؟

أحمد منصور: سأعطيك الاسم لاحقاً، بعد تفصيلات.

أحمد بن بيلا: والله أعطني الاسم.

أحمد منصور: كانت هناك اتهامات بأنك لم تسمح بالرأي الآخر.

أحمد بن بيلا: لا، أنا سمحت بالرأي الآخر، وبكل صراحة.

أحمد منصور: كل معارض كنت تحطه في السجن؟

أحمد بن بيلا: 95% من شعبي كانوا معي، وحتى المعارضون كانوا جزءاً من التجربة.

أحمد منصور: لكن لم يتحرك منهم أحد حين وقع الانقلاب؟

أحمد بن بيلا: لأنهم كانوا مجروحين، قتلوا لهم مليون ونصف، 8 سنوات يعانون، وبعدها حرب جديدة.

أحمد منصور: ارتفعت وتيرة المعارضة بعد خلافك مع محمد خيضر، وشكلت جبهة مضادة لك في 1964 من رجال الثورة الأوائل: بوضياف، آية أحمد، رابح بيطاط، ومحمد خيضر.

أحمد بن بيلا: نعم، أيوه.

أحمد منصور: معنى ذلك أنك لم تكن على صواب؟

أحمد بن بيلا: هل بوضياف اتفق مع آية أحمد؟ وهل آية أحمد اتفق مع بوضياف؟

أحمد منصور: ما الأسباب التي جعلتهم يتفقون ضدك؟

أحمد بن بيلا: أسباب شخصية، لكن البلاد كانت بخير، الثورة كانت بخير، الناس لم يكن أحدهم جائعاً أو يعاني نقصاً في الأمن.

أحمد منصور: هذا يخالف كل ما كتب في المصادر.

أحمد بن بيلا: نعم، تاريخ سنتين ونصف قصير جداً.

أحمد منصور: سنتين ونصف في تاريخ الأمم كبير.

أحمد بن بيلا: يا أخي، في ذلك الوقت الجزائر كانت أفضل من أي دولة عربية أو دولة في العالم الثالث: لا جوع، لا طوابير، لا مجاعة.

أحمد منصور: العلاقة بينك وبين الرئيس بومدين، أو بينك وبين نائب رئيس الوزراء، كان يُؤخذ عليك أنك تجمع ثلاث أو أربع وزارات بيدك أيضاً.

بداية الأزمة بين بن بيلا وبومدين

أحمد بن بيلا: في الآخر هذه.. كيف هذه.. ليلة الأزمة هذه وقعت..

أحمد منصور: ليس.. يعني الأمور بدأت شيئاً فشيئياً من.. منذ أن أصبحت رئيس للدولة في العام 63 وتحديداً..

أحمد بن بيلا: أنا نكرر لك بأن أنا كنت في..

أحمد منصور: في 15 سبتمبر 63.

أحمد بن بيلا: ونكرر لك أصبحت رئيس دولة في عام.. يعني عام من بعد الاستقلال، وبأن..

أحمد منصور: بالضبط التاريخ.. التاريخ 15 سبتمبر 1963.

أحمد بن بيلا: هذا هو 63 صح، في 65..

أحمد منصور: وقبلها بسنة كنت رئيس للوزراء..

أحمد بن بيلا: في جوان.. في جوان 65 معناها في نصف معناها سنة.. سنة ونصف كذلك، كل تجربتي سنتين ونصف، لكن في هذه التجربة بتاع سنتين ونصف وقعت فيها انتخابات للدستور، انتخابات البرلمان الأول، انتخابات البرلمان الثاني، مؤتمر الحزب، مؤتمرات المزارعين، مؤتمرات الصناعة، كل المؤتمرات اللي وقعت في هذه السنتين ونصف، وكانت الدولة فيه برلمان، فيه حكومة، فيه.. كل المؤسسات بتاع الدولة، أنا اللي كونت الدولة.


الصراع المبكر وأسبابه بين بن بيلا وبومدين

أحمد منصور: بدأ صراع خاص بينك وبين بومدين من خلال تجاهلك لبومدين في كثير من الأشياء، أولاً رفضت تعيين رئيس وزراء، وكنت أيضاً حينما صدر الحكم على حسين آية أحمد بالإعدام اتفقت أنت من وراء ظهر بومدين مع القبائليين أن تحتجز حسين آية أحمد لمدة ثلاثة أشهر، ثم تفرج عنه بعد ذلك ليذهب إلى فرنسا، اعتبر بومدين أن هذا أيضاً نوع من عدم التقدير له.

أحمد بن بيلا: لا أنا.. أنا.. أنا اللي اطَّلعت عليه..

أحمد منصور: أبعدت أحمد مدغري عن وزارة الداخلية.

أحمد بن بيلا: آه.

أحمد منصور: وقمت بتعيين طاهر الزبيري قائد الأوراس السابق رئيساً لهيئة أركان الجيش.

أحمد بن بيلا: آه.. آه.

أحمد منصور: كل هذا ووزير الدفاع ونائبك الأول لا يعرف..

أحمد بن بيلا: آه.. آه، لسبب واحد وهو الفرق.. الخلاف مع بومدين ومع الجماعة بتاعه كانت لسبب واحد أساسي، من الذي يحكم في الجزائر، الجيش أم الحزب، أم جبهة التحرير؟

أحمد منصور: بس سيادتك..

أحمد بن بيلا: أنا كنت لأن الحكم يكون مدني، ويقوموا به مناضلين يمارسوا النضال.


موقف بن بيلا من الجيش ودوره السياسي

أحمد منصور: إزاي وأنت أصلاً دعَّمت وجود العسكريين في الهيئة السياسية و..؟

أحمد بن بيلا: هدول العسكريين كانوا كلهم مدنيين. يا أخي إحنا ما عندناش جيش كلاسيكي مثل فرنسا، هدول مدنيين ارتدوا لباس عسكري لمرحلة التحرير، وأغلبيتهم رجعوا للمدنيين للعمل المدني. رؤساء الولايات العسكريين واللي معاهم أصبحوا مدنيين اليوم.

أحمد منصور: لكن سيادة الرئيس هنا كان الجيش هو الذي يسيطر بشكل أساسي على مقاليد السلطة في البداية، وأنت دعَّمت هذا الأمر في البداية؟

أحمد بن بيلا: لا أبداً، والله أبداً، المدنيين في الحكم كانوا هم الأساسيين، مثل محساس، النقاش، بو معزة…


اعتراف بن بيلا بأخطائه

أحمد بن بيلا: أنا نقول لك، أنا مش معصوم والله، وارتكبت غلطات لأن العصمة لله.

أحمد منصور: أهم الأشياء اللي ارتكبتها كأخطاء؟

أحمد بن بيلا: أمَّمت بعض الأشياء كانت مش كبيرة، مثلاً مقاهي كبيرة للفرنسيين وأماكن أخرى، وربما كانت بشوية أكثر من اللازم.


مواجهة المعارضة وإنشاء قوات الأمن الوطني

أحمد منصور: بدأت ترتب قوات وزارة الداخلية لحماية نفسك، وأنشأت ما يسمى بقوات الأمن الوطني.

أحمد بن بيلا: هذه في كل الثورات اللي تتكون، ما فيش ثورة في العالم ما عندهاش قوات حماية.

أحمد منصور: لكن أنت أسستها على أساس توازن بينك وبين بومدين في الحكم.

أحمد بن بيلا: لا.. لا أبداً، أنا ما لغيتش صلاحية الجيش، وكنت..

تأسيس قوات لحماية بن بيلا

أحمد منصور: لأ ليس إلغاء صلاحيات، وإنما بناء قوة عسكرية لحمايتك ضد الجيش.

أحمد بن بيلا: لا، هذه التجربة في بلاد القبائل هي اللي خلتنا نفكر في هذا. فعلاً كوَّنا شبه ميليشيات من بلاد القبائل، ومن طرف مناضلين رائعين، وهذا وسع…

أحمد منصور: هل يمكن أن تقوم بتعيين رئيس لهيئة أركان الجيش ووزير الدفاع ليس عندهم علم أو موافقة؟

أحمد بن بيلا: لا والله، أنا عندي صلاحيات، بل وحتى الأخ عبد العزيز قال بأن الحكم الذي كنت أمارسه كان الأفضل، مقارنة بما حصل بعد ذلك.


نمط الحياة والأخلاق الشخصية

أحمد بن بيلا: ما عنديش فيلا، كنت في شقة، سيارتي كانت بسيطة، وأتقاضى راتباً محدوداً، لم أستطع مساعدة عائلتي بشكل كبير، ولم يكن عندي أي صلات بالرشوة، وكنت قريباً من شعبي.

أحمد منصور: هذا يحسب لك من الجزائريين.

أحمد بن بيلا: نعم، وكل يوم كنت أخرج للمقاهي لأسمع المواطنين مباشرة، بلا حراس، ها هو ما كنت عليه.


أسباب انقلاب بومدين على بن بيلا

أحمد منصور: بدأ الصراع يتصاعد بينك وبين بومدين، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير…

أحمد بن بيلا: هذا يُضخَّم، بومدين رجل عادي، أنا دعمت الثورة معه، وكنت أحاول أن أدمج كل الأطراف.

أحمد منصور: بعض المؤرخين يقولون العكس.

أحمد بن بيلا: لا، لم يكن له رصيد نضالي مثل بقية مناضلي الثورة.


العلاقة مع بومدين وتقديرك لدوره

أحمد بن بيلا: هو طلب مني دعم، وكنا نعمل على نظام عالمي جديد مع ناصر، ونستعد لمؤتمر إفريقيا-آسيا في 29 يونيو 1965، وهو كان قد يُكسبني شهرة دولية.

أحمد منصور: الانقلاب وقع قبل 29 يونيو حتى لا تكتسب هذه الشهرة.

أحمد بن بيلا: ربما، وربما كانوا يخططون لذلك.


الرواية من كتاب “الإشكالات الكبيرة في الجزائر”

أحمد منصور: الرواية تقول إن المؤامرة ضدك اتفقت عليها 6 شخصيات في 26 مايو 1965، بينهم بومدين وبوتفليقة، وتم الحصول على موافقة ديغول بشكل غير مباشر، وتم تنفيذ الانقلاب في 19 يونيو 1965 تحت اسم “عملية جبل طارق”.

أحمد بن بيلا: عندي رأي، لكن من الصالح العام أن لا نركز على التفاصيل الصغيرة، لأن البلاد كانت تمر بمرحلة صعبة.


التسامح مع الانقلابيين

أحمد منصور: هل أنت مسامح لهم رغم الانقلاب والسجن؟

أحمد بن بيلا: نعم، أنا مسامحهم، وأعمل مع عبد العزيز بوتفليقة اليوم لدعم الوئام الوطني، رغم أن العلاقات لم تكن ودية سابقاً.

أحمد منصور: هذا موقف وطني كبير منك.

أحمد بن بيلا: نعم، وأنا أرى بأن الصالح العام فوق أي خلاف شخصي.


الخاتمة والشكر

أحمد منصور: سأبدأ الحلقة القادمة بليلة الانقلاب وفترة السجن والإقامة الجبرية.

أحمد بن بيلا: نعم، قلت كلام كثير عن قضية 15 سنة.

أحمد منصور: سأترك لك المجال لتتحدث بما تريد.
أحمد بن بيلا: شكراً، شكراً.

أحمد منصور: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة -إن شاء الله- نواصل الاستماع إلى شهادة (الرئيس الجزائري الأسبق) أحمد بن بيلا.

في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاور الحوار


0:00
انقسام الثوار وصراع الولايات

4:00 تقسيم الولايات في الجزائر

5:55 أسباب الصراعات داخل الولايات

8:43 اتهام بن بيلا بالديكتاتورية

11:50 التدهور الاقتصادي والأمني في الجزائر 13:00

تبرعات الشعب الجزائري للحكومة

14:35 موقف بن بيلا من الثورة الصناعية

17:05 الموقف الأمني خلال حكم بن بيلا

17:45 حقيقة تأميم الأراضي الجزائرية

19:24 موقف بن بيلا من الصحافة والرأي الآخر

20:45 جبهة الثوار ضد بن بيلا

25:13 صراع بن بيلا مع بومدين

26:40 تصادم بن بيلا مع نفوذ الجيش في السلطة

28:04 أسباب الصراع بين بن بيلا وبومدين

30:45 أخطاء بن بيلا في فترة حكمه

32:28 استقالة بومدين قبل انعقاد مؤتمر جبهة التحرير

35:58 رؤية بن بيلا لبومدين

38:30 الدور الأميركي لإبعاد بن بيلا

39:30 التخطيط للانقلاب ضد بن بيلا

46:28 علاقة بوتفليقة مع بن بيلا

47:25 أزمة دخول بن بيلا للسجن 15 عاما

Total
0
Shares
السابق
أحمد بن بيلا

أحمد بن بيلا ج11 : السياسة الخارجية للجزائر بعد الاستقلال..وإيواء الحركات الثورية..والصدام مع المغرب

التالي
شفيق الحوت

 شفيق الحوت ج1 :الهجرة من يافا..والخروج الفلسطيني إلى لبنان

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share