يستعرض أحمد منصور مع المنسق الميداني للإخوان المسلمين في فعاليات الثورة المصرية، الدكتور أسامة ياسين ج8 والأخير من حوارهما في برنامج شاهد على الثورة، الذي جرى بثه بتاريخ 25 ديسمبر 2011 ، كيفية إدارة المتظاهرين للميدان وإستراتيجية الحركة لإسقاط النظام في الأيام الأخيرة قبل تنحي مبارك عن الحكم؟ وكيف كان وقع التنحي على الثوار في الميدان؟؟
نص حوار أسامة ياسين ج8:
تنحي مبارك عن الحكم
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهدٌ على الثورة، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور أسامة ياسين، استشاري طب الأطفال والمنسق الميداني لجماعة الإخوان المسلمين في فعاليات الثورة المصرية.
دكتور أسامة، كانت الأيام الثلاثة الأخيرة قبيل إجبار حسني مبارك على التنحي أيامًا حاسمة، شهدت تتابعًا هائلًا ومتسارعًا للأحداث. دُعي إلى مليونية الثلاثاء 8 فبراير، فاحتشد أكثر من مليون متظاهر في الميدان، وعلى غير العادة بقي الميدان في حالة انعقاد شبه مستمر؛ صحيح أن الأعداد كانت تقل ليلًا، لكنها ظلت كبيرة، ويبدو أن القادمين من المحافظات كانوا يمكثون ولا يعودون سريعًا.
في ذلك اليوم خرج أساتذة جامعة القاهرة إلى الميدان، وكان من بينهم عصام شرف الذي اختير لاحقًا رئيسًا للحكومة. وفي المساء تحركت مجموعة من ميدان التحرير، وبدأت الاستراتيجيات تتغير، فحوصِر مجلس الوزراء ومُنع أحمد شفيق من الدخول، وأصبح ذلك خبرًا رئيسيًا.
كيف أدرتم الميدان؟ وما استراتيجية الحركة لإسقاط النظام في تلك الأيام الأخيرة؟
تصاعد الثورة من الاعتصام إلى العصيان المدني
أسامة ياسين: كان هناك تطور واضح على الأرض. بدأت الثورة في 25 يناير كتظاهرة، ثم تحولت إلى اعتصامات في الميدان منذ يوم 29، ثم ظهرت المليونيات، وهي ظاهرة جديدة وتاريخية. ومع الأيام الحاسمة، مثل الأحد والثلاثاء والجمعة، تحولت هذه المليونيات إلى حالة انعقاد دائم دون دعوة من أحد. وهنا دخلنا مرحلة العصيان المدني، دون أن يدعو إليه طرف بعينه.
أحمد منصور: هل بدأ العصيان المدني يوم الأربعاء؟
أسامة ياسين: نعم، بدأ يوم الأربعاء 9 فبراير، بعد مليونية الثلاثاء 8 فبراير. وكان عصيانًا حقيقيًا شلّ مؤسسات النظام، ما دلّ على فشلها في احتواء الأزمة.
كان الثلاثاء يوم المهنيين بالأساس، مع مشاركة محدودة من العمال، أما الأربعاء فكان يومًا عماليًا خالصًا. وهنا ظهر ثقل العمال في المعادلة السياسية؛ فالكتب تقول إن الكيان السياسي الذي لا يملك عمالًا يده قصيرة وعينه بصيرة. المهنيون والأكاديميون يمثلون الرؤية والبصيرة، أما التنفيذ على الأرض فكان بيد العمال.
حدث تمازج ثوري تلقائي بين “العين البصيرة” و“اليد الطويلة” التي طالت النظام، دون تخطيط مسبق.
أحمد منصور: كأن العقل الجمعي المصري كان يتحرك وينسج المشهد دون ترتيب مسبق؟
أسامة ياسين: نعم، وبوعي شديد، دون أن يقبل بفتات النظام.
أحمد منصور: لم يقل أحد: أنا من خطط أو حدد أو حرك؟
أسامة ياسين: أبدًا. منذ البداية أكد الدكتور الكتاتني أن الإخوان لا يقودون الثورة؛ فهي ثورة شعب، والإخوان جزء منه. لم ندّع قيادة المشهد أو السيطرة عليه، وكان ذلك من أسباب نجاح الثورة.
يوم الثلاثاء خرجت مظاهرة عفوية لأعضاء هيئة التدريس، أرادوا الذهاب إلى وزارة التعليم العالي، فمروا بمجلس الوزراء ومجلسي الشعب والشورى، ثم دخلوا الميدان. بدأوا بنحو ألف وخمسمائة شخص، ثم صاروا عشرة آلاف. هذا شجع الثوار على التفكير في التحرك خارج الميدان، إذ لم يُمنعوا ولم يُواجهوا.
كان هناك نقاش داخل الميدان بأن الثورة أصبحت ساكنة بعد بعض التنازلات الشكلية، وأنها تحتاج إلى تحرك جديد.
أحمد منصور: هل كان هناك نقاش حاد حول ضرورة التحرك خارج الميدان؟
أسامة ياسين: نعم. بعض القوى السياسية كانت تخشى المخاطرة، وكانت هناك نصائح تُتداول، منها تحذيرات من مواجهة الحرس الجمهوري، الذي قيل إنه مجهز تجهيزًا خاصًا وسيحمي الرئيس حتى النهاية.
لكن بعد تزايد أعداد المتظاهرين، لم يعد تأمين الميدان هو الهمّ الأساسي؛ فقد أصبح مكسبًا مستقرًا. ومن يسيطر على الميدان يسيطر على الثورة، لكن الثورة بطبيعتها ديناميكية، تقوم على ضربات متتالية لخصم يترنح.
أحمد منصور: كان البعض يخشى الخروج من “جمهورية ميدان التحرير” باعتبارها منطقة آمنة، بينما كان الشباب أكثر اندفاعًا، مستعدين للتضحية. هل كانت حركة الشباب أسبق من حسابات السياسيين؟
أسامة ياسين: عدنا إلى قيادتنا في مكتب الإرشاد للتشاور. وتم الاتفاق على أن نكون مع الناس حيث كانوا؛ فإذا تحركوا إلى موقع جديد، نكون هناك لتأمينه وتنظيمه.
عندما تحركت أول مجموعة إلى مجلس الوزراء، بدأ دورنا في التنظيم: إنشاء مستشفى ميداني، لجان أمنية، متاريس، نقاط تفتيش، توفير إعاشة وبطاطين. لم يكن ذلك عمل الإخوان وحدهم، بل كان جهدًا جماعيًا؛ فهناك متبرعون قدموا الدعم المالي والعيني، وثوار يتكافلون فيما بينهم.
أحمد منصور: كان هناك جنود مجهولون دعموا الثورة بالمال والمؤن دون أن يظهروا؟
أسامة ياسين: نعم، وهذا حقيقي.
أحمد منصور: في المقابل، هناك من تصدّر المشهد إعلاميًا، بينما قام آخرون بأدوار أكبر في صمت.
أسامة ياسين: يذكرني ذلك بيوم “الجمل”. رأيت قوى سياسية تُملأ اليوم الشاشات، لكنها يومها فرت من الميدان. ورأيت في المقابل شخصيات نبيلة ثبتت حتى النهاية.
طلبت من أحدهم أن يصعد المنصة ليحث الناس على الثبات، كما فعل الشيخ يوسف القرضاوي بنداء الاستغاثة الذي أثّر كثيرًا، لكنه اعتذر بأدب، مفضّلًا العمل وسط الناس.
وفي اليوم نفسه، رأيت سياسيين يهربون إلى القنوات الفضائية، ورأيت شهداء بقوا في الميدان ولم يعرف أحد أسماءهم. أحدهم جاء من البحيرة بعدما سمع بالمعركة، ووصل متأخرًا، وبعد نصف ساعة فقط استشهد. اختار الميدان ولم يفر منه.
أحمد منصور: كان للتشبث بالميدان معنى عميق، رغم أنه بقعة صغيرة، لكنه كان رمزًا عند النظام والثوار والشعب.
أسامة ياسين: كانت معركة تكسير عظام؛ من يملك الميدان ينتصر.
أحمد منصور: نتحدث عن عام 2011، في عصر التكنولوجيا الهائلة، ومع ذلك يُحسم مصير نظام يملك الجيش والشرطة والأموال في بقعة صغيرة! كيف يُفسر ذلك؟
أسامة ياسين: يمكن تقريب الصورة بمثال الصراعات الحضارية؛ أحيانًا يتجسد الصراع كله في بقعة واحدة من الأرض، كما في القدس. تتجمع الرمزية والقوة في مساحة محدودة، لكنها تختزل معركة أوسع بكثير.
الزحف نحو القصر الجمهوري
أحمد منصور: ليس الأمر محصورًا في مكان واحد؛ فله أشكال عديدة وفي أماكن كثيرة، لكن هذه هي الصورة الأبرز.
أسامة ياسين: هي بؤرة أو مركز تركّز الصراع. حين يتجسد الصراع الحضاري في نقطة محددة، تصبح تلك النقطة عنوان المرحلة. كما في القدس عبر التاريخ؛ تتغير موازين القوى بين مدٍّ وجزر، لكن البقعة تبقى مركز الاشتباك. وكذلك كان ميدان التحرير؛ مصر كلها ميادين، لكن لهذا الميدان رمزية خاصة، وكانت المعركة فيه مستمرة.
أحمد منصور: أعود إلى يوم الثلاثاء. ذكرت أن أعضاء هيئة التدريس لعبوا دورًا، وأن نحو عشرة آلاف توجهوا إلى مجلس الوزراء.
أسامة ياسين: لم يكونوا عشرة آلاف في البداية. كنا نُجري إحصاءات داخل الميدان لمعرفة أعداد الموجودين وتقدير الاحتياجات من طعام وأغطية. في البداية بات نحو ألفين، ثم ارتفع العدد لاحقًا إلى عشرة آلاف، خصوصًا يوم الأربعاء 9 فبراير، الذي كان يوم العمال بامتياز.
أحمد منصور: يوم 9 فبراير دخلت البلاد في عصيان مدني غير مُرتَّب وغير مدعو إليه رسميًا.
أسامة ياسين: بالفعل، توقفت قطاعات واسعة: عمال قناة السويس في بورسعيد، عمال المحلة، الاتصالات، السكك الحديدية في رمسيس… شُلّت الحياة العامة، وأُصيب النظام بالشلل.
أحمد منصور: في ذلك اليوم خرج عمر سليمان مهددًا، وقال: إما الاستقرار وإما الانقلاب.
أسامة ياسين: ولم يكن وحده؛ أحمد أبو الغيط حذر أيضًا من أن الجيش سيتدخل إذا حاول “المغامرون” حصار مؤسسات سيادية. كانت هناك دعوات لحصار القصر الجمهوري ووزارة الخارجية، لكن بعض السياسيين داخل الميدان كانوا متخوفين، خاصة بشأن قصر العروبة.
أحمد منصور: يوم الخميس 10 فبراير بلغ الغضب ذروته، لكن قبل خطاب مبارك كان هناك تطور آخر يتعلق بالإعلام.
أسامة ياسين: نعم، الإعلام دخل المعركة. بدأت السياسات التحريرية تتغير، حتى في الأهرام. في بعض المؤسسات مُنع رؤساء تحرير من دخول مقارهم، وطُرد مكرم محمد أحمد من نقابة الصحفيين. كما استُحضر اسم الشهيد أحمد محمود، الصحفي الذي قُتل برصاص قناص أثناء تصويره اعتداءات الداخلية يوم 29 يناير.
أحمد منصور: ظل في العناية المركزة حتى توفي، وكانت جنازته قبل 11 فبراير.
أسامة ياسين: وكذلك إكرامي سعد علي، الذي أصيب برصاصة قطعت حبله الشوكي وهو يصور الأحداث، ولا يزال على كرسي متحرك. هؤلاء منسية أسماؤهم اليوم، رغم تضحياتهم.
أحمد منصور: للأسف، كثير من الجرحى والشهداء طواهم النسيان، بينما انشغل البعض بالمكاسب.
أسامة ياسين: وهذا من مخاوف الثورات دائمًا.
أحمد منصور: نصل إلى خطاب 10 فبراير، حين رفض مبارك التنحي وفوض عمر سليمان ببعض صلاحياته.
أسامة ياسين: كان الميدان مهيأً لخبر التنحي. انتشرت تسريبات وإشاعات عن مغادرته البلاد، وتحدثت قنوات دولية عن قرب رحيله. حتى بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي ألقاه محسن الفنجري، حمل رسائل ملتبسة؛ تحدث عن انعقاد دائم، وحيّا الشهداء دون تعظيم للرئيس، ما فُهم على أنه انحياز للشعب.
أحمد منصور: تحية الشهداء كانت لافتة.
أسامة ياسين: نعم، أعطت انطباعًا بأن الجيش أقرب إلى الشعب. لذلك عاش الميدان حالة تفاؤل حتى جاء خطاب مبارك. خلال اثنتي عشرة دقيقة، انقلبت المشاعر إلى صدمة وغضب. الخطاب كان متناقضًا؛ يفوض صلاحياته، لكنه يتمسك بالسلطة ويتحدث عن تاريخه ومآثره. رأيت في الميدان حالات إغماء وانهيار، خاصة بين النساء، من شدة الإحباط.
أحمد منصور: بعد الخطاب، لم ينتظر كثير من الشباب توجيهًا، واتجهوا فورًا إلى القصر الجمهوري ومبنى الإذاعة والتلفزيون.
أسامة ياسين: بالفعل، تحركت مجموعات إلى ماسبيرو، حيث سُمح لهم بالاقتراب دون تجاوز الأسلاك الشائكة. أقيمت منصات، وتأمين، ومستشفى ميداني. بدا تعامل الجيش مختلفًا. لكن التحدي الأكبر كان في التحرك نحو قصر العروبة.
أحمد منصور: نحو ألفي شخص تقريبًا؟
أسامة ياسين: ما بين ألف وخمسمائة وألفين، تحركوا في مجموعات متتابعة، حتى وصلوا إلى محيط القصر، حيث واجهوا أسلاكًا شائكة، ودبابات، ومدرعات، وقوات كبيرة، إضافة إلى عناصر من الحزب الوطني بالعصيّ.
أحمد منصور: رغم أن بعض السياسيين كانوا رافضين لهذه الخطوة، خوفًا من مواجهة الحرس الجمهوري وإراقة الدماء.
أسامة ياسين: نعم، كانت هناك حسابات كثيرة، لكن في تلك اللحظة كان القرار بيد الشارع؛ لم ينتظر الناس توجيهًا من أحد، وتحركوا بدافع الغضب والإصرار.
من لحظة التنحي إلى جدل البقاء في الميدان
أسامة ياسين: تغيّر الموقف ظهر الجمعة بعد الصلاة، مع انطلاق الرصاصة الأولى على المتظاهرين الذين توجهوا إلى القصر الجمهوري.
أحمد منصور: لكن منذ صلاة الجمعة، كل من كان في مصر الجديدة ومدينة نصر اتجه إلى القصر الجمهوري، ولم يأتوا إلى التحرير.
أسامة ياسين: بل منذ الفجر أيضًا. صلّى بعض أهالي مصر الجديدة الفجر ووقفوا مع الشباب. أحد الشباب، اسمه عبد الله محمد وعمره 23 عامًا، أخبرني أنهم تحركوا وكانوا نحو ألف وخمسمائة. وجدوا أمامهم الحرس الجمهوري والشرطة العسكرية. في الساعة الثانية أو الثالثة ظهرًا انسحبت الشرطة العسكرية، وبقي الحرس الجمهوري. أقنعوا معظم الموجودين أن الرئيس غير موجود، وأحضروا حافلات عسكرية نقلت عددًا كبيرًا، وبقي نحو 150 فقط أمام الأسلاك الشائكة.
بدأ حوار وُدي بينهم وبين ضباط الحرس الجمهوري، حتى إن الضباط وزعوا عليهم الشاي والبسكويت والخبز، فنُقلت إلينا صباحًا صورة مغايرة تمامًا عمّا كان يُشاع.
أحمد منصور: هنا الشيخ صفوت حجازي، الذي كان متحفظًا في البداية، قاد الناس وذهب.
أسامة ياسين: المسؤولية عن الدماء كانت هاجسًا لدى الجميع. بعد صلاة الجمعة اجتمعت قوى سياسية في مقر حزب الوفد (السفير) لمناقشة الموقف. كنت في خيمة بالميدان ومعي عدد من الإخوة، منهم مصعب قطب وعبد الفتاح، وكنا ننسق إدارة الميدان.
أحمد منصور: لكنك كنت حاضرًا في غرفة التنسيق يومها بشكل لافت.
أسامة ياسين: لأن قرارات مصيرية كانت تُتخذ. كان هناك تنسيق عبر عدة مسارات: مع ائتلاف شباب الثورة من خلال شباب الإخوان المشاركين فيه، مثل محمد القصاص وأحمد عبد الجواد وإسلام لطفي وهاني محمود، لتنسيق الفعاليات وأسمائها وتوقيتها.
وكان هناك تنسيق مع القوى السياسية عبر الدكتور البلتاجي، إلى جانب غرفة عمليات خلفية تضم مسؤولي قطاعات القاهرة والجيزة وأكتوبر، لتوفير الدعم اللوجستي. كنا حريصين على أن تكون قراراتنا متجانسة مع الجميع، وأن تُنفذ بروح واحدة.
أحمد منصور: أتحملون مسؤولية تأخر صدور البيان الأول للثورة أربع ساعات تقريبًا؟ البيان الذي طالب بإقالة مبارك ونائبه والحكومة.
أسامة ياسين: الدكتور البلتاجي سألني عن رأي الإخوان، وأبلغته أننا مع ما تتفق عليه القوى السياسية، وسندعمه. كان هناك نقاش حول الصياغة والتوقيت، لكن في النهاية عُدلت المطالب بما يواكب التطورات على الأرض.
لحظة إعلان التنحي
أحمد منصور: حين أعلن عمر سليمان بيان التنحي، وهو من أقصر البيانات السياسية، كيف انعكس ذلك على الميدان؟
أسامة ياسين: كنت في غرفة القيادة نصلي المغرب والعشاء جمعًا. أثناء السجود سمعت أصوات الفرح، لكنني أكملت الصلاة ساجدًا شكرًا لله. شعرت أن الله أنعم علينا بأن نشهد هذه اللحظة؛ أن يسقط فرعون عصرنا. بكيت شكرًا لله أن كتب لي أن أكون شاهدًا ومشاركًا.
خرجت فوجدت الأستاذة شهندة مقلد تبكي وتقول: “يا أولاد مصر رجعت تاني”. شعرت أن مصر عادت بعد ثلاثين عامًا. رأيت شابًا يجري وهو يقول: “يا رب بلغ مصطفى… يا رب فرّح مصطفى”، يقصد أحد الشهداء. حتى في لحظة الفرح لم ينسَ الناس من دفعوا الثمن.
كان أبو أحد الشهداء يطوف بالميدان يقول: “جبت حق ابني”. كانت لحظة لن تتكرر.
أحمد منصور: أين قضيت الليلة؟
أسامة ياسين: في الميدان. لم نغادر؛ كنا نشعر أن المعركة لم تنتهِ بعد. بدأت محاولات لإفساد الفرحة. ضُبط ثلاثة بلطجية يحملون أسلحة بيضاء قرب المنصة، واعترفوا بأن جهة محسوبة على النظام كلّفتهم بإثارة الفوضى. بقينا في حالة ترقب خوفًا من الانفلات.
جدل البقاء أو الانسحاب
أحمد منصور: يوم السبت دار جدل: هل نبقى حتى تتحقق كل مطالب الثورة أم نكتفي بهذه المرحلة؟ كيف غلب رأي الانسحاب؟
أسامة ياسين: كان رأي الإخوان أن نمارس ضغطًا قويًا لتحقيق مطالب محددة، ثم نأخذ فاصلًا زمنيًا لمتابعة التنفيذ، ثم نعود إن لزم الأمر. أي التحرك على موجات.
في المقابل، كان هناك من يرى بقاء اعتصام دائم ولو بعدد محدود، وهو اتجاه آخر لإدامة الضغط الثوري.
أحمد منصور: وهي الاستراتيجية التي استمرت لاحقًا في المليونيات المتعاقبة.
أسامة ياسين: نعم، بين موجات تصعيد، وبقاء رمزي دائم في الميدان، كأحد أشكال الحضور الثوري المستمر.
مخاوف ما بعد الثورة
أسامة ياسين: لم نكن نرى جدوى في الاعتصام الدائم بعد تحقق هذا المكسب. كان قرار الإخوان أنه ما دام قد تحقق الهدف الأساسي، ووُجهت البيانات إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فعلينا أن نراقب الموقف عن كثب ونرى إلى أين يتجه. ومع ذلك، لم ننفرد بالقرار احترامًا للقوى السياسية. أبلغناهم برأينا وتركنا القرار للتوافق العام، وسرنا وفق استراتيجية واضحة.
أحمد منصور: عُقد اجتماع كبير يوم السبت، وتم التصويت، وقيل للناس: إذا أردتم ممارسة الديمقراطية فالديمقراطية تقتضي فض الاعتصام.
أسامة ياسين: اجتمعت القيادات السياسية صباحًا في حزب الغد بعد تعذر الاجتماع في مكان آخر. حضرت مع الدكتور البلتاجي، وكان الحضور واسعًا من القوى السياسية والشبابية. كان أول بند هو مصير الميدان. أبلغت الإخوان أن يبقوا في أماكنهم حتى صدور القرار.
بعد صلاة الظهر اتُّخذ قرار بفض الاعتصام ومتابعة المطالب عبر فعاليات أسبوعية، خاصة أيام الجمعة. عدت إلى الميدان، فبدأ الإخوان في فك خيامهم بعد التوافق، وهذا يعكس احترامهم لشركائهم في العمل السياسي.
جمعة النصر
أحمد منصور: جمعة النصر في 18 فبراير أثارت جدلًا، واتُّهم الإخوان بمحاولة “سرقة الثورة”، وبدأت مخاوف من صعود الإسلاميين، خاصة مع حضور الشيخ يوسف القرضاوي وخطبته.
أسامة ياسين: دعوة الشيخ القرضاوي كانت من الشيخ صفوت حجازي، لا من الإخوان. اتُّفق على منصة موحدة تجمع الجميع. كُلّفنا بتنظيمها بحكم خبرتنا التنظيمية، فجُهزت بشكل منظم مع مكان لاستقبال الضيوف.
الفوضى لم تكن في إدارة المنصة بل في كثافة الحشود أسفلها. كل القوى، بل حتى من كانوا ضد الثورة، أرادوا الصعود وإلقاء كلمة في هذا اليوم التاريخي. الأعداد كانت مهولة، وقيل إنها قاربت ثلاثة أو أربعة ملايين. المنصة تحمّلت أضعاف طاقتها، وظهرت مخاطر حقيقية على الموجودين.
بسبب شدة الزحام والحرارة وحالات الإغماء، اضطررنا إلى تقصير البرنامج حفاظًا على السلامة، فأُسيء فهم ذلك وانتُقدنا، مع أن القرار كان أمنيًا بحتًا.
أحمد منصور: تأمين مليونيات بملايين المشاركين ليس أمرًا يسيرًا.
أسامة ياسين: صحيح، لكن بعد جمعة النصر اكتسبنا خبرة كبيرة في إدارة الحشود وتنظيم المنصات والمخارج.
مخاوف من الإسلاميين ومستقبل الثورة
أحمد منصور: هناك تخويف من الإخوان ومن الإسلاميين عمومًا، في ظل سيطرة ليبرالية على الإعلام. هل نسبة 30 أو 40% تكفي لبناء الثقة؟
أسامة ياسين: سلوك الإخوان أثناء الثورة كان مطمئنًا؛ لم يرفعوا شعارات خاصة، ولم يتمايزوا عن بقية الثوار، وأعلنوا مبكرًا أنهم لن يقدموا مرشحًا للرئاسة ولن يسعوا لأغلبية مطلقة. كنا حريصين على التوافق وبناء الجسور مع الجميع. ونتمنى أن يسود هذا النهج بين كل الإسلاميين: التدرج، والشراكة، وتضييق مساحات الخلاف.
أحمد منصور: هل تخشى على الثورة؟
أسامة ياسين: نعم، أخشى عليها أحيانًا من الثوار أنفسهم؛ من عدم التواضع بعد الإنجاز، أو من إدارة المشهد بسذاجة أو تعجل. أخشى من الاستحواذ، سواء من تيار إسلامي أو علماني، ومن أن يتحول التجرد إلى بحث عن مكاسب.
التواضع ضرورة. أستحضر دائمًا نموذج النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة، دخل مطأطئ الرأس، وعاش زاهدًا رغم عظمة الفتح. الثورة تحتاج هذا الخلق: التجرد، ونكران الذات، وتقديم المصلحة العامة.
معايير نجاح الثورة
أحمد منصور: متى تقول إن الثورة نجحت؟
أسامة ياسين: عندما تتحقق أهدافها كاملة: دولة مؤسسات، وعدل وحرية وكرامة، ومشروع حضاري يعيد لمصر دورها الإقليمي والإنساني، ويجعل المواطن محترمًا غير مُهان.
أحمد منصور: كيف تتمنى أن ترى مصر؟
أسامة ياسين: كما رأيتها في التحرير: وحدة، وأخلاق، ومحبة، وانتماء، وتضحية، وتجرد عن السعي للظهور. هذه هي مصر التي أعرفها وأتمناها.
أحمد منصور: الدكتور أسامة ياسين، شكرًا جزيلًا لك.
أسامة ياسين: شكرًا لكم.
أحمد منصور: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. إلى لقاء قادم مع شاهد جديد على الثورة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحوار
0:00 التطورات في الميدان وبدء العصيان المدني
3:20حركة أعضاء هيئة التدريس العفوية ودخولهم الميدان
5:30 التخطيط لتطوير المشهد لخارج الميدان
7:13 بدء التخطيط لتأمين الميدان وعمل مستشفى ميداني ولجان تأمين
10:35 تشبث الثوار بالميدان وملامحه
13:35 التهديد بالاستقرار من عمر سليمان وأبو الغيط
14:10 دخول الإعلام للمعركة الثورية
17:02 خطاب مبارك 10 فبراير برفض التنحي
18:18 خطاب القوات المسلحة وانعقادها وتحية الشهداء
19:45 خطاب مبارك الأخير وتفويض صلاحياته
21:55 الثوار عند ماسبيرو
22:44 التحرك لقصر العروبة وموقف الحرس الجمهوري
27:00 غرفة عمليات الثورة في الميدان
27:50 البيان الأول للثورة وأسباب تأخيره
30:20 خطاب عمر سليمان بتنحي مبارك ووقعه على الميدان
34:00 دخول البلطجية بالأسلحة في احتفالات الميدان
35:19 استراتيجية إخوان لمليونات الضغط بعد التنحي لمطالب الثورة
37:52 جمعة النصر 18 فبراير
38:48 تواجد القرضاوي وخطبة الجمعة بالميدان
40:17 أزمة المنصة والأعداد الكبيرة عليها
42:12 تأمين وإدارة المليونيات
42:50مخاوف القوى من الإخوان
45:20 التناول السطحي للثورة والخشية من هيمنة فريق على الأخر
48:27 متى تنجح الثورة