خالد حنفي ج1: كواليس إنشاء المستشفى الميداني وأحداث موقعة الجمل

يستعرض أحمد منصور، مع منسق المستشفى الميداني بميدان التحرير خلال الثورة المصرية، د.خالد حنفي ج1، من حوارهما في برنامج شاهد على الثورة، والذي جرى بثه بتاريخ 22 يناير 2012، كواليس إنشاء المستشفى الميداني، و أبرز ما شاهده في أحداث موقعة الجمل.
خالد حنفي

يستعرض أحمد منصور، مع منسق المستشفى الميداني بميدان التحرير خلال الثورة المصرية، د.خالد حنفي ج1، من حوارهما في برنامج شاهد على الثورة، والذي جرى بثه بتاريخ 22 يناير 2012، كواليس إنشاء المستشفى الميداني، و أبرز ما شاهده في أحداث موقعة الجمل.

خالد حنفي ج1:

كواليس إنشاء المستشفى الميداني وأحداث موقعة الجمل

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة مع شاهد جديد على الثورة ضمن الشهود على الثورة المصرية، شاهدنا لهذه الحلقة والحلقات القادمة هو الدكتور خالد حنفي استشاري طب العيون والمنسق العام للمستشفى الميداني في ميدان التحرير خلال أيام الثورة ولد في حي السيدة زينب في القاهرة عام 1961 تخرج من كلية الطب جامعة القاهرة عام 1985 حصل على درجة الماجستير في طب وجراحة العيون عام 1990 وعلى درجة الدكتوراه في نفس التخصص من جامعة القاهرة عام 1998 مارس العمل الطبي الاغاثي في كثير من الدول ويعمل الآن استشاريا لطب وجراحة العيون دكتور خالد مرحبا بك.

خالد حنفي: مرحبا بك.

قرار المشاركة في 25 يناير

أحمد منصور:
حين دُعي إلى مظاهرات 25 يناير 2011 في القاهرة، متى فكرتَ واتخذتَ قرار المشاركة؟

خالد حنفي:
الحقيقة أن الدعوة التي أُطلقت ليوم 25 يناير وجدت صدى في نفوس كثيرين. كنا نشعر جميعًا بالغيظ والألم والحسرة والضيق مما كان يحدث، وكأننا نبحث عن ذريعة للمشاركة.

أحمد منصور:
هل سبق أن شاركتَ في مظاهرات قبل ذلك؟

خالد حنفي:
نعم، شاركت في وقفات نوعية متفرقة هنا وهناك، لكن مشاركتي لم تكن بصفتي طبيبًا، بل كمواطن ناقم على الأوضاع، معترض، ثائر. أما دوري كطبيب فلم يبدأ إلا عندما اضطررنا للعمل في المستشفى الميداني، بعد بدء الاشتباكات وسقوط المصابين، حينها أدركنا أن الواجب يفرض علينا ارتداء المعاطف البيضاء والعمل كأطباء.

أحمد منصور:
ما الذي دفعك للمشاركة؟

خالد حنفي:
الدافع الأساسي كان نداء الواجب. هذا الوطن أعز ما نملك، وقد وصلت الأوضاع إلى مرحلة لم تعد تسمح حتى للناس المتحفظين بالبقاء بعيدًا عن المشاركة.

أحمد منصور:
هل كان واضحًا لديك ما الذي تطمح إليه من المشاركة؟

خالد حنفي:
لم أكن أزعم أبدًا أن المشاركة ستقود إلى ثورة أو تغيير جذري. كنت أراها وقفة احتجاجية ضد تجاوزات الشرطة، وضد تزوير الانتخابات، وضد مشروع التوريث. لم يكن في مخيلتي أن تتطور الأمور بهذا الشكل.

أحمد منصور:
أنت ناشط في جماعة الإخوان المسلمين.

خالد حنفي:
نعم، أشارك بقدر ما أستطيع، لكن عملي الطبي كان يأخذني كثيرًا.

أحمد منصور:
ودورك الأساسي كان في العمل الطبي والإغاثي؟

خالد حنفي:
نعم، صحيح.

أحمد منصور:
ومن خلال اتحاد الأطباء العرب؟

خالد حنفي:
نعم.

أحمد منصور:
وسافرت إلى دول كثيرة؟

خالد حنفي:
صحيح، وكانت كلها تقريبًا مهام إغاثية في مناطق كوارث، مثل فيضانات باكستان، وأزمات دارفور، والصومال وغيرها.

خالد حنفي:
ما زلت أتذكر نظرات الأسى في عيون أبنائي ونحن نغادر لجنة الانتخابات التشريعية في نوفمبر 2010، بعد تزوير واسع وصريح. كنت معتادًا على تزوير الانتخابات، لكن هذه كانت المرة الأولى التي يراها أبنائي بهذا الوضوح. شعرتُ بالعجز والانكسار، ولم أجد ما أقوله لهم. هذان المشهدان – التزوير ونظرات أبنائي – ملآني غمًّا ودفعاني للمشاركة بأي شكل.

يوم 25 يناير: نقطة الانطلاق

أحمد منصور:
كيف شاركتَ يوم 25 يناير؟

خالد حنفي:
اتفقتُ مع اثنين من زملائي على التوجه إلى دار القضاء العالي، حيث كانت الدعوة إلى الوقفة هناك.

أحمد منصور:
وماذا وجدتَ هناك؟

خالد حنفي:
وجدت مجموعة من الناشطين وأعضاء مجلس الشعب السابقين الذين زُوّرت الانتخابات ضدهم، وبعض رموز السياسة.

أحمد منصور:
بماذا كانوا يهتفون؟

خالد حنفي:
كانت الهتافات عن التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية، لكن أكثر ما أثر فيّ كان هتاف:
«تونس هلّ عليها النور… وإحنا بكرة علينا الدور».
هذا الهتاف أشعل الأمل داخلي.

نزول الشباب وتغير المشهد

أحمد منصور:
متى شعرتَ أن العدد بدأ يكبر؟

خالد حنفي:
عندما بدأ الشباب ينضمون إلينا، ومعهم نساء وأشخاص لم يعتادوا التظاهر من قبل. كان واضحًا أنهم يشاركون لأول مرة، من طريقة لباسهم وحديثهم.

أحمد منصور:
هل كنتم تخططون للذهاب إلى ميدان التحرير؟

خالد حنفي:
لا، لم يكن ذلك مخططًا. عرفت الأمر لأول مرة في ذلك اليوم.

أحمد منصور:
وماذا فعلتم في الميدان؟

خالد حنفي:
تمركزنا قرب إحدى المناطق المعروفة، وكان معنا عدد من الأطباء، وبدأنا في تقديم الإسعافات الأولية.

أحمد منصور:
ماذا فعلتَ يومي 26 و27؟

خالد حنفي:
كان هناك شعور بأن تجربة 25 يناير حققت نجاحًا نسبيًا، وأنه يمكن تكرارها في «جمعة الغضب». لم أكن أتصور سقوط النظام دفعة واحدة، بل توقعت تغييرات تدريجية.

جمعة الغضب

أحمد منصور:
ماذا حدث يوم 28 يناير؟

خالد حنفي:
لاحظت انتشارًا أمنيًا غير معتاد منذ خروجي من المنزل. توجهت إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة، وكان هناك توتر واضح بين الناس. وبعد انتهاء الصلاة، خرج الهتاف الأول مدويًا:
«يسقط… يسقط حسني مبارك».

أحمد منصور:
على الفور داخل المسجد؟

خالد حنفي:
نعم، من داخل المسجد بدأ الهتاف: «يسقط… يسقط». كنت أفهم أن الناس كلها تنظر إلى بعضها بعضًا.

أحمد منصور:
هل تقصد جميع من كانوا داخل المسجد؟

خالد حنفي:
نعم، كل من كان في المسجد. كانوا جميعًا مستعدين. كنت أظن أنني الأسبق تخطيطًا، وأنني حسبت الأمور جيدًا، لكن اتضح أن كل هؤلاء قد تحركوا قبل الصلاة، وحين وجدوا ميدان التحرير مغلقًا عادوا إلى المساجد القريبة.

أحمد منصور:
وبالفعل، في ذلك اليوم مُنعت الصلاة في مسجد عمر مكرم، وكان ميدان التحرير مغلقًا.

خالد حنفي:
نعم، لم أكن أعرف ذلك وقتها. داخل المسجد استمر الهتاف، ثم قال أحدهم: «نخرج إلى خارج المسجد»، فقلت في نفسي: ولماذا نخرج؟ ماذا سيعلّمنا المسجد غير هذا؟

أحمد منصور:
إذن خرجت المظاهرات؟

خالد حنفي:
نعم، خرجت من داخل المسجد بهتاف «يسقط حسني مبارك». حتى الذين كانوا يقولون إن للمسجد قدسيته، أثبت الواقع أن المسجد علّمنا هذا الموقف. أتذكر جيدًا عبد العظيم المغربي، وهو من العاملين في الإعلام، كان معنا في المسجد، خرج يهتف بحماس لكنه لم يستطع الاستمرار لأسباب صحية.

أحمد منصور:
وكان في المسجد معكم؟

خالد حنفي:
نعم. وعندما خرجنا من المسجد بدأنا نتحسس خطواتنا ونستطلع المشهد، فوجدنا الناس تتدفق من كل اتجاه.

أحمد منصور:
هل كانت كل المظاهرات متجهة إلى وسط البلد؟

خالد حنفي:
نعم، الجميع كان قادمًا. كنا نسمع أثناء الخطبة أصوات هتافات من مساجد أخرى أنهت الصلاة مبكرًا.

أحمد منصور:
وتوجهتم إلى ميدان التحرير؟

خالد حنفي:
تحركنا عبر شارع صبري أبو علم، الذي لا يبعد عن ميدان طلعت حرب سوى نحو 70 مترًا، لكننا لم نستطع التقدم أكثر من عشرة أو عشرين مترًا بسبب تمركز أمني كثيف واستخدام كثيف لقنابل الغاز المسيل للدموع.

أحمد منصور:
هل تجمعت المظاهرات كلها في هذا الشارع؟

خالد حنفي:
كنت أظن ذلك في حينه، وكنت أرى أن العدد كبير ومبشر.

أحمد منصور:
كم كان العدد تقريبًا؟

خالد حنفي:
لا يقل عن 1500 شخص في شارع صبري أبو علم وحده.

أحمد منصور:
ما أكثر مشهد علق في ذهنك أثناء الكر والفر؟

خالد حنفي:
لاحظت أن الشباب اكتسبوا خبرة سريعة. كانوا يلتقطون قنابل الغاز ويردّونها، ثم ظهر من يجلب دلاء الرمل، ويتحرك بدقة نحو مكان سقوط القنبلة ويغطيها بالرمل لتقليل أثرها. ورغم ذلك، كان الأمن يقترب منا بشدة.

أحمد منصور:
كان إحساسًا جديدًا؟

خالد حنفي:
نعم، لكن كان هناك وضوح في الهدف وإصرار على عدم العودة بخيبة أمل.

أحمد منصور:
متى دخلتم الميدان؟

خالد حنفي:
صلّينا المغرب في ميدان طلعت حرب، وكان الدخول إلى التحرير صعبًا بسبب التمركز الأمني. ثم بدأنا نسمع أن الجيش نزل.

أحمد منصور:
كانت الشرطة العسكرية والحرس الجمهوري.

خالد حنفي:
لم أكن أعرف التسميات، لكن الجيش بالنسبة لي كان ملاذًا. شعرنا أن وجوده يعني أننا لن نتعرض للأذى. الناس كانت تهتف بعفوية: «الجيش والشعب إيد واحدة».

أحمد منصور:
كان ذلك نحو السادسة أو السابعة مساءً؟

خالد حنفي:
نعم، بعد المغرب مباشرة، ودخلنا الميدان خلف عربات الجيش.

أحمد منصور:
في أي منطقة كنت داخل الميدان؟

خالد حنفي:
كنت في الجزيرة الوسطى داخل الميدان، وهي موقع يتيح رؤية شاملة، وبعيدة نسبيًا عن مدى الرصاص، رغم أننا كنا نرى القناصة بأعيننا فوق مباني الجامعة الأمريكية.

أحمد منصور:
رأيتهم وهم يطلقون النار؟

خالد حنفي:
نعم، ورغم ذلك لم نكن في مرماهم المباشر، لكن كانت تصلنا شظايا الخرطوش.

أحمد منصور:
متى اتخذتم قرار إنشاء مستشفى ميداني؟

خالد حنفي:
يوم 28 يناير، بدأ بعض المتطوعين بنقل المصابين إلى مسجد يُدعى «عباد الرحمن»، باعتباره مكانًا آمنًا.

أحمد منصور:
إذن بدأت الإصابات تتزايد؟

خالد حنفي:
نعم، خاصة من الرصاص المطاطي والغاز، وكان الميدان مكتظًا. لم أكن أعرف موقع المسجد في البداية، لكن تبين لاحقًا أنه نقطة آمنة لإخلاء المصابين، خاصة من ناحية شارع محمد محمود والجامعة الأمريكية.

أحمد منصور:
حتى بعد دخول الجيش؟

خالد حنفي:
نعم، ظل التوتر قائمًا يومي 28 و29 يناير. كنا نشعر أن هجمات الشرطة تزداد بعد دخول عربات الجيش، حتى إن بعض الشباب أحرقوا إحدى المدرعات، وبدأوا الاحتماء بصناديق القمامة.

أحمد منصور:
ما أكثر ما أثّر فيك من مشاهد الشباب؟

خالد حنفي:
جرأتهم الشديدة. كانوا يضعون أقنعة وبصلًا لمواجهة الغاز، يدخلون وسط الدخان بلا تردد، يردّون القنابل، ويحركون الحواجز باتجاه قوات الأمن.

أحمد منصور:
إلى متى بقيت في الميدان؟

خالد حنفي:
حتى أُخرجنا منه بالقوة.

أحمد منصور:
في أي ساعة تقريبًا؟

خالد حنفي:
قبل منتصف الليل بقليل. أتذكر أنني شاهدت خطاب حسني مبارك الذي أعلن فيه إقالة حكومة أحمد نظيف، وكان ذلك قرابة الساعة الثانية عشرة والربع.

أحمد منصور:
لكن الاعتصام بدأ تلك الليلة؟

خالد حنفي:
أنا شخصيًا لم أشهده، لأنني كنت قد خرجت بالفعل.

أحمد منصور:
في أي ساعة غادرت الميدان؟

الخروج من الميدان وبداية تأسيس المستشفى

خالد حنفي:
غادرتُ قبل الساعة الثانية عشرة ليلًا.

أحمد منصور:
لكن في تلك الليلة بدأت نواة المستشفى الميداني.

خالد حنفي:
نعم، هذا صحيح.

أحمد منصور:
بعد يوم 25، خرجتَ ساعتين للتظاهر ثم عدتَ، وكنتَ تعتقد أن الأمر سينتهي عند ذلك؟

خالد حنفي:
نعم، بعد جمعة الغضب تحديدًا. كنا نهدف إلى الوصول إلى ميدان التحرير، وقد وصلنا بالفعل، لكن ما رأيته بعد ذلك جعلني أوقن أن الشعب قرر، وأن الإرادة الشعبية قد تحركت، وأن الناس نزلت بالفعل.

أحمد منصور:
هل عدتَ إلى البيت؟

خالد حنفي:
نعم، عدت.

أحمد منصور:
في أي ساعة؟

خالد حنفي:
حوالي الواحدة بعد منتصف الليل.

أحمد منصور:
هل رأيتَ احتراق قسم السيدة؟

خالد حنفي:
نعم، رأيته وهو يحترق ليلًا.

أحمد منصور:
في أي وقت؟

خالد حنفي:
كان ذلك قبل خطاب مبارك. كنت عائدًا من التحرير سيرًا على الأقدام، وعلمت أن القسم احترق، فمررت ورأيت أعمال النهب في الشوارع.

أحمد منصور:
المنطقة هناك تجارية، الأزهر وخلف شارع بورسعيد، هل شعرتَ أن الفوضى بدأت تنتشر؟

خالد حنفي:
نعم، رأيت بعيني في منطقة السيدة زينب بلطجية يسرقون سيارة أمامي. ورأيت الناس في حي السيدة يخلعون المكيفات وينهبون كل شيء. كان هناك انهيار أمني شديد. ثم عدتُ فوجدت تجمعًا لأنصار الحزب الوطني، وكانوا يعرفونني وأعرفهم، ونظروا إليّ وكأنهم يقولون: أنتم انكسرتم، والأمر مسألة يوم أو يومين وسننهي عليكم.

أحمد منصور:
عليكم أنتم؟

خالد حنفي:
نعم، على الثائرين والمتظاهرين. عدتُ إلى البيت مغمومًا، مقهورًا لأننا خرجنا من الميدان رغم العدد والقوة والتجمع.

أحمد منصور:
لكن هناك من بقي في الميدان ونام فيه.

خالد حنفي:
هذا المشهد لم أره بنفسي.

أحمد منصور:
لنعد إلى عودتك للبيت.

خالد حنفي:
عدتُ قرابة الساعة الواحدة، وكنت طوال اليوم أسأل عن أولادي: أين هم؟ هل رآهم أحد؟ كانوا في الميدان مع أصدقائهم، لكن عندما سألت شباب المقطم قالوا إنهم لم يروهم منذ الصباح. عدتُ إلى البيت ولم أجدهم، ولم أعرف أين هم. كنت مرهقًا نفسيًا وجسديًا، ومنهكًا من القنابل والغاز، ومكسور الخاطر لأنني لا أعرف مصير أولادي.

بعد نحو ساعة أو ساعتين، قرابة الثانية والنصف فجرًا، بدأت تصلنا معلومات من أصدقائهم بأن الشرطة والمخبرين قبضوا عليهم صباحًا ووضعوهم في سيارات، ثم نُقلوا إلى معسكر الأمن المركزي.

أحمد منصور:
متى عرفتَ ذلك؟

خالد حنفي:
قرابة الثانية فجرًا.

أحمد منصور:
وعرفتَ مكان احتجازهم؟

خالد حنفي:
نعم.

أحمد منصور:
انتظرتَ حتى الصباح؟

خالد حنفي:
لا، بعد نحو ساعة اتصل بنا الأولاد وقالوا إنهم أُفرج عنهم.

أحمد منصور:
في الليلة نفسها؟

خالد حنفي:
نعم، قبل الفجر. قالوا: ابحثوا لنا عن سيارة لأن هناك حظر تجول. وبعدها اجتمع شمل الأسرة من جديد، وكان ذلك انفراجًا نفسيًا كبيرًا.

أحمد منصور:
ماذا فعلتَ يوم 29 يناير، السبت؟

خالد حنفي:
استيقظتُ وشاهدت قناة الجزيرة. كانت الصحف تقول إن نحو ألف شخص في ميدان التحرير، ثم تغير الرقم إلى عشرة آلاف، ثم ثلاثين ألفًا. ارتديت ملابسي وتوجهت إلى الميدان.

أحمد منصور:
في أي ساعة وصلت؟

خالد حنفي:
قرابة الظهر، أو قبله بقليل.

أحمد منصور:
كيف كان المشهد يوم 29؟

خالد حنفي:
دخلت من ناحية مجلس الشعب عبر شارع القصر العيني، وكانت عربات الجيش منتشرة في كل مكان.

أحمد منصور:
وكان مجلس الشعب على يمينك؟

خالد حنفي:
نعم.

أحمد منصور:
هل كان هناك إطلاق نار؟

خالد حنفي:
لا، كان هناك هدوء نسبي. لاحظت أن المتظاهرين كانوا يتحدثون مع الجنود قائلين: نحن إخوتكم، الجيش والشعب يد واحدة. وعندما دخلت الميدان، كان العدد ضخمًا ويتزايد بسرعة.

أتذكر أن عمرو الشوبكي دخل الميدان معنا، فسألته عن رأيه، فقال: “Game over”. وشعرتُ فعلًا أن الأمر انتهى؛ الناس لم تخف، والرد كان سريعًا، والجيش نزل، والأعداد كانت هائلة.

ولادة فكرة المستشفى الميداني

أحمد منصور:
كيف وُلدت فكرة المستشفى الميداني؟

خالد حنفي:
من إطلاق الرصاص الحي حول وزارة الداخلية.

أحمد منصور:
هل كان ذلك مستمرًا يومي 28 و29؟

خالد حنفي:
في صباح 29 لم ألاحظه كثيرًا، لكن لاحقًا بدأت أرى مجموعات من الشباب في غاية الجرأة، مصرّين على الوصول إلى وزارة الداخلية عبر شارع محمد محمود والجامعة الأمريكية. وكل لحظة نسمع: هناك مصاب… هناك مصاب. عندها ذهبتُ وتعرّفت على مسجد عباد الرحمن، وفهمتُ أنه يمكن تحويله إلى مستشفى ميداني.

أحمد منصور:
ماذا وجدتَ عندما وصلت؟

خالد حنفي:
وجدت فوضى شديدة للغاية: مصابون، متطوعون، مسعفون، أطباء، بلا أي تنظيم.

أحمد منصور:
صف لنا المشهد: الجرحى، حالتهم، ما رأيته بعينيك.

خالد حنفي:
رأيت أشخاصًا مصابين بطلقات في الرأس، ورأيت موضع دخول الرصاصة، ورأيت مصابين آخرين مغمىً عليهم، نقلب أجسادهم ونبحث عن سبب الإغماء، نحاول تحديد مكان الرصاصة، ونفتش عن مواضع النزيف.

أحمد منصور:
هل كنتَ ترى الرصاصة؟

خالد حنفي:
نبحث عنها لنحدد مسارها.

أحمد منصور:
وأين وجدتموها؟

خالد حنفي:
أظن أن إحدى الحالات كانت الرصاصة في الرأس، وربما في فروة الرأس، لم تكن ظاهرة بوضوح، فكنا نبحث عن أماكن النزيف ومخارج الطلقات.

أحمد منصور:
كم كان عدد المصابين تقريبًا؟

خالد حنفي:
في الحقيقة، لم تأتنا فكرة الحصر والتوثيق إلا لاحقًا.

أحمد منصور:
بسبب الفوضى؟

خالد حنفي:
نعم، كانت هناك فوضى… فوضى عارمة.

أحمد منصور:
في ظل هذه الفوضى، وأنت كاستشاري وطبيب، ماذا قررتم أن تفعلوا؟

خالد حنفي:
في البداية، استخدمنا ميكروفون المسجد، وبدأنا ننادي: الأطباء الموجودون في الخارج فليتفضلوا. كان المعتصمون كُثُرًا، وأي شخص يرفع صوته يمكنه أن يؤدي هذا الدور.

أحمد منصور:
وأنت كنت تقوم بهذا الدور حتى تلك اللحظة؟

خالد حنفي:
بالطبع. كنت أصرخ حتى أُنهك صوتي، وأقول: تعالوا، هذا واجبكم الذي لا يستطيع غيركم القيام به. نادينا عبر ميكروفون المسجد: أي طبيب موجود، أي شخص لديه مستلزمات طبية فليحضرها، ومن يستطيع المساعدة فليشارك. وبدأ الأطباء يأتون على استحياء، وبدأنا نتعارف.

كنا في الأساس نبحث عن أطباء الجراحة والعظام والعناية المركزة، لأن هذه كانت طبيعة الإصابات الأكثر شيوعًا. أما أطباء الباطنة، والأنف والأذن، والعيون، والأطفال، والصدرية، فكان دورهم أقل في هذه المرحلة.

ثم بدأنا ننادي على المستلزمات الطبية: من لديه قطن، من لديه شاش. وكان حظر التجول مفروضًا من الرابعة عصرًا حتى السادسة صباحًا، ولم نكن نعرف كيف سنتصرف.

أحمد منصور:
كان الحظر من الساعة الثالثة؟

خالد حنفي:
لم نكن نعلم بدقة. لكن بدأ القطن يأتي، وبدأ الشاش يصل. فقلنا: لنضع الأدوية هنا بدل كتب المسجد، ولنستغل مكان الأحذية، ولنقسم الأعمدة، ونفصل بين المساحات. وبماذا نفصل؟ أخذنا بعض الحُصُر وربطناها لنبدأ في تنظيم المكان.

المشكلة أن الجريح كان يدخل ومعه عشرة أشخاص، والطبيب لا يستطيع السيطرة على الحالة، وكل شخص يقترح رأيًا مختلفًا، ولم يكن لدينا زيٌّ طبي يميزنا. في بعض الأحيان اضطررنا إلى القسوة، ورفع الصوت، وكأننا نطرد الناس.

أحمد منصور:
كل هذا حدث يوم الأحد؟

خالد حنفي:
لا، كل هذا كان ليلة السبت.

خالد حنفي:
ليلة السبت اضطررنا للقسوة فعلًا، ثم أدركنا أننا بحاجة إلى أفراد أمن من المتطوعين، لضبط الدخول والخروج. وكانت هناك مشكلة كبيرة في دورات المياه داخل المسجد، لأن الناس كانت تدخلها باعتبارها مرافق عامة، وكان ذلك يعوق العمل الطبي.

الجريح يدخل، ولا نستطيع تقديم خدمة طبية حقيقية؛ لا أجهزة ضغط، ولا سماعات، ولا شيء. الأمور لم تكن قد استقرت بعد.

خالد حنفي:
بدأ كل واحد منا يتصل بالجهة التي يعرفها. أنا أعرف أشخاصًا في اتحاد الأطباء العرب، في لجنة الإغاثة والطوارئ، وأعرف أصدقاء في المنطقة، ومديري مستشفيات، وكنت أقول لهم: ألحقونا بأي مستلزمات طبية. كان الأمر عشوائيًا، لكن هذه العشوائيات كلها اجتمعت يوم الأحد، فوجدنا أنفسنا نمتلك كمية لا بأس بها من الأدوية والمستلزمات، وعددًا مناسبًا من الأطباء، فقلنا: لماذا لا نجعلها مستشفى ميدانيًا؟

أحمد منصور:
وهذا كان يوم الأحد 30 يناير؟

خالد حنفي:
نعم، صحيح.

أحمد منصور:
ماذا كنتم تفعلون بالحالات مساء السبت؟

خالد حنفي:
لو جاء شخص مصاب بطلق ناري…

أحمد منصور:
ماذا كنتم تفعلون؟

خالد حنفي:
كنا نصرخ طلبًا للإسعاف.

أحمد منصور:
وكانت سيارات الإسعاف تأتي؟

خالد حنفي:
نعم، كانت تأتي.

أحمد منصور:
وتنقل المصابين إلى أين؟

خالد حنفي:
لم نكن نعرف، وهذه كانت مشكلة كبيرة. لكننا عرفنا لاحقًا أننا سجلنا في المستشفى الميداني عشرين شخصًا نعلم أنهم توفوا، سواء داخل المستشفى أو في مستشفيات قريبة، ولدينا بياناتهم.

أحمد منصور:
هؤلاء العشرون كانوا يوم الأحد؟

خالد حنفي:
لا.

أحمد منصور:
يوم السبت أم خلال موقعة الجمل؟

خالد حنفي:
هم إجمالي من سقطوا في ميدان التحرير ممن لدينا بياناتهم.

أحمد منصور:
لكن العدد في الميدان كان أكبر من ذلك بكثير.

خالد حنفي:
بالطبع، أنا أتحدث فقط عمن سُجِّلوا لدينا. فعلى سبيل المثال، إذا سألتني عن عدد الجرحى في ميدان التحرير، أقول لك: 1087.

أحمد منصور:
خلال أي فترة؟

خالد حنفي:
خلال الأربعاء والخميس في موقعة الجمل.

أحمد منصور:
لكننا ما زلنا في يومي السبت والأحد.

خالد حنفي:
لم تكن لدينا فكرة التوثيق آنذاك.

أحمد منصور:
متى بدأ التوثيق إذن؟

خالد حنفي:
بدأ في هذا اليوم. جاءت حالة خطيرة، فسألنا: أين بطاقته؟ أين نكتب البيانات؟ ومن سيتولى التوثيق؟ لاحقًا، تطور الأمر، وأصبح لدينا قسم توثيق وإعلام، وقسم خدمة، ونظافة، وأمن. لكن في ذلك اليوم لم يكن شيء من هذا موجودًا.

أحمد منصور:
نستطيع أن نقول إن يوم الأحد 30 يناير تبلورت فيه هذه الأمور.

خالد حنفي:
بالضبط.

أحمد منصور:
من الأحد إلى الثلاثاء مساءً، قبل خطاب مبارك العاطفي، ما طبيعة الحالات التي كانت تصل إليكم؟

خالد حنفي:
هدأت الأمور نسبيًا، وتحول العمل إلى روتين. بدأنا ننظم أنفسنا، ونسجل أسماء الأطباء وأرقامهم، ونقول لبعضهم: لسنا بحاجة إليكم الآن، وعندما نحتاج سنستدعيكم.

أحمد منصور:
هل قلّ عدد الناس في الميدان بعد الخطاب؟

خالد حنفي:
لا، كان هناك مليونية يوم الثلاثاء.

أحمد منصور:
لكن بعد الخطاب بدأ بعض الناس يغادرون؟

خالد حنفي:
نعم، الخطاب كان مؤثرًا. بدأ البعض يقول: كفى، فقد وعد بتعديلات دستورية، وإلغاء الطوارئ، وعدم الترشح مرة أخرى. وكأننا كنا نستجديه أن يعلن هذه النوايا من قبل.

أحمد منصور:
هل فكرت في مغادرة الميدان صباح الأربعاء؟

خالد حنفي:
غادرت مساء الثلاثاء بعد المليونية، لأن الأمور هدأت، وكنت مرهقًا بعد ثلاثة أيام ما 

متواصلة. عدت صباح الأربعاء، ولم يكن في ذهني إطلاقًا أن هجومًا سيقع.

أحمد منصور:
لكن الأعداد كانت أقل؟

خالد حنفي:
نعم، أقل، وبدأت مكالمات من زملائنا تقول: كفى، البلد إلى أين؟ خاصة مع الخطاب الذي لمح إلى ضغوط أجنبية.

أحمد منصور:
قرابة الساعة الثانية؟

خالد حنفي:
كنت في الجزيرة الرئيسية. سمعنا عن تجمعات هنا وهناك، لكن لم أتخيل أبدًا اقتحامًا بهذا الشكل.

أحمد منصور:
كيف بدأ الاقتحام؟ ماذا رأيت؟

خالد حنفي:
رأيت مجموعات كبيرة تندفع من ناحية قصر النيل وعبد المنعم رياض، منظمة، تحمل لافتات، وتهتف: “اللي يحب مصر ما يخربش مصر”. وفي المقابل كان شبابنا يهتفون: “ارحل”. الصدمة الأولى كانت عنيفة، وعدد كبير تأثر بها.

الثقة التي شعرنا بها في الثورة اصطدمت بهول المفاجأة. أصابنا ارتباك. جريت فورًا إلى المستشفى الميداني، لأنني رأيت مشاهد الاشتباك عند عبد المنعم رياض.

هجوم الخيل

أحمد منصور:
هل بدأ هجوم الخيل هنا؟

خالد حنفي:
نعم، بعد قليل بدأ. لم يكن الشباب يتوقعون اعتداءً، بل مجرد دفعٍ وإخراج من الميدان. لكنني رأيت أمواجًا من البشر تتجه نحو عبد المنعم رياض، وأمواجًا تعود منه، جميعهم مصابون.

أحمد منصور:
وأنت كنت واقفًا في الميدان؟

خالد حنفي:
نعم. أرى أمواجًا تذهب وأخرى تعود، هذا مصاب تحت عينه، وآخر ينزف وجهه، وثالث محمول على أكتاف ثلاثة أو أربعة، وآخر يمسك رأسه أو ذراعه.

أحمد منصور:
هل تغير المشهد؟

خالد حنفي:
نعم، تغير تمامًا. وبدأت أرى أقفالًا حديدية، وحجارة، وطوبًا…

أحمد منصور:
تُقذف عليكم؟

خالد حنفي:
نعم، كانت تُقذف علينا. حين رأيت هذا المشهد، أدركت أن كل هؤلاء سيصلون إلى المستشفى عاجلًا أم آجلًا. جريت إلى المستشفى قرابة الساعة الثانية أو الثانية والنصف، فوجدت المشهد أسوأ مما تخيلت.

أحمد منصور:
داخل المستشفى؟

خالد حنفي:
نعم، داخل المستشفى… أسوأ مما تصورت.

أحمد منصور:
ماذا رأيت؟

خالد حنفي:
أرضية المسجد بالكامل، في مساحة تقارب مئة متر، لم يكن فيها موضع قدم. الجرحى في كل مكان: من يجلس، ومن ينام، ومن يربط ذراعه، ومن يحمل آخر، ومن كُسر أنفه، ومن كُسرت يده. كل شخص أُصيب بما اتفق، لأن الاشتباك كان بالأيدي. وبدأت تظهر إصابات في العين، وتحول الأمر إلى كابوس حقيقي.

أحمد منصور:
ماذا فعلت؟

خالد حنفي:
خرجنا إلى خارج المستشفى، جمعت بعض الأطباء، وقلت للأمن: أغلقوا شارع الأمير قدّار من الخارج.

أحمد منصور:
الأمن الذي كان يمنعني أحيانًا من دخول المستشفى؟

خالد حنفي:
نعم، صحيح. قلت لهم: يُسمح بدخول المصاب فقط، ومن معه يخرج، حتى نستطيع السيطرة على الوضع. وفرشنا الشارع الضيق أمام المستشفى، أظنه يُسمّى منشية كرمان.

أحمد منصور:
وفي النهاية أغلقتموه وأمّنتموه.

خالد حنفي:
نعم. كانت هناك سيارات متوقفة، وفرشنا حُصُر المسجد في الخارج. ومع تزايد المتطوعين، بدأ بعضهم يعوق العمل، فصرت أطلب من كل طبيب بطاقته، وأسأله عن تخصصه، وأكتب اسمه وتخصصه على بلاستر وألصقه على كتفه، لنتعرف على بعضنا. لم يكن لدينا زيٌّ طبي، ولم نكن مستعدين لمثل هذا الوضع.

بدأنا نوزع الأطباء، كل حالة يتولاها طبيب، يحدد ما تحتاجه.

أحمد منصور:
ما نوعية الحالات التي كانت تصل؟

خالد حنفي:
كل ما يمكن أن تتخيله: كدمات، لكمات، جروح قطعية، رضوض، كسور في الأنف وعظام الوجه، كسور في الساقين. كان يأتي شخص على قدم واحدة، وآخر محمولًا، وثالث يمسك ذراعه أو رجله.

أتذكر حالة وصلت متأخرة على نقالة، مصاب بإصابة بالغة في الرأس، فاقد الوعي. بقي لدينا حتى السابعة مساءً، لأن الإسعاف لم يستطع الدخول. كان يحتضر أمام أعيننا، ونحن عاجزون. في الطب نسمي هذا الوضع (Gasping)، أي في النزع الأخير.

أحمد منصور:
كأنه يموت؟

خالد حنفي:
نعم. أعطيناه محاليل، لكن الإصابة كانت قاتلة.

أحمد منصور:
هل كانت لديكم مستلزمات طبية كافية؟

خالد حنفي:
لا، عند الساعة السادسة انكشفنا تمامًا.

أحمد منصور:
يعني من الثانية والنصف حتى السادسة كنتم تخيطون وتجبّرون؟

خالد حنفي:
نعم، إلى حدٍّ ما.

أحمد منصور:
هل كان النقص في الأطباء أم في المعدات؟

خالد حنفي:
الأطباء جاءوا جميعًا، لكن النقص كان في المستلزمات، خاصة الجراحة والعظام والرعاية المركزة.

أحمد منصور:
كنتم تضعون جبائر؟

خالد حنفي:
نعم، الإسعافات الأولية كانت تُحدث فارقًا.

أحمد منصور:
هل كنت تستطيع تمييز نوع السلاح من الإصابة؟

خالد حنفي:
نعم. لاحظت جروحًا غائرة ذات حواف نظيفة، ما نسميه طبيًا (Clean cut)، وهذه لا تكون نتيجة كدمات أو حجارة، بل ناتجة عن نصل حاد. أدركت أن هناك أسلحة.

أحمد منصور:
وأنت عرضت صورًا كثيرة والتقطت صورًا بنفسك.

خالد حنفي:
صحيح. خرجت إلى شارع التحرير ومحمد محمود، ورأيت السكاكين والأسلحة البيضاء بأيدي البلطجية.

أحمد منصور:
هل شاركت في الاشتباك؟

خالد حنفي:
لا، اكتفيت بالمشاهدة ثم عدت.

أحمد منصور:
ما الحالة النفسية للمصابين؟

خالد حنفي:
مرتفعة جدًا.

أحمد منصور:
كيف؟

خالد حنفي:
كان المصاب يقول لي: اترك عيني، غطّها فقط، وأعدني إلى الميدان. كثيرون عادوا مصابين مرات عدة. وكل الجروح كانت في الوجه والصدر، لم أرَ جرحًا واحدًا في الظهر. كانوا يواجهون، يقاتلون، يرفعون علامة النصر، ويقولون: دعني أعود، أريد الشهادة.

أحمد منصور:
قلت إنكم انكشفتم عند السادسة.

خالد حنفي:
نعم، نفدت المستلزمات، نفدت الخيوط، الشاش، القطن، ولم نعد قادرين على إيقاف النزيف.

أحمد منصور:
هل كنتم توثقون الحالات؟

خالد حنفي:
التسجيل كان عشوائيًا. كان طبيب يجلس أمام أربعة مصابين، يخيطهم واحدًا تلو الآخر، كخط إنتاج في مصنع. وهذا لا تراه إلا في الحروب.

أحمد منصور:
ماذا فعلتم بعد نفاد المعدات؟

خالد حنفي:
أطلقنا نداءً عبر وسائل الإعلام: أي شخص لديه مستلزمات طبية فليحضرها. لكن حظر التجول والبلطجية كانوا يمنعون الوصول.

أحمد منصور:
قيل إن مستلزمات أُلقيت في النيل.

خالد حنفي:
صحيح. أعرف أشخاصًا من مدينة نصر جمعوا مستلزمات، فتم الاستيلاء عليها عند الأزهر. وبعضها أُلقي في النيل.

أحمد منصور:
قلت إن بعض المصابين لم يكونوا كغيرهم.

خالد حنفي:
نعم. مصاب الثورة يأتي متحمسًا، يهتف، يطلب العودة. لكن كان هناك مصابون قلقون، يسألون: ماذا تفعلون؟ ما هذه الحقنة؟ ومع الوقت أدركنا أنهم بلطجية.

أحمد منصور:
هل اختلفت نوعية الإصابات بعد السادسة؟

خالد حنفي:
لا، لكنها قلت حدة. تحول الاشتباك إلى قذف بالحجارة والمولوتوف، أما المواجهة المباشرة بالسلاح الأبيض فهي التي سببت الأزمة الكبرى.

أحمد منصور:
كيف تعاملتم دون معدات؟

خالد حنفي:
وضعنا استراتيجية: أقل قدر من الخياطة، إيقاف النزيف بالضمادات، إخراج الحالات المستقرة لإفساح المجال للأخطر.

أحمد منصور:
المكان كان مليئًا بالدم؟

خالد حنفي:
نعم، كما رأيت في الصور… مجزرة. مجزرة منظمة، جريمة إنسانية وأخلاقية.

أحمد منصور:
هل جاءكم دعم طبي لاحقًا؟

خالد حنفي:
نعم. تواصلنا مع جهات عدة، من بينها اتحاد الأطباء العرب. علمت لاحقًا أن أحد المستشفيات في المعادي فتح مخازنه ليلًا وأرسل لنا كل ما نحتاجه من خيوط، وشاش، وقطن، ومضادات حيوية.

أحمد منصور: بعد الساعة 12 تقريباً أو الساعة 2 بدأ إطلاق الرصاص في الحلقة القادمة أكمل معك المشهد في ميدان عبد المنعم رياض يوم موقعة الجمل، شكراً جزيلاً لك كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور خالد حنفي منسق المستشفى الميداني في ميدان التحرير خلال أيام ثورة الخامس والعشرين من يناير، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاور الحوار

00:00 مقدمة

00:25 السيرة الذاتية للدكتور خالد حنفي

01:15 موقفه من دعوات 25 يناير ومشاركته فيها

02:22 مشاركته في التظاهرات الأسباب والأهداف

03:10 علاقته بالإخوان ودوره في العمل الإغاثي

03:56 انتخابات 2010 وتأثيرها على من حوله

05:10 مشاركته في 25 يناير ومظاهرات دار القضاء العالي

07:47 استجابة الشباب لتظاهرات دار القضاء والذهاب للتحرير

09:09 بداية الدور الطبي ووضع الميدان حتى جمعة الغضب

09:59 جمعة الغضب وخروج التظاهرات من المساجد

13:59 الاعتداء على المتظاهرين في جمعة الغضب

15:33 دخول ميدان التحرير ونزول الجيش

17:45 بدايات المستشفى الميداني ومخاوف المتظاهرين

19:21 أوضاع الشباب في الميدان، ومحاولات إخلاء الميدان

21:02 حريق قسم السيدة، واعتقال ابناءه

23:55 العودة للميدان يوم 29 يناير

25:41 فكرة المستشفى الميداني ومشهد الإصابات والشهداء

31:35 أعداد المصابين وخدمات المستشفى الميداني

32:40 خطاب مبارك الاستعطافي وتأثيره على الميدان

35:00 اقتحام الميدان وأحداث موقعة الجمل

37:44 وضع المستشفى الميداني والضحايا

40:35 أنواع الإصابات وحالة المصابين النفسية في موقعة الجمل

43:00 تأزم وضع المستشفى الميداني خلال موقعة الجمل

44:30 سرقة تبرعات المستشفى

46:26 كيفية استمرار المستشفى والحالة النفسية

48:49 وصول دعم للمستشفى الميداني

Total
0
Shares
السابق

أقيلوا حكومة الجنزوري قبل الكارثة!

التالي

حرب إسرائيل على الدستور المصرى (1)

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share