يستعرض أحمد منصور مع المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا عدنان سعد الدين ج 6 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، الذي جرى بثه بتاريخ 14 أكتوبر 2012، حادثة مدرسة المدفعية عام 1979 وأثرها على جماعة الإخوان المسلمين، وما أعقبها من حملات دموية ضد الشعب السوري قادها رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري حافظ الأسد، وتحدث عن مبادرة الصلح بين النظام والإخوان ومحاولة اغتيال حافظ الأسد.
مقتطفات من الحوار
استكمل عدنان سعد الدين المراقب العام الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين، حديثه فى الجزء السادس من شاهد على العصر، حول حادث مدرسة المدفعية، وتأثيره على جماعة الإخوان بسوريا، موضحًا موقفه منها، كما تحدث عن موقفه مع عدنان عقلة رافضًا اعتبار إياه خليفة عبد الستار الزعيم، وأسباب مخاوفه ورفضه لعقلة. ونقل سعد الدين كواليس انشاء تنظيم مسلح لجماعة الإخوان بسوريا، وأسباب تلك الخطوة التي عارضها من قبل ورد على اتهامات بكون الإخوان من أدخل الطائفية لسوريا..
حادث مدرسة المدفعية
وتحدث عدنان سعد الدين عن خطاب رفعت الأسد الدموي، ضد الإخوان، بعد حادث مدرسة المدفعية في 16 يونيو 1979، وما أعقبه من إجراءات، أمنية وجرائم، وحقيقة خوف حافظ الأسد من تنظيم الطليعة، وهل كان حقًا يرغب في مصالحة الإخوان بسببها خلال خطبته في مارس 1980 ومبادرته بالإفراج عن 500 معتقل قبل الخطبة.
المفاوضات مع الأسد
ونقل المراقب العام الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين، تفاصيل المفاوضات مع نظام الأسد من خلال أمين يكن في عمان، والشروط التي وضعها سعد الدين على أمين من أجل التجاوب مع مبادرة الأسد، وكيف تجاوب مع شروط الإخوان، وذكر أسباب فشل المبادرة وعودة اضطهاد الإخوان ومطاردتهم.
وتحدث كذلك عن رؤية حافظ الأسد له، ورد على اتهامات نظام الأسد حول دخول علي البينوني لسوريا، وارتباطه بالحشد العسكري، موضحًا السبب الحقيقي لدخوله، وسبب خلافه مع عدنان عقلة خلال تلك الزيارة، ونتائج رحلته. وأجاب سعد الدين على تساؤلات حول علاقة الإخوان بالمظاهرات والإضرابات التي انتشرت في سوريا، عقب فشل مبادرة الأسد للصلح، وهل كان الإخوان سببًا رئيسيًا فيها أم كانوا ضدها، وحقيقة ذلك الحراك والمحرك الحقيقي له، ولماذا لم يتمكن الإخوان من استغلال الاضطراب بالشارع خلال تلك الفترة، وحقيقة عزم الأسد القيام بصلح بسبب ذلك الحراك.
محاولة اغتيال حافظ الأسد
وتطرق سعد الدين لهجوم قوات الأسد على مدينة حلب واللاذقية بعد خطاب مارس 1980، والمذابح التي ارتكبوها، ورد على اتهام الإخوان بمحاولة اغتيال حافظ الأسد، مؤكدًا أن الإخوان سمعت بتلك المحاولة بعد حدوثها، ولم يكن لها أي دور فيها بأي شكل، وكشف عن معرفة الإخوان بكواليس المحاولة بعد سنوات من وقوعها، ورد على اتهامات بمحاولة اغتيال أخرى.
ذبح الإخوان على قاعة الطريق
وتطرق عدنان سعد الدين إلى تبعات محاولة اغتيال الأسد، من إجراءات وقوانين وجرائم ، مشيرًا لبعض المصادر التي ذكرت مقتل ما لا يقل عن 20 ألف شخص، كما نقل حقيقة الأرقام في مذبحة سجن تدمر التي قام بها رفعت الأسد عقب محاولة الاغتيال. كما تحدث عن مذابح الأسد في حلب، وهل كان الإخوان مسؤولون عنها لاستفزازهم الأسد، وأكد أن جماعة الإخوان في سوريا منذ تأسيسها لم تقبل أي عنف.
وكشف كواليس وأسباب كتابة وإصدار بيان إعلان الثورة الإسلامية الذي كتبه بنفسه، ورد على تساؤلات حول إن كان إخوان سوريا يملكون مقومات الثورة كي يعلنوا عنها. وأجاب على تساؤلات حول فتوى ابن باز بخصوص إخوان سوريا، وهل كانت فتوى سعودية أم فتوى شخصية من الشيخ، وهل كانت الفتوى بطلب من إخوان سوريا أم لا ؟.
نص حوار عدنان سعد الدين ج 6 :
حادث مدرسة المدفعية..و رفعت الأسد يأمر بذبح الإخوان على قاعة الطريق
أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر. نواصل في هذه الحلقة الاستماع إلى شهادة الأستاذ عدنان سعد الدين، المراقب العام الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا. أهلا وسهلا بك أستاذ عدنان.
عدنان سعد الدين:
شكرا لكم، وبارك الله فيكم أستاذ أحمد.
حادثة مدرسة المدفعية: نقطة التحول الكارثية
أحمد منصور:
حادثة مدرسة المدفعية التي وقعت في يونيو حزيران عام 1979، عندما فتح النقيب إبراهيم اليوسف، بمشاركة عناصر من الطليعة المقاتلة المنسوبة إلى الإخوان المسلمين، النار على مئات الطلاب، وكان معظمهم من الطائفة العلوية، شكّلت منعطفا حاسما في علاقتكم مع النظام.
وقد ذكرتَ في مذكراتك، في المجلد الرابع الصفحة السادسة والسبعين، أن هذه الحادثة كانت عملا كارثيا على تنظيم الإخوان المسلمين، لأنها عطلت برامج الجماعة وعرقلت مسيرتها الدعوية.
عدنان سعد الدين:
نعم، هذا الكلام صحيح مئة بالمئة. كنا آنذاك نحقق حضورا متقدما في المجتمع، وكانت مسيرتنا الدعوية تسير بنجاح ملحوظ، وكان هناك تجاوب واسع معنا. كنا نعمل على تفكيك الخلافات بين العلماء والإخوان، وبين الحركات الإسلامية والجماعة، بل حتى مع الأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها.
لكننا فوجئنا بهذه الحادثة، وتبرأنا منها بشكل صريح، ولم نكن طرفا فيها.
أحمد منصور:
لكن في الصفحة نفسها، وصفت الحادثة بأنها كارثة مؤلمة للسلطة الحاكمة وللطائفيين المتسلطين على رقاب الناس.
عدنان سعد الدين:
نعم، كانت كارثة علينا من جهة، لكنها في الوقت ذاته فضحت النظام، وكشفت طبيعة الأقلية الحاكمة التي أرادت الهيمنة بالقوة، وأظهرت زيف شعاراتها. لقد عرّت بنيتها الطائفية والاستبدادية.
عدنان عقلة والطليعة المقاتلة: صراع داخلي
أحمد منصور:
في مذكراتك، شنت هجوما شديدا على عدنان عقلة، الذي كان من أبرز منظمي الحادثة مع إبراهيم اليوسف، وكأن بينكما ثأرا شخصيا.
عدنان سعد الدين:
ليس الأمر شخصيا، وإنما هو موقف مبدئي. عدنان عقلة لم يكن محل ثقة القيادة، ولم يكن معترفا به من قبل عبد الستار الزعيم. بعد مقتل الزعيم، تمزقت القضية، وتحوّل العمل إلى مجموعات صغيرة غير منضبطة.
من الدعوة إلى السلاح: منطق الدفاع عن النفس
عدنان سعد الدين:
بعد حادثة المدفعية، ومع تصاعد حملات القتل والملاحقة في الشوارع والسجون، تحرك بعض الإخوان تحت شعار الدفاع عن النفس، بقرار من مجلس الشورى، في وقت لم أكن فيه حاضرا، إذ كنت خارج البلاد.
لاحقا، تبين لنا أن بعض التحركات كانت مشبوهة، وأن هناك اتصالات مرفوضة مع جهات لبنانية وأطراف خارجية، وكان عدنان عقلة يتبنى خطابا دمويا صريحا، ويؤمن بأن الدم وحده هو الحل.
إعلان الحرب الرسمية على الإخوان المسلمين
أحمد منصور:
وزير الإعلام أحمد الإسكندر اتهم الإخوان بتنفيذ مذبحة المدفعية، ثم أعلن وزير الداخلية عدنان الدباغ الحرب رسميا على الجماعة.
عدنان سعد الدين:
لم تكن لنا علاقة بالحادثة لا من قريب ولا من بعيد، ومع ذلك فُرضت علينا حالة الطوارئ المستمرة، التي حرمت السوريين من أي حياة دستورية أو قانونية منذ عقود طويلة.
رفعت الأسد على خطى ستالين
أحمد منصور:
في المؤتمر القطري السابع لحزب البعث مطلع عام 1982، ألقى رفعت الأسد خطابا دعا فيه إلى التضحية بملايين البشر من أجل الحفاظ على النظام، مستشهدا بستالين وغيره.
عدنان سعد الدين:
ذلك الخطاب كان وثيقة إجرامية مكتملة الأركان، وأسّس للمذابح التي تلت، سواء في الشوارع أو السجون أو داخل الجيش والأجهزة الأمنية. لقد طالب رفعت الأسد بتفويض مطلق، وربط مصير الدولة بالقمع الشامل.
قانون 49: شرعنة القتل
عدنان سعد الدين:
بعد هذا الخطاب، صدر قانون تسعة وأربعين، الذي يبيح قتل كل من ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين دون محاكمة، حتى من كان معتقلا قبل صدوره. وقد قُتل عشرات الآلاف، لا سيما في سجن تدمر.
مبادرات المصالحة: يد ممدودة أم مناورة سياسية؟
أحمد منصور:
في فبراير شباط 1980، طرح حافظ الأسد مبادرة للمصالحة، وأفرج عن مئات المعتقلين.
عدنان سعد الدين:
كنت طرفا مباشرا في تلك المبادرة. جاءنا أمين يكن إلى عمّان، واجتمع معنا عدة أيام. طرحتُ شروطا واضحة:
تحمّل النظام مسؤولية ما جرى، الإفراج عن جميع المعتقلين دون تمييز، إعادة الحقوق للمبعدين، ثم الجلوس لحوار وطني شامل حول مستقبل سوريا.
كنت مستعدا لتحمل مسؤولية هذه المبادرة كاملة، حتى لو أدت إلى خروجي من قيادة الجماعة.
أحمد منصور:
هل جاءت هذه المبادرة قبل حادثة مدرسة المدفعية أم بعدها؟
عدنان سعد الدين:
نعم، كانت تلك المبادرة بعد حادثة مدرسة المدفعية، وبعدها بفترة طويلة نسبيا.
أحمد منصور:
نعم، بعد الحادثة.
عدنان سعد الدين:
أمين يكن كان وكيلا لجماعة الإخوان المسلمين في مرحلة سابقة، ثم ترك الجماعة وأصبح مستقلا.
أحمد منصور:
صحيح.
عدنان سعد الدين:
عندما توليت منصب المراقب العام، كان أمين يكن مقيما في بيروت. استأذنني في الذهاب إلى سوريا للقيام بدور الوساطة، مستندا إلى علاقات عائلية وسياسية، إذ كان زوج شقيقته وزيرا ينتمي إلى الحزب الشيوعي أو قريباً منه. قلت له: لا مانع، اذهب.
قال لي: أنا صديق لمصطفى طلاس، وربما أستطيع الدخول إلى سوريا والمساعدة في حل الإشكال. فقلت له: لا تبق في بيروت معزولا، ولا تحكم على نفسك بالنفي، اذهب وحاول.
كنت، كلما دخلت سوريا سرا، أزوره في منزله. وقد اعتقلوه مرة ثلاثة أيام ثم أفرجوا عنه.
أمين يكن كان رجلا صادقا، شجاعا، صريحا، لا يعرف التعقيد، وكان من خيرة رجالات الإخوان المسلمين، ويمتلك شخصية قوية ومستقلة.
شروط الوساطة: انفراج قبل الحوار
أحمد منصور:
إذن جاء أمين يكن ليلعب دور الوسيط بينكم وبين النظام.
عدنان سعد الدين:
نعم، وقد تجاوبت معه بشكل كبير.
أحمد منصور:
ما هي شروطكم التي طرحتموها؟
عدنان سعد الدين:
طلبت منه تسجيل أربع نقاط واضحة، جوهرها الانفراج الداخلي والخارجي، ثم الجلوس لاحقا للحوار حول مستقبل سوريا السياسي.
الإفراج عن المعتقلين: مبادرة أُجهضت من الداخل
أحمد منصور:
وبالفعل، تجاوب حافظ الأسد، وأفرج عن نحو خمسمئة من الإخوان المسلمين.
عدنان سعد الدين:
نعم، تجاوب فعلا. ذهب أمين يكن بالطائرة إلى دمشق، ثم إلى حلب، وعاد ليستأذن عبر الأجهزة الأمنية هناك لترتيب اللقاء مع حافظ الأسد.
وعندما التقاه، قال له حافظ الأسد: اذهب بنفسك وأخرجهم بيدك.
أحمد منصور:
إلى هذا الحد؟
عدنان سعد الدين:
نعم. وأنا هنا أقول ما أعلمه فقط. والله لو وجدت خيرا عند حافظ الأسد لما أنكرتُه، ولا أستطيع أن ألقى الله وأنا أحمّله ما لم يفعله.
دخل أمين يكن إلى سجن كفرسوسة، وشاهده المعتقلون من النوافذ، فاستغربوا وجوده داخل السجن. وقد أُفرج عن نحو أربعمئة وثمانين شخصا من دمشق وحمص ومدن أخرى.
لكن سرعان ما تدخلت الأجهزة الأمنية التي كانت تعارض هذه المبادرة، فأوقفت الإفراج عن المعتقلين في درعا، ثم في إدلب، ثم في حماة، واستؤنفت بعدها الحرب على الجماعة من جديد.
فرصة ضائعة: فشل المصالحة
أحمد منصور:
هل يمكن القول إن هذه المبادرة، لو كُتب لها النجاح، كانت ستوقف سيل الدماء؟
عدنان سعد الدين:
نعم، هذا ما كنت أتصوره، بل كنت حريصا عليها أشد الحرص. قلت لأمين يكن: اذهب باسمي وقل هذا الكلام.
لكن التقارير الأمنية التي كانت تتحكم بمفاصل الدولة لعبت دورا حاسما. فصار حافظ الأسد، كلما التقى وفدا، يثني على بعض الشخصيات الإسلامية، كعبد الفتاح أبو غدة، وحسن هويدي، وغيرهم، لكنه في الوقت نفسه كان يعتبرني أنا المجرم الحقيقي.
أحمد منصور:
هل كان يعتبرك المسؤول الأول عن العمليات؟
عدنان سعد الدين:
نعم، رغم أنني لم أشتغل في العمل العسكري مطلقا. منذ عام 1946 وأنا أعمل في المجال التربوي والثقافي فقط.
علي البيانوني وعدنان عقلة: صدام الرؤى داخل الصف
أحمد منصور:
تقول بعض الروايات إنكم، خلال فترة التفاوض، أرسلتم علي البيانوني إلى حلب، لكنه لم يكن للوساطة، بل لترتيب الجهاز العسكري.
عدنان سعد الدين:
هذا غير صحيح. دخوله كان سريا وبعلمنا نحن، وليس بعلم النظام.
ذهب إلى حلب والتقى بعدنان عقلة، فاكتشف شرا عظيما فيه. كان لا يتحدث إلا عن الدم والقتل، واتهم علي البيانوني بأنه جاء لإفساد ما سماه “حركة الجهاد”.
حاول علي البيانوني إقناعه وتغيير قناعاته، لكنه فشل، وعاد بخيبة أمل. وصادف وجوده في حلب حملة تفتيش واسعة، فكان يتنقل من حي إلى حي ومن منزل إلى آخر حتى تمكن من الخروج.
انتفاضة مجتمع لا مؤامرة تنظيم
أحمد منصور:
في مارس آذار 1980، وبعد فشل مبادرة المصالحة، يقول باتريك سيل إن الإخوان فشلوا في إسقاط النظام عبر الاغتيالات، فاتجهوا إلى خطة أجرأ، هي إغراق البلاد بالإضرابات والمظاهرات. هل كنتم وراء ذلك؟
عدنان سعد الدين:
الذي قاد تلك التحركات كانت النقابات المهنية والعلمية، وكان الشعب كله خلفها. لم تكن حركة خاصة بالإخوان المسلمين، بل كانت أوسع بكثير.
من قاد الشارع؟ دور النقابات المهنية
أحمد منصور:
لكن وُجهت إليكم اتهامات بأنكم كنتم ضد الإضرابات، بل منعتم الناس منها.
عدنان سعد الدين:
هذا غير صحيح. لم نكن وراءها، ولم نكن ضدها. الشعب كله تحرك.
المبادرة بدأت من نقابة المحامين في دمشق، بقيادة نقيبها آنذاك، الركابي. أضربوا يوما واحدا عن المحاكم والمرافعات، ثم لحقت بهم بقية النقابات.
عدنان سعد الدين:
بعد ذلك، أضرب الأطباء، وأطباء الأسنان، والصيادلة، وتعرضوا لقمع شديد، فساندهم العلماء والمشايخ.
وبطبيعة الحال، كانت النقابات متأثرة بالإخوان المسلمين، لأن الجماعة كانت متغلغلة في صفوفها، لكن الحركة تجاوزت الإطار التنظيمي، وتحولت إلى حالة احتجاج وطني عام ضد الأحكام العرفية والاعتقالات والاغتيالات.
أحمد منصور:
يرى باتريك سيل أنكم أضعتم في تلك المرحلة فرصة تاريخية مهمة. فحسب تحليله، فإن اتساع رقعة الإضرابات والمظاهرات في عموم سوريا دفع حافظ الأسد إلى التفكير الجدي في الدخول في مصالحة مع الإخوان المسلمين ومع فئات أخرى من الشعب. ويقول إن الأسد كان مستعدا للوصول إلى تسوية، بل للقاء معارضيه في منتصف الطريق، والعمل على مأسسة مبادرة مصالحة وطنية تتحول إلى عقد سياسي جديد.
عدنان سعد الدين:
ما جرى، في تقديري، لم يكن سوى محاولة واسعة للخداع وكسب الوقت إلى أن تهدأ الأوضاع. والدليل على ذلك أن نساء اعتُقلن في حلب، وعندما تدخل علماء المدينة، لما لهم من ثقل اجتماعي، طالبوا المحافظ بالإفراج عن النساء كبادرة أولية، لكنه رفض مقابلتهم وأبقى النساء في السجن.
خطاب المواجهة
أحمد منصور:
يقول باتريك سيل إنكم دفعتم الأسد، الذي كان يتجنب الاحتكاك المباشر بالجمهور، إلى الانخراط الكامل في المواجهة. ففي شهر مارس آذار 1980 وحده، ألقى ستة خطابات في أيام متقاربة، في الثامن والحادي عشر والسابع عشر والثاني والعشرين والثالث والعشرين والرابع والعشرين من الشهر نفسه.
عدنان سعد الدين:
وماذا قال في تلك الخطب؟
أحمد منصور:
تحولت كلها إلى دفاع عن الذات وهجوم عليكم. قال إنه يؤمن بالله وبرسالة الإسلام ردا على اتهامه بالكفر، وبدأ يتحدث صراحة عن استخدام ما سماه “العنف الثوري المسلح” في مواجهتكم. هل كان مارس آذار 1980 نقطة اللاعودة؟
عدنان سعد الدين:
وما جريمتنا في ذلك؟ من الذي أعلن قطع خط الرجعة؟
من المسؤول عن الانفجار؟
أحمد منصور:
يقول باتريك سيل إن خطأكم كان عدم استثمار مبادرة المصالحة في وقتها وعدم استخدامها سياسيا بالشكل الصحيح.
عدنان سعد الدين:
دعني أوضح. في الفترة التي التقى فيها وفد من الإخوان بحافظ الأسد، كان عدنان عقلة موجودا في حلب. وبعد أن هدأت الأوضاع نسبيا وبدأ الإفراج عن المعتقلين، قام بتحريض وعمليات اغتيال هناك.
وقد سمعته بنفسي عندما جاء إلى عمّان يقول بلا مبالاة: اقتلوهم، اضربوهم. هذا الاستهتار بالدم أغضب حافظ الأسد، فحمّل جماعة الإخوان ما كانت ترفضه وتنكره.
وعندها قال عبارته الشهيرة: سنبدأ العنف الثوري. ومنذ تلك اللحظة، بدأت حمامات الدم التي استمرت في سوريا من عام 1977 حتى عام 1983.
جسر الشغور: نموذج العقاب الجماعي
أحمد منصور:
يذكر باتريك سيل أنه في التاسع من مارس آذار 1980 أُرسلت قوات محمولة جوا إلى مدينة جسر الشغور، حيث هاجم متظاهرون الثكنات ومكاتب الحزب. أعقب ذلك بحث وتدمير واسع، أسفر عن مقتل مئتي شخص وسَوق عشرات المعتقلين إلى محاكم ميدانية. وبعد أيام قليلة، أُرسلت الفرقة الثالثة بكاملها، عشرة آلاف جندي ومئتين وخمسين دبابة، إلى مدينة حلب لإخضاعها.
عدنان سعد الدين:
دعنا نقف عند هذه الواقعة. جسر الشغور مدينة صغيرة، لا يتجاوز عدد سكانها عشرة آلاف نسمة، مدينة هادئة على ضفاف نهر العاصي. خرج أهلها في مظاهرة مثل غيرهم.
لكن توفيق صالحة، وهو قيادي بعثي درزي وعضو معاون في القيادة القطرية، نُقل بالطائرة إلى دمشق، ثم تولى بنفسه تنفيذ الإعدامات.
قُتل، بحسب باتريك سيل، نحو مئتي شخص، وبعض الروايات تتحدث عن مئة وخمسين إلى مئتين وخمسين. أُعدموا على الأرصفة، بمحاكم ميدانية استندت إلى مراسيم استثنائية، مثل المرسوم رقم ستة، وأربعة عشر، وأربعمئة وتسعة، وكلها تبيح القتل وتمنح الأجهزة الأمنية سلطة الإعدام الفوري.
محاولة الاغتيال: لحظة القطيعة النهائية
أحمد منصور:
في السادس والعشرين من يونيو حزيران 1980 وقعت الحادثة التي وُصفت بأنها نقطة اللاعودة بينكم وبين حافظ الأسد، وهي محاولة اغتياله أثناء استقباله رئيس النيجر في قصر الضيافة. أُلقيت قنبلة عليه من أحد حراسه، فاحتمى بها مرافق له فقُتل، وأُلقيت قنبلة أخرى لم تنفجر.
وُجه الاتهام إلى الإخوان المسلمين، وقيل إن خلية داخل جهاز أمن الرئيس مرتبطة مباشرة بك أنت.
عدنان سعد الدين:
شر البلية ما يضحك. أنا خرجت من سوريا منذ سبتمبر أيلول 1977. فكيف أصل إلى القصر الجمهوري، وأزرع خلايا داخل الحرس الخاص؟
سمعنا بهذه الرواية كما سمع الناس جميعا، وهي افتراء محض.
حقيقة محاولة الاغتيال
أحمد منصور:
إذن لم يكن لك أي دور في محاولة اغتيال حافظ الأسد؟
عدنان سعد الدين:
أقسم بالله أنه لم يكن لي أي علم، ولا تخطيط، ولا توجيه، ولا حتى إخطار، لا من قريب ولا من بعيد. هذه التهمة استُخدمت لتبرير سيل الدماء الذي تلاها.
أحمد منصور:
هل كانت الطليعة المقاتلة وراءها؟
عدنان سعد الدين:
ولا الطليعة. بعد سنوات عرفنا أن الفاعل شخص من محافظة إدلب، قام بالعملية بدافع فردي محض، وكان أحد أفراد الحرس الرئاسي. تمكن من الفرار إلى إحدى الدول العربية، ولم يُقبض عليه.
أحمد منصور:
تذكر بعض المصادر أنكم تسللتم إلى القصر، وسممتم الأثاث المصنّع في إيطاليا، بل وصلتم إلى الطيار الخاص بالرئيس.
عدنان سعد الدين:
هذا الكلام أقرب إلى الخيال والتخريف.
لكن الحقيقة المؤكدة أن النظام، عقب المحاولة مباشرة، أرسل إحدى عشرة طائرة، ونفذ عمليات قتل جماعي، ذهب ضحيتها نحو ألف وسبعمئة إنسان.
أحمد منصور:
يقول باتريك سيل إن محاولة الاغتيال فجّرت موجة غضب عارمة في أوساط الطائفة العلوية، وإن رفعت الأسد أقسم على محو دمشق.
عدنان سعد الدين:
حتى لو افترضنا أن شخصا ارتكب فعلا فرديا، فهل يكون الرد بذبح سوريا كلها؟
في سجن تدمر وحده، تشير مصادر كثيرة إلى مقتل نحو عشرين ألف إنسان.
كان المهجع يضم مئة وثمانين سجينا، ولا يبقى بعد الإعدامات سوى ثلاثين. وكان من يلفظ الشهادة توضع لاصقات على فمه حتى لا تُسمع.
امتلأت الأخاديد بالجثث، وكثير من الضحايا كانوا رهائن لأشخاص مطلوبين أو مختفين، لا ذنب لهم.
مجزرة سجن تدمر: الإعدام بالجملة
أحمد منصور:
في السابع والعشرين من يونيو حزيران 1980، أي في اليوم التالي لمحاولة الاغتيال، هاجمت سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد سجن تدمر، وأُطلق الرصاص على السجناء داخل زنازينهم، وقُتل نحو خمسمئة معتقل بحسب باتريك سيل.
عدنان سعد الدين:
العدد الحقيقي يتراوح بين ألف ومئة وألف وسبعمئة.
كانوا رهائن، لا محكومين ولا متهمين. اقتحمت مجموعات مسلحة السجن، ونفذت الإعدامات بدم بارد.
كتبتُ تفاصيل هذه المجزرة كاملة، بأسماء الضباط المنفذين. إنها جريمة لا يحتمل العقل تصورها.
أحمد منصور:
في السابع من يوليو تموز 1981، وبعد أسابيع قليلة من محاولة الاغتيال، صدر القانون رقم تسعة وأربعين، الذي ينص على عقوبة الإعدام لكل من ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهو قانون ما زال ساريا حتى اليوم.
عدنان سعد الدين:
طيب، كيف يقال إن حافظ الأسد نفسه يعترف بأن الإخوان ليسوا جميعهم قتلة، ثم يصدر هذا القانون الذي يعاقب كل من ينتمي للإخوان بالإعدام؟
أحمد منصور:
ما أنتم حاولتم قتله…
عدنان سعد الدين:
ما نحن حاولنا، والله يا أخي، أقسم لك بالله، فوجئنا بذلك كالناس جميعاً. لم نكن نعلم عنه إلا كما سمعه الناس. حتى لو افترضنا أن أحد الإخوان حاول فعلاً، لماذا يُعامل جميع أفراد الحركة كأنهم مجرمون؟
رفعت الأسد أراد الانتقام من دمشق كلها، لماذا قتلوا بين 1100 و1700 سجين في تدمر؟ هل سمعت بمثل هذا الذبح؟ إذا كان هناك قاتل، كان من الممكن محاسبته وفق القانون، لا أن يُذبح الآلاف بلا تمييز.
هناك أبناء الطائفة العلوية الذين يرفضون هذا الحكم، وليس كل من ينتمي إلى الطائفة مسؤولاً عن جرائم الأسد.
المجازر في حلب: استهداف الأبرياء
أحمد منصور:
باتريك سيل يذكر في صفحته 533 أن النظام نفذ ضربات عقابية دامية في حلب في أغسطس 1980، وضد حماة في أبريل 1981، حيث جمعوا الذكور الذين تجاوزوا 14 عاماً بشكل شبه عشوائي وأطلقوا النار عليهم مباشرة.
عدنان سعد الدين:
في عشرات المذابح في حلب، أي محاولة صغيرة كانت تُقابل بقتل جماعي.
مثلاً في “هنانو”، قام رجال الأمن بقتل 83 شخصاً في لباس النوم، في يوم عيد، دون أي ذنب. هذه مقابر جماعية. ما جريمة أبناء هذه الأحياء؟ ما ذنبهم حتى يُقتلوا بسبب حادثة فردية؟
أحمد منصور:
هناك من يقول إن الإخوان هم المسؤولون عن ضحايا الشعب، لأنكم حاولتم قتل الرئيس فكان الرد على المدنيين.
عدنان سعد الدين:
لم نبدأ نحن بالعنف ولم نحرض على ذلك. منذ تأسيس الإخوان في سوريا عام 1973، لم يقم الإخوان بأي حادثة دموية. حتى حين قتل شخص من آل الحراكي في حمص في الأربعينيات، لم يكن هناك أي رد دموي.
الإخوان يكرهون الدماء. كما قال الهضيبي: “الإخوان دعاة لا قضاة”.
كل ما حدث بعد 1977 من جرائم دموية كان من قبل النظام، المدعوم بالطائفية، وليس لنا أي علاقة به.
أحمد منصور:
لكنك تستشهد بباتريك سيل، فهو لا ينتمي للإخوان ولا للنظام.
عدنان سعد الدين:
صحيح، باتريك سيل بريطاني، وكتابه عن الأسد مرجع مستقل. في عشرات الصفحات يوضح الجرائم الطائفية للنظام وفساده ونهبه للثروات.
حتى رفعت الأسد يقال إن ثروته بلغت 17 مليار دولار، كما نقل أحمد سليمان، أحد معاونيه الذين لجأوا إلى بغداد.
آلان جورج أيضاً كتب عن الوضع في سوريا في كتابه “سوريا: لا خبز ولا حرية”، وكل هذه المصادر توثق الجرائم.
بيان الثورة الإسلامية في سوريا
أحمد منصور:
في عام 1980، بعد إصدار قرار تجريم أو إعدام كل من ينتسب للإخوان، أصدرتم ما يسمى بيان الثورة الإسلامية في سوريا.
عدنان سعد الدين:
نعم، وأنا الذي كتبته من أول كلمة إلى آخر كلمة.
كتبته في جوار الرسول صلى الله عليه وسلم، أثناء تواجدي في المدينة في اليوم الأول من رمضان، وانتهيت منه في أول شوال.
كان تعبيراً عن روح الإخوان، لم يكن بياناً إنشائياً فحسب، بل محاولة لتوثيق موقفنا ومبادئنا.
أحمد منصور:
متى اتخذتم قرار إعلان الثورة الإسلامية؟
عدنان سعد الدين:
الثورة الإسلامية لم تُعلَن بمعنى الانقلاب أو الثورة المسلحة، بل كانت رد فعل على المذابح التي حصلت، وعلى إعدام مئات الآلاف في تدمر وحلب وغيرها.
لقد كتبنا البيان كخطة للدفاع عن النفس، ولتنبيه الشعب إلى ما يحدث، وليس للبدء بالقتال العشوائي.
فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز
أحمد منصور:
في أغسطس 1980، أصدر الشيخ عبد العزيز بن باز فتوى بدعم مجاهدي سوريا.
عدنان سعد الدين:
نعم، كان دعمًا معنويًا وماليًا لتوفير الموارد للمجاهدين.
هذه الفتوى شخصية، وليست فتوى رسمية للدولة السعودية، لكنها أظهرت دعماً لأهل الدين للوقوف إلى جانب المظلومين.
أحمد منصور:
أصدرتم مناهج للثورة الإسلامية تتضمن طروحاتكم المستقبلية للحكم وكأنها خطة جاهزة للتنفيذ.
عدنان سعد الدين:
لا، لم يكن هناك خطة جاهزة للسيطرة على الدولة. المنهاج كان برنامجًا مبادئياً يوضح القيم والأهداف، وليس خطة عملية للتنفيذ الفوري.
كل ما ذكر في المنهاج من ممالأة للحلفاء أو تجاوزات سياسية هو افتراء، ولا يوجد فيه أي أثر للولاء الأجنبي أو الخضوع لأي طرف.
العمل المسلح دفاع عن النفس
أحمد منصور:
بدأتم العمل المسلح ضد النظام؟
عدنان سعد الدين:
لا، نحن لم نبدأ أي عمليات. مجلس الشورى اجتمع بعد ستة أشهر من الإعدامات، وأكدنا أن الوقت قد حان للدفاع عن النفس فقط، وفق ما فرضته الظروف.
لم نكن جاهزين للثورة، بل الثورة فرضت علينا بسبب المجازر التي ارتكبها النظام ضد المدنيين الأبرياء.
أحمد منصور:
شكراً لك، سنبدأ في الحلقة القادمة الحديث عن الدفاع عن النفس ودخول الإخوان في المواجهة مع النظام.
عدنان سعد الدين:
شكراً لك، يسعدني أن أشرح كل الحقائق بدون تحفظ.
أحمد منصور:
شكرا لك، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة السيد عدنان سعد الدين المراقب العام الأسبق للإخوان المسلمين في سوريا، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحوار
00:00 – المقدمة |
00:30 – حادثة مدرسة المدفعية وأثرها على حركة الإخوان |
01:52 – عدنان سعد الدين يمدح حادثة مدرسة المدفعية |
03:05 – الحركات المشبوهة لعدنان عقلة |
04:17 – أتهم الإخوان المسلمين بتنفيذ مذبحة المدفعية |
05:23 – الحملة الدموية التي قادها رفعت الأسد ضد الشعب |
07:59 – حافظ الأسد يتهم الإخوان بأنهم ضد التقدم |
08:48 – خطورة التنظيم السري على النظام بسوريا |
09:27 – تجريم حافظ الأسد لجماعة الإخوان المسلمين والمنتمين لها |
10:43 – حقيقة تكفير الإخوان للطائفة العلوية |
12:26 – مبادرة المصالحة بين الإخوان والنظام بوساطة أمين يكن |
17:03 – إيقاف رجال الأمن لمبادرة الصلح بين الإخوان والنظام
18:17 – أسباب دخول علي البيانوني إلى حلب سرا |
19:17 – إغراق البلاد بالمظاهرات والإضرابات والمسؤول عنها |
20:37 – نقابة المحامين تقود المظاهرات في سوريا |
21:41 – محاولة خداع من الأسد ودخول النساء للسجون |
22:34 – عدنان عقلة ودور في تأزم الأمور بين الإخوان والنظام |
24:12 – مراسيم الأسد تبيح الإعدام ومقتل 200 من حلب |
26:02 – محاولة اغتيال حافظ الأسد وتبعاتها |
27:22 – علاقة الإخوان المسلمين بمحاولة اغتيال حافظ الأسد |
27:45 – أحد حراس الرئيس المسؤول عن محاولة الاغتيال |
28:52 – مقتل 20 ألف شخص انتقاما لممحاولة قتل الأسد |
30:18 – مهاجمة سجن تدمر ومقتل مئات الإخوان داخل السجون |
32:30 – عقوبة الإعدام لكل من ينتسب إلى جماعة الإخوان |
34:32 – عشرات المذابح في حلب |
35:28 – اتهام الإخوان المسلمين بالمسؤولية عن ضحايا الشعب السوري |
37:05 – قصة بيان وإعلان الثورة الإسلامية في سوريا |
39:06 – فتوى الشيخ بن باز بدعم مجاهدى سوريا |