الفرق بين القضاء البريطاني والمصري

فى ظل مهرجان «البراءة للجميع» الذى حدث فى مصر فى الأسبوع الماضى والأسابيع السابقة له من الإفراج عن معظم وزراء مبارك ورجاله الذين عُرفوا بضلوعهم فى الفساد والإفساد والنهب والسرقة والتدليس والكذب لعقود عديدة، فنهبوا خيرات البلاد وحقوق العباد ثم لم تجد المحكمة فيما قُدم إليها ما يستدعى بقاءهم فى السجون، فقد تفاعلت فى الأسبوع الماضى وفى نفس الوقت الذى خرج فيه هؤلاء وأخرجوا ألسنتهم للشعب قضية كبيرة فى بريطانيا وقفت أمامها مقارنا بين ما حدث فى بلادنا وما يحدث فى بلادهم، بين ما قام به وزراؤنا من فساد وإفساد ثم ظهروا كشرفاء متهمين زوراً وبهتاناً وبين ما تعرض له أحد الوزراء البريطانيين مقابل مخالفة مرورية ارتكبها قبل عشر سنوات. فقد تصدر الصفحات الأولى للصحف البريطانية فى الخامس من فبراير خبر اشتركت فيه جميعا، هو أن كريس هون، وزير الطاقة السابق، وهو أشهر زعماء حزب «الديمقراطيين الأحرار»، شركاء المحافظين فى الائتلاف الحكومى القائم الآن فى بريطانيا، قد خسر مقعده البرلمانى بعد ساعة واحدة من اعترافه بأنه كذب وضلل العدالة، ليس لأنه نهب وسلب وفسد وأفسد، لكن لأنه كذب بشأن مخالفة مرورية، فقط مخالفة مرورية!! وهذه المخالفة لم تكن فى الأسبوع الماضى أو الذى قبله وإنما كانت قبل عشر سنوات، والقصة ببساطة شديدة هى أن كريس هون الذى خسر لنفس السبب منصبه الوزارى كوزير للطاقة فى العام الماضى كان يقود قبل عشر سنوات سيارته وبجانبه زوجته التى أصبحت الآن طليقته، وقد التقطت إحدى كاميرات المرور صورة لسيارته وهى تسير بسرعة تتجاوز المسموح به على أحد الطرق، وبسبب حساسية وضعه السياسى فقد اتفق مع زوجته على أن تسجل المخالفة باسمها وليس باسمه هو، وقد سبب هذا الأمر خلافات داخل العائلة بعد ذلك؛ لأن الرجل هنا دخل فى دائرة الكذب، هذا التصرف الذى يحدث فى بريطانيا يحدث مثله فى بلادنا مئات المرات بل ما هو أكثر من ذلك؛ حيث يمكن لأحد الأثرياء أو المسئولين الكبار أن يسجل جريمة قتل خطأ بسيارته أو بغيرها باسم سائقه أو أحد الخدم عنده وترتب القضية على أعلى المستويات ويخرج مثل الشعرة من العجين، وهناك عشرات الشواهد فى مصر على ما هو أكبر من ذلك، لكن ما حدث فى بريطانيا كان عكس ذلك؛ فقد علم ابن كريس هون بما حدث ورفض سلوك أبيه وانحاز إلى أمه وطالب الأب بكشف الحقيقة إلى الرأى العام وكان كشف الحقيقة معناه أن يستقيل الوزير من المسئولية، وبالفعل استقال من منصبه كوزير للطاقة العام الماضى، وبينما ظل الوزير ينكر أنه ضلل العدالة لعشر سنوات فى هذه القضية التى سيقول كثير من الذين يسرقون بلادهم وخيراتها إنها قضية تافهة، لكن الوزير السابق عضو البرلمان البريطانى أحد قادة الائتلاف الحاكم قرر يوم الاثنين الماضى 4 فبراير المغامرة بمستقبله السياسى وأن يعترف أمام المحكمة بالحقيقة، تلك الحقيقة التى قالت عنها صحيفة الإندبندنت البريطانية: إنها حولت الرجل ومستقبله السياسى إلى «حطام»، ليس حطاما فحسب، بل إنه سوف يتعرض للسجن لأنه ضلل العدالة بشأن الكذب فى مخالفة مرور. قرأت هذه القصة عدة مرات ووقفت أمامها مبهورا وقلت: يا إلهى! هل نحن المسلمين الذين وضع ديننا أفضل المبادئ فى الأخلاق والقيم الإنسانية والعدالة، التى يمتلئ تاريخنا بمثلها ونفخر أنها حدثت فى بلادنا ينقلب الحال الآن ويحدث فى بلادنا ما يحدث، ويخرج وزراؤنا أشرافا من المحاكم مع كثرة الجرائم التى ارتكبوها بحق الشعب وأكبرها هو تدمير الإنسان المصرى، ويجبر وزير بريطانى على الاستقالة من منصبه الوزارى ثم يخسر مقعده البرلمانى ويخسر عائلته وهو عرضة الآن لدخول السجن وقضاء عدة سنوات به لأنه ضلل العدالة، كل هذا لأنه كذب بشأن مخالفة مرورية؟! لا أعرف هل العيب فى القوانين فى بلادنا أم فى الرجال الذين ينفذون هذه القوانين أم فى سلوكيات المجتمع وأخلاقياته التى دُمرت بشكل ممنهج طيلة العقود الماضية، يجب أن ندرك حجم ما نحن فيه وما ينبغى أن نقوم به حتى يتساوى الجميع فى الحقوق والواجبات.. فالطريق ما زال طويلا لإعادة بناء الإنسان المصرى.

Total
0
Shares
السابق

انتشار فتاوى القتل!

التالي

لماذا لا يفعل «مرسى» مثل ديفيد كاميرون؟

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share