كواليس زيارة السادات للقدس بحسب رؤية بطرس غالي

تكشف شهادة بطرس غالي أن زيارة الرئيس السادات للقدس لم تكن مجرد خطوة سياسية جريئة، بل كانت عملية تاريخية معقدة، نُسجت خيوطها الأولى في الخفاء عبر سنوات من الاتصالات السرية.
السادات وشامير

تعد شهادة الدكتور بطرس بطرس غالي، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، حجر زاوية في فهم واحدة من أكثر اللحظات المحورية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث: زيارة الرئيس أنور السادات للقدس عام 1977. بصفته شاهد عيان ومشاركاً رئيسياً في تلك الأحداث.

من قلب الحدث


يقدم غالي رؤية فريدة من قلب دائرة صنع القرار، كاشفاً عن الأبعاد الخفية والكواليس الدبلوماسية التي سبقت ورافقت هذه المبادرة التاريخية. يستند هذا التقرير حصرياً إلى شهادته لتقديم سردية دقيقة تكشف كيف نُسجت خيوط هذه الزيارة في السر، وكيف تفاعلت الشخصيات الرئيسية في لحظة غيرت وجه المنطقة إلى الأبد، بعد أن شقت الصف العربي، وأخرجت مصر من خط المواجهة، وتركت الفلسطينيين يواجهون مصيرهم بمفردهم….

وفي الذكرى الـ48 لهذه الزيارة وتزامنا مع العدوان الذي لم يتوقف على قطاع غزة، ولبنان، وسوريا، واليمن، وغيرها من الساحات، يتجدد الجدل حول مدى فاعلية “الحل الساداتي” للصراع، وعن إمكانية أن يكرر الفلسطينيون هذا السيناريو بعد “طوفان الأقصى”، وحرب الإبادة التي يشهدها قطاع غزة، وحرب التهجير التي تشهدها الضفة الغربية “.

الجذور الخفية للمبادرة: ما قبل الإعلان التاريخي

لم تكن مبادرة الرئيس السادات وليدة لحظة عابرة أو قراراً مفاجئاً بالكامل، بل كانت تتويجاً لسلسلة طويلة ومعقدة من الاتصالات السرية التي سبقتها بسنوات. إن فهم هذا السياق الخفي يغير بشكل جذري التصور التقليدي للزيارة، ويحولها من مجرد خطوة سياسية جريئة إلى نتيجة حتمية لمسار طويل من الحوارات غير المعلنة.

اتصالات عهد عبد الناصر

يكشف الدكتور غالي حقيقة صادمة للكثيرين، وهي وجود اتصالات جرت بين الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وإسرائيل. ويستشهد في ذلك بـ”كتب كثيرة صدرت في الولايات المتحدة” أشارت إلى هذه الحوارات. يمهد هذا الكشف التاريخي لفكرة أن التحاور السري مع الخصم لم يكن أمراً مستحدثاً في عهد السادات، بل كان له جذور في حقبة سابقة.

قبل إعلان السادات الشهير، الذي حدث للمرة الأولى في البرلمان المصري، يؤكد غالي أن عشرات الاتصالات السرية جرت بين القاهرة وتل أبيب. تمت هذه الاتصالات في ظل تكتم شديد لدرجة أن “ثلاث أو أربع شخصيات فقط كانت على علم بها”. إن هذا المستوى من السرية لم يكن مجرد إجراء أمني، بل كان ضرورياً لعزل المبادرة عن التيارات السياسية داخل مصر والجامعة العربية التي كانت سترفضها حتماً لو عُرضت للنقاش المفتوح.

بحسب شهادة غالي، كانت هذه الاتصالات منسجمة تماماً مع رؤية الرئيس السادات، وفلسفته التفاوضية فهو كان “يؤيد دائماً فكرة التحاور مع العدو الإسرائيلي”. لم تكن المبادرة مجرد تكتيك سياسي، بل انعكاساً لفلسفة راسخة لدى السادات..”.

لقد شكلت هذه الشبكة من الاتصالات السرية الأرضية التي انطلق منها السادات ليحول الحوارات الخفية إلى واقع سياسي ملموس من خلال خطابه المفاجئ والمزلزل أمام مجلس الشعب.

لحظة هزت العالم

في التاسع من نوفمبر عام 1977، ألقى الرئيس أنور السادات خطاباً أمام مجلس الشعب المصري، نطق فيه بجملة أحدثت صدمة سياسية هائلة في العالم العربي وإسرائيل على حد سواء، حين أعلن “استعداده للذهاب إلى أقصى مكان حتى لو كان القدس”. كانت هذه اللحظة بمثابة نقطة تحول دراماتيكية في مسار الصراع العربي الإسرائيلي، وأطلقت العنان لتداعيات فورية وعميقة.

صدمة الاستقالة كان الأثر الأول لهذا الإعلان مدوياً داخل الدائرة السياسية المصرية. ففور الإعلان، تقدم وزير الخارجية آنذاك، إسماعيل فهمي، باستقالته. لم تكن استقالة فهمي مجرد رد فعل شخصي، بل كانت أول شرخ عميق يظهر داخل مؤسسة السياسة الخارجية المصرية، كاشفةً عن الصدام بين المدرسة الدبلوماسية التقليدية ورؤية السادات الراديكالية للسلام.

تولّي المسؤولية في خضم هذه الأزمة، وجد بطرس غالي نفسه في قلب الحدث. تم تعيينه على الفور في منصب وزير دولة للشؤون الخارجية ووزير خارجية بالنيابة، وأُبلغ بأنه سيرافق الرئيس السادات في رحلته إلى القدس. هذا التكليف المفاجئ لم ينقله وظيفياً فحسب، بل دفعه من على هامش الأحداث كأكاديمي ومستشار إلى مركز صناعة التاريخ.

لقد وضع هذا التعيين المفاجئ الدكتور غالي في موقف فريد، حيث أصبح مكلفاً بالمشاركة في الإعداد لأهم خطاب في مسيرة الرئيس السادات السياسية، وهو الخطاب الذي سيلقيه في قلب إسرائيل.

تكليف مبارك

كُلف الدكتور غالي من قبل نائب الرئيس آنذاك، حسني مبارك، بتحضير مسودة كلمة السادات. تركزت التوجيهات المصرية على نقطتين أساسيتين:

الربط بين الانسحاب المصري والأراضي الفلسطينية: التأكيد على أن السلام مع مصر لا يمكن فصله عن قضية الأراضي الفلسطينية المحتلة.

السعي نحو حل شامل للقضية: وضع المبادرة في سياق البحث عن تسوية شاملة ونهائية للصراع، وليس مجرد سلام منفرد.

وصية ديان

على الجانب الآخر، كانت لإسرائيل أولوياتها الخاصة. يكشف غالي أنه فور وصوله إلى تل أبيب، وجد نفسه في سيارة بجانب وزير الخارجية الإسرائيلي موشي ديان، الذي وجه له طلباً محدداً بتذكير السادات بضرورة تجنب ذكر منظمة التحرير الفلسطينية في كلمته. يكشف هذا الطلب عن القلق الإسرائيلي العميق من إضفاء أي شرعية على المنظمة، ومحاولتهم حصر المبادرة في الإطار الثنائي المصري-الإسرائيلي.

خطاب آخر

في نهاية المطاف، حدث ما لم يكن في الحسبان. يؤكد غالي أن السادات “ألقى خطاباً آخر أمام الكنيست”، متجاوزاً بذلك كلاً من المسودة التي أعدها غالي بناءً على توجيهات القاهرة، ووصية ديان التي نقلها إليه. متجاهلاً نصائح أقرب مساعديه وطلبات مضيفيه.

يقدم بطرس غالي في الحوار تقييماً للقادة الإسرائيليين الذين التقاهم خلال الزيارة، وأبرزهم ديان، حيث تساهم الانطباعات الشخصية في فهم ديناميكيات المفاوضات التي جرت خلف الأبواب المغلقة.

لا شك أن هذه السمات الشخصية التي لاحظها غالي كان لها أثر مباشر على مسار مبادرة السلام. ويشير غالي بشكل مقتضب إلى الأثر الذي أحدثه خطاب بيجن اللاحق، مما يترك للقارئ استنتاج أن السمات الشخصية للقادة الإسرائيليين لعبت دوراً محورياً في تعقيد مسار المفاوضات التي تلت الزيارة.

تكشف شهادة الدكتور بطرس غالي أن زيارة الرئيس السادات للقدس لم تكن مجرد خطوة سياسية جريئة، بل كانت عملية تاريخية معقدة، نُسجت خيوطها الأولى في الخفاء عبر سنوات من الاتصالات السرية.

الحل الساداتي

توج الحل الساداتي باتفاقية سلام مكبلة لمصر، ومحاصرة لنفوذها”، وحولت القضية من “مسألة عربية إسرائيلية، لأزمة فلسطينية إسرائيلية”، يمكن التعايش معها عربيا، بل قاد في النهاية لاتفاقيات أوسلو ووادي عربة، وتطبيع الدول العربية لعلاقاتها مع إسرائيل وفق “اتفاقات أبراهام”، وكلها اتفاقيات “تصب في صالح إسرائيل، وتصادر الحق الفلسطيني، دون إلزام العدو ومن ورائه الطرف الأمريكي بشيء”.

المزيد

بطرس غالي ج 2 : زيارة السادات إلى القدس..ووصية موشي ديان له

Total
0
Shares
السابق
عز الدين القسام

عز الدين القسام بشهادة أحد معاصريه: الشرارة التي أوقدت الثورة المستمرة في فلسطين

التالي
بيجوفيتش وميلاسوفيتش و فرانكو توجمان

اتفاق دايتون: سلام الأمر الواقع أم تسوية تاريخية؟ شهادات لـ بيجوفيتش وسيلاذيتش من قلب الصراع

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share