عز الدين القسام بشهادة أحد معاصريه: الشرارة التي أوقدت الثورة المستمرة في فلسطين

لفهم دوافع الحركة الثورية التي أسسها الشيخ عز الدين القسام، وحجم التأثير العميق الذي تركه في وجدان الشعب الفلسطيني، لا بد من استيعاب خلفيته الفكرية وتجاربه النضالية التي صاغت شخصيته كقائد. إن تكوينه لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج مسيرة حافلة بالعلم والنضال سبقت وصوله إلى فلسطين.
عز الدين القسام

يستعرض أحمد منصور مع شيخ المناضلين بهجت أبو غربية بدايات المقاومة المسلحة في فلسطين، وأول تنظيم مسلح أنشأه الشيخ عز الدين القسام العام 1925.

يتناول هذا المقطع من الحوار بدايات الكفاح المسلح في فلسطين ضد البريطانيين واليهود في ثلاثينات القرن الماضي، ويسلط الضيف الضوء على الشيخ عز الدين القسام الذي بدأ التفكير في المقاومة المسلحة بعد أحداث عام 1933..

القسام الذي تخرج من الأزهر وشارك سابقًا في ثورات بسوريا، أسس أول حركة منظمة في حيفا قرابة العام 1925، مستهدفًا العمال والعوام في البداية. كما قضى حوالي عشر سنوات في التهيئة النفسية للجهاد قبل أن يضطر لبدء العمليات العسكرية عام 1935، ورغم استشهاده السريع، كان لوفاته تأثير تحريضي هائل على الشعب الفلسطيني، مما ساهم في اندلاع الثورة الكبرى عام 1936، إلى جانب عوامل أخرى مثل تزايد الهجرة اليهودية وتهريب السلاح.

حوار بهجت أبو غربية عن عز الدين القسام

يقدم المناضل بهجت أبو غريبة، أحد معاصري تلك الحقبة، في بدايات التاريخ النضالي الفلسطيني، شهادة نادرة لشخصية الشيخ عز الدين القسام والمرحلة الحرجة التي سبقت اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى. تتناول الشهادة سيرة القسام، ومنهجيته في التنظيم، والظروف التي أحاطت باستشهاده، والإرث الخالد الذي تركه كرمز أيقوني ونقطة تحول حاسمة نحو الكفاح المسلح ضد الانتداب البريطاني في فلسطين.

عز الدين القسام: النشأة والمسيرة

لفهم دوافع الحركة الثورية التي أسسها الشيخ عز الدين القسام، وحجم التأثير العميق الذي تركه في وجدان الشعب الفلسطيني، لا بد من استيعاب خلفيته الفكرية وتجاربه النضالية التي صاغت شخصيته كقائد. إن تكوينه لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج مسيرة حافلة بالعلم والنضال سبقت وصوله إلى فلسطين.

ينحدر الشيخ عز الدين القسام من مدينة جبلة في قضاء اللاذقية بسوريا. تلقى تعليمه في الجامع الأزهر بمصر، حيث تأثر بالتيار الإصلاحي الذي قاده مفكرون بارزون أمثال جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده. هذا التكوين الأزهري، الممزوج بالفكر التجديدي، شكّل عقيدته القائمة على ضرورة النهضة الإسلامية ومقاومة الهيمنة الأجنبية، وهي المبادئ التي حملها معه لتكون أساس دعوته ورسالته.

قبل أن تطأ قدماه أرض فلسطين، اكتسب القسام خبرة عسكرية عملية ثمينة. فقد حمل السلاح وشارك بفعالية في الثورة ضد الاستعمار الفرنسي في سوريا. هذه التجربة الميدانية المبكرة منحته فهماً عميقاً لمتطلبات العمل الثوري وأساليب الكفاح المسلح، وهي معرفة استثمرها لاحقاً في بناء تنظيمه في فلسطين.

محطة القسام في حيفا

في حيفا، بنى الشيخ القسام قاعدة شعبية واسعة من خلال دور مزدوج. عمل معلماً في المدرسة الإسلامية، وخطيباً وواعظاً مؤثراً في جامع الاستقلال، حيث كانت دروسه تحظى بإقبال شعبي كبير. من خلال هذين المنبرين، تمكن من نسج علاقات وطيدة مع الناس، وبث فيهم روح مقاومة الانتداب البريطاني. يروي بهجت أبو غريبة، الذي كان طفلاً آنذاك، ذكرى شخصية تعكس جانب القسام الإنساني وقربه من الناس: ” الشيخ عز الدين رحمه الله عليه معلم في المدرسة الإسلامية كان أحيانا يزورنا في البيت حتى وكان يلاعبنا يلاطفنا يعني كطفل صغير وكان في ود يعني بيني وبينه كنت أحضر بعض دروسه في جامع الاستقلال…”

هذا الجمع بين دور المربي الروحي والقائد الاجتماعي مكّنه من كسب ثقة الناس والتفافهم حوله، مما هيأ الأرضية الصلبة لعمله التنظيمي السري، الذي انطلق من شخصيته العامة كغطاء مثالي وأساس متين.

بناء التنظيم السري (1925-1935)

لم تكن حركة القسام رد فعل متسرعاً، بل نتاج عشر سنوات من الإعداد والتخطيط الدقيق. إن هذا المزيج النادر من التكوين الديني الإصلاحي والخبرة العسكرية الميدانية هو ما مكّن القسام من تصميم حركة مقاومة لم تكن مجرد رد فعل، بل مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد. يستعرض هذا القسم هيكلية التنظيم السري الذي أسسه، والمبادئ التي قام عليها، والقاعدة الاجتماعية التي شكلت عموده الفقري.

عشر سنوات من الإعداد

بدأ الشيخ القسام في تأسيس تنظيمه حوالي العام 1925، لكن عملياته العسكرية لم تنطلق إلا في عام 1935. كانت هذه السنوات العشر حاسمة، حيث خصص جزءاً كبيراً منها ليس فقط للتنظيم العسكري، بل للإعداد النفسي والفكري، فقد كان “يهيئ الناس ذهنياً” لتقبل فكرة الجهاد والاستعداد للتضحية في مواجهة قوة استعمارية كبرى.

هيكل التنظيم: خلايا عنقودية وتمويل ذاتي

اتسم تنظيم القسام بالسرية التامة والبنية المحكمة التي صُممت لضمان الأمن والاستمرارية. وقد قام على المبادئ التالية:

خلايا سرية: كان التنظيم يعمل في الخفاء بعيداً عن أعين السلطات البريطانية والقيادات السياسية التقليدية.

هيكلة عنقودية متسلسلة: اعتمد التنظيم على نظام الخلايا العنقودية، حيث تكون المجموعات الصغيرة منفصلة عن بعضها البعض، مما يمنع انكشاف التنظيم بأكمله في حال اعتقال إحدى الخلايا.

تمويل وتسليح ذاتي: كانت فلسفة التنظيم تقوم على الاعتماد الكامل على الذات، بعيداً عن أي دعم خارجي. هذا المبدأ الأساسي يؤكده قول أبو غريبة: “وكل واحد يتسلح من نفسه من ماله وذخيرته من ماله”.

القاعدة الشعبية للتنظيم

استمد القسام قوته من الطبقات الشعبية التي كانت الأكثر إحساساً بالخطر والأكثر استعداداً للتضحية. تركزت قاعدته التنظيمية بشكل أساسي بين “الناس الوسطاء الفقراء” و”رواد المساجد”. كما وجد في مدينة حيفا، بصفتها ميناءً حيوياً، بيئة خصبة لتجنيد أعداد كبيرة من العمال من جنسيات مختلفة، بينهم “عمال مصريين سودانيين حوارنه”. لقد استهدف القسام هذه الشرائح تحديداً لأنها كانت الأكثر تهميشاً من قبل النخب السياسية التقليدية والأكثر تضرراً من السياسات الاقتصادية للانتداب، مما جعلها الأكثر استعداداً لتبني خيار المقاومة الجذرية.

إلا أن هذا البناء الاستراتيجي الذي استغرق عقداً كاملاً كان على وشك الاصطدام بواقع ميداني متسارع، فرض على القسام مواجهة لم يكتمل لها بعد، مما حوّل مسار حركته بشكل مأساوي وحاسم.

المواجهة الأخيرة: المعركة التي فرضت نفسها

لم تكن معركة يعبد التي استشهد فيها الشيخ القسام تتويجاً لخطة هجومية معدة سلفاً، بل كانت مواجهة فُرضت عليه قبل اكتمال استعداداته. يسرد هذا القسم الوقائع التي أدت إلى استشهاده، ويحلل الأسباب التي عجلت بنهاية حركته العسكرية، لكنها أطلقت شرارة تأثيره الأبدي.

ساعة الصفر غير المختارة

كان الشيخ القسام يشعر بأن تنظيمه “لم تكمل استعداداته” بعد، وكان يفضل التريث حتى يصل إلى الجاهزية الكاملة. إلا أن انكشاف بعض خلايا التنظيم وبدء السلطات البريطانية بملاحقتها أجبره على التحرك. لقد “فرضت عليه المعركة لم يختر ساعة الصفر”، مما وضعه في موقف عسكري صعب منذ البداية.

حصار في الجبال

لجأ القسام مع مجموعة صغيرة جداً من رفاقه، لم يتجاوز عددهم “7 أو 8 أشخاص فقط”، إلى جبال يعبد. في المقابل، حشدت السلطات البريطانية قوة هائلة وغير متكافئة لمواجهتهم، ضمت “شرطة فلسطين وكل الجيش الإنجليزي وكل قوة حدود شرق الأردن”. هذا الحشد الضخم يعكس حجم الخطر الذي رأته بريطانيا في حركة القسام الوليدة.

رفض الاستسلام والاستشهاد

على الرغم من الحصار الخانق والتفوق الساحق للقوات البريطانية، اتخذ القسام قراره الأخير والحاسم، حيث “رفض الاستسلام”. وفي 19 نوفمبر 1935، ارتقى شهيداً مع عدد من رفاقه في معركة ستظل محفورة في الذاكرة الفلسطينية.

وبينما وضعت هذه المعركة نهاية لحياة الشيخ القسام، كانت شهادته هي البداية الحقيقية لتأثيره الذي عمّ فلسطين بأسرها.

صدى الاستشهاد

هنا تكمن المفارقة المركزية في إرث القسام، وهي ظاهرة تاريخية نادرة يتحول فيها الفشل العسكري الميداني إلى انتصار استراتيجي سياسي ونفسي، حيث تجاوز صدى الاستشهاد أثر الحركة نفسها بأضعاف مضاعفة. لقد تحولت وفاته إلى حدث سياسي وشعبي هائل، أحدث هزة عميقة في وعي الفلسطينيين وغير مسار نضالهم.

كان الأثر الفوري لاستشهاد القسام نفسياً بالدرجة الأولى. فقد ولّدت الحادثة شعوراً بالغضب والسخط تجاه السلطات البريطانية. يلخص أبو غريبة هذا التحول بقوله: “استشهاده ترك أثر أكثر من الحركة نفسها يعني نفس عمليه الاستشهاد عملت حقد وعملت ثوره نفسيه عند الناس ضد الإنجليز”.

تحولت جنازة الشيخ القسام في حيفا إلى “جنازه ضخمه جدا جدا”، شكلت مظاهرة شعبية عارمة عبر فيها الفلسطينيون عن حزنهم وتحديهم. كانت الجنازة استفتاءً شعبياً على نهج المقاومة الذي مثله القسام، ورسالة واضحة للاحتلال بأن اغتياله لن يطفئ جذوة الرفض.

حاولت السلطات البريطانية تشويه صورة القسام ورفاقه، حيث أصدرت بياناً رسمياً وصفتهم فيه بأنهم “عصابه من الأشقياء”. جاء الرد قوياً وحاسماً من الصحافة الفلسطينية، وتحديداً من جريدة فلسطين التي تصدرت صفحتها الأولى بعنوان تاريخي:

“برره أتقياء لا فجره أشقياء أيتها الحكومة”

هذا العنوان، مصحوباً بمقالات نارية، عكس الموقف الشعبي الحقيقي وساهم في ترسيخ صورة القسام كشهيد بطل لا كمجرم.

إلهام المقاومة

كان استشهاد القسام بمثابة الشرارة التي أشعلت حماسة المقاومة في جميع أنحاء فلسطين. فقد دفعت الحادثة الخلايا المسلحة القائمة إلى التوسع، وشجعت على تشكيل خلايا جديدة، وخلقت حالة من الاستعداد الشعبي العام للكفاح المسلح، مما مهد الطريق للثورة الكبرى التي كانت على الأبواب.

لقد كانت شهادة القسام هي القطرة التي أفاضت الكأس، والوقود الذي أُلقي على نار الغضب الفلسطيني المتأجج لأسباب سياسية وديموغرافية عميقة.

لا يمكن فهم الأثر المتفجر لإرث القسام بمعزل عن السياق السياسي والديموغرافي الحرج الذي أحاط بفلسطين عام 1935. فاستشهاده لم يكن حدثاً منعزلاً، بل كان الشرارة التي سقطت على بنية اجتماعية وسياسية مشبعة بمسببات الانفجار، والتي لخصها أبو غريبة في ثلاثة عوامل متضافرة:

1. فشل المسار السياسي: وصل الفلسطينيون إلى قناعة بأن النضال السياسي والمظاهرات السلمية، كتلك التي جرت عام 1933، لم تعد تجدي نفعاً في تحقيق أي من مطالبهم الوطنية، مما خلق حالة من الإحباط والبحث عن وسائل نضالية بديلة.

2. الخطر الديموغرافي: طوفان الهجرة اليهودية: شهد عام 1935 تصاعداً غير مسبوق في الهجرة اليهودية، مما أثار قلقاً وجودياً لدى الفلسطينيين. منحت سلطات الانتداب 65,000 شهادة هجرة رسمية، بالإضافة إلى أعداد مماثلة من المهاجرين غير الشرعيين، ليصل العدد الإجمالي في عام واحد إلى ما يقدر بأكثر من 120,000 مهاجر. هذا التغيير الديموغرافي السريع كان يُنظر إليه باعتباره تهديداً مباشراً لمستقبلهم على أرضهم.

3. سباق التسلح: تزامن تزايد الهجرة مع اكتشاف عمليات تهريب أسلحة كبيرة لصالح المجموعات اليهودية المسلحة. هذا الأمر عمّق الشعور بالخطر وأكد للفلسطينيين أن الطرف الآخر يستعد لمواجهة عسكرية حتمية، مما دفعهم بدورهم إلى الاستعداد للكفاح المسلح.

إن التقاء الإحباط السياسي، والتهديد الديموغرافي، والإلهام الذي أشعلته شهادة عز الدين القسام، قد خلق الظروف الحتمية لاندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936.

إرث عز الدين القسام

إن الإرث الحقيقي للشيخ عز الدين القسام، كما ترويه شهادة أحد معاصريه، لا يكمن في انتصاراته العسكرية المحدودة، بل في تحوله إلى رمز خالد للمقاومة والتضحية. لقد أحدث استشهاده تحولاً جذرياً في الوعي الوطني الفلسطيني، ناقلاً إياه من مرحلة الاحتجاج السياسي إلى تبني خيار الكفاح المسلح كأداة رئيسية لمواجهة الانتداب البريطاني والمشروع الصهيوني. قصة القسام تمثل نقطة اللاعودة في تاريخ النضال الفلسطيني، والشرارة التي أوقدت إحدى أعظم الثورات في تاريخ المنطقة.

كتائب عز الدين القسام

لم يكن غريباً إذاً أن تقرر حركة المقاومة الإسلامية حماس بعد أكثر من 5 عقود على استشهاد القسام أن تخلد اسمه ودوره الرائد في تأسيس الكفاح المسلح ضد الاحتلال البريطاني والهجرة اليهودية المتزايدة في فلسطين، بإطلاق اسمه على جناحها العسكري، ما جعله امتداداً أسطورياً بصموده وثباته، رغم النكبات التي حلت بالشعب الفلسطيني، والتقلبات التي شهدتها القضية..

المزيد
Total
0
Shares
السابق
أمين الحافظ

كيف سيطر الأسد على السلطة في سوريا؟

التالي
السادات وشامير

كواليس زيارة السادات للقدس بحسب رؤية بطرس غالي

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share