اتفاق دايتون: سلام الأمر الواقع أم تسوية تاريخية؟ شهادات لـ بيجوفيتش وسيلاذيتش من قلب الصراع

لم يكن اتفاق دايتون، الموقع في ديسمبر 1995، مجرد معاهدة سلام تقليدية، بل كان تتويجًا لواحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ أوروبا الحديث. لقد أعادت حرب البوسنة شبح الإبادة الجماعية والتطهير العرقي إلى القارة الأوروبية لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية..
بيجوفيتش وميلاسوفيتش و فرانكو توجمان

لم يكن اتفاق دايتون، الموقع في ديسمبر 1995، مجرد معاهدة سلام تقليدية، بل كان تتويجًا لواحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ أوروبا الحديث. لقد أعادت حرب البوسنة شبح الإبادة الجماعية والتطهير العرقي إلى القارة الأوروبية لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية…

“معاهدة دايتون” اتفاقية سلام وقعها قادة صربيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك في 14 ديسمبر عام 1995، وأنهت ثلاث سنواتٍ من الحرب الأهلية في يوغسلافيا السابقة، وقسَّمت البوسنة إلى دولتين هما: فدرالية البوسنة والهرسك وتضم المسلمين وكروات البوسنة، وجمهورية صرب البوسنة.

نهاية حرب وبداية سلام هش


مثلت الاتفاقية محاولة دولية متأخرة لوقف نزيف الدم، ولحظة فارقة ليس فقط لشعب البوسنة، بل وللمجتمع الدولي الذي وقف عاجزًا أمام الفظائع.
لفهم الأبعاد المعقدة لهذه التسوية، لا بد من العودة إلى شهادات القادة الذين خاضوا غمار هذه المأساة، وعلى رأسهم الزعيم البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش، المفكر والقائد الذي حمل عبء القرار، وحارث سيلاذيتش، وزير الخارجية الذي قاد المعركة الدبلوماسية والإعلامية للبوسنة والهرسك..

لقد لخص بيجوفيتش المعضلة الأخلاقية والسياسية التي واجهها بكلمات موجزة وعميقة وأضاف:

“هي أصعب قرار اتخذته طول حياتي، نحن كنا مُخيرين بين مواصلة الحرب أو القبول بالواقع”

وتابع: “كنا نخشى حدوث مآسي أخرى مثل ما حدث في مدينة سربرنيتشا، وكنا ندخل في مرحلة شتاء كنا محاصرين بدون كهرباء ولا طعام ولامساعدة إغاثية، لذا لم نخاطر بمواصلة الحرب”.

هذا الخيار المرير لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة حتمية لحرب عدوانية استهدفت وجود شعب بأكمله، وهو ما يستدعي تحليل جذور المأساة التي جعلت مثل هذا القرار الصعب ضروريًا.

جذور المأساة: حرب الإبادة

إن فهم اتفاق دايتون يتطلب أولاً فهم طبيعة الحرب التي سعى بيجوفيتش لإنهائها. لم يكن الصراع في البوسنة حربًا أهلية بين أطراف متكافئة، كما حاولت بعض الدوائر الدولية تصويره، بل كان، كما يرويه القادة البوسنيون، عدوانًا مخططًا له بعناية. وبالتوازي مع المعارك العسكرية على الأرض، خاضت القيادة البوسنية معركة أخرى لا تقل ضراوة في ساحات الإعلام العالمي، لكسب التعاطف والاعتراف الدولي بحقها في الوجود.

المخطط الكبير: الإبادة كشرط للتوسع

يكشف الرئيس علي عزت بيجوفيتش أن الحرب كانت في جوهرها “حربًا عدوانية” هدفها الواضح هو تقسيم البوسنة والهرسك بين مشروعين قوميين توسعيين: “صربيا الكبرى” و”كرواتيا الكبرى”. في هذا المخطط، كان المسلمون البوسنيون البوشناق يمثلون “عثرة في سبيل تحقيق المخططات القومية”، وبالتالي، كانت إزالتهم شرطًا ضروريًا لتحقيق هذا الهدف.
لم يكن الأمر مجرد نزاع على الأرض، بل كان مشروعًا يستلزم “إبادة مسلمي البوسنة والهرسك” لإعادة رسم الخرائط الديموغرافية والسياسية للمنطقة.

ويربط بيجوفيتش بين نجاح المعتدين الجزئي والتقاعس الدولي، معتبرًا أن “عدم الاهتمام الذي ظهر به المجتمع الدولي” ما كان ليسمح بتحقيق بعض أهداف المخطط العدواني لولا حالة “الوضع المتخلف والضعيف” للعالم الإسلامي آنذاك.

حرب الروايات

في موازاة حرب الإبادة، واجهت الدولة البوسنية الوليدة حربًا إعلامية شرسة. يروي حارث سيلاذيتش، وزير الخارجية آنذاك، كيف صورت الدعاية الصربية القوية البوسنة على أنها “دولة متمردة” انشقت عن يوغوسلافيا، العضو المهم في حركة عدم الانحياز، مما أدى إلى إرباك العديد من الدول. ولاختراق جدار الصمت الإعلامي، اتبع سيلاذيتش تكتيكًا في حرب المعلومات غير المتكافئة، مستهدفًا مراكز الثقل الإعلامي في الغرب. ويمكن تلخيص خطواته الرئيسية كالتالي:

نقطة التحول الأولى: في مؤتمر صحفي بواشنطن في أبريل 1992، وبدلًا من استخدام لغة دبلوماسية باردة، فاجأ سيلاذيتش الإعلاميين بوصف مباشر وعاطفي للمذابح التي كانت تجري. لقد صدمهم بربط الطقس المشمس في واشنطن بالصور الوحشية للقتل في شوارع البوسنة، وهو ما أثار فضولهم وفتح له أبواب الإعلام.

الحليف الاستراتيجي: كان اللقاء مع هيئة تحرير صحيفة “نيويورك تايمز” حاسمًا. نجح سيلاذيتش في إقناعهم بفظاعة ما يجري، واصفًا مرتكبي الجرائم بـ “الجزارين”. في اليوم التالي مباشرة، خرجت الصحيفة بافتتاحية تاريخية بعنوان “جزارو البلقان”، وهو ما وضع القضية البوسنية في قلب دوائر صنع القرار الأمريكية.

قوة اللغة الصادقة: يحلل سيلاذيتش سر نجاحه بأن لغته لم تكن “لغة سياسية” تقليدية، بل كانت “لغة عاطفية” نابعة من القلب. لقد شعر الصحفيون والمسؤولون بصدق قضيته وبحجم المأساة، مما أكسبه دعمهم في وقت كانت دولته في أمس الحاجة إليه.

لكن بينما كانت كلمات سيلاذيتش تخترق ضمير العالم، كانت المدافع على الأرض ترسم واقعًا دمويًا لا يمكن للغة وحدها أن تغيره. هذا التباين الصارخ بين النجاح الدبلوماسي والكارثة العسكرية هو ما دفع بالقيادة البوسنية إلى مفترق طرق دايتون المؤلم.

منحت اتفاقية دايتون الصرب جمهورية مستقلة تمتد على 49%من المساحة الإجمالية للبوسنة والهرسك، في حين جمعت المسلمين والكروات في فدرالية على 51%، وجعلت رئاسة فدرالية البوسنة والهرسك جماعية تتألف من مجلسٍ ثلاثي يُمثل المكونات الثلاثة (الصرب والكروات والمسلمين).

مفترق طرق دايتون: خيار بين الحرب وسلام مرير

يمثل اتفاق دايتون جوهر المعضلة التي واجهتها القيادة البوسنية. من خلال رؤية الرئيس علي عزت بيجوفيتش، يمكن تفكيك الضغوط الهائلة والمقايضات المؤلمة التي أحاطت بالمفاوضات، والتي أجبرته على اتخاذ قرارات وصفها بأنها الأصعب في حياته.

شواهد قبور ضحايا مذبحة سربرينيتشا إحدى فظائع الحرب في البوسنة والهرسك

موقف بطرس غالي المخزي

ركز سيلاذيتش في الحوار على الدور المخزي لبطرس غالي، الأمين العام للأمم المتحدة في موقفه من الإبادة الجماعية للمسلمين في البوسنة.

،ونقل عن برنار كوشنار وزير العمل الإنساني الفرنسي في 26 أبريل 1992 قوله: “إن الأمم المتحدة ترفض منذ عام أن ترسل قوات إلى البوسنة” .”. ورد بطرس غالي عليهم في 13 مايو وقال الموقف في البوسنة والهرسك مشوش ونحن لا نعرف من الجاني ومن هي الضحية.

القرار الأصعب: الاعتراف بجمهورية صرب البوسنة

كان الاعتراف بكيان سياسي للصرب داخل حدود البوسنة الموحدة بمثابة صدمة للكثيرين، لكن بيجوفيتش يوضح أنه كان أمام خيارين لا ثالث لهما: “مواصلة الحرب أو القبول بالواقع”. هذا القرار لم يتخذ بسهولة، فقد جاء بعد شهر واحد فقط من “مأساة مدينة سريبرينيتسا”، أكبر مجزرة على الأراضي الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. كان الخوف من تكرار “مآسٍ أخرى وكارثة أخرى” هو الدافع الرئيسي وراء قبول تسوية تضفي الشرعية على كيان قام على أنقاض التطهير العرقي.

ضغط المجتمع الدولي وهشاشة السلام

يؤكد بيجوفيتش أن الاتفاق لم يكن نابعًا من إرادة الأطراف المتحاربة بقدر ما كان نتيجة “ضغط المجتمع الدولي، بالذات الولايات الأمريكية المتحدة”. وهو ضغط يعكس الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في منتصف التسعينيات، والمتمثلة في فرض الاستقرار في قارة أوروبية متقلبة بعد الحرب الباردة، وتأكيد دور واشنطن كقوة عظمى وحيدة قادرة على فرض سلام، حتى وإن كان منقوصًا. يعترف الرئيس الراحل بأن بقاء هذا السلام مرهون بوجود القوات الدولية، وأن رحيلها قد يؤدي إلى “إعادة الصراع من جديد”، مما يظهر أن جذور النزاع لم تُستأصل بالكامل.

ثغرة استراتيجية لإلغاء التطهير العرقي

على الرغم من مرارة الاعتراف بجمهورية الصرب، يكشف بيجوفيتش عن رهانه على ما اعتبره الثغرة الاستراتيجية التي راهن عليها لإبطال مكاسب التطهير العرقي على المدى الطويل. تمثلت هذه الآلية القانونية في “الملحق السابع باتفاقية دايتون”، الذي ينص صراحة على حق جميع اللاجئين والمهجرين في العودة إلى ديارهم. كان بيجوفيتش يعتقد أن عودة مئات الآلاف من مسلمي البوسنة إلى المناطق التي طُردوا منها ستؤدي إلى إعادة التوازن الديموغرافي، وبالتالي “إلغاء نتائج التطهير العرقي” على الأرض، وتحويل الاعتراف بالكيان الصربي إلى حبر على ورق.

الموقف الدولي: بين التجاهل والتواطؤ والنفاق

يكشف تحليل الأزمة البوسنية عن فشل ذريع للمجتمع الدولي في التعامل معها. تقدم شهادة حارث سيلاذيتش النقدية رؤية ثاقبة لهذا الفشل، الذي تراوح بين التجاهل المتعمد والمساواة غير العادلة بين الأطراف، وصولًا إلى ما يشبه التواطؤ المبني على أجندات خفية.

“استراتيجية “التكافؤ الأخلاقي” بين الضحية والجلاد

منذ اليوم الأول، تبنى المجتمع الدولي مصطلح “الأطراف المتصارعة” أو “المتنازعة” لوصف ما يجري. لم تكن هذه مجرد مصطلحات، بل كانت استراتيجية دبلوماسية متعمدة تُعرف بـ”التكافؤ الأخلاقي” (moral equivalency)، استخدمتها الهيئات الدولية لتبرير تقاعسها وتجنب الانحياز لطرف على حساب آخر. ينتقد سيلاذيتش هذا الموقف بشدة، موضحًا أنه يعني “أننا متساويين في كل شيء”، في حين أن الواقع كان طرفًا يمتلك ترسانة الجيش اليوغوسلافي السابق، وطرفًا آخر أعزل. هذه المساواة الزائفة أدت منطقيًا إلى نتيجة واحدة: “قبول الأمر الواقع” الذي فرضه المعتدي بالقوة.

“أوروبا المسيحية”: الأجندة الخفية وراء التقاعس الغربي

ينقل سيلاذيتش رواية صادمة كشفها صحفي مقرب من الرئيس بيل كلينتون. فعندما سُئل كلينتون عن سبب عدم رفع حظر السلاح عن البوسنة، أجاب بأن الحلفاء الأوروبيين، وتحديدًا مسؤولين بريطانيين، رفضوا ذلك. المبرر الذي قدموه كان مذهلًا: ما يحدث في البوسنة، رغم كونه مؤلمًا، هو جزء من “إعادة بناء أوروبا مسيحية”. ويبرز سيلاذيتش المفارقة المأساوية في هذا الموقف، حيث كانت القارة التي تسعى لتأسيس اتحاد تعددي، تسمح بتدمير “المثال الناجح” والفريد للتعددية الدينية والعرقية في البوسنة أمام أعينها.

معركة الشرعية

في خضم الحرب، كانت هناك معركة دبلوماسية حاسمة. يوضح سيلاذيتش أن انضمام البوسنة للأمم المتحدة في 22 مايو 1992 كان يعني “وجود أو عدم وجود البوسنة” كدولة. وقد واجهت هذه المهمة عقبات بيروقراطية مريبة، حيث يلمح سيلاذيتش إلى أن الأمانة العامة للأمم المتحدة كانت تضم موظفين من دول عدم الانحياز المتعاطفة مع يوغوسلافيا القديمة، وأظهروا “برودة” تجاه القضية البوسنية. وفي هذا السياق، “ضُيّع” طلب العضوية الرسمي، مما قد يرقى إلى محاولة عرقلة سياسية. اضطر سيلاذيتش، بصفته وزيرًا للخارجية، إلى كتابة الطلب وتوقيعه بنفسه في اللحظات الأخيرة لضمان إنجاز المهمة التاريخية التي حفظت الكيان القانوني للدولة البوسنية.

إرث دايتون مستقبل غير مستقر

بعد توقف المدافع، لم تنتهِ التحديات. ترك اتفاق دايتون إرثًا معقدًا وبنية دولة هشة، مما استدعى من القيادة البوسنية تبني استراتيجيات طويلة الأمد لضمان البقاء في وجه التهديدات المستمرة، والنظر بعين القلق إلى الأزمات الكامنة في المنطقة:

استراتيجية البقاء: التوازن العسكري والوحدة الداخلية

يلخص الرئيس بيجوفيتش استراتيجية بقاء مسلمي البوسنة في معادلة تعكس درسًا عميقًا في الواقعية السياسية (realpolitik) تعلمته القيادة البوسنية: التحول من الإيمان بالقانون الدولي إلى عقيدة الاعتماد على الذات و”السلام من خلال القوة”. ترتكز هذه الاستراتيجية على ثلاثة عناصر: “الوحدة”، “التنظيم”، و”التسليح”. فبعد أن فشلت مخططات إبادتهم، أصبح الحفاظ على القدرة على الدفاع عن النفس هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار المأساة. وفي هذا السياق، يشير إلى الجهود الأمريكية لـ “تسليح وتدريب الجيش الفدرالي” بهدف “إقامة توازن عسكري في المنطقة”، وهو ما يعتبره رادعًا أساسيًا لأي عدوان مستقبلي.

أصداء البوسنة: أزمات كوسوفو والسنجق الكامنة

تُظهر شهادة بيجوفيتش رؤية استشرافية للمخاطر التي تهدد استقرار البلقان. قبل سنوات من انفجار الوضع في كوسوفو، رأى أن ما يحدث هناك هو “صورة طبق الأصل لما جرى في البوسنة في بداية العدوان الصربي”، محذرًا من تكرار نفس السيناريو. كما لم يغفل عن معاناة الأقليات المسلمة الأخرى، حيث وجه في القمة الإسلامية بطهران دعوة صريحة لتسليط الضوء على “مسلمي السنجق” المضطهدين، مطالبًا العالم بالاهتمام بقضيتهم قبل فوات الأوان.

سلام باهظ الثمن

في نهاية المطاف، يظل اتفاق دايتون وثيقة ذات وجهين. لقد كان المنقذ الذي أوقف القتل الجماعي وأنهى حرب الإبادة، وهو إنجاز لا يمكن الاستهانة به. لكنه في الوقت نفسه، كان تسوية سياسية معيبة، فرضت من الخارج، وكرّست الانقسامات العرقية التي نتجت عن الحرب ذاتها، بدلاً من معالجتها. تكشف شهادات علي عزت بيجوفيتش وحارث سيلاذيتش مع أحمد منصور في برنامجيه بلا حدود وشاهد على العصر بوضوح أن الاتفاقية لم تكن انتصارًا للعدالة، بل كانت في جوهرها خيارًا مأساويًا ومؤلمًا بين السعي لعدالة بدت مستحيلة، وبين ضرورة ضمان البقاء لشعب تعرض لأبشع الجرائم. إنه سلام باهظ الثمن، لا يزال شعب البوسنة والهرسك يدفع فاتورته حتى اليوم.

تناولت دايتون الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب فأوكلتها إلى المحكمة الدولية الخاصة بيوغسلافيا والتي نجحت في توقيف ومحاكمة بعض رموز صرب البوسنة وكذلك رئيس صربيا السابق سلوبودان ميلوسوفيتشْ، لكنَّ كثيرا من مجرمي الحرب ظلوا طلقاء.

المزيد

Total
0
Shares
السابق
السادات وشامير

كواليس زيارة السادات للقدس بحسب رؤية بطرس غالي

التالي
خديجة خويص

من مرابطة الأقصى خديجة خويص إلى الأمة التائهة

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share