وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإثنين الماضي أمرا تنفيذيا وجه فيه إدارته بدراسة ما إذا كان ينبغي تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين، خاصة الموجودة في لبنان ومصر والأردن منظمات إرهابية أجنبية وإرهابيين عالميين مُصنفين بشكل خاص، بحسب فرانس 24.
وشهدت العقود الأخيرة محاولات متكررة، وجولات مضنية، قادتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وجمهوريون وأصوات يمينية، لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية أجنبية، وربطها بالتطرف العالمي.
وقد بذل ترامب جهودا مماثلة خلال فترة ولايته الأولى. وبعد أشهر من بدء ولايته الثانية، قال وزير خارجيته ماركو روبيو إن إدارة ترامب تعمل على تصنيف الجماعة منظمة إرهابية.
وأعلن حاكم تكساس الجمهوري المتصهين غريغ أبوت، الأسبوع الماضي، التصنيف ذاته على جماعة الإخوان المسلمين على مستوى الولاية، مسنداً إلى الهجوم الذي شنته حماس على إسرائيل في الـ 7 من أكتوبر 2023، كما استبق السيناتور الجمهوري المتصهين تيد كروز -وهو من تكساس أيضاً- الجميع في الإشادة بالقرار، مؤكداً أن جماعة الإخوان المسلمين متهمة بالمساهمة في دعم الانقلابات على حلفاء أمريكا في منطقة الشرق الأوسط!!!.
وفيما تصنف السعودية ومصر والإمارات جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، أمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مايو 2025 حكومته بوضع مقترحات للتعامل مع تأثير “الإخوان المسلمين” وانتشار “الإسلام السياسي” في فرنسا…
استراتيجية وصم الإخوان المسلمين بالإرهاب
يحلل هذا التقرير، الذي يستند بشكل خاص إلى شهادة يوسف ندا -مفوض العلاقات السياسية الدولية السابق في جماعة الإخوان المسلمين- في حلقتين من برنامج بلا حدود، الاستراتيجية التي اتبعتها الولايات المتحدة والغرب في هذا الصدد، مستنداً على أبعاد هذه الحملة وأدواتها.
يرى يوسف ندا بدايةً أن الهدف من القضية التي رُفعت ضده لم يكن شخصيًا بقدر ما كان محاولة مدروسة لـ “لصق تهمة الإرهاب بالإخوان المسلمين”؛ وهي استراتيجية تهدف إلى تحويل حركة سياسية ذات قاعدة شعبية واسعة إلى هدف أمني مشروع في إطار “الحرب على الإرهاب” العالمية. لفهم هذه الاستراتيجية بعمق، لا بد من تحليل تفاصيل المعركة القانونية والسياسية التي خاضها على مدى عقد من الزمان.
ساحة معركة بالوكالة
لم تكن قضية يوسف ندا مجرد ملاحقة قانونية لفرد، بل كانت، من وجهة نظره، ساحة معركة بالوكالة استُخدمت لاستهداف التنظيم بأكمله. فمن خلال وصم شخصية بارزة ومعروفة بانتمائها للإخوان، سعت الجهات المستهدِفة إلى تعميم هذا الوصم على الحركة بأكملها. يمكن تلخيص الإجراءات والاتهامات الرئيسية التي وُجهت إليه وإلى بنك التقوى، كما يرويها، في النقاط التالية:
• تجميد الأصول: بأمر من هيئة الأمم المتحدة، تم تجميد كافة أمواله وأصوله وحساباته البنكية في جميع أنحاء العالم، وهو إجراء استمر من عام 2001 وحتى عام 2009.
• الحصار الشخصي: فُرض عليه حصار فعلي في قريته الإيطالية “كامبيوني” لمدة ثماني سنوات، مُنع خلالها من مغادرة مساحة لا تتجاوز “كيلو متر مربع واحد”.
• الاتهام بالإرهاب: تم وضع اسمه رسميًا على قوائم الإرهاب الدولية والأمريكية، مما جردّه من حريته وسمعته.
• تصفية بنك التقوى: نتيجة لهذه الإجراءات، تم إغلاق بنك التقوى وتصفيته قسرًا في يناير من عام 2004، وشُطب اسمه من السجلات التجارية.
يرى ندا أن الهدف النهائي من هذه الإجراءات كان واضحًا: توريط الجماعة. ولخص هذه الاستراتيجية بالقول: “إذا كان يوسف ندا المعروف بأنه من الإخوان على علاقة بالإرهاب إذاً الإخوان المسلمين لهم علاقة بالإرهاب”. هذه الاتهامات لم تنشأ من فراغ، بل كانت، حسب شهادته، جزءًا من حملة منسقة تقودها أطراف دولية متعددة، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
الدور الأمريكي والضغوط الدولية
يكشف تحليل شهادة يوسف ندا أن الحملة ضده كانت مدفوعة بشكل أساسي بضغوط أمريكية مباشرة ومعلومات استخباراتية من دول أخرى، مما يبرز طبيعتها السياسية أكثر من كونها قضائية. فالتحقيقات السويسرية، التي استمرت لسنوات، كانت تخضع لتأثيرات خارجية واضحة. ويوضح الجدول التالي، بناءً على شهادة ندا، شبكة الأطراف الفاعلة والأدوار التي لعبتها في بناء القضية ضده:
| الطرف الفاعل | الأدوار (حسب شهادة ندا) |
| الولايات المتحدة الأمريكية | “المحرك الرئيسي للقضية”: مارست ضغوطًا مباشرة على المدعي العام السويسري لإبقاء الملف مفتوحًا، وأرسلت وفدًا سريًا من الـ FBI والـ CIA للمشاركة في التحقيقات والوصول إلى كافة الملفات. كما أن الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج بوش، هو من أصدر قرار إدراج اسمه على قوائم الإرهاب شخصيًا. |
| سويسرا | “المنفذ تحت ضغط”: فتحت السلطات السويسرية الملف وأبقته مفتوحًا لسنوات (2001-2005) رغم إقرار المحققين المتكرر بغياب الأدلة؛ حيث كانوا يقولون، بحسب ندا، “كل ثلاث شهور أنهم يتوقعون غلق القضية” لكنهم كانوا يُجبَرون على إبقائها مفتوحة. كما سمحت للمحققين الأمريكيين بالوصول المباشر إلى الملفات والوثائق المصادرة. |
| مصر والأردن | “مصادر المعلومات الاستخباراتية”: أرسلت أجهزة المخابرات في كلا البلدين معلومات استخباراتية إلى الولايات المتحدة، التي قامت بدورها بتقديمها إلى المدعي العام السويسري كجزء من الأدلة المزعومة التي تهدف إلى توريط ندا وجماعة الإخوان المسلمين رغم نفي ندا أي علاقة له بالأردن تحديداً. |
إلى جانب الضغط السياسي المباشر، تم استخدام كل الأدوات المتاحة لربطه بالتطرف، بما في ذلك شهادته السابقة في برنامج “شاهد على العصر”. يؤكد ندا أن كل ما قاله في تلك الحلقات تُرجم بالكامل واستُخدم من قبل المحققين الذين حاولوا استغلال أي معلومة للبحث عن ثغرة يمكن من خلالها إدانته. لم تعتمد الحملة على الضغط السياسي فحسب، بل امتدت إلى فبركة وتضخيم ادعاءات تهدف إلى ربطه بالإرهاب العالمي عبر التاريخ.
استراتيجية الاختلاقات التاريخية
تجاوزت الادعاءات ضد يوسف ندا، وفقًا لشهادته، الاتهامات المالية لتصل إلى مستوى “الاختلاقات” التاريخية التي تهدف إلى بناء صورة نمطية عن علاقة الإخوان المسلمين بالتطرف العالمي. اعتمدت الحملة على تكتيك الربط التاريخي المشوه، حيث تم توظيف اتهامات لا تصمد أمام التدقيق الزمني بهدف خلق رابط ذهني بين الجماعة وأعداء الغرب التاريخيين. وقد تم استخدام هذه الادعاءات، التي يصف 99% منها بأنها مفبركة، لتبرير الملاحقة المستمرة وتشويه سمعته وسمعة الجماعة. وفيما يلي أبرز هذه الادعاءات ورد ندا عليها:
• الادعاء بالصلات النازية
◦ الادعاء: وُجهت إليه تهمة مساعدة النازيين خلال الحرب العالمية الثانية، وتهريب الحاج أمين الحسيني من ألمانيا إلى مصر عبر سويسرا.
◦ دحض ندا هذا الادعاء بالمنطق الزمني البسيط، موضحًا أنه وُلد عام 1931، أي أنه كان يبلغ من العمر 13 عامًا فقط في نهاية الحرب عام 1944، مما يجعل قيامه بهذا الدور مستحيلًا.
• الادعاء بتمويل القاعدة
◦ الادعاء: اتهمته وزارة المالية الأمريكية بتقديم مساعدة مالية لأسامة بن لادن وتنظيم القاعدة بعد أحداث 11 سبتمبر.
◦ أكد ندا أن التحقيقات الشاملة التي فحصت 65 حسابًا بنكيًا حول العالم لم تجد أي دليل على ذلك. والأكثر من ذلك، أن الـ FBI أقر في مراسلات رسمية مع المدعي العام السويسري بأنه لا يملك أي معلومات ضده سوى تلك التي قدمتها سويسرا نفسها.
• وثيقة “غزو أوروبا”
◦ الادعاء: تم تحوير عنوان بحث أو مقال عُثر عليه في مكتبه ليصبح “وثيقة الإخوان المسلمين لغزو أوروبا”، وتم الترويج له كدليل على نوايا الجماعة العدائية تجاه الغرب.
◦ أوضح ندا أن الأمر لا يتعلق بغزو عسكري، بل هو جزء من منهج أي دين أو فكر يسعى لنشر دعوته وأفكاره بالحجة والإقناع، تمامًا كما تفعل الحركات التبشيرية المسيحية في العالم.
يرى ندا أن حجم الفبركة في هذه الادعاءات كان الدليل الأكبر على أن الهدف لم يكن تحقيق العدالة، بل تشويه السمعة بأي ثمن. هذا التناقض بين حجم الاتهامات وغياب الأدلة قاده في النهاية إلى خوض معارك قانونية طويلة، انتهت بنتائج كشفت عن مفارقة صارخة بين المسار القضائي والمسار السياسي للقضية.
البراءة القضائية مقابل الإدانة السياسية
تظهر قضية يوسف ندا مفارقة صارخة بين نتائج المسار القضائي في أوروبا، الذي انتهى بتبرئته الكاملة، والموقف السياسي المستمر للولايات المتحدة، الذي أبقى على وصمه بالإرهاب. يوضح الجدول التالي هذا التباين:
| النتائج القضائية في أوروبا | الموقف السياسي الأمريكي |
| سويسرا: أغلق المدعي العام السويسري الملف نهائيًا في عام 2005 لعدم وجود أي دليل يدين ندا. | قائمة الإرهاب: استمر إدراج اسمه على القائمة الأمريكية لدعم الإرهاب حتى وقت إجراء المقابلة (2012). |
| تحقيق كارلا ديل بونتي: قامت المدعية العامة السويسرية السابقة بالتحقيق في حادثة الأقصر عام 1997 وأعلنت رسميًا براءته وبنك التقوى من أي صلة بالحادثة، مكررة للتأكيد: “بتاتاً بتاتاً وبتاتاً“. | عدم الاعتراف بالأحكام: أوضح ندا أن الحكم الصادر من المحكمة الأوروبية، رغم أهميته، لا يُلزم الولايات المتحدة قانونيًا برفعه من قوائمها. |
| الأمم المتحدة: رفعت هيئة الأمم المتحدة اسمه من قوائم الإرهاب الدولية في عام 2009. | |
| المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان: أصدرت حكمًا تاريخيًا في 12 سبتمبر 2012، أدانت فيه الحكومة السويسرية بانتهاك حقوق ندا، واعتبرت القضية سابقة مهمة في قضايا الإرهاب. |
تؤكد هذه المفارقة، من وجهة نظر ندا، أن القضية برمتها كانت ذات طابع سياسي وليست قانونية. فالهدف لم يكن الوصول إلى الحقيقة بناءً على الأدلة، بل كان تحقيق الإدانة المسبقة واستخدامها كأداة سياسية بغض النظر عن أحكام القضاء. هذا الإصرار الأمريكي يكشف عن الهدف الأكبر والأكثر ديمومة وراء هذه الحملة المستمرة.
الهدف الدائم—نزع الشرعية عن جماعة الإخوان المسلمين
تكشف قضية يوسف ندا، كما يرويها، عن نمط واضح من الاستهداف السياسي الذي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها، حيث يجري استخدام الأدوات القانونية والاستخباراتية لتحقيق أهداف سياسية بحتة. واستخدام قضيته كأداة استراتيجية لربط جماعة الإخوان المسلمين -كحركة فكرية وسياسية واسعة الانتشار- بالإرهاب العالمي، وبالتالي نزع الشرعية عنها ومنعها من لعب أي دور مؤثر على الساحة الدولية.
في رؤيته النهائية، يرى يوسف ندا أن هذه الحملات هي جزء من “حرب على الإسلام الأيديولوجي”، حيث يتم استهداف أي قوة إسلامية منظمة قادرة على تقديم نموذج حضاري بديل: “أي شيئ اسمه إسلامي سيوضع في القوائم الإرهابية” .. فالهدف، في نهاية المطاف، هو ضمان عدم بزوغ أي قوة فكرية أو سياسية إسلامية قادرة على تحدي الهيمنة القائمة، والإبقاء على العالم الإسلامي في حالة من التبعية والضعف.
المزيد
يوسف ندا ج1: التنظيم الدولي للإخوان..ومصير بنك التقوى
يوسف ندا ج2: وثائق الاستراتيجية المالية للإخوان.. وخطة غزو أوروبا