يستعرض أحمد منصور مع –وزير الداخلية والإعلام التونسي الأسبق– الطاهر بلخوجة ج4 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، الذي جرى بثه في 16 يونيو 2002، موقف بورقيبة من قضية فلسطين.. وقال بلخوجة إن بورقيبة كان يرى إسرائيل عدو صهيوني استيطاني لكنه كان يتعامل بواقعية كبيرة معها ولم يخدع نفسه أو شعبه، وقال إنه قابل “عبد الناصر” وقال له أن يتعامل مع الواقع ويتعامل مع إسرائيل على أنها أمراً واقعاً يجب التعامل معه، لكنه أخبره أنه لا يمكنه إعلان ذلك على الجمهور.
وأشار “بلخوجة” إلى أنه بعد أحداث “أيلول الأسود” وبعد القتال بين الأردنيين والفلسطينيين ذهب “الباهي الأدهم” إلى الأردن وقام بتهريب ياسر عرفات إلى تونس متخفياً في زي امرأة. وأوضح ” أنه لم يكن يتوقع أبداً أن تضرب إسرائيل “حمام الشرق”، ولكن عند حدوث ذلك اشترط بورقيبة ألا تستخدم أمريكا حق النقض الفيتو وكان هذا أول قرار يصدر ضد إسرائيل في الأمم المتحدة.
نص حوار الطاهر بلخوجة ج4:
موقف بورقيبة من قضية فلسطين
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج “شاهد على العصر”، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة معالي وزير الداخلية والإعلام التونسي الأسبق، السيد الطاهر بلخوجة. مرحباً بك، معالي الوزير.
الطاهر بلخوجة: أهلاً وسهلاً، مرحباً.
أحمد منصور: توقفنا في الحلقة الماضية عند نقطة هامة، وهي قضية فلسطين وموقف الرئيس بورقيبة وآراؤه فيها. وقد ظهرت آراء بورقيبة بشأن فلسطين في مرحلة مبكرة، لكنه أفصح عن بدايات هذه الآراء بشكل مباشر عندما حضر القمة العربية الأولى التي عقدت في القاهرة عام 1964. وقد أعلن ضمناً عن إعجابه بإسرائيل في عام 1957، حينما قال إن إسرائيل بعثت من اللاشرعية الدولية، وأنه لن يعترف بها ما لم تحل مشاكلها مع العرب. كان هذا بمثابة إعلان مبكر عن إمكانية اعترافه بإسرائيل في حال بدء عملية تسوية. في القمة التي عُقدت في عام 1964 في القاهرة، كان هناك خطة لتحويل نهر الأردن، وقد عبّر بورقيبة عن استيائه من مواقف الزعماء العرب، وقال لهم إن ما يقولونه لا يعدو كونه “فذلكة”. من خلال قربك من بورقيبة، كيف كنت ترى موقفه بشأن قضية فلسطين؟
موقف بورقيبة من القضية الفلسطينية
الطاهر بلخوجة: أستاذ أحمد، كما تعلم، كثر الحديث والتأويل حول موقف بورقيبة من فلسطين، وصراعه مع عبد الناصر في هذا السياق، وخاصة فيما يتعلق بموقفهما من إسرائيل. هذه فرصة جيدة لكي نتحدث عن هذا الموضوع من منطلق ما أعرفه بشكل مباشر. طبعاً، لم أكن حاضرًا في كل التفاصيل، لكنني كنت قريباً من بورقيبة ولدي إلمام بالموضوع.
أحمد منصور: كنت قريباً منه لدرجة أنه في وقت من الأوقات كان يعتبرك أحد أبنائه كما كان يقال.
الطاهر بلخوجة: نعم، هذا صحيح. وأقولها بكل صراحة، إذا كنت أملك تفهماً عميقاً لموقفه، كان ذلك عن قناعة تامة، وليس تبعية أو وصولية. لا، كان اقتناعاً ناتجاً عن تجربتي الشخصية وحياتي الطلابية والجماهيرية. في هذا الموضوع كان هناك جدال وفكر عميق، ولا يمكن اختزاله في تبعية أو في تكرار شعارات.
أحمد منصور: لكن هل يمكنك أن توضح أكثر بشأن موقف بورقيبة من فلسطين؟
الطاهر بلخوجة: بالطبع، كان لبورقيبة موقف واضح للغاية، خاصة في عام 1946 عندما طلب إلحاحاً من مكتب المغرب العربي في القاهرة أن يجتمع مع الوفد البريطاني الأمريكي الذي جاء يبحث في موضوع فلسطين. وكان بورقيبة قد أكد لهم في حديثه أن إسرائيل هي حالة استعمارية، معتبراً أن موضوع فلسطين يتعلق بالاستيطان اليهودي في المنطقة، وأيضاً بالاستيطان الصهيوني، وقالها مرات عديدة. هذا كان المبدأ الأساسي الذي كان يؤمن به.
أحمد منصور: إذن كانت هناك قناعة لدى بورقيبة بأن إسرائيل هي استعمار، فهل كان يعتقد أن هناك طريقاً للتخلص منها؟
الطاهر بلخوجة: نعم، هذا كان موقفه، لكنه كان يفكر في كيفية التخلص من هذا الوضع بأقل الخسائر وأسرع وقت ممكن. وكان يدرك أن القضية الفلسطينية قضية معقدة، ولكن كان يسعى لإيجاد حلول عملية.
نظرية بورقيبة لحل القضية الفلسطينية
أحمد منصور: كنت تشير إلى أن بورقيبة كان يرى أن الحل يكمن في التفاوض مع إسرائيل، هل كانت تلك هي نظرته لحل القضية الفلسطينية؟ هل كانت هناك نظرية واضحة لذلك؟
الطاهر بلخوجة: لا، لم تكن هناك “نظرية” بالمعنى الأكاديمي للكلمة، ولكن كانت رؤية عملية. كان يرى أن القضية الفلسطينية تحتاج إلى حلول واقعية، وأهم هذه الحلول هو الاعتراف بالواقع الذي فرضته إسرائيل في المنطقة. في النهاية، كان الهدف هو تحقيق السلام بأقل التكاليف. لكن لا يعني هذا أن بورقيبة كان يخنع لإسرائيل. كان يفكر في كيفية تجنب الحروب والمواجهات التي لا فائدة منها.
أحمد منصور: لكن هل كان يدعو للاعتراف بإسرائيل والقبول بالواقع؟
الطاهر بلخوجة: لا، بورقيبة كان يرى أن الحل يكمن في الاعتراف بالواقع السياسي القائم، ولكن دون أن يعني ذلك قبولاً تاماً بالوجود الإسرائيلي. كان يعتقد أن الاعتراف بالواقع هو خطوة ضرورية من أجل تجنب المزيد من الحروب والمآسي.
العلاقات العربية وأزمة الزعامة
أحمد منصور: تحدثت عن أن بورقيبة كان يعتقد أن الحروب لا يجب أن تكون بدون تخطيط، فهل كانت هناك مشاورات بينه وبين عبد الناصر حول كيفية التعامل مع القضية الفلسطينية؟
الطاهر بلخوجة: نعم، في إحدى الزيارات التي قام بها عبد الناصر إلى تونس في عام 1965، جرى حديث بينه وبين بورقيبة حول القضية الفلسطينية. وكان عبد الناصر يرى أنه لا يستطيع تبني رؤية بورقيبة علنياً أمام الشعب العربي، لأنه كان الزعيم الذي يجذب الجماهير العربية، وكان يخشى أن يتأثر موقفه الجماهيري في حال أعلن عن مواقف مشابهة لبورقيبة.
أحمد منصور: لكن كانت هذه وجهة نظر عبد الناصر، فهل كانت هذه النقاشات تؤثر على المواقف العربية بشكل عام؟
الطاهر بلخوجة: نعم، يمكن القول إن عبد الناصر كان في تلك المرحلة أسيراً لمطالب الجماهير والشعارات القومية. كان يورط نفسه في صراعات معقدة، ولم يكن يملك خطة واضحة للخروج منها. وكان يعتقد أن الحرب هي الحل، ولكن الواقع أثبت عكس ذلك.
مقارنة بين بورقيبة وعبد الناصر
أحمد منصور: لكن عبد الناصر كان الزعيم الشعبي الأول في العالم العربي، كيف يمكن أن يكون “أسير المجتمع” كما تقول؟
الطاهر بلخوجة: كان عبد الناصر يواجه ضغوطاً شعبية هائلة، وخاصة من قبل الطبقات الشعبية التي كانت تراه رمزاً للعروبة والمقاومة. لكنه كان يورط نفسه في الحروب التي لم يكن مستعداً لخوضها أو التي خسرها. بورقيبة كان على العكس من ذلك؛ كان يتبنى سياسة واقعية، ويصرح بمواقف صادقة أمام شعبه. كان يقول للشعب الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة، ولذلك حافظ على دعم جزء كبير من الشعب التونسي طوال سنوات حكمه.
أحمد منصور: إذن، بورقيبة كان أكثر واقعية في مواقفه من عبد الناصر؟
الطاهر بلخوجة: نعم، بورقيبة كان يفضل التفاوض والاعتراف بالواقع، بينما عبد الناصر كان أكثر تأثراً بالخطاب الجماهيري، وكان يواجه صعوبة في اتخاذ قرارات تتماشى مع الواقع السياسي.
أحمد منصور: تريد أن تقول إنّ بورقيبة كان زعيماً واقعياً، بينما كان عبد الناصر زعيماً يعيش في الأحلام ومعه شعبه؟
الطاهر بلخوجة: لا… لا، ليس في الأحلام، كما قلتَ أنت: إنه كان يقول إنني لا أستطيع مجابهة الشعب، بينما كان بورقيبة يجابه الشعب. هذا لا يعني—في اعتقادي—أنّ عبد الناصر وبورقيبة كانت بينهما عداوة، أبداً، ولا كانت كراهية، لأنهما كانا في مستوى عالٍ. عبد الناصر رجل عظيم يا سيدي.
أحمد منصور: لكنهما كانا يتنازعان على الزعامة في ذلك الوقت.
الطاهر بلخوجة: الزعامة؟ لا، كان هناك تنافس.
أحمد منصور: بورقيبة كان يرى نفسه زعيماً تاريخياً أكبر من عبد الناصر.
الطاهر بلخوجة: صحيح… صحيح.
أحمد منصور: ويرى نفسه أحقّ بزعامة الأمة العربية منه.
الطاهر بلخوجة: لا أبداً. أقول لك لماذا: عبد الناصر كانت له أطماع وحدوية في البلدان العربية يا سيدي…
أحمد منصور: وبورقيبة أيضاً كانت له أطماع في المغرب العربي.
الطاهر بلخوجة: لا… اسمعني…
أحمد منصور: وكان يحلم بأن يكون زعيم المغرب العربي.
الطاهر بلخوجة: لا… لا… كان عنده أطماع وحدوية، وعبد الناصر كانت له أطماع وحدوية في المشرق والمغرب معاً. والدليل ما قام به من نشاط مع بن بلة على أساس وحدة المغرب في نطاق الوحدة العربية…
مقر الزعامة
أحمد منصور: مقر الزعامة… مهد الزعامة العربية.
الطاهر بلخوجة: نعم، ولكن مع اعتراف لمن دعمه.
أحمد منصور: لكنه لم يكن يحب بورقيبة.
الطاهر بلخوجة: مات تونسيون في الجزائر، يا سيدي، بالمئات… في الساقية…
أحمد منصور: المصريون قدّموا دماءهم في كل مكان.
الطاهر بلخوجة: لا، هذه حقيقة: التونسيون هم من قدّموا الشهداء في الساقية.
عبارة عبد الناصر التي أثارت الغضب
الطاهر بلخوجة: عبد الناصر جاء إلى الجزائر وخطب قائلاً إنّه يشعر بنَفَس الجزائريين وانتمائهم للوحدة العربية… ولكن حين توقّف في تونس قال: “نحن عرب، نحن عرب، نحن عرب”، وكأن التونسيين غير عرب!
بين الواقعية والمثالية
أحمد منصور: لكن بورقيبة كان يوجّه وجهه نحو أميركا وفرنسا.
الطاهر بلخوجة: هل وحّدت الوحدة العربية؟ لا فائدة من الكلام… أنتم تعدون الشعوب بالأحلام ولا يتحقق شيء.
أحمد منصور: حاول قدر المستطاع…
الطاهر بلخوجة: المهم ليس المحاولة، بل النجاح…
فلسطين بين رؤيتين:الواقعية والمقاومة
أحمد منصور: واقعية بورقيبة كانت قبول إسرائيل كدولة والتفاوض معها.
الطاهر بلخوجة: الفضل لبورقيبة أنه قال ذلك سنة 1965، ثم قالته الحكومات العربية سنة 2001.
أحمد منصور: الشعوب غير الحكومات.
الطاهر بلخوجة: الحكومات كلها يا سيدي.
خطاب أريحا… الشرارة التي أشعلت العالم العربي
أحمد منصور: ذهب إلى أريحا ودعا للتفاوض مع إسرائيل.
الطاهر بلخوجة: لم يكن في برنامجه أن يخطب، ولكنه ارتجل الخطاب أمام معاناة الفلسطينيين.
أحمد منصور: يعني رجل يتصرّف على البركة؟
الطاهر بلخوجة: لا… ارتجل ولم يرتّب، وهذا يحدث للسياسيين.
سلاح الخطابة والتصفيق
أحمد منصور: كان مهووساً بالخطابات وبالتصفيق.
الطاهر بلخوجة: هذا سلاح الزعماء… قوة الإقناع.
نص خطاب أريحا… قلب العاصفة
(ينقل بلخوجة مضمون الخطاب كما ورد دون تغيير)
أحمد منصور: طعنة في عبد الناصر.
الطاهر بلخوجة: كلمة حق بعد عشرين سنة من القضية الفلسطينية.
أحمد منصور: هذا كلام المنهزمين.
الطاهر بلخوجة: ومع ذلك تبنّته قمة فاس سنة 1981.
أحمد منصور: لا زعيم عربياً كان يفكّر في مواجهة إسرائيل… كانوا يتآمرون على بعضهم.
الطاهر بلخوجة: عندك ألف حق… مأساة العرب منذ أربعين سنة.
أحمد منصور: بهذه التصريحات خسر بورقيبة الشارع العربي وكسب الغرب.
الطاهر بلخوجة: خسر مؤقتاً، لكن التاريخ أنصفه.
من أوسلو إلى مدريد… انعكاس رؤية مبكرة
أحمد منصور: على مذهب أوسلو ومدريد إذن.
الطاهر بلخوجة: سواء كان مدريد أو أوسلو… الفلسطينيون على الأقل وجدوا شبراً من الأرض بعد أن كانوا مشرّدين.
أحمد منصور: ماذا يفعل الإسرائيليون الآن؟ سحق وقتل؟
الطاهر بلخوجة: متفق معك، الحال الآن مأساوي… لكن مستقبلاً قد يكون هناك تعايش.
الطاهر بلخوجة: هل يمكن إلقاء اليهود في البحر؟
أحمد منصور: ممكن.
أولاً: حول الإرادة العربية وموازين القوة
الطاهر بلخوجة: ممكن… لكن كيف؟ وبأي قوة؟
أحمد منصور: إذا توفّرت للعرب إرادة، وقد قالها عبد الناصر من قبل.
الطاهر بلخوجة: نعم، وهذه هي قوة العرب. ونعود هنا إلى ما كانت عليه القمم العربية المتتالية خلال ثلاثين عاماً.
أحمد منصور: كانت إسرائيل تتجسّس على جميعها وتسمع ما يدور فيها.
الطاهر بلخوجة: على أي حال، هؤلاء هم العرب، وهذا واقعنا، فهم منّا، وهذا دمنا.
أحمد منصور: وكان زعماء العرب يلتقون في القمم ليشتم بعضهم بعضاً.
الطاهر بلخوجة: هذه هي عروبتنا، وهذا دمنا وأصالتنا، و”كما تكونوا يُولَّى عليكم”. أمّا القمم الأخيرة…
أحمد منصور: إذن أنت أيضاً تُحمِّل الشعوب المسؤولية؟
الطاهر بلخوجة: لا، المسؤولية تقع على القادة الذين ضلّلوا شعوبهم. لكن الأساس هو: ما السلاح الحقيقي الذي يمكن للعرب أن يمتلكوا به كلمة مسموعة؟
أولاً: هل يمكن للأرصدة العربية الموجودة في الدول الغربية أن تُسترجَع؟
أحمد منصور: العرب لن يستطيعوا استرجاع فلس واحد منها.
الطاهر بلخوجة: هل يمكن أن تُعاد فعلاً؟
أحمد منصور: إيران كانت أشطر منهم.
الطاهر بلخوجة: ومع ذلك بقيت أرصدتها مجمّدة.
النفط والتسلّح وعوامل العجز العربي
الطاهر بلخوجة: الشرط الثاني: هل يمكن للدول العربية أن تمنع تزويد الغرب بحاجته من النفط؟ هل يمكنك الإجابة؟
أحمد منصور: لا طبعاً، فهناك بدائل غيرهم الآن.
الطاهر بلخوجة: حينها ستقوم القيامة.
أحمد منصور: ثم إن قوات الغرب موجودة في الخليج.
الطاهر بلخوجة: الشرط الثالث: هل يمكن للدول العربية أن تمتنع عن شراء السلاح الذي يصبّ في مصلحة الغرب؟ فالتسلّح في الجزائر، وليبيا، والمغرب، ومصر… لماذا؟
أحمد منصور: من أجل إسرائيل.
الطاهر بلخوجة: ولم يحقّقوا شيئاً.
أنا خرجتُ من المسؤوليات وقد بلغت السبعين، وأقول بصراحة: الواقع يجبر العرب على التعامل معه، والبحث عن حلول تقوم على التعايش، مع بذل أقل التكاليف، وبمساندة الجميع. ولنا كلمة حق، والحق يعلو ولا يُعلى عليه.
ثالثاً: هزيمة 1967 وانعكاساتها في تونس
أحمد منصور: في عام 1967 وقعت الهزيمة، وخرجت المظاهرات في شوارع تونس احتجاجاً، وتحولت إلى صدامات. وفي 7 يونيو عُيّنتَ مديراً للأمن الوطني. كيف أثّرت الهزيمة على الشعب التونسي؟
الطاهر بلخوجة: كنتُ وقتها مدير ديوان أحمد بن صوالحة، وزير “السوبرمان” الذي جمع ست وزارات.
الهزيمة كانت مفاجِئة للجميع، وكان من الطبيعي أن يهتزّ الشعب التونسي ويتظاهر. لكن ما زاد الوضع سوءاً أن الشعب كان يعاني ضيقاً شديداً بسبب السياسة الاشتراكية والتعددية الاقتصادية. فاجتمع غضب الهزيمة مع الضيق المعيشي، فانفجر الشارع.
الطاهر بلخوجة: خرج الناس وأُحرقت مبانٍ عديدة، منها “ناجلوندرا” الذي كان ملكاً لليهود، كما أُحرقت المعابد اليهودية والمركز الثقافي الأميركي. كانت انتفاضة شعبية لا مثيل لها، ولم يكن بورقيبة ولا غيره قادراً على إيقافها.
أحمد منصور: اليهود كان لهم نفوذ واضح في تونس.
الطاهر بلخوجة: لا، لم يكن لهم نفوذ لا في عهد بورقيبة ولا بعده.
أحمد منصور: لكن عبرهم تمكّنت إسرائيل من اختراقات كثيرة.
الطاهر بلخوجة: دعني أوضح: بورقيبة كان يحترم الإنسان بغضّ النظر عن دينه. وكان يعتبر أننا نحارب نظاماً لا أفراداً، ولا يجوز قتل مدنيّين مهما كان دينهم.
أما اليهود الموجودون في تونس فهم كغيرهم من يهود البلدان العربية.
أحمد منصور: لكن تاريخياً كان اليهود في اليمن والعراق ومصر…
الطاهر بلخوجة: وكلهم عُرف عن بعضهم ارتبطهم بإسرائيل. أي يهودي في أي بلد يعتبر نفسه أولاً منتمياً إلى إسرائيل، وكثير منهم يُكلَّفون بعمليات تجسّسية.
لكن وجودهم في تونس لم يكن ذا نفوذ على الحكم.
أحمد منصور: سنعود إلى تفاصيل دورك كمدير للأمن الوطني.
الطاهر بلخوجة: في الحلقة القادمة…
أحداث أيلول الأسود ودور تونس فيها
أحمد منصور: أودّ الآن استكمال النقاش حول قضية فلسطين.
في أيلول/سبتمبر 1970 اندلعت المواجهات في الأردن بين الفلسطينيين والأردنيين، ولعب الباهي الأدغم –رئيس الحكومة التونسية آنذاك– دوراً في المفاوضات من خلال الجامعة العربية، إذ ترأس وفدها الموفد لمحاولة إنهاء الصراع، ويُقال إنه أسهم بشكل أساسي في إخراج ياسر عرفات في النهاية.
الطاهر بلخوجة: صحيح يا سيدي. كان الباهي الأدغم رئيساً للوزراء، وبطلب من الجامعة العربية اتفق مع الرئيس بورقيبة، وتمّ إيفاده رئيساً لوفد المصالحة. فقضية أيلول الأسود مأساة طويلة وعريضة؛ إذ انتُهكت حرمة الفلسطينيين، وقُتلوا وشُرّدوا وسُجنوا، وكان عرفات وأبو إياد في السجن آنذاك للمرة الأولى في الأردن.
وكنا على اتصال بالباهي الأدغم عام 1970، وكانت مهمته بالغة الصعوبة؛ فالأردنيون يقولون إنهم يدافعون عن كيانهم، والفلسطينيون يؤكدون أنهم شُرّدوا وقُتلوا.
ثانياً: تهريب ياسر عرفات من الأردن
أحمد منصور: رُويت روايات كثيرة حول تهريب عرفات؛ قيل إنه خرج بزيّ كويتي، وقيل إنه خرج متنكّرًا في زيّ امرأة برفقة الباهي الأدغم. ما الحقيقة؟
الطاهر بلخوجة: نعم، خرج متنكّراً في زيّ امرأة، وتولّى باهي الأدغم إخراجه وإيصاله إلى الحدود، ثم قيل إنه وصل إلى تونس. وقد قامت قيامة السلطات الأردنية عليه لأنه فعل ذلك وهو رئيس وفد الجامعة. وقد اعترف عرفات نفسه بفضل الأدغم، ونحن قلنا إن الرجل أدّى واجبه كعربي تجاه إخوانه الفلسطينيين المشردين.
وللأسف، توفي الباهي الأدغم من دون أن يكتب مذكراته حول تلك المرحلة.
أحمد منصور: لكن بورقيبة أقاله أثناء أدائه لمهمته.
الطاهر بلخوجة: كانت الإقالة لأسباب داخلية لا علاقة لها بالمهمة. كنا نعتزّ بعمله ونكتب عنه في الصحف رغم خلافه الداخلي مع بورقيبة.
واقعة ميونيخ 1972
أحمد منصور: في عام 1972 وقعت أحداث ميونيخ حين اختطفت مجموعة فدائية فلسطينية عدداً من أعضاء الفريق الرياضي الإسرائيلي، وقيل إن أحد أفراد المجموعة اتصل هاتفياً من تونس، مما جعل تونس متورّطة في الموضوع.
الطاهر بلخوجة: هذا صحيح. فقد أخبرني أبو إياد –وكان لي معه علاقة مباشرة– بأنّه كان العقل المدبّر لعملية ميونيخ من بدايتها إلى نهايتها، وهذا ما أكّده أبو داوود أيضاً.
وبغية ألا تُتَّهم تونس بالتورّط، كان الاتصال عبر سفارة الأردن في تونس، لأن السفير الأردني كان قريباً من أبو إياد وقد استُخدمت السفارة في التواصل.
أحمد منصور: هل كنتم على علم بالعملية قبل وقوعها؟
الطاهر بلخوجة: نعم، كنا نعلم إجمالاً بأن أبو إياد سيقوم بعملية كبيرة، لكن تفاصيلها ومكان تنفيذها عرفناها لاحقاً.
انتقال منظمة التحرير إلى تونس عام 1982
أحمد منصور: بعد خروج الفلسطينيين من لبنان عام 1982، توجهوا إلى تونس. وقيل إن ذلك كان نتيجة ترتيب من بورقيبة لإبعاد الفلسطينيين عن فلسطين أربعة آلاف كيلومتر لفرض الأمر الواقع الذي نادى به منذ عام 1965.
الطاهر بلخوجة: هذا غير صحيح. من أجبر الفلسطينيين على اختيار تونس؟ أي دولة عربية احتضنت الفلسطينيين وقيادتهم بعد مذابح لبنان كما فعلت تونس؟
الفلسطينيون هم من اختاروا القدوم إلى تونس، ونحن رحّبنا بهم.
أحمد منصور: كنتَ وزيراً للإعلام حينذاك.
الطاهر بلخوجة: نعم. وكان المبدأ التونسي دائماً: “أهل مكة أدرى بشعابها”. كنا نقول للفلسطينيين: أنتم أصحاب القضية، اختاروا نهجكم وسياستكم ونحن معكم.
أما محاولات بعض الدول العربية فرض حلول على الفلسطينيين، فقد رفضناها. فموقف تونس دائماً أن القرار الأول يقع على عاتق الدول المجاورة لفلسطين.
هل كانت تونس “مصيدة” للفصائل الفلسطينية
أحمد منصور: لكن تونس كانت مكاناً لتصفية القادة الفلسطينيين: أبو إياد، أبو جهاد… كما قُصف حمام الشط عام 1984.
الطاهر بلخوجة: لا يمكن تناول الموضوع بهذا الشكل. الفلسطينيون في تونس كانوا يحرصون على أمنهم استقلالاً، ولا يريدون قوات أمن قريبة منهم.
وربما كان الخطأ الوحيد أننا جمعناهم في حمام الشط، وأبو إياد نفسه حذّرني قائلاً: “إذا واصلتم جمعنا هنا ستأتي إسرائيل وتقصف”.
وأعترف أنني لم أكن أظن أن إسرائيل ستأتي من هذا البعد لتقصف تونس، لكن ذلك وقع فعلاً.
كانت إسرائيل تملك قوة هائلة في البحر المتوسط؛ غواصات وسفن وسلاح قادر على تنفيذ ما تريد، ولم يكن لدى تونس قدرة فعلية على منع ذلك.
الطاهر بلخوجة: بعد القصف طلبنا من مجلس الأمن اتخاذ موقف. وهنا كان للرئيس بورقيبة موقف قوي؛ فقد استدعى السفير الأميركي وقال له:
“إذا استعملتم الفيتو هذه المرة ضد تونس فسأقطع علاقاتي معكم.”
ولأول مرة لم تستخدم الولايات المتحدة الفيتو ضد قرار يدين إسرائيل، وصدر القرار بأغلبية 66%.
الطاهر بلخوجة: يجب الاعتراف بأن الدول العربية كانت ضعيفة مادياً وسياسياً، بينما كانت إسرائيل مدعومة بقوة غربية طاغية.
ومع كل الإخفاقات وسوء التدبير، لم نسجّل –وهذا مهم في التاريخ– خيانة صريحة من أي دولة عربية أو زعيم عربي تجاه القضية الفلسطينية، بل كانت أخطاء واجتهادات.
أحمد منصور: في بداية الستينيات دخلت تونس مرحلة اشتراكية قادها أحمد بن صالح، وقد كنتَ مديراً لديوانه عام 1967.
في الحلقة القادمة سنتحدث عن التجربة الاشتراكية وفشلها وآثارها المستمرة.
الطاهر بلخوجة: بارك الله فيك.
أحمد منصور: أشكرك معالي الوزير، كما أشكر السادة المشاهدين.
نواصل في الحلقة القادمة الاستماع إلى شهادة وزير الداخلية والإعلام التونسي الأسبق الطاهر بلخوجة. والسلام عليكم ورحمة الله.
محاور الحوار
00:00 مقدمة
02:00 موقف بورقيبة من قضية فلسطين منذ عام 1946م ولماذا اعترف بإسرائيل
07:44 ما دار بين عبد الناصر وبورقيبة حول الاعتراف بإسرائيل
10:38 الفرق بين عبد الناصر وبورقيبة وهل كان بينهما صراع أطماع الزعامة العربية
15:55 بورقيبة يعترف بإسرائيل عام 1965 ويذهب إلى أريحا ويلقى خطاباً شهيراً
26:03 بورقيبة أخبر عبد الناصر والملك حسين بخطابه ومظاهرات في كل الدول العربية وصلت لحرق سفارة تونس في القاهرة
31:09 ما هي شروط امتلاك العرب قرارهم
33:15 أثر هزيمة 1967م على الشعب التونسي
35:35 هل هناك نفوذ يهودي في تونس
38:02 أحداث أيلول الأسود والباهي الادغم يأخذ ياسر عرفات في زي امرأة إلى تونس
41:55 هل كان نقل الجامعة العربية إلى تونس تصفية للقضية الفلسطينية
46:02 ضرب إسرائيل لحمام الشرق في تونس