يستعرض أحمد منصور مع أحد قيادات الطلبة الذين حُكم عليهم بالإعدام في تنظيم الكلية العسكرية بليبيا عام 1975، العميد عبد الله الحامدي ج2 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، الذي جرى بثه في 26 مايو 2013 الفترة العصيبة في سجن الاستخبارات العسكرية، والحكم على الحامدي بالإعدام رميا بالرصاص قبل صدور قرار العفو عنه.
ووثق العميد عبد الله الحامدي في شهادته الثانية والأخيرة على الأحداث في ليبيا محاكمته في قضايا التنظيمات السرية في الكلية العسكرية إلى نهاية عهد القذافي ومقتله في الثورة الليبية.
وذكر الحامدي أن التحقيقات معه كانت على يد مصطفى الخروبي وهو من أكثر الدمويين في ليبيا، واعتبر أن نظام القذافي قام واستمر برعايته.
وأوضح الحامدي أنه تلقى تعذيبا شديداً في السجون الليبية بين سجن الاستخبارات وبين سجن الحصان الأسود الذي بناه موسوليني، لافتا إلى الفروق بين الزنازين التي بناها والأخرى التي بنيت في عهد القذافي. كما تطرق الحامدي إلى الحكم عليه بالإعدام رميا بالرصاص وانتظاره تنفيذ الحكم في زنزانة الإعدامات مع 6 آخرين إلى أن تم تخفيف الحكم إلى المؤبد ثم الخروج بعفو عام 1988.
وسرد الحامدي مشاركته في أحداث الثورة الليبية ودوره بين تحرير طرابلس إلى مقتل القذافي.
نص حوار عبد الله الحامدي ج2:
التعذيب والإعدامات في عهد القذافي
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج “شاهد على العصر”، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة العميد عبد الله الحامدي، أحد المتهمين في تنظيم طلبة الكلية العسكرية في ليبيا عام 1975 وأحد المحكومين بالإعدام. سيادة العميد، مرحباً بك.
عبد الله الحامدي: أهلاً وسهلاً.
سجن الاستخبارات العسكرية
أحمد منصور: بعد القبض عليكم أنتم تنظيم الطلبة، تم تحويلكم للتحقيق، وتم نقلكم إلى سجن المخابرات العسكرية.
عبد الله الحامدي: نعم، سجن الاستخبارات العسكرية.
أحمد منصور: كيف استقبلتم في السجن؟
عبد الله الحامدي: كانت تجربة جديدة تماماً بالنسبة لي. دخلنا إلى زنزانة صغيرة، لا تزيد مساحتها عن مترين في مترين، وكانت فردية لكل شخص. السجن كان مستطيل الشكل بالكامل ومغلق. كان هناك عقاب عبارة عن بطانية صغيرة.
أحمد منصور: هل كان هناك شباك في الزنزانة؟
عبد الله الحامدي: كان هناك شباك صغير في الأعلى للتهوية. أتذكر عندما دخلت، أخذت البطانية ولففتها كمخدة. كانت الزنزانة ضيقة للغاية، وكان شعور الإرهاق واضحاً عليّ بسبب المشروع الخارجي والتعب بشكل عام. لكنني كنت أعلم أن هذه المرحلة ستنتهي إلى الحقيقة، وأحياناً كان لدي شعور بأن الخيارات المتاحة ضئيلة، والخيار الوحيد هو السجن.
أحمد منصور: هل كنت تعرف شيئاً عن الزملاء في السجن؟
عبد الله الحامدي: لا، في البداية كنت أظن أنني مع مجموعة من المجرمين، لكنني اكتشفت لاحقاً أن كل من في السجن كانوا عسكريين، معظمهم تم القبض عليهم كضباط. وحتى تلك اللحظة، لم أكن أعرف أنني تم ضمي إلى قضية عمر المحيشي.
أحمد منصور: هل تم ضمك إلى قضية عمر المحيشي مباشرة؟
عبد الله الحامدي: لا، في السجن بدأت كل القضايا تختلط مع بعضها البعض. تم القبض علينا بعد ثلاثة أو أربعة أيام من القبض على الآخرين.
أحمد منصور: هل كنت تعرف كل زملائك في السجن؟
عبد الله الحامدي: نعم، كنا معاً في الزنازين.
أحمد منصور: كيف كان التواصل بينكم؟
عبد الله الحامدي: في البداية لم يكن هناك تواصل سوى من خلال الصوت. كنا محجوزين في زنازين مغلقة، وكان يسمح لنا بالخروج فقط في وقت معين للذهاب إلى الحمام.
أحمد منصور: هل كان هناك شيء آخر تعانيه في السجن؟
عبد الله الحامدي: كان الأمر صعباً للغاية، خاصة أنني لم أكن أعلم حقيقة الموقف وحجم التوتر الذي كان يسود البلاد. في السجن، كان الجميع يسأل عن سبب القبض، لكنني لم أكن أملك أي إجابة.
أحمد منصور: كان التحقيق معكم يتضمن الضغوط؟
عبد الله الحامدي: نعم، بالطبع. كان التحقيق مع العديد من الضباط والجنود، وكان قد بلغ عددهم 300 ضابط تم التحقيق معهم في تلك الفترة.
الترحيل إلى سجن الحصان الأسود وبداية التعذيب
أحمد منصور: بعد سجن الاستخبارات، هل تم نقلكم إلى سجن آخر؟
عبد الله الحامدي: نعم، بعد أيام قليلة تم نقلي إلى سجن الحصان الأسود. كان هذا السجن معروفاً بأنه سجن مركزي.
أحمد منصور: هل تعرفون سجن الحصان الأسود؟
عبد الله الحامدي: نعم، سجن الحصان الأسود كان قديمًا، وقد تم بناؤه من قبل الطليان. بعد 1984، تم مسحه بالكامل وأصبح مكانه حديقة الحرية، حيث تم بناء سجن أبو سليم في موقع آخر.
أحمد منصور: كيف كانت الزنزانة في سجن الحصان الأسود؟
عبد الله الحامدي: كانت الزنزانة أفضل بكثير من سجن الاستخبارات العسكرية، حيث كان لدينا مساحة أكبر. في سجن الاستخبارات، كنت في زنزانة صغيرة لم أتمكن من التنقل فيها.
أحمد منصور: كم استغرقت في زنزانة الاستخبارات؟
عبد الله الحامدي: في سجن الاستخبارات قضيت حوالي 3 أو 4 أيام.
أحمد منصور: هل تعرضت للتعذيب في ذلك الوقت؟
عبد الله الحامدي: لا، لم أتعرض للتعذيب في سجن الاستخبارات العسكرية، لكن الأمور تغيرت في سجن الحصان الأسود.
أحمد منصور: كيف بدأت مرحلة التعذيب؟
عبد الله الحامدي: بعد وصولنا إلى سجن الحصان الأسود، تعرضت للتعذيب بشكل مرعب. كانوا يجلبون الطعام، وكان لديَّ فكرة عن بعض السجناء الآخرين، لكنني لم أكن أعلم أن القضية تشمل جميع الجيش الليبي. بعدها، بدأت أتعرف على المزيد من السجناء.
أحمد منصور: هل كنت لوحدك أثناء التعذيب؟
عبد الله الحامدي: نعم، كنت لوحدي. كنت أعاني من التعذيب الشديد، حيث كانت الهراوات تُستخدم بشكل عنيف، وتم تهديدي بتكسير رأسي في أي لحظة.
أحمد منصور: من كان يشرف على التعذيب؟
عبد الله الحامدي: كان هناك عدد من الضباط الذين كانوا يشرفون على التعذيب، لكنني لا أريد ذكر أسمائهم.
أحمد منصور: هل كانوا مازالوا على قيد الحياة؟
عبد الله الحامدي: نعم، بعضهم على قيد الحياة، ولكن لا أعتقد أنهم يستحقون أن أذكر أسماءهم.
القذافي يقود التحقيق
أحمد منصور: بعد تلك الفترة، هل حدث شيء مختلف في التحقيق؟
عبد الله الحامدي: نعم، بعد فترة من التعذيب، تم استدعائي إلى مكتب الخروبي، حيث كان موجوداً مع القذافي ومصطفى الخروبي، وأيضًا عبد الله الحجازي وأبو القاسم القانقا. أول ما دخلت، قال لي القذافي: “إحنا اخترناكم بالصوفة”.
أحمد منصور: ماذا يعني هذا التعبير “اخترناكم بالصوفة”؟
عبد الله الحامدي: يعني أننا تم اختيارنا بعناية شديدة، وأنه اكتشف في النهاية أننا خونة.
أحمد منصور: كيف كنت ترد على اتهامات القذافي؟
عبد الله الحامدي: قلت له أنني لم أخن أحداً، وأنني لا أملك دليلاً على أنني خنت. حاولت تفسير موقفي، وقلت له إن أخطاء الضباط في القيادة هي التي دفعتنا للتفكير في هذا الاتجاه. استحضرت حادثة نكسة 67 وقلت له أن عبد الناصر، رغم كل أخطائه، كان رمزًا للأمة العربية.
أحمد منصور: هل كان القذافي يتعاون معك في التحقيق؟
عبد الله الحامدي: لا، كان هناك تهديد بالانتزاع القسري للمعلومات إذا لم أتمكن من الاعتراف بكل شيء.
تصفية القيادات في الجيش
أحمد منصور: بعد 1975، كيف كانت سياسات القذافي تجاه الضباط والمجموعات المعارضة له؟
عبد الله الحامدي: في 1975، بدأ القذافي في تصفية جميع القيادات التي كانت معارضة له في الجيش، بما في ذلك أعضاء مجلس قيادة الثورة. أعدم العديد من الضباط في تلك الفترة، بما في ذلك بعض الضباط الأحرار.
أحمد منصور: هل كان ذلك بداية للدموية في النظام؟
عبد الله الحامدي: نعم، في 1975 كان البداية الفعلية لترسيخ سلطته بدم الشعب الليبي، حيث بدأ القذافي في التخلص من كل من يمكن أن يشكل تهديداً له.
تصفية القذافي للقيادات العسكرية في 1975
أحمد منصور:
عام 1975 كان نقطة فارقة في مسيرة القذافي. هل يمكن أن نعتبره بداية لتطبيق القذافي للدموية المطلقة؟
عبد الله الحامدي:
نعم، 1975 كانت بداية لتأسيس سلطات القذافي من خلال دماء الشعب الليبي. في هذا العام، شمل التحقيق حوالي 300 ضابط، بما فيهم أعضاء مجلس قيادة الثورة، الذين تم التحقيق معهم جميعًا دون استثناء. أما الذين كانوا في الخارج فلم يعودوا، ومن كانوا في الداخل فقد تم التخلص منهم.
أحمد منصور:
هل يمكننا القول إن عام 1975 كان نقطة تحول في سياسة القذافي، حيث انتقل من مرحلة التمهيد للدموية إلى تنفيذها؟
عبد الله الحامدي:
بالطبع، كان 1975 البداية الفعلية لترسيخ سلطته عبر الدماء. كان التنظيم الوحيد الذي يشكل تهديدًا له هو الجيش الليبي، إضافة إلى الطلاب. وبالنسبة للطلاب، تمكن القذافي من القضاء عليهم سريعًا في عام 1977 بما عرف بثورة الطلاب. وكان القذافي بحاجة إلى التخلص من التوترات العسكرية التي كانت تزعجه، فقام بإعدام عدد كبير من الضباط وتصفية مجلس قيادة الثورة.
إعدامات في الثكنات العسكرية
أحمد منصور:
كيف كانت عملية الإعدام؟ هل كانت تتم داخل الثكنات العسكرية بواسطة الزملاء أنفسهم؟
عبد الله الحامدي:
نعم، كانت الإعدامات تتم داخل الثكنات العسكرية ومن قبل الزملاء. هذه كانت حالة مأساوية في مجتمع بدوي تحكمه الروابط الاجتماعية والعلاقات التي كان لها تأثير سلبي على الشارع الليبي بشكل عام.
التحقيقات والتهديدات
أحمد منصور:
هل كان القذافي يوجه الإهانات لمن حوله أثناء التحقيقات؟
عبد الله الحامدي:
نعم، كان القذافي يوجه إهانات مباشرة من خلال تصرفات معينة، وهي ليست مجرد إهانة بالكلمات، بل كانت أسوأ من الإهانة. مثال على ذلك عندما وجد الخروبي طباخه معدومًا داخل المطبخ في منزله، في رسالة مباشرة من عبد الله السنوسي إليه.
أحمد منصور:
هل كانت هذه الإهانات جزءًا من استراتيجية القذافي للسيطرة على المواقف؟
عبد الله الحامدي:
بالطبع. القذافي كان يحاول أن يظهر سلطته بشكل مستمر عبر إهانة من حوله، سواء كان من خلال المواقف الشخصية أو عن طريق الأوامر المباشرة.
صعوبة التحقيقات الفكرية
أحمد منصور:
هل كان التحقيق يركز فقط على الجوانب الفكرية أم كان هناك عناصر أخرى؟
عبد الله الحامدي:
التحقيق كان يشمل جميع الجوانب، بما في ذلك الجوانب الفكرية. وكنا مجموعة من الطلاب ولم نكن قد وصلنا إلى مرحلة تنظيم مسلح. كنا فقط نتأثر بالأحداث، ولكن الأمور تطورت عندما قام آمر الكلية العسكرية ومجموعة من الضباط بإرسال مجموعة من الطلاب إلى مواقع معادية. هذه الحادثة استفزتنا وبدأنا بالتنسيق لاعتقال آمر الكلية ومجموعة الضباط.
محاولة ربط عبد الله الحامدي بتنظيم عمر المحيشي
أحمد منصور:
هل حاول المحققون ربطك بتنظيم عمر المحيشي؟
عبد الله الحامدي:
لا، لم يكن هناك ربط مباشر في البداية. ولكن لاحقًا، من خلال مجموعة من الشهود من طلبة الكلية العسكرية، بدأوا يربطونني بتنظيم المحيشي بسبب أفكاري التي كانت غير معروفة. في النهاية، اتهموني بأنني إما إخواني، شيوعي، أو بعثي.
أحمد منصور:
كيف كانت المحاكمات التي خضعت لها أنت وزملاؤك؟
عبد الله الحامدي:
المحاكمات كانت دموية جدًا. حيث أصر مصطفى الخروبي، آمر الإحالة، على إعدام جميع من ظهر أسماؤهم في هذه القضية. وكان هناك مطالب بإعدام حوالي 300 ضابط، مما يعني تصفية كامل للقيادات العسكرية.
تشكيل محكمة جديدة في 1977
أحمد منصور:
هل تم تشكيل محكمة جديدة لمحاكمة الطلبة الذين تم القبض عليهم؟
عبد الله الحامدي:
نعم، في عام 1977 تم تشكيل محكمة جديدة برئاسة يوسف أبو حجر وأحمد العون، وكانوا جزءًا من الضباط الأحرار الذين لم يوافقوا على سياسات القذافي. في تلك الفترة تم إحالتنا إلى المحكمة العسكرية الدائمة برئاسة يوسف الدبري، الذي حكم على 6 من طلبة الكلية العسكرية بالإعدام رمياً بالرصاص.
الحكم بالإعدام والتوقعات
أحمد منصور:
كيف تلقيت حكم الإعدام؟ وهل كنت تتوقعه؟
عبد الله الحامدي:
تلقيت الحكم باستهزاء، في الحقيقة. عندما سمعت الحكم، ضحكت. لم أكن أتوقعه، كنت أظن أنهم سيقومون بالإفراج عنا بعد فترة قصيرة، أو على الأقل سيتم تخفيف العقوبة إلى سنة أو سنتين.
أحمد منصور:
هل كنت على دراية بما يحدث في محاكمات الضباط؟
عبد الله الحامدي:
لا، كنا معزولين عن العالم الخارجي لمدة عامين. لم نكن نعلم أي شيء عن ما يحدث مع الضباط الآخرين.
العزلة والتفاعل مع العائلة
أحمد منصور:
هل كان بإمكانكم رؤية عائلاتكم خلال فترة السجن؟
عبد الله الحامدي:
لا، كانت هناك زيارة نادرة من العائلة، وكانت تحدث أثناء المحاكمة فقط.
أحمد منصور:
إذاً، هل كانت عزلتك عن العالم مستمرة طوال تلك الفترة؟
عبد الله الحامدي:
نعم، كنا معزولين عن العالم الخارجي طوال عامين.
النقل إلى سجن الحصان الأسود مجدداً
أحمد منصور:
بعد حكم الإعدام، هل تم نقلك إلى سجن آخر؟
عبد الله الحامدي:
نعم، تم نقلي إلى سجن الحصان الأسود مرة أخرى.
أحمد منصور:
هل كان ذلك في نفس الزنزانة السابقة؟
عبد الله الحامدي:
نعم، كانت نفس الزنزانة. كان سجنًا انفراديًا، وكنت وحدي في الزنزانة.
أحمد منصور:
هل كان هناك أي تغييرات في ظروف السجن؟
عبد الله الحامدي:
السجن كان في الواقع أكبر من السجون الأخرى، حيث كانت الزنزانة مساحتها 2.5 في 2 متر، وكانت تهوية جيدة جدًا. هذا السجن كان قد بناه موسوليني في فترة استعمار إيطاليا.
تزايد القسوة في التحقيقات
أحمد منصور:
كيف كانت الظروف خلال التحقيقات التي خضعت لها بعد العودة إلى سجن الحصان الأسود؟
عبد الله الحامدي:
عندما استدعاني القانقا مرة أخرى، كان يشرف على التحقيق وهو يرتدي رتبة رائد. كنت قد طلبت من الخروبي ألا يحقق معي، لكن القانقا كان موجودًا، فبدأ الخروبي بشده من شعره وأهانني أمامه. كانت هذه الرسالة واضحة بالنسبة لي: أن هذه الإهانة كانت بإذن من القذافي.
أحمد منصور:
هل كان القذافي يتعامل مع من حوله بهذه الطريقة من الإهانة المتعمدة؟
عبد الله الحامدي:
نعم، كانت هناك إهانة شديدة. لم تكن مجرد إهانة بالكلمات، بل كان الأمر يصل إلى حد العنف النفسي والجسدي في بعض الأحيان. وكان الخروبي نفسه يواجه مواقف قاسية، مثل اكتشافه أن طباخه قد تم إعدامه في المطبخ، في رسالة دموية من عبد الله السنوسي.
أحمد منصور: لكن السنتين لم يزرُكم أحد.
عبد الله الحامدي: سنتين من التوقيف لم يزرني أحد. خلال المحاكمة، كنا نلتقي بأسرنا في المحكمة.
أحمد منصور: كيف كنتم تقضون يومكم في التوقيف قبل الدخول إلى السجن؟
عبد الله الحامدي: كان لدي دبوس صغير لملابس، إذا تذكره، وكان هذا بمثابة أكبر ثروة بالنسبة لي. كنت أعدُّ جدولاً زمنياً أسجل فيه الأحداث، وفي أي لحظة لو سألتني عن التاريخ أو اليوم، سأخبرك بدقة.
أحمد منصور: كنت تكتب على جدران الزنزانة؟
عبد الله الحامدي: نعم، كنت أكتب على جدران الزنزانة. أذكر أنه عندما دخلت الزنزانة لأول مرة، رأيت رسماً جميلًا على الجدار من شخص إسكندراني، كان قد كتب تحت الصورة: “لقد كنت أخدع الحياة لأعيش كما أريد، ولكن في الحقيقة كنت أخدع نفسي فعشت كما تريد الحياة”.
أحمد منصور: كان هذا مسجوناً قبلك؟
عبد الله الحامدي: نعم، كان قد سُجن قبلي.
أحمد منصور: من الإسكندرية؟
عبد الله الحامدي: نعم، كان من الإسكندرية. أذكر أنه في البداية كنت أعيش في توتر وقلق ورفض، لكن فيما بعد أصبح ذلك جزءاً من روتين حياتنا في السجن. أذكر أنه في إحدى الفترات، كنا نتوتر عند سماع أذان المغرب، لأن الوقت كان ضيقًا بالنسبة لنا.
أحمد منصور: ماذا كنتم تفعلون لتمضية وقتكم في السجن؟
عبد الله الحامدي: كان من لديه القدرة يتعلم اللغة الإيطالية، وكانت هذه إحدى الوسائل التي تساعدنا على شغل وقتنا.
أحمد منصور: كيف دارت المحاكمة؟
عبد الله الحامدي: كانت محاكمة صورية. عندما استدعوني، أخبروني بالتهم الموجهة إليّ، فكان جوابي أنني أضفت لهم تهمة “جاسوس لإسرائيل” وأغلقوا الملف. المدعي العام علي الفتوري اعتبرها إهانة، فقلت له: “لا، ليست إهانة، أعطني سلطات المحقق، وأي شخص من الشعب الليبي يمكن أن توجه له هذه التهم”.
أحمد منصور: هل كنت تعرف هؤلاء الشهود؟
عبد الله الحامدي: نعم، كانوا طلبة معنا في الكلية العسكرية. كانوا يزعمون أنني كنت أقرأ الكتب الصفراء وأدافع عن الفاشية، وكان الأمر مستغربًا لي.
أحمد منصور: ماذا فعلت بعد ذلك؟
عبد الله الحامدي: طلبت من المحكمة أن لا أتحدث أكثر. وفي أحد اللحظات، قال لي القاضي يوسف الدبري: “لقد رفعت التهمة عنك”، ثم حول الميكرفون إلى خليفة مصباح.
أحمد منصور: من هو خليفة مصباح؟
عبد الله الحامدي: هو أحد الضباط الأحرار وذو سمعة سيئة جدًا.
أحمد منصور: هل هو حي حتى الآن؟
عبد الله الحامدي: نعم، هو حي ويعيش في القاهرة الآن.
أحمد منصور: في القاهرة؟
عبد الله الحامدي: نعم، في القاهرة.
أحمد منصور: هل كان هناك شيء في حكم الإعدام؟
عبد الله الحامدي: نعم، بعد حوالي 13 سنة من السجن، وفي عام 1988، بينما كنا في السجن، تم استدعاؤنا نحن مجموعة من المساجين، وتم نقلنا إلى عنبر الإعدام.
أحمد منصور: هل كان هناك معتقلون آخرون في قسم الإعدام؟
عبد الله الحامدي: نعم، كان هناك مجموعة من الضباط الذين تم إعدامهم في عام 1975. كان المكتوب على الجدران في القسم يذكر أسماء الضباط الذين تم إعدامهم، مثل “تم تنفيذ عقوبة الإعدام في المعسكر كذا”، وكان هذا يثير فينا شعوراً حقيقياً بأننا نواجه الموت.
أحمد منصور: كيف كان شعورك وأنت محكوم بالإعدام؟
عبد الله الحامدي: كانت لحظات مليئة بالتوتر والقلق، وكنا نعلم أننا في مواجهة مع الحقيقة، وكانت تلك اللحظات شديدة التأثير علينا.
أحمد منصور: كيف كانت الحياة في الزنزانة؟
عبد الله الحامدي: الحياة في الزنزانة كانت بمثابة “ضيافة لله”، حيث يتجرد الإنسان من جميع الأهواء والشهوات.
أحمد منصور: هل كنت تفكر في اللحظة التي يتم فيها تنفيذ حكم الإعدام؟
عبد الله الحامدي: نعم، فكرت في ذلك. كنت أفكر في اللحظة التي أواجه فيها مصيري، وكيف سيكون شكل تنفيذ الحكم.
أحمد منصور: هل كانت لديك كلمة أخيرة مستعدة؟
عبد الله الحامدي: نعم، كنت قد جهزت كلمة أخيرة، وهي أن أقول: “ثورة الفاتح من سبتمبر العظيم وقائدها والأخ العقيد أكبر كذبة يعرفها القرن العشرين، فكرة زائفة وإدعاء باطل لعصبة التجار الجشعين الأشرار حرية القهر واشتراكية الفقر ووحدة الخصام والذعر”.
أحمد منصور: كيف تغيرت حياتكم بعد تخفيف الحكم إلى المؤبد؟
عبد الله الحامدي: بعد تخفيف الحكم إلى المؤبد، تغيرت حياتنا بشكل كبير. كنا قد خرجنا من قسم الإعدام إلى قسم آخر، حيث كان الضباط الذين تم الحكم عليهم بالمؤبد في 1975. كان هناك تدريب رياضي ومجموعة من الأنشطة.
أحمد منصور: هل قابلت أي أشخاص مهمين في السجن؟
عبد الله الحامدي: نعم، قابلت العديد من الضباط الذين تم الحكم عليهم في 1975، مثل محمد السعيطي، مختار المنيسي، عبد القادر البعباع، عاشور علي البراعصي، ويوسف المبروك، وعطية المنصوري.
أحمد منصور: هل كنت تعتقد أنكم ستخرجون من السجن؟
عبد الله الحامدي: نعم، كنا نأمل أن يتم الإفراج عنا، خاصة أن قضيتنا كانت قضية سنوات، وكنا نعتقد أن الإفراج سيكون قريبًا.
أحمد منصور: هل علمت بخروجك؟
عبد الله الحامدي: نعم، في إحدى الأيام تم إخبارنا أن نجهز حاجياتنا، فظننا أن الإفراج عنا أصبح قريبًا.
أحمد منصور: هل شعرت أن هناك أملًا في المستقبل بعد الإفراج؟
عبد الله الحامدي: نعم، كنا نعتقد أنه هناك أمل في المستقبل، لكن عندما تم نقلنا إلى قسم المؤبد، فقدنا الأمل تمامًا.
أحمد منصور: ماذا حدث بعد ذلك؟
عبد الله الحامدي: بقيت في السجن حتى عام 1988، حيث تم الإفراج عنا بعد سنوات طويلة من السجن.
أحمد منصور: هل تأثرت بشخصيات معينة أثناء السجن؟
عبد الله الحامدي: نعم، تأثرت بشخصية المرحوم موسى أحمد، وزير الداخلية السابق، الذي كان شخصًا وطنيًا بكل معنى الكلمة.
أحمد منصور: هل كان موسى أحمد قد قتل بعد خروجه؟
عبد الله الحامدي: نعم، تم قتله بطريقة بشعة، حيث تعرض لعدة طعنات في جسده بعد خروجه من السجن.
أحمد منصور: كيف كان تصرف القذافي تجاه المقربين منه؟
عبد الله الحامدي: القذافي لم يترك أحدًا، حتى أبنائه. كان يرى نفسه إلهًا، وكان يتعامل مع الجميع بالقوة والعنف.
قرار الإفراج في 1988
أحمد منصور: ماذا عن قرار الإفراج في 1988؟
عبد الله الحامدي: كان قرار الإفراج شاذًا، ولم يكن متوقعًا. ولكن بعد ذلك، لم يكن هناك أي أمل حقيقي في الخروج بسبب سيطرة القذافي.
أحمد منصور: هل خرجت بعد هذا من ليبيا؟
عبد الله الحامدي: نعم، بعد خروجنا من السجن، كنت قائدًا لإحدى الكتائب التي شاركت في تحرير طرابلس.
أحمد منصور: كيف كان شعورك عندما دخلت طرابلس؟
عبد الله الحامدي: كان شعورًا لا يوصف، خاصة في 20 أغسطس عندما قُتل القذافي. كانت لحظة قدرية، ولم أكن أتصور أبدًا أننا سنحضر هذه النهاية.
أحمد منصور: كيف تنظر لمستقبل ليبيا؟
عبد الله الحامدي: رغم ما مررنا به من معاناة، إلا أنني أعتقد أن ليبيا لديها الإمكانيات لترتقي إلى مصاف الدول المتقدمة في المستقبل. ولكن هناك تحديات كبيرة مثل انتشار السلاح، ومع ذلك فإن الأمل لا يزال موجودًا في
عبد الله الحامدي: هو إحنا كنا نتمنى..
أحمد منصور: لم تستمتع لم تر الحياة بشكل..
عبد الله الحامدي: كنا نتمنى أن تكون الشيخوخة أكثر راحة، ولكن حقيقة مستقبل ليبيا كل الإمكانيات وكل الظروف تسمح لئن ترتقي ليبيا لأن تكون دولة من الصف الأول في سنوات معدودة جدا، تجانس المجتمع الليبي ترابطه ولكن بكل أسف سيطرت بعض الأجندات بغباء سياسي مطلق بالفترات الأولى لما كنا نحنا بالجبل كنا نساعد في المعارك وكنا نشبح كان البعض يفكر في أنه ممكن أن يدير الدولة أو أن يكون خليفة ووريث للنظام الجديد وطبعاً بكل أسف حصل فشل على كل الأصعدة وسبب في كارثة انتشار السلاح ولكن ما زال..
أحمد منصور: يعني كل الثورات يحدث فيها هذا ولكن في النهاية دنيا بتتلم..
عبد الله الحامدي: لأ هي تتلم طبعاً بالتأكيد، إحنا القضية الوحيدة هي قضية السلاح طبعاً في ليبيا ولكن بالتأكيد طالما السلاح في يد الشباب لا يمكن إلا أن نتقدم إلى الأمام ولا بد أن نصنع الدولة الليبية التي نريدها بإذن الله الواحد الأحد.
أحمد منصور: العميد عبد الله الحامدي أشكرك جزيلاً على هذه الشهادة..
عبد الله الحامدي: شكراً إليك.
أحمد منصور: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم حتى ألقاكم في حلقة قادمة مع شاهد جديد على العصر، هذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحوار
0:00 تحويل الحامدي لسجن الاستخبارات وتجربة السجن
4:13 رسالة الحامدي إلى القذافي من السجن
5:30 انتقال الحامدي إلى سجن الحصان الأسود وبداية التعذيب
9:17 عودة الحامدي للاستخبارات العسكرية
10:18 تولي القذافي التحقيق مع الحامدي
14:45 بداية الدموية من عام 1975 وتصفيات القيادات والضباط الأحرار
17:50 استدعاء القذافي للحامدي للمرة الثانية
18:16 مطالبة الحامدي بالاعتراف للإفراج عنه
19:12 الفرق بين سجن بناه موسيليني وسجن بناه القذافي
22:00 علاقة المشروع الخارجي للكلية العسكرية بالاتهامات التي وجعت للحامدي
24:20 محاكمة الضباط والإعدامات الدموية
25:46 الحكم بالإعدام رميا بالرصاص على الحامدي
26:55 صورة الحياة داخل السجن
28:16 محاكمة صورية تجاه الضباط
32:03 انتظار مجموعة الستة حكم الإعدام داخل الزنزانة
35:52 تخفيف الإعدام إلى المؤبد بعد نظر القضية
37:05 الانتقال إلى قسم المؤبد وتسرب اليأس إلى 1988
37:48 كيف أثر السجن في الحامدي
38:53 1988قرار الإفراج بأمر من القذافي عام
41:15 مشاركة الحامدي في تحرير طرابلس
42:50 مقتل القذافي في أحداث الثورة بليبيا
43:28 رؤية الحامدي لمستقبل ليبيا