وعود ترامب: عرض دولة لحماس في غزة..ونقل السفارة الأمريكية للقدس

وعود ترامب: عرض دولة لحماس في غزة، ونقل السفارة الأمريكية للقدس -في فترة رئاسته الأولى (1917-2021)- لم يكونا مجرد مناورات سياسية عابرة، بل شكّلا ركيزتين أساسيتين في استراتيجية أمريكية متكاملة هدفت إلى إعادة تشكيل معالم الصراع وفرض واقع جديد خارج الأطر التفاوضية التقليدية. يهدف هذا التقرير إلى تحليل خلفيات وأبعاد كل قرار على حدة، ثم ربطهما معًا للكشف عن الخيوط المشتركة التي نسجت هذه الاستراتيجية وتداعياتها العميقة.
يحيى السنوار

شهدت فترة رئاسة دونالد ترامب الأولى (1917-2021) تحولات جذرية في السياسة الأمريكية تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، تمثلت في قرارين مصيريين بدا أنهما منفصلان لكنهما في جوهرهما مترابطان. الأول كان عرضًا غير مسبوق قُدم لحركة حماس عبر وسطاء دوليين لإقامة دولة مستقلة في قطاع غزة، والثاني هو القرار الرسمي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل.

هذان القراران المتعارضان ظاهراً، لم يكونا مجرد مناورات سياسية عابرة، بل شكّلا ركيزتين أساسيتين في استراتيجية أمريكية متكاملة هدفت إلى إعادة تشكيل معالم الصراع وفرض واقع جديد خارج الأطر التفاوضية التقليدية. يهدف هذا التقرير إلى تحليل خلفيات وأبعاد كل قرار على حدة، ثم ربطهما معًا للكشف عن الخيوط المشتركة التي نسجت هذه الاستراتيجية وتداعياتها العميقة.

عرض دولة لحماس غزة

جاء العرض الأمريكي لحركة حماس في خضم الترويج لخطة الإدارة الأمريكية المعروفة إعلاميًا بـ “صفقة القرن”، والتي سعت إلى إيجاد حلول غير تقليدية للصراع عبر تجاوز السلطة الفلسطينية الرسمية العاجزة في رام الله والتعامل مباشرة مع الأطراف الفاعلة على الأرض.
استند منطق الإدارة الأمريكية على محاولة فصل قطاع غزة سياسيًا وجغرافيًا عن باقي القضية الفلسطينية، وتحويله إلى كيان مستقل يمكن التعامل معه بمعزل عن الضفة الغربية والقدس.
لم يكن هذا العرض مبادرة لحل الأزمة الإنسانية في غزة بقدر ما كان محاولة مباشرة لخلق كيان سياسي بديل يمكن للولايات المتحدة التعامل معه، وبالتالي تفتيت التمثيل الفلسطيني على الساحة العالمية.

العرض الأمريكي لحماس

استنادًا إلى شهادة القيادي في حركة حماس، محمود مرداوي، في برنامج شاهد على العصر، تم تقديم عرض مفصل ليحيى السنوار وقيادة الحركة في الفترة ما بين عامي 2017 و2018 مباشرة “من الأمريكان، ومن جهات قريبة من ألمانيا”. تضمن العرض مجموعة من الشروط والمغريات التي صيغت بعناية لتحقيق هدف الفصل الاستراتيجي، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

• إقامة دولة مستقلة في قطاع غزة مقابل رفع الحصار.

• تقديم دعم مالي فوري بقيمة 10 مليارات دولار لتأسيس الدولة وإعادة إعمار القطاع.

الشروط : تجمع صواريخ حماس الثقيلة في غزة.

رفض السنوار لمقترح دولة غزة

كان رفض يحيى السنوار وقيادة حركة حماس للعرض قاطعًا وجماعيًا.
ويوضح كلاً من محمود مرداوي وجاسر البرغوثي في حوارهما في شاهد على العصر، أن القرار لم يكن نابعًا من موقف فردي، بل من قراءة استراتيجية عميقة لمآلات القبول به.
تمحور جوهر الرفض حول إدراك حماس أن قبول العرض، على الرغم من المكاسب التكتيكية الظاهرية المتمثلة في إنهاء الحصار ، والحصول على اعتراف دولي ودعم مالي، كان سيؤدي إلى نتائج كارثية على المستوى الاستراتيجي. لقد رأت قيادة الحركة أن هذه الخطوة ستكرس الانقسام الفلسطيني بشكل نهائي، وتُضعف موقف السلطة الفلسطينية، وتُسقط القضية الفلسطينية من إطارها الوطني الشامل إلى مجرد إدارة لكيان صغير ومعزول.
ولخص جاسر البرغوثي هذا المنطق بالقول: “فمجرد إنك تذهب لخطوة تكتيكية وتخسر إستراتيجياً، هذه كانت مضرة لقضيتنا”. وبهذا، تمسكت الحركة بمبدأ “المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات”، معتبرة أن الحفاظ على وحدة القضية الفلسطينية، رغم الخصومة السياسية العميقة مع السلطة في رام الله، يمثل أولوية قصوى لا يمكن التنازل عنها.

رفض لقاء الإدارة الأمريكية

لم يقتصر الرفض على العرض نفسه، بل امتد ليشمل أي تواصل مباشر مع الإدارة الأمريكية. فقد كشف مرداوي أن يحيى السنوار رفض طلبًا رسميًا للقاء مبعوثي ترامب، جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات، والذي قُدّم عبر دولة عربية.
كان هذا الرفض امتدادًا للمنطق الاستراتيجي ذاته؛ فمجرد الجلوس مع المبعوثين الأمريكيين كان سيبدو وكأنه موافقة ضمنية على استبدال السلطة الفلسطينية أو الالتفاف عليها، وهو ما رفضته الحركة بشكل قاطع للحفاظ على وضع السلطة، ومنع الخارج من التدخل في الشأن الوطني الداخلي.

وبينما كانت إدارة ترامب تحاول فرض واقع سياسي جديد عبر فصل غزة، كانت تعد لخطوة أخرى أكثر رمزية وتأثيرًا تهدف إلى حسم مصير القدس من جانب واحد، لتكتمل بذلك ملامح استراتيجيتها الشاملة.

نقل السفارة إلى القدس: قرار سياسي بأبعاد دينية وتاريخية

تحتل مدينة القدس مكانة مركزية ورمزية فريدة في قلب الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، لذلك، لم يكن قرار الرئيس ترامب في 6 ديسمبر 2017 بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها مجرد خطوة دبلوماسية روتينية، بل كان كسرًا متعمدًا لعقود من السياسة الأمريكية الحذرة، وتحديًا سافرًا للإجماع الدولي الذي ربط مصير المدينة بمفاوضات الحل النهائي بين الطرفين. يكشف هذا القرار عن دوافع أعمق من مجرد السياسة، حيث استند إلى أبعاد تاريخية ودينية شكلت جوهر الرسالة التي أرادت إدارة ترامب إيصالها.

دلالات التوقيت

لم يكن اختيار تاريخ 6 ديسمبر 2017 عشوائيًا على الإطلاق. إذ يتزامن هذا التاريخ بدقة مع مرور 100 عام على حدث تاريخي فارق، وهو احتلال الجنرال البريطاني إدموند اللنبي للقدس في 6 ديسمبر 1917، بعد هزيمة الدولة العثمانية.
عند دخوله المدينة، أطلق اللنبي مقولته الشهيرة: “الآن انتهت الحروب الصليبية”. إن تعمد ترامب اختيار هذا اليوم كان يهدف إلى إيصال رسالة تاريخية مفادها أن قراره يمثل استمرارًا لذلك الإرث الصليبي.

الحروب الدينية

يوضع قرار ترامب ضمن سياق أوسع من “الحرب الدينية” المستمرة، وذلك بالعودة إلى حوادث تاريخية رمزية. فبعد احتلال دمشق، وقف الجنرال الفرنسي غورو عند قبر صلاح الدين الأيوبي وركله بحذائه قائلًا: “ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين”. تُستخدم هذه الأحداث التاريخية لتفسير قرار ترامب ليس كقرار سياسي مجرد، بل كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من المواجهات الحضارية والدينية التي لم تتوقف.

تأكيد الطابع الصهيوني للقرار

يتأكد الطابع الديني للقرار بشكل جلي في الحدث الذي تلا الإعلان مباشرة، حيث استضاف ترامب لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة عشرات الحاخامات اليهود في البيت الأبيض للاحتفال بعيد “الحانوكا”. وألقى ترامب “خطاباً دينياً صهيونياً متطرفاً” تضمن النقاط التالية:

• وصف عيد “الحانوكا” بأنه “معجزة إسرائيل”.

• زعم أن “الشعب اليهودي يشع بالضياء على كل الشعوب”.

• الربط المباشر بين عيد الحانوكا وإعلانه بشأن القدس، قائلًا إن هذا العيد يتوافق مع إعلان “القدس التي تقع في قلب وروح كل يهودي… عاصمة لإسرائيل”.

من الجدير بالذكر، أن قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس، يرتبط -في ظاهره- بوعد انتخابي، قطعه ترامب على نفسه للمليارديرة الإسرائيلية الأميركية الصهيونية ميريام أديلسون -جاءت في المركز الخامس لأغنى السيدات في الولايات المتحدة وفقاً لقائمة “فوربس” سنة 2024، وتعد أغنى أغنياء إسرائيل بثروة تقدر 29.7 مليار دولار- وزوجها رجل الأعمال الملياردير الأميركي شيلدون أديلسون، والذّين منحا ترامب في حملته الرئاسية الأولى عام 2016، مبلغ 75 مليون دولار، مقابل، نقل السفارة، و إعلان القدس عاصمة لإسرائيل…

ثم عادت الأرملة الصهيونية، ومنحته 100 مليون دولار مجدداً، في حملته الانتخابية الأخيرة، مقابل إعلانه ضم الضفة الغربية لإسرائيل.

محاولات لا تتوقف لفرض واقع جديد

يتضح من خلال تحليل العرض المقدم لحماس وقرار نقل السفارة إلى القدس أنهما لم يكونا حدثين عشوائيين، بل هما ركيزتان أساسيتان لاستراتيجية واحدة متكاملة تبنتها إدارة ترامب. هدفت هذه الاستراتيجية إلى إعادة تعريف قواعد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وفرض واقع جديد على الأرض. يمكن تلخيص أهدافها الرئيسية في النقاط التالية:

1. تفتيت القضية الفلسطينية: عبر محاولة فصل قطاع غزة سياسيًا وإداريًا عن الضفة الغربية، وإنشاء كيان منفصل فيه، مما يقضي على فكرة التمثيل الفلسطيني الموحد ويُسقط مشروع الدولة الفلسطينية المتصلة جغرافيًا.

2. حسم قضايا الحل النهائي: من خلال فرض أمر واقع بشأن القدس خارج أي إطار تفاوضي، وإزالتها من على الطاولة كورقة أساسية في أي مفاوضات مستقبلية..

3. إعادة تعريف الصراع: عبر تبني خطاب ديني وتاريخي صريح يتماهى بشكل كامل مع الرواية الصهيونية، وتحويل الصراع من قضية سياسية تتعلق بالحقوق والاحتلال والسيادة إلى مواجهة دينية وحضارية.

4.نزع سلاح قطاع غزة، وإخراج حماس من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

لقد شكلت هذه القرارات، تحولًا جذريًا في نهج التعامل مع القضية الفلسطينية، وكانت لها تداعيات عميقة ومستمرة لا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم، خاصة مع عودة ترامب للرئاسة..

المزيد

Total
0
Shares
السابق
الطاهر بلخوجة

الطاهر بلخوجة ج5: النظام التعاضدي في تونس

التالي
يعقوب زيادين وأحمد منصور

يعقوب زيادين ج1: نشأته وتعرفه على الشيوعية والحزب الشيوعي السوري اللبناني

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share