انقلاب 19 يونيو 1965 في الجزائر بشهادتي بن بيلا والإبراهيمي: تصحيح ثوري أم تمكين للعسكر

يمثل انقلاب 19 يونيو 1965 في الجزائر حدثًا مفصليًا، حيث أطاح وزير الدفاع، هواري بومدين، بالرئيس أحمد بن بيلا أول رئيس للجزائر ما بعد الاستقلال. يقدم التقرير التالي شهادتين متضادتين لشخصيتين محوريتين من قلب الأحداث في برنامج شاهد على العصر: شهادة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، الوزير في عهد نظام بومدين، وشهادة الرئيس أحمد بن بيلا الذي أُطيح به في الانقلاب.
أحمد بن بيلا وهواري بو مدين

يمثل انقلاب 19 يونيو 1965 حدثًا مفصليًا في تاريخ الجزائر ، حيث أطاح وزير الدفاع، طالب الأزهر، هواري بومدين، بالرئيس أحمد بن بيلا -المولود بمدينة مغنية أقصى الغرب الجزائري في 25 ديسمبر 1916 لأبوين من المغرب- والذي يعد أحد القادة التاريخيين لثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي (1954-1962)، وأول رئيس للجزائر ما بعد الاستقلال.

لم يكن الحدث المفاجئ الكبير مجرد تغيير في السلطة، بل كان نقطة تحول أعادت تشكيل مسار الدولة الجزائرية الوليدة، في مرحلة ما بعد الاستقلال. 

يقدم التقرير التالي شهادتين متضادتين لشخصيتين محوريتين من قلب الأحداث في برنامج شاهد على العصر: شهادة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، الوزير في عهد نظام بومدين، وشهادة الرئيس أحمد بن بيلا الذي أُطيح به في الانقلاب.
فبينما اعتبر بن بيلا الحدث انقلاباً صريحاً ومؤامرة خارجية، وصفه أحمد طالب الإبراهيمي بأنه تصحيح للمسار الثوري.

المناخ السياسي في الجزائر عشية الانقلاب

يُعد فهم المناخ السياسي الذي ساد الجزائر في الأشهر التي سبقت 19 يونيو 1965 أمرًا بالغ الأهمية لتقييم ما إذا كان الانقلاب نتيجة حتمية لتصاعد التوترات أم حدثًا مفاجئًا. 

وتختلف الشهادات حول هذا الأمر اختلافًا جذريًا، أحمد طالب الإبراهيمي، يرى أن المناخ السياسي في الجزائر عام 1965 كان مشحونًا بالترقب، وكان الرأي العام يرى أن الصراع المكتوم بين الرئيس بن بيلا ونائبه بومدين قد وصل إلى نهايته الحتمية، وأطلق على عام 1965 اسم “سنة الحسم”، حيث كان من المتوقع أن “يغيب أحدهما”، إما أن يقيل بن بيلا بومدين أو العكس، ويستدل الإبراهيمي بجنازة والده الشيخ البشير الإبراهيمي في مايو 1965، ويشير إلى أن بومدين نفسه رأى في هذا الحشد دليلًا على وجود “استعداد للتغيير”، حيث صرح لمجلة “الحوادث” اللبنانية، بالقول: “لقد تبلورت فكرة التغيير في ذهني عندما شاهدت جنازة الشيخ الإبراهيمي”، موضحا أن سنة 1963 سميت سنة الشقاق، وسنة 1964 سنة المعتقلات والسجون.

ويؤكد أن فترة حكم بن بيلا اتسمت بالتناقض، حيث كانت “الخطب غير متطابقة مع الواقع”، مما يشير إلى وجود حالة من عدم الرضا عن أسلوب الحكم.

أما  أحمد بن بيلا، فيقدم صورة مغايرة تمامًا، حيث أكد على تماسك القيادة آنذاك، وانشغالها بمشروع عالمي طموح، نافيًا وجود أي مؤشرات انقسام يستدعي القلق.

وأشار إلى خطابه الأخير في سيدي بلعباس قبل الانقلاب بيومين، والذي نفى فيه بشكل قاطع وجود أي “نزاع ضمن إدارة الثورة في الجزائر”، ووصف القيادة بأنها “اشتراكية موحدة”، وأن كل تركيزه كان منصبًا على التحضير للمؤتمر الأفروآسيوي، تتويجًا لستة أشهر من التحضير لإعلان “نظام عالمي جديد” يهدف إلى تحدي القوى العالمية القائمة. هذا الطموح، برأيه هو ما جعل إسقاطه أولوية دولية.

وأكد بن بيلا أنه لم يتوقع أبدًا أن تؤدي “الإرهاصات” الموجودة إلى انقلاب عسكري، خاصة قبل يومين فقط من انعقاد المؤتمر الذي كان سيغير موازين القوى العالمية برأيه.

-ويرى أن الصراع الأساسي كان حول سؤال “من يحكم في الجزائر، الجيش أم الحزب؟”، معتبراً أن الانقلاب حسم الأمر لصالح المؤسسة العسكرية. 

طبيعة الانقلاب: “تصحيح ثوري” أم “مؤامرة خارجية”؟

يكمن جوهر الخلاف بين الروايتين في تعريف طبيعة حدث 19 يونيو والغرض منه. فبينما يراه الإبراهيمي حركة داخلية ضرورية لإنقاذ مسار الثورة، يراه بن بيلا مؤامرة مدعومة من الخارج لإجهاض مشروع وطني وعالمي. 

يلخص أحمد طالب الإبراهيمي تبريره الانقلاب  بالتالي:

-أغلبية الجزائريين لم يعتبروا ما حدث انقلاباً، بل “تصحيحاً لمسار الثورة الجزائرية”.

– نفيه القاطع لأي تدخل أجنبي، مستخدمًا عبارات حاسمة مثل “تغير جزائري محض”، وأضاف أنه لا يمكن تصور أن “بومدين يتصل بالفرنسيين لتغيير النظام”.

-يربط اعتراف الولايات المتحدة السريع بالانقلاب، بموقف الاتحاد السوفيتي البارد تجاه بومدين، كون بن بيلا حائزًا على “جائزة لينين” ..

— يؤكد أن دعم حركات التحرر زاد في عهد بومدين، مما ينفي تهمة التحول نحو السياسات الإمبريالية ويؤكد استمرارية النهج الثوري للجزائر.

أما بن بيلا فيؤكد على مايلي:

-الانقلاب مؤامرة خارجية بامتياز، استهدفت شخصه ومشروعه السياسي الذي كان يزعج القوى الكبرى.

-الانقلاب كان مدفوعًا برغبة أمريكية في منعه من البقاء في الحكم، ويقول: “كانت أميركا كان لازم تفتعل أي شيء بس أحمد بن بيلا لا يبقى في الحكم”. ويعتبر أن توقيت الانقلاب، قبل أيام من المؤتمر الأفرو آسيوي، كان يهدف مباشرة إلى إفشال مشروع “النظام العالمي الجديد”.

-يقدم بن بيلا دليله الرئيسي على الدعم الأمريكي، بأن “أول برقية لتأييد” الانقلاب جاءت من الولايات المتحدة.

وذلك رغم رفضه الموافقة على رواية الكاتب الفرنسي جاك دولونيه، عن ذهاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سرًا إلى فرنسا وحصوله على موافقة ضمنية من الرئيس شارل ديغول، بتأييد الانقلاب.

-كما ينفي تهمة الديكتاتورية عن نفسه مشيراً إلى بساطة حياته الشخصية ووجود مؤسسات ديمقراطية، وأن الانقلاب أبعد حزب (جبهة التحرير) لصالح الجيش الذي بات يحكم..

-يربط الإطاحة به بسلسلة من حوالي 20 انقلاباً وقعت في إفريقيا خلال عامين ضد الأنظمة المناهضة لسياسة الولايات المتحدة.

قادة الانقلاب

1- بو مدين 

يرى بن بيلا أن :
-بومدين رجل عادي، جاء به هو نفسه من الأزهر، وأقنعه بالمشاركة في الثورة، وأنه ليس له تاريخ نضالي، في حزب الشعب، مثل بقية مناضلي الثورة.

-بحسب إحدى الروايات المؤامرة ضد بن بيلا اتفقت عليها 6 شخصيات في 26 مايو 1965، بينهم بومدين وبوتفليقة، وتم الحصول على موافقة ديغول بشكل غير مباشر، وتم تنفيذ الانقلاب في 19 يونيو 1965 تحت اسم “عملية جبل طارق”.

لم يكن من “المتشجعين الكبار” للانقلاب، مما يلمح إلى أن آخرين كانوا أكثر حماسًا منه ودفعًا في هذا الاتجاه-.

في المقابل يرى أحمد طالب الإبراهيمي، أن:
-بومدين قائد يحمل رؤية استراتيجية للدولة لا يضاهيه فيها أحد، حيث يقول: “لا أظن أن هناك قائداً جزائرياً يحمل إستراتيجية مثل بومدين”.

وأنه وطني صارم يرفض أي تدخل أجنبي بشكل قاطع-.

وأنه شخصية قيادية حاسمة اتخذت قرار التغيير من أجل مصلحة الجزائر.-

2- “مجموعة وجدة” ورئيس الأركان

ليس هناك خلاف على  أسماء المنفذين الرئيسيين بين الشاهدين.
وهي “مجموعة وجدة”: أحمد مدغري، عبد العزيز بوتفليقة، أحمد قايد، وشريف بلقاسم..

بينما يركز بن بيلا في شهادته على العصر، على الخيانة الشخصية للعقيد طاهر الزبيري، الذي عينه بنفسه رئيسًا للأركان، فانقلب عليه.

اعتقال الرئيس بن بيلا


يروي بن بيلا تفاصيل عملية اعتقاله ببساطة تكشف عن مفاجأته بالحدث وطبيعة حياته المتواضعة كرئيس للدولة.

-كان نائمًا في شقته، وليس في قصر رئاسي، عندما تم كسر الباب عليه في حوالي الساعة الثانية ليلًا.

كانت القوة التي اعتقلته، والتي تراوح عددها بين 15 و 20 جنديًا، بقيادة رئيس الأركان، العقيد طاهر الزبيري.

يبرز بن بيلا هدوءه التام، ويذكر أن أول ما فكر فيه لم يكن مصيره الشخصي بل مصير مشروعه العالمي، قائلًا: “اللي فكرت هو أن المؤتمر انتهى”. ويضيف أنه لم يفكر في إمكانية إعدامه لأنه كان “متعود” على مثل هذه المخاطر من سنوات الثورة، مما يعزز صورته كثوري متمرس وليس كسياسي مذعور.

يسلط بن بيلا الضوء على تفاصيل تعكس زهده في السلطة، حيث كان يحرسه حارسان فقط، كان راتبه 250 ألف سنتيم لا يكفيه حتى نهاية الشهر، ولم يستطع توفير نفقة الحج لوالدته وهو رئيس للدولة.

 وأنه ذهب مع معتقليه بملابس بسيطة دون أن يأخذ معه أي شيء.

يقدم بن بيلا لمحة موجزة عن تجربته الطويلة في السجن، والتي شكلت جزءًا لا يتجزأ من تبعات الانقلاب.

يوضح أنه لم يتعرض لتعذيب جسدي أو إهانة، لكنه وُضع في البداية في عزلة تامة، حيث يصف وضعه قائلًا: “لا حد يكلمني ولا نكلم حد”.

و لتشديد العزلة وإبقائه في حالة من عدم الاستقرار، كان يتم نقله بين ثكنات عسكرية مختلفة “كل شهرين”.

يذكر أن أول ما طلبه في عزلته ليواجه الصمت ويحافظ على تماسكه النفسي هو نسخة من القرآن الكريم.

زواج في السجن:

في عام 1971، تزوج وهو في السجن من الصحفية زهرة سلامي، التي كانت من معارضيه السياسيين خلال فترة حكمه. أقامت معه في السجن لمدة سبع سنوات ونصف.

تلقى خبر وفاة بومدين وهو في السجن، وأُفرج عنه في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد عام 1981، حيث وُضع في البداية تحت الإقامة الجبرية.

يؤكد بن بلة أنه لا يحمل أي حقد أو مرارة تجاه من انقلبوا عليه، ويعبر عن مسامحته لهم قائلاً: “إذا أنا غلطت أنا دفعت الثمن، وإذا هم غلطوا الله يسامحهم”. ويدعم حالياً سياسة الوئام الوطني التي يقودها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

روايتان متضاربتان لحدث واحد

يكشف تحليل شهادتي أحمد طالب الإبراهيمي وأحمد بن بيلا عن:
-صراعًا بين رؤيتين متنافستين لمستقبل الدولة ما بعد الاستعمار. 

-التساؤل: هل كان  الانقلاب قرارًا وطنيًا خالصًا أم كان بتأثير خارجي؟

-الصراع الأيديولوجي حول هوية ومسار الدولة الجزائرية، ديمقراطية طموحة، أم دولة عسكرية قوية براغماتية، لازالت على هذا الحال حتى تلك اللحظة..

-كل ما شهدته الجزائر في تاريخها اللاحق يرتبط غالباً بما جرى في ذلك اليوم

    Total
    0
    Shares
    السابق
    منية بوعلي وأحمد منصور

    منية بوعلي ج2: جرائم نظام بن علي والتنكيل بالجنازات ومنع تلاوة القرآن

    التالي
    طوفان الأقصى

    ملخص كتيب "روايتنا": رؤية حركة حماس لمعركة طوفان الأقصى وما بعدها

    اشترك الآن !


    جديد أحمد منصور في بريدك

    اشترك الآن !


    جديد أحمد منصور في بريدك

    Total
    0
    Share