يكشف الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، وزير التربية والتعليم والإعلام والخارجية الجزائري الأسبق، تفاصيل صادمة عن مرض الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين (1932 – 1978) الغامض، الذي بدأ في سبتمبر عام 1978 وانتهى بوفاته في 27 ديسمبر من العام نفسه، وما أُثير عقب ذلك من شبهات وتفسيرات عززت الشكوك حول موته المفاجئ مسمومًا!!
وأضاف الإبراهيمي، في حواره مع أحمد منصور في الحلقة الثامنة من برنامج “شاهد على العصر” التي بُثت في 21 يوليو 2013، أن جسد بومدين بدأ يضمحل بشكل مرعب، وأنه رآه منتفخًا، قبل أن يدخل في غيبوبة لازمته حتى وفاته.
كان بومدين طالبًا بجامعة الأزهر في مصر، ويتمتع بشخصية كاريزمية، حينما انخرط في العمل الثوري تحت لواء جبهة التحرير الوطني، بناءً على طلب شخصي من أحمد بن بيلا، لكن سرعان ما دبت الخلافات بينهما؛ وقاد انقلابًا عسكريًا ضده في عام 1965، وضعه قيد الاعتقال طيلة 15 عامًا.
يقدم أحمد طالب الإبراهيمي طبيب بومدين ووزير خارجيته الأسبق شهادة تاريخية من حول اللحظات الأخيرة في حياة الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين وتطورات مرضه الغامض.
تبدأ الرواية برصد الأعراض المفاجئة التي ظهرت عليه خلال رحلة عمل إلى دمشق عام 1978، متبوعة برحلة علاج سرية إلى الاتحاد السوفيتي بعد تشخيص أولي خاطئ بسرطان المثانة. ويكشف المتحدث عن تفاصيل لقاءات خاصة استعرض فيها بومدين علاقاته المتوترة مع أعضاء مجلس الثورة، قبل أن تتدهور حالته الصحية بشكل دراماتيكي وسريع عند عودته للجزائر.
يصف الإبراهيمي التحولات الجسدية المروعة التي طرأت على الرئيس، حيث عانى من تآكل وضمور غير مفسر في جسمه أدى إلى دخوله في غيبوبة طويلة انتهت بوفاته. وأثار الضيف تساؤلات حول حقيقة طبيعة المرض، مشيراً إلى احتمالية وجود أسرار خفية وراء التدهور السريع الذي لم يشبه الحالات الطبية المعتادة.
نص حوار أحمد طالب الإبراهيمي:
هل مات الرئيس بومدين مسموماً ؟!
رحلة دمشق وبداية الوهن المفاجئ
أحمد منصور: في شهر سبتمبر من العام 1978، بدأت أعراض المرض تظهر على الرئيس الجزائري هواري بومدين. أنت كنت إلى جواره من اللحظة الأولى، فكيف عرفت بمرضه؟
أحمد طالب الإبراهيمي: بسم الله الرحمن الرحيم. نعم، في يوم 20 سبتمبر 1978، غادرنا الجزائر متجهين إلى دمشق لحضور الدورة الثالثة لقمة “جبهة الصمود والتصدي”. كان الوفد الجزائري يتكون من الرئيس بومدين، مصحوباً بمحمد صالح يحياوي (مسؤول الحزب والتحضير لجبهة التحرير)، وعبد العزيز بوتفليقة، وأنا. لاحظنا في الطائرة أن بومدين لم يكن على طبيعته لأول مرة، رغم أنني كنت ألتقي به يومياً تقريباً
.
أحمد منصور: ما هي الأعراض التي ظهرت عليه أو لاحظتموها في الطائرة؟
أحمد طالب الإبراهيمي: أولاً، كان يستهلك كميات هائلة من الماء المعدني، ولم يدخن بتاتاً، رغم أنه كان مدخناً شرهاً للسيجار. عندما سألته، أجابني بأنه يعاني من حمى مزمنة تمنعه من النوم. كما تفاجأنا بأن طبيبه الخاص لم يكن موجوداً، وحل محله طبيب أخصائي في أمراض الجهاز البولي، فتساءلنا نحن الثلاثة عن السبب ولم نجد جواباً
غضب غير معتاد وقرار العودة المباغت
أحمد منصور: وكيف كان حاله أثناء الاجتماعات في دمشق؟
أحمد طالب الإبراهيمي: لاحظنا في الاجتماع أنه كان متعصباً على غير عادته، ولم يكن بهدوئه المعتاد؛ فبومدين بطبعه كان شخصاً هادئاً جداً، وانفعالاته وردود فعله قليلة وبطيئة. وعندما انتهى الاجتماع ليلاً، ورغم دعوة الرئيس الأسد له لقضاء الليلة في دمشق، أصر بومدين على المغادرة في الساعة الواحدة صباحاً والتوجه إلى الجزائر بحجة وجود اجتماع لمجلس الوزراء غداً. لكن المفاجأة كانت عند وصولنا في الخامسة صباحاً، حيث ألغى الرئيس ذلك الاجتماع
التشخيص الصادم والبحث عن علاج سري
أحمد منصور: متى كشف لكم الرئيس عن حقيقة ما يعانيه؟
أحمد طالب الإبراهيمي: في يوم 23 سبتمبر، استدعاني الأمين العام للرئاسة وأخبرني أن الرئيس بانتظاري. ذهبت ووجدت بوتفليقة، ودخلنا معاً لمكتبه. استمعنا منه إلى جمل متقاطعة غريبة؛ حيث قال إنه طلبنا ليس لكوننا وزراء ولكن كإخوة، ثم صمت، وأخبرنا بوجود أمر خطير يتعلق بصحته، وهو أن طبيبه البروفيسور عبد الحق بوشريف شخص المرض بأنه “سرطان في المثانة”
أحمد منصور: كيف وقع هذا الخبر عليكما؟ وماذا كان قراره بشأن العلاج؟
أحمد طالب الإبراهيمي: لقد بُهتنا. وسألنا عن البلد الذي يمكن أن يستقبله للعلاج. رفض بومدين التوجه لفرنسا لأسباب تاريخية، ورفض أمريكا لأن الإعلام هناك حر والخبر لا يمكن أن يبقى سرياً. وبعد اقتراح عدة دول غربية مثل سويسرا والسويد وألمانيا، لم يبدِ ارتياحاً لأي دولة غربية، فكان الخيار الوحيد المتبقي هو الاتحاد السوفيتي. كلفني بومدين بالذهاب إلى موسكو للاتصال بالقيادة هناك ومعرفة مدى استعدادهم لاستقباله
شكوك الأطباء في قلب موسكو
أحمد منصور: كيف كانت الاستجابة السوفيتية لطلب بومدين؟
أحمد طالب الإبراهيمي: سافرت إلى موسكو، وحاول السوفيت معرفة سبب الزيارة، فقابلت “كوسيجين” رئيس الحكومة، وبعد مشاورات مع “بريجنيف” وجمع من الأطباء، أعلنوا استعدادهم لاستقباله. وصل بومدين إلى موسكو يوم 29 سبتمبر ودخل مصحة خاصة بكبار المسؤولين، وبقي الأمر سرياً تماماً. في يوم 5 أكتوبر غادرت أنا وبوتفليقة موسكو، وقبيل رحيلنا أخبرنا مسؤول سوفيتي بأن الأطباء متفائلون، وأن تشخيص “سرطان المثانة” أصبح حوله علامات استفهام،
أحمد منصور: عدت إليه مرة أخرى في أكتوبر، فماذا دار بينكما في تلك الليالي؟
أحمد طالب الإبراهيمي: نعم، طلبني الرئيس هاتفياً يوم 11 أكتوبر فعدت إليه وبقيت معه أسبوعاً. كنا نسهر معاً كل ليلة، وفي ليلة 14 أكتوبر، قدم لي عرضاً غريباً عن رأيه في رفقائه وأعضاء مجلس الثورة، ومن منهم كان وفياً ومن آذاه. ومن أهم ما قاله إن الشخص الوحيد الذي لم يأته منه ضرر هو “الشاذلي بن جديد”، وكان بومدين يرتاح للذهاب إلى وهران والقيادة معه بالسيارة،
اللغز الطبي: مرض “فالدنستروم”
أحمد منصور: متى عاد بومدين إلى الجزائر؟ وكيف كان حاله عند رؤيته؟
أحمد طالب الإبراهيمي: عاد في 14 نوفمبر. وعندما نزل في مطار بوفاريك، رأيت فرقاً شاسعاً؛ كان جسده منتفخاً جداً لدرجة أنه لم يستطع لبس حذائه فنزل حافي القدمين. هنا كطبيب أدركت أن هناك شيئاً ما. دخل في غيبوبة يوم 18 نوفمبر واستمرت حتى وفاته في 27 ديسمبر. التشخيص النهائي الذي قدمه السوفيت هو مرض “فالدنستروم” (وهو نوع من سرطان الدم)
أحمد منصور: وصفت في مذكراتك حالة غريبة لجسده في تلك الفترة، فماذا رأيت؟
أحمد طالب الإبراهيمي: لاحظت دماراً جسدياً سريعاً، فقد بدأ جسده يضمحل ويصغر بشكل غير طبيعي، حتى صار شكله يشبه الطفل، وقصر طوله من 180 سم إلى ما يشبه 150 سم. هذا التغير الجسدي العنيف لم نره في مرضى “فالدنستروم” الآخرين، مما يوحي بوجود أشياء خفية كان السوفيت يعرفونها. ولقد رفض أعضاء مجلس الثورة تصويره في تلك الحالة المؤلمة حتى لقي ربه
محاور الحوار
00:00 مرض هواري بومدين المفاجئ
01:11 الأعراض المرضية التي ظهرت على بومدين
03:43 لقاء الإبراهيمي وبوتفليقة مع بومدين
04:44 التشخيص المبدئي لمرض بومدين
08:36 وصول بومدين إلى موسكو للعلاج
10:55 بومدين يدلي برأيه حول رفقائه
13:00 عودة بومدين إلى الجزائر
13:34 اضمحلال جسد بومدين ودخوله في غيبوبة حتى وفاته