يسلط أحمد منصور الضوء مع مدير المخابرات العراقية الأسبق، فاضل العزاوي في حوارهما في برنامج “شاهد على العصر” على اسم الخائن الذي وشى بصدام حسين في 13 ديسمبر 2003، وكيف ظل المعتقلون في عزلة تامة دون أي معلومات عن مصيره.
ويكشف العزاوي تفاصيل تتعلق بعزل صدام داخل السجن، وسط حالة من الغموض والترقب داخل المعتقل. كما يتناول الكيفية التي كان يُعرف بها مصير المعتقلين، في شهادة تعكس حجم السرية والارتباك الذي أحاط بتلك المرحلة، ويتحدث كذلك عن رموز نظام صدام حسين الذين كانوا معه في محبسه، وكيف كانت نهايتهم..
نص حوار فاضل العزاوي عن:
من هو الخائن الذي وشى بصدام حسين؟
اعتقال صدام حسين
أحمد منصور:
أُلقي القبض على صدام حسين في 13 ديسمبر/كانون الأول 2003، متى علمتم أن صدام قد اعتُقل؟
العزاوي:
لم نعلم إلا لاحقًا، إذ كان التواصل بيننا ضعيفًا جدًا.
أحمد منصور:
ألم تكن تصلكم أخبار؟ ألم يكن لديكم راديو أو أي وسيلة لمعرفة ما يجري؟
العزاوي:
لا، أبدًا.
أحمد منصور:
ولا أحد من الحراس كان يبلغكم بأي معلومات؟ هل كنتم في عزلة تامة عن العالم؟
العزاوي:
نعم، عزلة تامة عن كل شيء.
عزلة صدام حسين داخل السجن
أحمد منصور:
لقد رسمتَ لي صورة السجن وأوضاع الزنازين، وحتى موقع زنزانة صدام حسين. خلال تلك الفترة، وحتى إعدامه، هل التقيتَ به إطلاقًا؟
العزاوي:
لم نلتقِ به، لكننا رأيناه أثناء ذهابه إمّا للعلاج أو للتحقيق.
أحمد منصور:
هل كان هناك من يجلس معه، أم أن الأمريكيين تعمّدوا عزله عنكم جميعًا؟
العزاوي:
نعم، عزلوه تمامًا، حتى إنهم أقاموا حول منطقته سياجًا خشبيًا بارتفاع يقارب المتر.
أحمد منصور:
لكن طاهر العاني يقول إنهم كانوا يتحدثون مع صدام، وكان يتحدث معهم.
العزاوي:
طاهر العاني لديه قدراته الخاصة، أما أنا فلم أتحدث معه، ولم أسمع بذلك.
متى عُرف خبر اعتقال صدام؟
أحمد منصور:
متى علمتَ أن صدام حسين قد أُلقي القبض عليه؟
العزاوي:
لم أعلم حينها، بل عرفنا ذلك متأخرًا جدًا.
من وشى بصدام حسين؟
أحمد منصور:
محامي صدام حسين، خليل الدليمي، كتب كتابًا كبيرًا عنه.
العزاوي:
نعم، لدي نسخة منه.
أحمد منصور:
يذكر في صفحة 161 رواية صدام عن اعتقاله، وخلاصتها أن قيس النامق، الذي كان صدام يقيم في بيته، هو من وشى به.
بينما يقول جون نيكسون، ضابط الـCIA الذي حقق مع صدام، إن رئيس حراسه الشخصيين محمد المسلط هو من وشى به مقابل 25 مليون دولار. أي الروايتين أصح؟
العزاوي:
قبل إعدام الرئيس صدام –رحمه الله– أرسل في طلب إخوته سبعاوي ووطبان وقابلوه.
أحمد منصور:
وكان الاثنان معك في السجن؟
العزاوي:
نعم، كانوا جميعًا معنا.
أحمد منصور:
وكنتَ تتواصل معهم؟
العزاوي:
نعم، كان وطبان في الغرفة المجاورة لي.
وقد قال لهم صدام: «دمي يتحمّله قيس النامق وحكمت عمر»، وحكمت عمر هو خال قيس النامق.
هذا ما قاله صدام لإخوته.
أما الرواية الأخرى، فمحمد إبراهيم من أقارب الرئيس، ومن عائلة معروفة بالشجاعة، وقد نفى أن يكون أيٌّ من الأقارب قد وشى به.
أحمد منصور:
أرى أن الوشاية كانت نتيجة اعتماد صدام حسين على الواشين، وهم الذين ضيّعوه، وضيّعوا أبناءه وبلده وكل شيء.
العزاوي:
ممكن، فالأمريكيون كانوا مطّلعين، وإذا قالوا إن فلانًا هو من وشى، فقد تكون لديهم معطيات.
هل توقع الأمريكيون اعتقال صدام ؟
أحمد منصور:
جون نيكسون يقول أيضًا إن الأمريكيين لم يتوقعوا أبدًا القبض على صدام حسين حيًّا، وكانوا يعتقدون أنه إما سيبقى مختفيًا أو سيقاتل حتى النهاية، كما فعل ابناه.
العزاوي:
الله يرحمهم.
وإذا كانت الصورة التي عرضها الأمريكيون للرئيس وهو خارج من الحفرة غير مفبركة، فقد بدا وكأنه مخدَّر، ولم يكن في وضعه الطبيعي. وإذا كان مخدَّرًا، فمن الممكن أنهم فبركوا المشهد للإساءة إلى شخصيته.
لقاءات العزاوي في سجن كوبر
أحمد منصور:
سأنتقل إلى بعض الشخصيات التي كانت معك في المعتقل. إذا دار بينك وبين أيٍّ منهم ما يهم الناس أو يخص عهد صدام حسين، أرجو أن تخبرنا.
هل التقيتَ بعبد حمود؟ وماذا دار بينكما؟ علمًا أن عبد حمود كان السكرتير الخاص لصدام وأُعدم عام 2012.
العزاوي:
عبد حمود –رحمه الله– حين سُلّمنا للأمريكيين لم تكن لي علاقة به، ولم أكن أحبه.
لكن بعد ما رأيته في السجن، وجدته أبرز شخص من أقارب صدام: نشاطًا، وذكاءً، وشجاعة، وحضورًا فكريًا.
أحمد منصور:
هل دار بينكما أي نقاش؟
العزاوي:
نعم، لأننا عشنا معًا في غرفة واحدة بعد تسليمنا للعراقيين.
أحمد منصور:
أنت وعبد حمود؟
العزاوي:
أنا وعبد حمود، ومحمود فايز الهزاع –وهو من أخوالنا أيضًا– عشنا في غرفة واحدة إلى أن خرجتُ أنا، ثم أُخذ عبد حمود من الغرفة نفسها ونُفّذ فيه حكم الإعدام.الكواليس، وربما غيرهم.
مصير المعتقلين بين البراءة والإعدام
أحمد منصور:
إذًا خرجتَ ببراءة، بينما أُخذ عبد حمود إلى الإعدام.
العزاوي:
نعم، ومحمود الهزاع توفي في الغرفة نفسها، كان مريضًا ويعاني من مشكلة في القلب.
عبد حمود: أقرب الرجال إلى صدام
أحمد منصور:
حدّثني عمّا دار بينك وبين عبد حمود، لا بدّ أنك كنت تسأله كثيرًا.
العزاوي:
كان حديثًا كثيرًا… حديثًا طويلًا.
أحمد منصور:
الخلاصة، هو كان أهم رجل حول صدام حسين.
العزاوي:
كنا نسأل: كيف حدث هذا؟ كيف وصلت الأمور إلى هنا؟ لماذا أوصلتمونا إلى هذا المصير؟
أحمد منصور:
ما رأي عبد حمود في أسلوب إدارة صدام حسين للدولة؟
العزاوي:
لم أرَه ينتقد الرئيس أبدًا. كان حين نطرح أسئلة محرجة يلتزم الصمت ولا يجيب.
أحمد منصور:
مثل أي أسئلة؟
العزاوي:
كنا نسأله: لماذا قبلتم المواجهة؟ لماذا وصلنا إلى هذا الحال؟ لماذا الاحتلال؟ لماذا سقط الحكم؟ كنا نلوم بعضنا بعضًا.
أحمد منصور:
هل كانت أسرار الدولة كلها عند عبد حمود؟
العزاوي:
جزء كبير منها، لا كلها. لأنه كان حلقة الوصل بين الرئيس والأجهزة الأمنية الثلاثة: المخابرات، والاستخبارات العسكرية، والأمن العام.
أحمد منصور:
هل قال لكم متى كانت آخر مرة شاهد فيها صدام حسين؟
العزاوي:
كان معه إلى أن اختفوا، ثم انتهى الأمر.
أحمد منصور:
ذهب مع الأبناء وصدام؟
العزاوي:
نعم، فقد كان صدام يتصرف بذكاء، وأبعد كل الوجوه المعروفة عنه حتى لا يكونوا سببًا في اعتقاله.
البيت الذي اختفى فيه صدام حسين
أحمد منصور:
هل البيت الذي اختفى فيه صدام هو نفسه الذي اختفى فيه عام 1958 بعد اتهامه بمحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم؟
العزاوي:
ممكن، لكنني لا أعتقد ذلك. رأيت البيت وكان مبنيًا وله نظام أقواس.
أحمد منصور:
هل زرته بعد خروجك من السجن؟
العزاوي:
نعم، بعد خروجي.
أحمد منصور:
وحققت في التفاصيل؟
العزاوي:
أردت التأكد فقط.
أحمد منصور:
لماذا لا تفصح عن كثير من الأمور؟
العزاوي:
لأنني مقهور. صدام معروف بالشجاعة والإقدام، فكرة أنه يختبئ في حفرة صغيرة غير معقولة. رأيت المكان بنفسي، كان هناك مدخل متدرّج تحت الأرض.
أحمد منصور:
سُلّم متدرّج؟
العزاوي:
نعم، تدرّج ثم انحراف ذكي وبروز، ثم انخفاض وباب يؤدي إلى غرفة بحجم الزنازين تقريبًا.
علي الكيماوي
أحمد منصور:
هل التقيتَ بعلي حسن المجيد؟
العزاوي:
نعم، في السجن.
أحمد منصور:
ماذا دار بينكما؟
العزاوي:
كانت العلاقة ودية في البداية، وكنا نلعب الشطرنج في الفترة الأخيرة. كان يعرف مبادئ بسيطة فيها.
في انتظار الإعدام
أحمد منصور:
هل كان المحكومون بالإعدام يتوقعون تنفيذ الحكم؟
العزاوي:
قسم منهم لم يكن يتوقع التنفيذ فعلًا.
أحمد منصور:
وعبد حمود؟
العزاوي:
لم يخطر بباله الإعدام. وأنا أعتز بمعرفتي به في تلك الفترة.
أحمد منصور:
كم سنة قضيتم معًا في زنزانة واحدة؟
العزاوي:
لا تقل عن سنتين أو ثلاث. وبعد تسليمنا للعراقيين بقينا قرابة أربع سنوات المجموعة نفسها في الغرفة نفسها.
التهم والمحاكمات
أحمد منصور:
عزيز النومان كان معك وفي المحاكم أيضًا، حُكم عليه بالإعدام عام 2009 وما زال في سجن الناصرية؟
العزاوي:
نعم، ولم يُنفذ الحكم.
أحمد منصور:
ما التهم الأساسية التي وُجهت لك؟
العزاوي:
لم تُوجَّه لي أي تهمة شخصية.
أحمد منصور:
لكن وُضعت ملفات بثلاث قضايا.
العزاوي:
تهم مفبركة: تجفيف الأهوار، تهجير الكرد الفيليين، وتصفية الأحزاب.
أحمد منصور:
ولم تُتهم في قضية الدجيل؟
العزاوي:
لا.
الشهادة في محكمة صدام حسين
أحمد منصور:
لكنهم استدعوك شاهدًا ضد صدام، كيف حدث ذلك؟
العزاوي:
أُحضرت شاهدَ إثبات، وفي المحكمة شهدتُ لصالح صدام.
أحمد منصور:
كيف أجبروك على الشهادة في قضية الدجيل؟
العزاوي:
قيدوا يديّ وقدميّ، وعصبوا عينيّ، وقالوا: عليك أن تشهد. قلت لهم إنني لا أصلح، فهو ابن خالتي ورئيسي. قالوا: ليس باختيارك.
أحمد منصور:
ونُقلت بطائرة؟
العزاوي:
نعم، مروحية مرتفعة عن الأرض، استحال الصعود إليها دون رفعنا.
شكل المحكمة
أحمد منصور:
هل كانت المحكمة تُدار فعليًا من الأمريكيين؟
العزاوي:
نعم. كانوا خلفنا مباشرة. أستطيع تمييز الأمريكي من البريطاني، ويُقال إن إسرائيليين كانوا موجودين أيضًا.
أحمد منصور:
هل حقق معك أمريكيون أم بريطانيون؟
العزاوي:
الطرفان.
طارق عزيز وبرزان التكريتي: النهاية الصامتة
أحمد منصور:
هل رأيتَ طارق عزيز في السجن؟
العزاوي:
نعم، وكان مريضًا جدًا، فكنت أساعده وأرعاه حتى وفاته عام 2015.
أحمد منصور:
هل دار بينكما نقاش؟
العزاوي:
لا، القضية كانت واضحة.
أحمد منصور:
وبرزان التكريتي؟
العزاوي:
كان معي في السجن، وهو ابن خالتي. التقينا كثيرًا حتى أُخذ للإعدام عام 2007.
أحمد منصور:
كيف كنتم تعلمون أن أحدهم أُخذ للإعدام؟
أحمد منصور:
حين كان أحد المعتقلين يُؤخذ للإعدام، كيف كنتم تعلمون؟
العزاوي:
لا نعلم، يقولون له تحقيق أو نقل، ثم لا يعود، وبعد أيام نعرف أنه أُعدم أو نُقل.