يستعرض أحمد منصور، مع أحد قادة جيش التحرير المغربي، محمد بن سعيد آيت إيدر ج3 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، الذي جرى بثه في 25 أبريل 2010، الأسباب التي أدت لثورة الريف عام 1958، وأهم التجاذبات السياسية في هذا الوقت، والصراعات بين الأحزاب والقصر..
نص حوار محمد بن سعيد آيت إيدر ج3:
ثورة الريف والصدام مع الملك الحسن الثاني
أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر. نواصل في هذه الحلقة الاستماع إلى شهادة السيد محمد سعيد آيت إدر، أحد قادة جيش التحرير المغربي، وأحد مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. أهلاً وسهلاً بك.
محمد سعيد آيت إدر:
مرحبًا بكم.
الخلفيات السياسية لتمرد الريف (1958)
غياب التمثيل الحقيقي بعد الاستقلال
أحمد منصور:
توقفنا في الحلقة الماضية عند اندلاع ما عُرف بثورة الريف، أو تمرد الريف، في أكتوبر/تشرين الأول 1958. ما الأسباب الحقيقية التي أدت إلى هذا التمرد؟
محمد سعيد آيت إدر:
تعود الأسباب الحقيقية إلى التحولات السياسية التي شهدها المغرب بعد الاستقلال، في ظل غياب مؤسسات تمثيلية حقيقية. فقد اختار القصر تأجيل المجلس التأسيسي لوضع الدستور، واعتمد في تشكيل الحكومات على صيغ لا تعكس التمثيل الشعبي الفعلي.
أحمد منصور:
ما أبرز التجاذبات السياسية آنذاك؟
محمد سعيد آيت إدر:
كانت هناك تجاذبات حادة، خصوصًا بين حزب الاستقلال، الذي تحالف مع بعض فصائل المقاومة والنقابات، وسعى إلى تشكيل هيئة سياسية تمثل القيادة، وبين أطراف أخرى داخل الحزب وخارجه.
الصراع داخل الأحزاب ومع القصر
أحمد منصور:
هل كان هذا الصراع داخل حزب الاستقلال نفسه؟
محمد سعيد آيت إدر:
كان الصراع داخل الحزب وخارجه في آن واحد.
أحمد منصور:
إذًا كان الصراع بين حزب الاستقلال والقصر، وبين حزب الشورى والاستقلال، وكذلك مع التيار الذي أسسه الدكتور عبد الكريم الخطيب والمحجوب بن الصديق لاحقًا، والذي عُرف بالقوات الشعبية؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، وكان ولي العهد آنذاك، الحسن الثاني، سندًا لهذا الطرف.
أحمد منصور:
ولي العهد الحسن؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم. وجاء ذلك بعد أزمات حكومية متلاحقة، خصوصًا عقب حادثة اختطاف القادة الجزائريين الخمسة.
أحمد منصور:
أحمد بن بلة، وآيت أحمد، وخيضر؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، هؤلاء. وبعدها شُكّلت حكومة جديدة على أساس تحالف مع حزب الشورى والاستقلال.
حكومة مبارك البكاي واستمرار النفوذ الفرنسي
أحمد منصور:
هل شعرتم آنذاك، كمغاربة، أن حكومة مبارك البكاي تمثل الاستقلال تمثيلاً حقيقيًا، وهو ضابط سابق في الجيش الفرنسي ولم يكن ممثلًا للمقاومة أو للأحزاب الوطنية؟
محمد سعيد آيت إدر:
كان واضحًا لنا أن هذه الحكومة فُرضت بتأثير التوجهات الفرنسية، التي كانت تسعى إلى تنصيب شخصيات معتدلة، لا تعادي فرنسا، سواء من داخل الحركة الوطنية أو خارجها.
أحمد منصور:
إذن ظل النفوذ الفرنسي قائمًا بعد الاستقلال.
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، إضافة إلى نفوذ التيار المحافظ، وهو ما أدى إلى اختيار مبارك البكاي رئيسًا لحكومة ائتلافية. هذا الأمر قوبل برفض داخل حزب الاستقلال نفسه، وكذلك من أطراف سياسية أخرى رأت في ذلك غبنًا وإقصاءً.
غياب الرؤية السياسية للنظام الجديد
أحمد منصور:
هذه الضبابية لدى النخبة السياسية أدت إلى الاستقلال دون رؤية واضحة لطبيعة النظام السياسي: هل هو ملكية دستورية أم نظام ملكي فردي مستبد؟
محمد سعيد آيت إدر:
حتى قيادة حزب الاستقلال كانت تطرح خيار الملكية الدستورية، لكن دون وضوح حاسم.
أحمد منصور:
إذن حتى حزب الاستقلال لم تكن لديه رؤية سياسية مكتملة.
محمد سعيد آيت إدر:
صحيح. فقد اعتبر نفسه الممثل الشرعي، في حين شعرت أطراف أخرى بأنها أقلية، ورفعت شعارات مضادة.
أحمد منصور:
من هي هذه الأطراف؟
محمد سعيد آيت إدر:
الأطراف التي تشكلت لاحقًا في إطار الحركة الشعبية، بقيادة رضا كديرة.
أحمد منصور:
رضا كديرة كان مدير مكتب ولي العهد، ومستشاره الأقرب لاحقًا.
محمد سعيد آيت إدر:
وكان أيضًا رئيس حزب صغير آنذاك يُعرف بحزب الأحرار المستقلين.
أحمد منصور:
وكان يُوصف بحزب القصر.
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، حزب القصر.
محمد سعيد آيت إدر:
شهدت تلك المرحلة أحداثًا خطيرة، مثل تمرد الدوبي في إقليم تافيلالت ضد حكومة البكاي، ومحاولة اغتيال علال الفاسي، إضافة إلى أحداث في تازة والريف. وكان الجيش يلتزم الحياد، ما سمح بتفاقم الأوضاع.
شرارة اندلاع ثورة الريف
أحمد منصور:
في ظل هذا المناخ، ما الشرارة التي أدت إلى اندلاع ثورة الريف؟
محمد سعيد آيت إدر:
كانت الشرارة قضية استغلال جثمان عباس المسعدي.
أحمد منصور:
في 2 أكتوبر 1958، قرر الدكتور الخطيب وأحرضان نقل رفات عباس المسعدي من فاس إلى إجدير.
محمد سعيد آيت إدر:
إجدير ليست مسقط رأسه، فعباس المسعدي من نواحي دمنات، وليس من الريف.
أحمد منصور:
لماذا تم هذا النقل إذًا؟
محمد سعيد آيت إدر:
كان نقلًا سياسيًا بامتياز، بهدف بناء حركة سياسية على رمزية الجثة.
أحمد منصور:
هل تقصد أن الحركة الشعبية تأسست على جثمان عباس المسعدي؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، فقد استُغل اسمه وجثمانه، رغم أن علاقته بالخطيب لم تكن جيدة، وكان محل خلاف داخل قيادة جيش التحرير.
محمد سعيد آيت إدر:
تم طلب إذن نقل الجثمان من طرف الغالي العراقي، لكنه رفض لعدم اختصاصه، ووزارة الداخلية رفضت بدورها. ورغم ذلك، نُقل الجثمان خارج الإطار القانوني، ما أحدث أزمة سياسية حادة داخل حكومة بلفريج.
أحمد منصور:
إذًا أُخرج الجثمان ونُقل دون تصريح رسمي؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، وعندما تدخلت السلطات بعنف لوقف العملية، اندلعت اضطرابات، لأن المناخ كان مهيأً للانفجار.
أحمد منصور:
وهنا اندلعت شرارة ثورة الريف؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، في تلك اللحظة تحديدًا.
محمد سعيد آيت إدر:
زاد من حدة الوضع التهميش الذي عانته المنطقة، وانتشار البطالة والفقر، خاصة بعد عودة العمال من الجزائر إثر اندلاع حربها، إضافة إلى الحساسية التاريخية لمنطقة الريف، التي خاضت سابقًا حربًا بقيادة الأمير عبد الكريم الخطابي. كل ذلك جعل الانفجار أمرًا حتميًا.
من التهميش إلى مواجهة النظام
أحمد منصور (مقاطعًا):
اسمح لي يا أستاذ، أريد للمشاهد أن يعيش معنا هذه اللحظة؛ لأنني أعتقد أن كثيرًا من المغاربة من المهم أن يفهموا التداعيات التي أدت إلى ثورة الريف عام 1958. لقد حاولت فهمها من مصادر متعددة، وأنت الآن جمعت الصورة بشكل واضح، سواء من خلال الصراعات ضد حزب الاستقلال، ودفع القصر في هذا الاتجاه، والضبابية السياسية لدى النخبة، أو استغلال جثمان عباس المسعدي من قبل الخطيب وأحرضان، إضافة إلى الفقر والبطالة والانقسامات داخل منطقة الريف بعد خروج المستعمر. كل ذلك شكّل صورة متكاملة قادت إلى الانفجار.
محمد سعيد آيت إدر:
هذه بالفعل صورة عن الوضع الاجتماعي والإحساس بالحيف الذي كان يعيشه الناس في تلك المرحلة. وكان من أسباب ردود الفعل أن سكان الريف شعروا بأنهم معزولون عمّا يُسمّى بـ«المغرب النافع». في البداية، كان الصراع موجّهًا ضد حزب الاستقلال وحزب الإصلاح، لكن مع دخول عنصر جديد إلى الساحة، هو أمزيان، ورفع شعارات تمسّ النظام الملكي، تغيّر الوضع جذريًا.
أحمد منصور:
كيف ذلك؟
محمد سعيد آيت إدر:
تشكّلت ما عُرف بـ«الهيئة الريفية»، وضمت عناصر ينتمي بعضهم إلى حزب الشورى والاستقلال. هذه الهيئة عقدت تحالفات مع منظمة تُسمّى «الهلال الأسود».
أحمد منصور:
الهلال الأسود؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، وهي منظمة مقاومة فاعلة في الساحة السياسية منذ عام 1956. وكان أعضاؤها يرون أن محمد الخامس محسوب على حزب الاستقلال، وأن باقي الأحزاب مهمّشة، فدخلوا في تحالفات لمواجهة حزب الاستقلال، وكذلك القصر الملكي في آن واحد.
أحمد منصور:
هل كان تمرد الريف عام 1958 تمردًا على الملكية أم على التهميش؟
محمد سعيد آيت إدر:
التهميش كان سببًا أساسيًا، إضافة إلى تعيين ولاة وعمال من خارج المنطقة.
أحمد منصور:
ما أبرز مطالب سكان الريف آنذاك؟
محمد سعيد آيت إدر:
كانت البلاد تعيش فقرًا واسعًا، ومنطقة الريف على وجه الخصوص افتقرت إلى المشاريع الاقتصادية. فالاستعمار الإسباني لم ينجز مشاريع تنموية كما فعل الاستعمار الفرنسي في مناطق أخرى.
أحمد منصور:
إذن، هل كان التمرد موجّهًا ضد النظام الملكي؟
محمد سعيد آيت إدر:
تداخلت كل هذه العوامل، خصوصًا مع تدخل ولي العهد آنذاك، ومع دعوة أمزيان إلى مواجهة النظام الملكي.
أحمد منصور:
من كان أمزيان؟ وما الذي كان يمثّله؟
محمد سعيد آيت إدر:
كان صديقًا للأمير عبد الكريم الخطابي، وينتمي إلى المنطقة، ويمثّل تيارًا معاديًا لحزب الاستقلال والسلطة. وكان شخصية بارزة في تلك المرحلة. وقد أخبرني أحمد بن سودة، أثناء زيارته لي في السجن عام 1960، أن حزب الشورى شارك في أحداث الريف، وتلقى السلاح، بل وهاجم الملكية في تلك الفترة.
دور ولي العهد في قمع ثورة الريف
أحمد منصور:
كيف أُقحم جيش التحرير في ثورة الريف؟
محمد سعيد آيت إدر:
كثير من عناصر جيش التحرير في المنطقة اقتنعوا بالتوجهات الجديدة، وشعروا أن الريف مُبعد عن الحكم ومحروم من النفوذ، فتم استغلالهم ضمن هذا السياق، وكان ذلك سببًا في توجيه ضربة قاسية للمنطقة.
أحمد منصور:
كان ولي العهد الحسن مسؤولًا عن الأمن والجيش، ومعه محمد أوفقير. كيف واجه ثورة الريف؟
محمد سعيد آيت إدر:
أدت هذه الأحداث إلى إسقاط حكومة بلفريج، وخلقت أزمة حادة في الحكم. وبعد تشكيل حكومة عبد الله إبراهيم، تقرر استتباب الأمن في الريف، فكان التدخل المباشر للجيش الملكي بقيادة ولي العهد. ويُقال إن الطائرة التي كان يستقلها تعرضت لإطلاق نار، وهو ما أدى إلى تعبئة عسكرية واسعة قادها أوفقير، واتسمت بالقسوة.
أحمد منصور:
هناك روايات عديدة عن القمع الذي تعرّض له أهل الريف، من بينها الاعتقالات الجماعية، واستخدام الطيران، وحتى الإعدامات دون محاكمات. هل لديك معلومات حول ذلك؟
محمد سعيد آيت إدر:
لا أتذكر التفاصيل الدقيقة، لكن المؤكد أن القمع كان شرسًا ومؤلمًا، وشمل استخدام الطيران، واعتقالات واسعة، دون محاكمات معروفة.
أحمد منصور:
هل كان الهدف من هذا القمع ضرب السكان أم القضاء على جيش التحرير؟
محمد سعيد آيت إدر:
كان يُنظر إلى ما حدث باعتباره تمردًا على القصر الملكي.
أحمد منصور:
أي تمردًا على القصر؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، على القصر.
القمع السياسي وعصر الرصاص
أحمد منصور:
ومن يتمرّد على أمير المؤمنين يُقتل.
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، هذا ما كان مطروحًا آنذاك.
أحمد منصور:
أي إن الأنظمة تتعامل مع شعوبها بالطائرات والقنابل والذبح والقصف، إذا قررت هذه الشعوب أن تحتج على التهميش؟
محمد سعيد آيت إدر:
هذا ما يُسمّى بعصر الرصاص، في تلك المرحلة التاريخية، منذ عام 1956 ثم خلال ستينيات القرن الماضي.
أحمد منصور:
عملية الإبادة التي استهدفت جيش التحرير المغربي وثورة الريف عُرفت بعملية «الممسحة». هل لديك إحصاءات عن أعداد من قُتلوا آنذاك على يد الحسن، ولي العهد؟
محمد سعيد آيت إدر:
لا، ليست لدي أرقام دقيقة.
تداعيات ثورة الريف والانشقاقات السياسية
أحمد منصور:
في عام 1984 شهد الريف تمردًا جديدًا، وكان الحسن الثاني حينها ملكًا للمغرب، وصرّح في خطاب شهير: «أريد من سكان الشمال أن يعرفوا ولي العهد، ومن الأفضل لهم ألا يعرفوا الحسن الثاني»، في إشارة إلى أحداث 1958. هل يعني ذلك أنه يتحمّل مسؤولية ما جرى آنذاك؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم. وأحداث 1984 طالت أيضًا منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، إذ كان مناضلوها يقودون احتجاجات اجتماعية طلابية وعمالية ضد الفقر. وقد كنت آنذاك في الناظور، واتُّهمنا زورًا بتأجيج تلك الأحداث.
أحمد منصور:
رغم أن الحسن الثاني نفّذ قمع 1958 وهو ولي للعهد، إلا أن ذلك جرى في عهد والده محمد الخامس.
محمد سعيد آيت إدر:
صحيح. كان ولي العهد أحيانًا يتصرّف بما يتجاوز رغبة والده، الذي كان يسعى إلى الحفاظ على التوازنات، في حين كان الحسن يتّبع نهجًا أكثر حدّة.
أحمد منصور:
لكن محمد الخامس يتحمّل المسؤولية التاريخية عمّا جرى عام 1958.
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، هو المسؤول.
أحمد منصور:
كيف نجح الحسن، رفقة أوفقير، في القضاء على ثورة الريف؟
محمد سعيد آيت إدر:
لأنه كان يمتلك الصلاحيات السياسية والتنفيذية، ولأن الصراع بين الأحزاب، خصوصًا بين حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، أدخل القضية في حالة من الغموض والشلل.
أحمد منصور:
ما موقف هذه الأحزاب من حرب الريف؟
محمد سعيد آيت إدر:
حزب الشورى والاستقلال كان داعمًا، وقد أخبرني أحمد بن سودة بذلك. كما أن الحركة الشعبية كانت من الأطراف التي ساهمت في تأجيج الصراع وإطالة أمده.
أحمد منصور:
يتساءل مؤرخون: لماذا لم يُعتمد على جيش التحرير ليكون نواة الجيش الملكي؟
محمد سعيد آيت إدر:
لأن الدولة بعد الاستقلال اعتمدت على بنية إدارة الحماية، سواء في الحكم أو الجيش أو الشرطة. فتم تأسيس الجيش الملكي من ضباط وجنود خدموا مع الفرنسيين، بإشراف أطر أجنبية، ليكون جيشًا يحمي المؤسسة لا مصالح الشعب.
أحمد منصور:
وهذا ما حدث في معظم دول المغرب العربي؛ ذهبت دماء المقاومين، وحكم رجال فرنسا بعد خروجها الشكلي.
محمد سعيد آيت إدر:
هذا هو الواقع.
أحمد منصور:
هل يؤلمك ذلك؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، لكنه ألم لا يكفي. المشكلة أن النخبة السياسية لم تكن مؤهلة لمرحلة الاستقلال؛ كانت مناضلة، لكنها تفتقر إلى رؤية ديمقراطية وإرادة سياسية حقيقية.
أحمد منصور:
هل تغيّرت مواقف هذه النخب بعد الاستقلال؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، لأنها استوعبت السلطة والامتيازات، وتوقفت معركة بناء استقلال حقيقي اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، وهو ما حدث في معظم دول العالم الثالث.
أحمد منصور:
هل استغل الحسن الثاني ثورة الريف للقضاء على جيش التحرير؟
محمد سعيد آيت إدر:
لا. جيش التحرير لم يكن جيش فكرة، بل جيش مقاومة أعاد الملك إلى عرشه. لكن بعد ذلك بدأت الدولة تنظر إلينا كخصوم، وبدأ الصدام.
أحمد منصور:
ومع ذلك لم يُمحَ جيش التحرير بالكامل، وبقيت خلايا سرية، وواصلتم النضال.
محمد سعيد آيت إدر:
صحيح. انتقل الصراع من مواجهة الاستعمار إلى مواجهة المؤسسة الملكية، وانفصلنا عن حزب الاستقلال وأسّسنا لاحقًا الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
أحمد منصور:
كان ذلك انشقاقًا داخليًا في حزب الاستقلال؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، قادته أغلبية الأطر التنفيذية، في مقدمتهم المهدي بن بركة، وعبد الرحمن اليوسفي، وعبد الله إبراهيم، والمحجوب بن الصديق.
أحمد منصور:
ومن بقي في حزب الاستقلال؟
محمد سعيد آيت إدر:
بقيت القيادة التقليدية، مثل علال الفاسي وأحمد بلفريج، وكان الانشقاق في 25 يناير/كانون الثاني 1959.
إضعاف حزب الاستقلال وبداية الصدام مع القصر
محمد سعيد آيت إدر:
كان علال الفاسي يمتلك مواقف خاصة، سواء في ما يتعلق بالمفاوضات أو بقضية الاستقلال، وكان من الشخصيات التي أثّرت بعمق في مجمل الأحداث السياسية بالمغرب، خاصة فيما يتصل بحدود المغرب التاريخية وما سُمّي آنذاك بهيمنة علال الفاسي على المشهد في مواجهة الفرنسيين. كما أن الصراع القائم حينها مع القصر الملكي جعله يميل إلى هذا الصف، في وقت كان فيه محجوب بن الصديق، بصفته مسؤولًا في الاتحاد المغربي للشغل، أحد العوامل التي ساهمت في تلك التطورات.
أحمد منصور (مقاطعًا):
كان القصر يلعب دورًا كبيرًا في تفريق وتدمير حزب الاستقلال، وكان الانشقاق الذي وقع في 25 يناير/كانون الثاني 1959 بداية حقيقية لإضعاف الحزب.
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، كان ذلك بداية إضعاف حزب الاستقلال.
تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية
أحمد منصور:
بقيتم في إطار الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال حتى سبتمبر/أيلول 1959، ثم أسستم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
محمد سعيد آيت إدر:
تأسيس الاتحاد جاء ردًا على طبيعة التحالفات القائمة آنذاك، حيث كان ولي العهد يعزّز تحالفاته مع الحركة الشعبية وحزب الشورى والاستقلال، بل وحتى مع جناح من حزب الاستقلال نفسه. وضمّ الاتحاد قيادات من حزب الاستقلال ومن حزب الشورى والاستقلال، مثل بوطالب وبن سودة والوزاني، إضافة إلى عناصر من الحركة الشعبية ومن المقاومة المسلحة.
أحمد منصور:
مثل الخطيب وأحرضان.
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، وهما من مؤسسي الحركة الشعبية ومن أبناء المقاومين في جيش التحرير.
أحمد منصور:
كنتم تعيشون حالة من الضبابية، وكان الوضع السياسي مهترئًا، وكان ولي العهد يلعب بكم جميعًا.
محمد سعيد آيت إدر:
هذا صحيح، فالقيادة لم تكن تمتلك رؤية موحدة، وكانت الأجنحة مختلفة في التصورات.
أحمد منصور:
هل كان تأسيس الاتحاد الوطني بداية الصدام المباشر مع ولي العهد؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، لأن حزب الاستقلال كان يتفادى المواجهة المباشرة مع القصر حفاظًا على رضا قيادته التاريخية، بينما دفعت الأطر الشابة والمتقدمة، التي انفتحت على تجارب حركات التحرر، نحو الانفصال. وقد ساهمت أزمات الحكومات، وخاصة حكومة البكاي، في تعميق هذا المسار، إلى أن أصبح الصدام مع المؤسسة الملكية أحد أسباب هذا التوجه.
أحمد منصور:
حكومة عبد الله إبراهيم ارتبط اسمها بتصفية ثورة الريف، ثم أُقيلت، وتولى الملك محمد الخامس رئاسة الحكومة، ومنح ولي العهد الحسن صلاحيات كاملة بصفته وزيرًا للدفاع.
محمد سعيد آيت إدر:
صحيح، لكن في المقابل كانت هناك مشاريع مطروحة تتعلق بالمساواة الاقتصادية، وبالسياسة الخارجية القائمة على عدم الانحياز، وتأثر القيادات آنذاك بالتجربة الناصرية. غير أن تلك القوى لم تكن تمتلك رؤية أيديولوجية واضحة أو مشروعًا متكاملًا لبناء الدولة.
أحمد منصور:
أنتم بنَيتم مشروع المقاومة أساسًا لإعادة الملك إلى العرش، لا لإقامة ملكية دستورية حقيقية يكون فيها الحكم للشعب، ولذلك استحوذ الملك على كل شيء.
محمد سعيد آيت إدر:
هذا صحيح. النخبة السياسية، سواء في حزب الاستقلال أو في التيار التقدمي، كانت محدودة الرؤية، وكانت مبادرة النظام أقوى من مبادرتنا.
أحمد منصور:
في فبراير/شباط 1960 أُعلن عن مؤامرة لاغتيال ولي العهد، واتُّهمتم، أنت والفقيه البصري وآخرون، بتدبيرها. ما حقيقة هذه القضية؟
محمد سعيد آيت إدر:
كانت قضية مفبركة، وهدفها تصفية مراكز القوة في المعارضة، وعلى رأسها جيش التحرير، خاصة في الجنوب. كان جيش التحرير لا يزال قويًا، لكن جرى استغلال هذا الوضع لتوجيه الاتهامات.
أحمد منصور:
كنت آنذاك من قادة جيش التحرير في الجنوب.
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، وكان في القيادة تناقض واضح، إذ كنت مسؤولًا عسكريًا وأمينًا عامًا للجامعات المتحدة في الوقت نفسه، وهو ما استُخدم ذريعة ضدنا.
أحمد منصور:
ثم أُفرج عنكم لاحقًا، واتضح أن القضية مختلقة.
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، وكان الهدف منها القضاء على كل الجيوب التي يمكن أن تشكل خطرًا على النظام.
أحمد منصور:
هل يمكن القول إن هذه المرحلة شهدت بداية سياسة الحسن الثاني، منذ كان وليًا للعهد، في تفكيك القوى السياسية؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، بدأ بتقسيم حزب الاستقلال، ثم بمواجهة الاتحاد الوطني. وقد أدت الاعتقالات إلى ردود فعل داخل صفوف المقاومين، وظهور خلايا مسلحة.
أحمد منصور:
مثل أحمد أغوليز، المعروف بشيخ العرب؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، كان مناضلًا شجاعًا، قاتل الاستعمار، ثم دخل في صدام مع السلطة بعد الاستقلال. لكن الأعمال المسلحة آنذاك كانت فوضوية، بلا أفق سياسي واضح، وهو ما استغله النظام لتوجيه ضربات قاسية لنا.
أحمد منصور:
بسبب الضبابية السياسية؟
محمد سعيد آيت إدر:
نعم، فالجماهير لم تكن على وعي بطبيعة الصراع.
أحمد منصور:
أُعلن العفو عن المتهمين في قضية 1960، ثم أُقيلت حكومة عبد الله إبراهيم في 19 مايو/أيار 1960، وتولى محمد الخامس رئاسة الحكومة، ومنح كل الصلاحيات لولي عهده. بعد ذلك بدأت ما عُرف بسنوات الرصاص، ثم توفي محمد الخامس في فبراير/شباط 1961، واعتلى الحسن الثاني العرش. نبدأ من هذه المرحلة في الحلقة القادمة.
محمد سعيد آيت إدر:
شكرًا لكم.
أحمد منصور:
نشكر ضيفنا السيد محمد سعيد آيت إدر، ونشكر مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. إلى اللقاء في الحلقة القادمة من شاهد على العصر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحوار
00:00 مقدمة
00:55 أسباب تمرد الريف
01:40 أهم التجاذبات السياسية
02:24 الصراع بين حزب الاستقلال والقصر وحزب الشورى والقوات الشعبية
03:15 الحكومة كانت مفروضة من الحكومة الفرنسية
04:22 سبب التجاذب والصراع السياسي بين الأحزاب
07:37 شرارة ثورة الريف ونقل جثة عباس المساعدي
13:30 1958التداعيات التي أدت لثورة الريف عام
15:55 التهميش كان سبب للتمرد ومطالب عمال الريف
16:40 تمرد الريف كان على الملكية، والنظام السياسي في المغرب
17:23 سبب زيارة أحمد بن سودة لإدر عام 1960 أثناء اعتقاله
18:29 إقحام جيش التحرير في ثورة الريف
19:35 مواجهة الحسن الثاني لثورة الريف
21:41 قصص حول القمع الذي قام به الحسن الثاني وأوفقير لأهل الريف
25:20 تمرد آخر عام 1984 آخر خلال حكم الحسن الثاني ذكره بأحداث 1958
26:45 قيام الحسن الثاني بأحداث 58 خلال ولاية الملك محمد الخامس
28:06 موقف الأحزاب السياسية من حرب الريف
28:32 لماذا لم يعتمد الحسن الثاني على جيش التحرير ليكون نواة الجيش المغربي ؟
30:55 تغير مواقف النخب التي قاومت الاستعمار بعد إعلان الاستقلال
33:14 هل استغل الحسن الثاني ثورة الريف ليقضي على جيش التحرير؟
34:19 الحسن الثاني لم يتمكن من محو جيش التحرير
35:25 انشقاقات داخل حزب الاستقلال وأبرز القادة المنشقين
37:24 تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية
39:07 سبب بداية صدام جيش التحرير مع ولي العهد
40:37 تشكيل الملك حكومة بقيادته ومنح ولي العهد الصلاحيات الكاملة
43:16 قصة مؤامرة اغتيال ولي العهد
45:17 اعتقاله هو واليوسفي والفقيه البصري والتحقيق معهم
47:26 شيخ العرب أحمد أكوليز
49:37 الملك محمد الخامس يعفو عن كل المتهمين في محاولة الاغتيال