يستعرض أحمد منصور، مع أحد قادة جيش التحرير المغربي، محمد بن سعيد آيت إيدر ج4 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، الذي جرى بثه في 2 مايو 2010، وفاة محمد الخامس ملك المغرب، ومحاولة اغتيال ولي العهد الحسن الثاني، والصدام مع القصر…
نص حوار محمد بن سعيد آيت إيدر ج4:
وفاة محمد الخامس
أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر. نواصل في هذه الحلقة الاستماع إلى شهادة السيد محمد بن سعيد آيت إدر، أحد قادة جيش التحرير المغربي، وأحد مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في المغرب. أهلاً بك، سيد محمد.
محمد بن سعيد آيت إدر:
مرحبًا بكم.
أحمد منصور:
توقفنا في الحلقة الماضية عند وفاة الملك محمد الخامس في 26 فبراير/شباط 1961. لكن قبل ذلك، أود أن أسألك عن الفترة الممتدة من 24 مايو/أيار 1960 حتى وفاته، حين ترأس محمد الخامس الحكومة بنفسه، وأوكل صلاحيات واسعة إلى ولي العهد الحسن. كيف كانت علاقة الملك بالنخبة السياسية آنذاك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
العلاقات بدأت تتغير.
أحمد منصور:
متى بدأ ذلك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
منذ الاستقلال.
أحمد منصور:
منذ الاستقلال؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم. في البداية كان هناك تحالف ثابت بين الحركة الوطنية ومحمد الخامس، ومصادقة على القرارات ومتابعة للمعارك السياسية. لكن بعد الاستقلال أصبح محمد الخامس رمزًا للإجماع الوطني، ووضعت فيه كل القوى السياسية ثقتها. ثم بدأت التحولات، خاصة مع بناء نظام سياسي لم يكن قائمًا على رضا الأغلبية الوطنية، واعتمد على الجهاز الإداري الاستعماري السابق، وعلى جيش لم ينبثق من حركة المقاومة وجيش التحرير.
أحمد منصور (مقاطعًا):
نحن هنا لا نتحدث عن بناء دولة، بل عن بناء نظام سياسي.
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، بناء نظام سياسي.
أحمد منصور:
نظام يخدم استمرار النفوذ الفرنسي بشكل آخر؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
في هذا الإطار تحديدًا. محمد الخامس كان يميل إلى الحفاظ نسبيًا على علاقته بالحركة الوطنية، بينما كان ولي العهد أكثر سرعة وحسمًا في ضرب كل الجيوب المعارضة للنظام.
أحمد منصور:
هل كان محمد الخامس غير راضٍ عن بعض تصرفات ولي عهده؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، لم يكن يستحسن كل تصرفاته.
أحمد منصور:
لكنه لم يكن قادرًا على مواجهته؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
صحيح. هذا ما بلغنا عبر قنوات قريبة من المقاومة، وأصدقاء للملك، أكدوا أن محمد الخامس لم يكن متفقًا مع سياسة ولي العهد.
أحمد منصور:
هل يعفي هذا محمد الخامس من المسؤولية التاريخية؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
لا، لا يعفيه. فهو تنكّر للتحالف مع الحركة الوطنية التي أسهمت في بناء الدولة المغربية وصناعة رمزيته.
أحمد منصور:
لكن الحركة الوطنية حين دعمت محمد الخامس لم تطلب مقابلًا سياسيًا.
محمد بن سعيد آيت إدر:
وهذا أحد أخطاء النخبة؛ غياب الرؤية في التحالف، ما أدى لاحقًا إلى تكريس الحكم الفردي.
أحمد منصور:
لو طلبت منك تلخيص شخصية محمد الخامس وفترة حكمه بإيجاز شديد؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
محمد الخامس التحم بالحركة الوطنية، ولعب دورًا إيجابيًا في مراحل الصراع، لكنه تراجع في محطات حاسمة، حتى في لحظة وثيقة الاستقلال.
وفاة محمد الخامس
أحمد منصور:
ما أثر وفاته على الحياة السياسية؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كانت صدمة كبرى للشعب المغربي، وسببًا في قلق بالغ لدى قيادة الاتحاد الوطني، خاصة مع تصاعد الصدام مع ولي العهد.
أحمد منصور:
هل شعرتم أن وفاته أنهت مرحلة من السلم المؤقت بينكم وبين القصر؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم. منذ بدء اعتقال قادة المقاومة، تزعزعت الثقة بمحمد الخامس، ثم دخلت العلاقة مع القصر مرحلة جديدة من المواجهة.
انقسام النخبة وضبابية الرؤية السياسية
أحمد منصور:
القصر استطاع استقطاب جزء من النخبة السياسية، فانقسمت بين من قبل الامتيازات، ومن بقي حالمًا بتغيير صعب التحقيق.
محمد بن سعيد آيت إدر:
هذا نابع من الغموض في أطروحات الحركة الاستقلالية والاتحاد الوطني، فالشعب لم يكن مطلعًا على طبيعة الخلافات، ما سهّل على ولي العهد ضرب هذه القوى.
أحمد منصور:
قلت إن الرؤية لم تكن واضحة حتى داخل الاتحاد الوطني، وأنت من مؤسسيه.
محمد بن سعيد آيت إدر:
صحيح. الاتحاد الوطني وُلد في سياق انشقاقات عام 1959، وكانت قاعدته الجماهيرية متقدمة، وكان الأمل كبيرًا في صدام سياسي علني مع المؤسسة الملكية، لكن النخبة لم تكن موحّدة.
أحمد منصور:
أي صدام تقصد؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
صراع سياسي من أجل الديمقراطية.
أحمد منصور:
إذا كان التعاطف الشعبي معكم واسعًا، لماذا لم تُستثمر هذه القاعدة؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
لأن الشعب ظل وفيًا لمحمد الخامس، وكان من الصعب عليه أن ينقلب على رمزٍ ارتبط بالنضال الوطني.
أحمد منصور:
ولي العهد الحسن كان قادرًا على شق الصفوف والترغيب والترهيب.
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، ونجح في اختراق صفوف الاتحاد الوطني أيضًا، خاصة عبر النقابات.
أحمد منصور:
حين تأسس الاتحاد الوطني بقيادة المهدي بن بركة وآخرين، ألم تكن لديكم رؤية واضحة؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
لم تكن موحدة. كان هناك من يؤمن بالعمل العنيف، وآخرون يفضّلون النضال السلمي.
أحمد منصور:
من كان مع خيار العنف؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
أغلب عناصر المقاومة، مثل الفقيه البصري، والمهدي بن بركة، وعبد الرحمن اليوسفي، وأنا أيضًا. في المقابل كان عبد الله إبراهيم يرى العمل السياسي السلمي.
أحمد منصور:
ما طبيعة العنف الذي كنتم تفكرون فيه؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كانت ردود فعل غير ناضجة، خلايا غير واضحة الهدف، دخلت فيها مجموعات مثل جماعة شيخ العرب، خصوصًا بعد الاعتقالات.
أحمد منصور:
بعد تولي الحسن الثاني الحكم عام 1961، واستمرار المطالبة بالدستور، وفي ديسمبر/كانون الأول 1962، غادرتَ إلى الجزائر. لماذا؟
الدستور الممنوح وبداية العمل السري
محمد بن سعيد آيت إدر:
في ما يخص الدستور، فإن تقييمي له يتمثل في أن المؤسسة الملكية لم تكن متعجلة لطرحه. كان من المفترض، بعد وثيقة الاستقلال مباشرة، الشروع في انتخاب مجلس تأسيسي يتولى إعداد الدستور، غير أن رؤية النظام آنذاك كانت تقوم على تأجيل الدستور إلى حين حدوث تغيّر في الخريطة السياسية المغربية. ففي المرحلة الأولى كانت الحركة الوطنية وقوى الاستقلال هي الأقوى، ولذلك جرى تأجيل هذا الملف إلى ما بعد وفاة محمد الخامس، وصولًا إلى إعداد ما كنا نسميه «الدستور الممنوح»، الذي ساهم في صياغته أجانب، ولم تشارك فيه الحركة الوطنية ولا الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
أحمد منصور:
ممنوح؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، دستور ممنوح، أُعدّ بمساهمة أجنبية، دون إشراك القوى الوطنية.
أحمد منصور:
هل يعني ذلك أن المغرب، حتى ذلك الوقت، لم يكن مستقلاً استقلالًا حقيقيًا؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
لهذا السبب قرر الاتحاد الوطني مقاطعة الاستفتاء عليه.
أحمد منصور:
سنعود إلى ذلك لاحقًا، لكن كيف بدأت العلاقة تتوتر بين الاتحاد الوطني والقصر، وصولًا إلى قرار بعض قياداتكم، مثلك، مغادرة المغرب؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
في سياق هذا التوتر، جاءت الاعتقالات، مثل اعتقال الفقيه البصري وعبد الرحمن اليوسفي على خلفية قضايا تتعلق بالإعلام و«المساس بالمقدسات»، ثم اعتقالنا نحن في فبراير/شباط 1960 بتهمة محاولة اغتيال ولي العهد. كل ذلك خلق مناخًا من التوتر، ودفع النظام إلى استخدام أجهزة الأمن لملاحقة قادة الاتحاد الوطني وقادة المقاومة، بل واختطاف بعض العناصر.
أحمد منصور:
مثل من؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
أحد الضباط المقاومين في الرباط، من مناضلي الاتحاد الوطني، وقد جرت اعتقالات واسعة في تلك الفترة، كما وصلتنا معلومات عن نية السلطة توجيه تهم تتعلق بالعمل السري.
أحمد منصور:
وكنتم فعلًا تقومون بعمل سري؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
قبل اعتقالنا لم نكن نقوم بأي عمل سياسي سري، وإنما كان خطابنا سياسيًا حادًّا عبر هيئة التحرير.
أحمد منصور:
لكنكم قررتم لاحقًا اللجوء إلى العمل السري بعد الإفراج عنكم؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، لاحقًا. ففي تلك المرحلة جرى لقاء بين قادة المقاومة، حضره المهدي بن بركة، وطُرحت فيه مسألة الرد بالعنف، واستعمال إمكانيات جيش التحرير وبعض عناصر المقاومة. لكننا اعتُقلنا قبل تنفيذ أي شيء. بعد ذلك وقعت ردود فعل فردية، مثل أحداث مراكش، حيث صعد بعض المقاومين إلى الجبال، وقُتل ضابط كبير، كما شهدت الدار البيضاء حوادث مشابهة.
أحمد منصور:
كل ذلك بعد قمع ثورة الريف؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، بعد عام 1960. وحتى أحد ضباط الشرطة الذين شاركوا في استنطاقنا جرى اغتياله، وكانت هذه كلها ردود فعل بلا هدف استراتيجي واضح.
أحمد منصور:
هل تعرضتَ شخصيًا لمحاولة اختطاف؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم.
أحمد منصور:
متى؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
خلال ذروة التوتر بشأن الدستور، في ديسمبر/كانون الأول 1962. كنتُ مع أحد المقاومين، عبد الفتاح سباطة، وتوصلنا بمعلومات من أجهزة الاستخبارات تفيد بوجود قرار باختطافنا واستنطاقنا، بدعوى أن خطابنا السياسي قد يخفي عملًا سريًا، خصوصًا مع كوني عضوًا في جيش التحرير.
أحمد منصور:
هل كان جيش التحرير لا يزال يحتفظ بخلايا في تلك الفترة؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كانت هناك اتصالات وعلاقات، وكان جيش التحرير ما يزال قائمًا كهيكلة، خاصة في الجنوب. وفي 5 ديسمبر قررتُ التوجه إلى الجزائر.
أحمد منصور:
هل كان قرارًا فرديًا أم بالتنسيق مع قيادة الاتحاد؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
تمّ بالاتفاق مع مجموعة من المقاومين.
أحمد منصور:
من أبرزهم؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
الطيب الصغير، حسن صفي الدين، وعبد السليم الجبلي، الذي كان موجودًا في الجزائر آنذاك.
أحمد منصور:
كيف كانت طبيعة علاقتكم بالجزائر بعد استقلالها وتولي أحمد بن بلة الحكم؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كانت علاقة قديمة تعود إلى زمن المعركة المشتركة، خاصة في تطوان ومدريد، مع قيادة جبهة التحرير الوطني، مثل بن بلة وبوضياف. وبعد الاستقلال واصلنا هذه العلاقات، وأوفد الاتحاد الوطني صحفيًا لمواكبة تطورات وصول بن بلة وتشكيل الحكومة الجديدة.
أحمد منصور:
ماذا فعلتَ في الجزائر؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
التحقت بعبد السليم الجبلي، وبدأنا التفكير في كيفية الاستفادة من دعم الجزائر لمواجهة الوضع داخل المغرب.
أحمد منصور:
كم بقيت هناك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
حتى مارس/آذار 1963.
المهدي بن بركة: الزعامة الجماهيرية ومعركة الدستور
أحمد منصور:
المهدي بن بركة حاول من منفاه في باريس التقرب من الحسن الثاني بعد توليه العرش، لكنه لم يتلقَّ ردًا. ثم عاد إلى المغرب عام 1962. كيف كان استقباله؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كان استقبالًا حاشدًا، لأن الاتحاد الوطني كان يشكل قوة جماهيرية كبرى، خاصة في أوساط الطلبة والمنظمات الجماهيرية.
أحمد منصور:
تقول بعض المصادر إن استقباله كان شبيهًا باستقبال محمد الخامس بعد عودته من مدغشقر.
محمد بن سعيد آيت إدر:
لم يكن بالمستوى نفسه، لكنه كان لافتًا.
أحمد منصور:
هل حضرت تلك الاحتفالات؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم. وكنت قد سبقتُ المهدي إلى فرنسا لإقناعه بالعودة والتحضير للمؤتمر الثاني للاتحاد الوطني.
أحمد منصور:
هل كان مترددًا؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كان حذرًا بسبب محاولات اغتيال سابقة، لكنني أقنعته، وبالتنسيق مع الفقيه البصري وعبد الرحمن اليوسفي، الذي سهّل لي التواصل مع القادة الجزائريين المعتقلين في فرنسا.
أحمد منصور:
كيف استطاع الاتحاد الوطني، في فترة قصيرة، أن يصبح القوة السياسية الأبرز؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
للمهدي بن بركة دور محوري، خصوصًا في تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب كمنظمة جماهيرية متقدمة، إضافة إلى قوة الاتحاد المغربي للشغل، ودعم جيش التحرير، خاصة في الجنوب، الذي كان يُتهم آنذاك بالنزعة الجمهورية.
أحمد منصور:
كيف تصف شخصية المهدي بن بركة؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
شخصية ديناميكية استثنائية، يتمتع بقدرة تنظيمية هائلة، ويكاد لا ينام، دائم القراءة والمتابعة، سواء في الداخل أو الخارج.
أحمد منصور:
كان من أساتذة الحسن الثاني في المعهد الملكي؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، كان من بين من درّسوه.
أحمد منصور:
هل تعرف أن هذا الوصف الذي قرأته لك عن المهدي بن بركة ورد في كتاب ذاكرة ملك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، للحسن الثاني.
أحمد منصور:
بعد عودة المهدي، وقفتم ضد الدستور ودعوتم إلى مقاطعة الاستفتاء في 7 ديسمبر/كانون الأول 1962. ألم يكن ذلك إعلان مواجهة مع الحسن الثاني؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
في تقديري، كانت درجة التوتر قد بلغت حدًا لم يعد يسمح بالحوار، خاصة بعدما أحاط الملك نفسه بأشخاص اعتبرناهم من بقايا وعملاء الاستعمار.
أحمد منصور:
مثل من؟
الدستور والانتخابات وتزييف الإرادة الشعبية
محمد بن سعيد آيت إدر:
مثل رضا كديرة، وكذلك بعض أجهزة الجيش التي ضمّت أشخاصًا كنا نرفضهم من حيث المبدأ. ولهذا، كلما ابتعدنا نحن، اقترب الملك من هؤلاء، وكلما اقترب منهم ازددنا نحن ابتعادًا عنه، مما خلق مناخًا متوترًا. أما أنا شخصيًا، فلم أكن مشاركًا في توجيه القرار السياسي، إذ كنت خاضعًا للمراقبة.
أحمد منصور:
مراقب؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، كنت تحت المراقبة، ولم يكن لي قرار حاسم. فالقرارات السياسية الكبرى كانت بيد قيادة نعدّ أنفسنا تابعين لها، وهي التي ساهمت في هذا المسار، وكان ذلك من الأخطاء.
أحمد منصور:
لكنّك كنت من القيادات آنذاك.
محمد بن سعيد آيت إدر:
كنت من القيادات عمليًا، لا على مستوى صنع القرار السياسي أو تنفيذ التوجهات العامة. فقد كنت مكلّفًا في تلك المرحلة بمتابعة شؤون المقاومة، وحل مشاكل اللاجئين، واستقبالهم وتشغيلهم، إضافة إلى معالجة أوضاع عناصر جيش التحرير بعد الاستقلال. ثم انتقلتُ إلى الجنوب للإشراف على جيش التحرير هناك، وهو ما حال دون مشاركتي في الاجتماعات الحاسمة بالدار البيضاء أو الرباط، باستثناء قضية الدستور.
أحمد منصور:
شاركتَ فيها؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، شاركت في الحملة ضد الدستور.
أحمد منصور:
ودعوتم إلى الامتناع عن التصويت، ومع ذلك أُقرّ الدستور بنسبة 97%، وقال الحسن الثاني إن إرادة الشعب هزمتكم.
محمد بن سعيد آيت إدر:
تلك كانت بداية استعمال وسائل الإدارة في الاستفتاءات والانتخابات. أما التحول الأبرز فجاء بعد أول انتخابات، التي جرت في عهد حكومة عبد الله إبراهيم، خلال الانتخابات الجماعية والبلدية، حيث كان الاتحاد الوطني وحزب الاستقلال القوتين الأساسيتين.
أحمد منصور:
لكنكم قاطعتم الاستفتاء.
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، الاتحاد الوطني قاطع، بينما شارك حزب الاستقلال في الاستفتاء على الدستور.
أحمد منصور:
رغم ذلك شاركتم في الانتخابات التشريعية في 24 مايو/أيار 1963، وهاجم بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد القصر متهمين إياه بالتزوير، ومع ذلك فاز بن بركة في دائرته بنسبة 90%، وحصل الاتحاد الوطني على 28 مقعدًا.
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، 28 مقعدًا، في انتخابات أشرف على إدارتها رضا كديرة. كانت أول تجربة برلمانية تُزوَّر بشكل ممنهج، إذ ظهرت أحزاب بلا وزن جماهيري لتشكّل الأغلبية، بينما صار الحزبان الوطنيان، حزب الاستقلال والاتحاد الوطني، في موقع الأقلية.
أحمد منصور:
ماذا مثّلت لكم هذه النتائج؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
مثّلت تزييفًا للحقيقة، ونتيجة مباشرة للدستور الممنوح الذي منح الملك، عبر الفصل 19، سلطات مطلقة جعلت أي حكومة لاحقة بلا تأثير فعلي.
أحمد منصور:
أنتم منحتم أمير المؤمنين كل السلطات منذ البداية، وناضلتم لإعادته من المنفى، ثم استأثر بكل شيء، ولم تشترطوا مقابلًا.
محمد بن سعيد آيت إدر:
هذا دليل على تخلف القيادة السياسية.
أحمد منصور:
تخلف القيادة السياسية عندكم أنت.
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم.
أحمد منصور:
وجد شعبًا يحمل العرش دون مساءلة، ففعل ما شاء.
محمد بن سعيد آيت إدر:
هذا واقع تعيشه معظم الأنظمة العربية.
أحمد منصور:
الشعوب تستحق من يحكمها، لأنها تمنح الحكام شيكًا على بياض.
محمد بن سعيد آيت إدر:
أنا أختلف معك. الشعوب تتبع النخبة الرائدة. المشكلة في النخبة، لا في الشعوب. لو امتلكت النخبة رؤية واضحة وخاضت معركة حقيقية من أجل الدستور والديمقراطية، لكان من الممكن تحقيق نتائج مختلفة. لكن غياب الروح الديمقراطية، وعدم إشراك الجماهير في الوعي والمسؤولية، كانا من أسباب الفشل.
من الصراع السياسي إلى المواجهة الأمنية
أحمد منصور:
ماذا قررتم بعد نتائج انتخابات 1963؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
عُقد مؤتمر الاتحاد الوطني، وكان خلاله خلاف حاد بين التيار النقابي بقيادة عبد الله إبراهيم، والتيار الذي مثّله المهدي بن بركة. قدّم المهدي وثيقة «الاختيار الثوري»، بينما قدّم التيار النقابي وثيقة أخرى، وساند بعض المقاومين هذا التوجه. لم يكن هناك اتفاق حاسم، وبدأت مجموعات تدخل في صراع مباشر مع الدولة.
أحمد منصور:
هل كانت هناك بقايا مقاومة، مثل أحمد أغوليز الملقب بشيخ العرب؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
هؤلاء كانوا مستقلين نسبيًا، محسوبين على الاتحاد الوطني، لكنهم غير منضبطين تنظيميًا.
أحمد منصور:
هل قررتم في الاتحاد الوطني القيام بخطوة عسكرية ضد النظام؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كان القرار فرديًا.
أحمد منصور:
من اتخذه؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
مجموعة من قادة المقاومة، من بينهم الفقيه البصري.
أحمد منصور:
متى اتُّخذ هذا القرار؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
بدأ التفكير فيه منذ اعتقال الفقيه البصري وعبد الرحمن اليوسفي في ديسمبر/كانون الأول 1959، لكن لم يُفعّل. بعد ذلك جاءت ردود فعل غير منظمة، خاصة في الدار البيضاء، وظهرت مجموعة شيخ العرب ومعها مؤمن الديوري.
أحمد منصور:
ما علاقة مؤمن الديوري بالمهدي بن بركة؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
مؤمن الديوري كان من قيادات حزب الاستقلال بالقنيطرة، ثم اشتغل مع بوصوف في الاستخبارات الجزائرية في سويسرا. عاد إلى المغرب عام 1961، واتصل بشيخ العرب، واتفقا على الاستمرار في العمل.
أحمد منصور:
ما أهدافهما؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كانا ضد النظام بوصفه نظامًا دكتاتوريًا، لكن دون رؤية استراتيجية واضحة.
أحمد منصور:
هل التقيتَ بهما؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
لا، لم ألتقِ لا بمؤمن الديوري ولا بشيخ العرب. الذي التقى بهما هو الفقيه البصري.
أحمد منصور:
الفقيه البصري؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، هو الفقيه البصري.
العمل السري والاتهام بالتآمر على النظام
أحمد منصور:
نعم.
محمد بن سعيد آيت إدر:
الفقيه البصري هو من التقى بشيخ العرب، وهو الذي تحاور معه في إطار ما سُمّي بالعمل.
أحمد منصور:
على ماذا اتفقوا؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
في تلك الفترة كنتُ في الجزائر.
أحمد منصور:
على ماذا اتفق الفقيه البصري مع شيخ العرب ومؤمن الديوري؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
تحدّثوا على أساس التحضير للعمل ضد النظام.
أحمد منصور:
هل كان التحضير لانقلاب أم لعمليات مناوشة؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
لم يكن مطروحًا آنذاك لا انقلاب ولا غيره بشكل واضح، بل كانت هناك ازدواجية في التفكير. جرت اتصالات مع بعض الضباط داخل الجيش الملكي، وكانت تلك الاتصالات من طرف الفقيه البصري مع عدد من الضباط.
أحمد منصور:
هل بدأ يتشكل جهاز عسكري سري للاتحاد الوطني للقوات الشعبية؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
بدأ يتشكل جهاز له علاقات ببعض أعضاء القيادة، ولكن بشكل غير منضبط، وغير مضبوط، وغير خاضع لتنظيم واضح. كانت مبادرات فردية، لغياب رؤية واضحة للعمل. وفي هذه الأثناء كُشف جزء من هذه التحركات، ووقعت الاعتقالات في 16 يوليو/تموز 1963.
أحمد منصور:
في 16 يوليو 1963 حاصرت قوات كبيرة من الشرطة المغربية مقر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في الدار البيضاء أثناء اجتماع موسّع للقيادة. اعتُقل أكثر من مئة من قيادات الحزب، وجرى اعتقال ما يزيد على خمسة آلاف من أطره في مختلف أنحاء المغرب. وفي 17 أغسطس/آب 1963 عقد أحمد بحنيني، وزير العدل آنذاك، مؤتمرًا صحفيًا قال فيه إن المؤامرة حيكت خيوطها منذ خريف 1961، وكان مقرّرًا تنفيذها في 20 يوليو 1963. أين كنتَ حينها؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كنت موجودًا في المغرب.
أحمد منصور:
هل كنت في ذلك الاجتماع؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
لا، لم أكن حاضرًا.
أحمد منصور:
أين كنت تحديدًا؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كنت مختفيًا آنذاك، بعد عودتي من الجزائر في مارس/آذار 1963. وفي تلك الفترة كانت هناك تحركات مرتبطة بشيخ العرب، وحاولتُ قدر الإمكان فصل هذا العمل عن الاتحاد الوطني، لأننا لم نكن نتفق مع لقاءات الفقيه البصري مع شيخ العرب أو مع مؤمن الديوري.
أحمد منصور:
لكن لم يكن الفقيه البصري وحده، بل إن المهدي بن بركة التقى أيضًا بشيخ العرب ومؤمن الديوري.
محمد بن سعيد آيت إدر:
مؤمن الديوري كان في الخارج، في فرنسا. ولم أكن على علم بتلك الاتصالات في حينها. بعد اعتقال مؤمن الديوري، اعترف بلقائه مع المهدي بن بركة ومع الفقيه البصري. وفي تلك الفترة وصلت إلينا معلومات من مصادر عليا بأن الاعترافات شملت أسماء الفقيه البصري والمهدي بن بركة.
أحمد منصور:
الدليمي، الذي كان من كبار الضباط المقرّبين من الملك؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، كان في إدارة الأمن، واقترح على الحسن الثاني اعتقال الفقيه البصري، لكن الملك قال: «انتظروا حتى أعود من باريس». بعد عودته، نصحتُ الفقيه البصري بمغادرة المغرب إلى الجزائر، وكانت لديه إمكانية لذلك، لكنه لم يستعجل، وقال إن لديه بعض الاتصالات التي لم يُنهها بعد، وهو ما أدى إلى اعتقاله لاحقًا في الدار البيضاء.
أحمد منصور:
إذًا يمكن القول إن هناك مؤامرة شبه حقيقية من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ضد الملك والنظام الملكي.
محمد بن سعيد آيت إدر:
كانت هناك محاولات عمل ضد النظام، لكنها لم تكن مؤامرة متكاملة. كانت ردود فعل، وضد النظام من حيث المبدأ، لكن دون وضوح: لا انقلاب محدد، ولا مشروع نضال جديد واضح.
أحمد منصور:
لم تكن هناك رؤية واضحة، بل ضبابية لدى النخبة السياسية.
محمد بن سعيد آيت إدر:
نعم، لدى المقاومة.
أحمد منصور:
هؤلاء القادة الذين اعتُقلوا، وبينهم نواب في البرلمان وشخصيات مثل عبد الله إبراهيم، لم يكونوا على علم بالعلاقات التي كان يرتبها الفقيه البصري مع شيخ العرب ومؤمن الديوري؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
لا، لأن كل ذلك كان يجري في الخفاء، وحتى الجناح الآخر داخل الاتحاد الوطني لم يكن على علم بهذه القضايا.
أحمد منصور:
بصفتك مسؤولًا عن القضايا العسكرية، لماذا كنت ترفض هذه العلاقات؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كنت أرى أن العمل العنيف يجب أن يكون محدودًا، ومؤطرًا، ويقوم على كفاءات وإمكانات واضحة، وعلى رؤية بعيدة المدى، لا على اندفاع وحماس غير منظم. إضافة إلى أن شيخ العرب لم يكن يمتلك رؤية سياسية للمستقبل.
أحمد منصور:
وما الذي كنتَ تقوم به أنت عمليًا؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كانت لي اتصالات ببعض الضباط، خصوصًا ممن كانوا معي في جيش التحرير، ممن نثق بهم. كنا نهيئهم، ونعمل على إعدادهم، بما في ذلك من ناحية السلاح.
أحمد منصور:
لكن لأي هدف؟ انقلاب؟ اغتيالات؟ عمليات؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
ولهذا فشلنا. لأن الرؤية لم تكن واضحة، والهدف لم يكن محددًا. كانت تحركات في بداياتها، وتحتاج وقتًا طويلًا، لكنها افتقدت الأساس، فكان من السهل كشفها.
أحمد منصور:
من من قيادات الاتحاد الوطني كان على علم مباشر بهذه الترتيبات؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
كان ذلك محصورًا في بعض أطر المقاومة، منهم أنا، والفقيه البصري، وعبد السلام. أما بقية القيادة، مثل عبد الرحيم بوعبيد أو المهدي بن بركة أو عبد الرحمن اليوسفي، فلم تكن لديها تفاصيل، وكان موقفها يهدف إلى الضغط على النظام لا إلى تغييره بالقوة.
أحمد منصور:
الحسن الثاني يقول في كتابه ذاكرة ملك إن المؤامرة رتّبها المهدي بن بركة من الخارج، وقادها الفقيه البصري من الداخل.
محمد بن سعيد آيت إدر:
هذا منح المهدي بن بركة حجمًا أكبر من دوره الحقيقي.
أحمد منصور:
إذًا لم يكن على اطلاع تفصيلي؟
محمد بن سعيد آيت إدر:
لم يكن لديه علم بالتفاصيل. المهدي بن بركة كان بالنسبة للحسن الثاني خصمًا سياسيًا في الساحة العربية والدولية، ولذلك كان الملك يميل إلى تحميله مسؤولية كل ما يقع، وهو أمر غير دقيق.
أحمد منصور:
بدأت المحاكمة، وهربتَ أنت إلى الجزائر. في الحلقة القادمة نبدأ معك من محاكمة المتهمين عام 1963، وقصة هروبك إلى الجزائر. أشكرك جزيل الشكر، كما أشكر مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. نلتقي في الحلقة القادمة مع شهادة جديدة للسيد محمد بن سعيد آيت إدر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحوار
00:00 مقدمة
00:55 ترأس الملك محمد الخامس للحكومة، وإيكال المهام للحسن الثاني
03:36 محمد الخامس غير راضي عن تصرفات الحسن الثاني
04:56 رؤية إيدر لشخصية محمد الخامس وفترة حكمه
06:10 أثر وفاة محمد الخامس على القوى السياسية
07:38 استقطاب القصر للنخب السياسية، وانقسام النخب
11:54 الاتحاد الوطني حينما أُسس لم يكن لديه رؤية واضحة
12:40 من كان عنده رؤية للجوء للعنف، وشكل العنف؟
13:43 أسباب هروبه للجزائر
15:47 توتر العلاقة بين الاتحاد الوطني وبين القصر ، وهروب بعض القيادات
17:20 محاولة اغتيال ولي العهد
18:32 محاولة اختطاف إيدر وهربه للجزائر
19:55 طبيعة العلاقة مع الجزائر وما فعله هناك
21:18 عودة بن بركة من منفاه، واستقباله بحفاوة
23:29 أسباب تصدر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية رغم كونه حزب يساري
24:42 رؤيته لشخصية المهدي بن بركة
27:38 الاتحاد الوطني يدعو الشعب بالامتناع عن التصويت على الدستور
30:18 الموافقة علي الدستور بنسبة
97% رغم دعوة المقاطعة
31:12 مشاركتهم في الانتخابات وهجوم بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد على القصر واتهامه بالتزوير
35:48 التحركات التالية لانتخابات 1963
36:59 بقايا المقاومة وقرارات منفردة في الاتحاد الوطني للتحرك العسكري ضد النظام
38:37 علاقة مؤمن ديوري ببن بركة
40:06 اتفاق الفقيه البصري ومؤمن ديوري وشيخ العرب
41:27 الشرطه تحاصر مقر الاتحاد والوطني وتقبض على 100 من القيادات وأكثر من 5000 على مستوى المغرب
44:33 محاولة الاتحاد الوطني العمل ضد الملك
45:13 قيادات الاتحاد لم يكونوا علي دراية بما يرتبه الفقيه البصري مع شيخ العرب ومؤمن ديوري
46:02 أسباب رفضه العلاقه بين شيخ العرب ومؤمن ديوري من جهة والفقيه البصري وبن بركة من جهة أخرى
47:06 تحركاته كتكتيك عسكري ومسئول عسكري للاتحاد الوطني
49:35 الحسن الثاني يقول كانت مؤامرة رتبها بن بركة من الخارج ونفذها الفقيه البصري من الداخل