يستعرض أحمد منصور، مع المنسق العسكري لائتلاف 17 فبراير بطرابلس وعضو المجلس العسكري ورئيس العمليات والضبط الأمني باللجنة الأمنية العليا لطرابلس، مصطفى نوح ج2 من حوارهما في برنامج شاهد على الثورة، الذي جرى بثه في 22 إبريل 2012، كواليس معارك طرابلس ضد مرتزقة القذافي وقواته الأمنية، وكيف تمكن الثوار من اختراق نظام القذافي.
نص حوار مصطفى نوح ج2:
كواليس معارك طرابلس ضد مرتزقة القذافي
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على الثورة حيث نواصل الاستماع إلى شهادة مصطفى نوح المنسق العسكري لائتلاف 17 من فبراير وعضو المجلس العسكري لطرابلس ورئيس العمليات والضبط الأمني في اللجنة الأمنية العليا في العاصمة الليبية طرابلس، أخ مصطفى مرحباً بك.
مصطفى نوح: أهلاً وسهلاً يا أستاذ أحمد.
تشكيل لجان أمنية لدعم ثوار بنغازي
أحمد منصور: وقفنا في الحلقة الماضية عند الخطاب الذي ألقاه القذافي في الثاني والعشرين من فبراير من العام 2011 بعدما انتفض أهل طرابلس يوم 20 واستشهد منهم بين 200-300 شهيد وقلت إن هذا الخطاب كان بمثابة توجيه للجان الأمنية في طرابلس حتى تواجه الناس ماذا حدث بعده؟
مصطفى نوح: شكلت لجان أمنية عالية المستوى وأخذت تشتغل بقوة وتستقطب الشباب وتؤجج المشاعر ضد الثوار عملت برنامج أمني إعلامي تحريض على الثورة وعلى رموزها وعلى الشباب الذين ثاروا ضد هذا الظلم وكعادته القذافي يعني يحكم البلاد بكاريزما يعني بشخصيته الجذابة كما يقول البعض يحلو له من أتباعه وأنصاره وكان يفتح الطريق للمجرمين للأسف، فتح السجون نزل للشوارع بالأجهزة الأمنية فاستقطب كثير من الشباب وغُرّر بهم، أن هؤلاء الذين خرجوا في الشوارع تدعمهم أميركا وفرنسا وأوروبا هم عبارة كما وصفهم وللأسف قالها بعبارات نابية هم جرذان ومشددو الآفاق وهم لا يستحقون الحياة ومن لا يحب القذافي لا يمكن أن يعيش على الأرض، فجيّش وحرك الأجهزة الأمنية الراكدة واستطاع أن ينظم صفوفه، حصل على كثير من الوقت وأقولها يا أخي أحمد وبمرارة لأنه بحقيقة الانتفاضة عندما حدثت الانتفاضة حدثت عفوية..
إعادة تنظيم القبضة الأمنية في طرابلس
مصطفى نوح: شُكّلت لجان أمنية رفيعة المستوى، وبدأت تعمل بقوة على استقطاب الشباب وتأجيج مشاعرهم ضد الثوار. أُطلق برنامج أمني إعلامي للتحريض على الثورة ورموزها والشباب الذين خرجوا ضد الظلم. وكعادته، كان معمر القذافي يحكم بكاريزماه وشخصيته التي كان أنصاره يصفونها بالجذابة، وفتح المجال للمجرمين؛ أفرغ السجون ودفع بهم إلى الشوارع تحت مظلة الأجهزة الأمنية.
استُدرج كثير من الشباب وغُرّر بهم، وقيل لهم إن من خرجوا في الشوارع مدعومون من أميركا وفرنسا وأوروبا، ووُصفوا بأوصاف نابية، وقيل إنهم “جرذان” ولا يستحقون الحياة، وإن من لا يحب القذافي لا مكان له على هذه الأرض. بذلك أعاد تعبئة أجهزته الأمنية، ونظّم صفوفه، وكسب وقتًا ثمينًا.
كانت الانتفاضة في طرابلس عفوية وغير مُسيّسة، ثم حدث انكماش وتراجع، فتصدّى شباب الائتلاف للسؤال الأهم: كيف يمكن تنظيم هذه الانتفاضة حتى لا يقضي عليها النظام؟
أحمد منصور: كيف اجتمعتم ورتبتم أمر الائتلاف في ظل وضع أمني صعب وخصوصية طرابلس؟
مصطفى نوح: في 9 و10 فبراير كان عدد من الشباب في دورة علمية حضرها الشيخ سالم الشيخ قادمًا من لندن، فكانوا مجتمعين أصلًا في برنامج محدد. كنا نتابع ما يحدث في بنغازي ونسأل: ماذا يمكن أن نقدّم لإخواننا في الشرق؟
توالت الاجتماعات، وطرحت فكرة “المبادرة الوطنية”. تشاورنا مع أهل العلم والثقافة والفكر السياسي، وكان في مقدمتهم الشيخ صادق الغرياني، كما تواصلنا مع وجهاء طرابلس. أرسلنا إخوةً لجمع تواقيع شخصيات من مختلف المدن، في طرابلس وبنغازي ومصراتة، بهدف إصدار رسالة موقّعة من نخبة المثقفين والسياسيين ورجال الدين تُبث عبر قنوات فضائية عالمية.
أحمد منصور: أي أنكم بدأتم بمحاولة جمع توقيع مئة شخصية؟
مصطفى نوح: نعم. بعضنا ظهر في لجنة المبادرة الوطنية، وبعضنا عمل خلف الكواليس. وفي الوقت ذاته، انتفض قضاة ومحامون واعتصموا في ساحة القضاء بطرابلس.
الاعتصامات وقمعها قبل 22 فبراير
أحمد منصور: هل كان ذلك قبل خطاب القذافي في 22 فبراير؟
مصطفى نوح: نعم، بين 15 و22 فبراير شهدت طرابلس اعتصامات. من بين المشاركين الأستاذ عبد الله بانون، وعدد من المحامين، ومنهم الراحل محمد طرنيش الذي تواصل حتى مع سيف الإسلام في هذا الشأن. لكن جرى الإعداد للقضاء على الاعتصام، وانتشر القنّاصة فوق المباني لتفريقه.
في تلك المرحلة، لم تكن المبادرة الوطنية تستهدف إسقاط النظام، بل كانت مشروعًا إصلاحيًا من عدة نقاط هدفه حقن الدماء، فكل الدماء ليبية. لكن تسارع الأحداث وكثرة القتلى غيّرا المعادلة.
المواجهة الشاملة
أحمد منصور: تقرير الأمم المتحدة أشار إلى مقتل ألف ليبي حتى 25 فبراير تقريبًا. كيف انعكس ذلك عليكم في طرابلس؟
مصطفى نوح: كان ذلك يؤجج مشاعرنا. كنا نتواصل مع أهلنا في بنغازي لنشدّ أزرهم، ونقدّم دعمًا معنويًا وماديًا. لكن مع تصاعد القتل يوميًا، لم تعد المبادرة الوطنية مجدية، إذ لم ترتقِ مطالبها إلى مستوى تضحيات الشعب.
عُقد اجتماع لمؤسسي الائتلاف في 16 أو 17 مارس تقريبًا، وبدأ التفكير في خطوات أبعد. وفي 27 مارس صدر البيان التأسيسي للائتلاف، مؤكدًا شرعية المجلس الوطني الانتقالي.
أحمد منصور: أي أن خيار القذافي انتهى بالنسبة لكم؟
مصطفى نوح: انتهى تمامًا. حسمنا أمرنا، وقررنا العمل السري داخل طرابلس وعدم مغادرتها. كما بقي إخواننا في بنغازي في أرضهم، قررنا نحن أن نتحرك في أرضنا. كان هناك فرق بين بنغازي، حيث وُجد السلاح للدفاع عن النفس، وطرابلس التي لم يكن الحسم العسكري فيها متاحًا في البداية.
ساعة الصفر وبدء العمل السري
أحمد منصور: عندما أعلنتم في بيان 27 مارس ترقب “ساعة الصفر”، هل أدركتم خطورة المواجهة مع الكتائب والأجهزة الأمنية؟
مصطفى نوح: نعم، كنا ندرك ذلك جيدًا.
أحمد منصور: وأنت كمنسق عسكري وضابط سابق، كيف كان تفكيرك؟
مصطفى نوح: كل من عمل في الجانب العسكري كان واعيًا بحجم المخاطرة. لم يكن القرار سهلًا، لكنه كان حتميًا بعد أن أُغلقت أبواب الحلول الأخرى.
النواة الأولى للمجلس العسكري
أحمد منصور: ما النواة الأولى للتحرك العسكري في طرابلس؟
مصطفى نوح: كنا أربعة في المجلس العسكري: هشام أبو حجر، وصلاح التونالي، والدكتور سادات البدري، إضافةً إليّ.
أحمد منصور: هل كان أحدهم عسكريًا غيرك؟
مصطفى نوح: لم يكونوا عسكريين محترفين، لكن الثورة بطبيعتها جمعت السياسي والعسكري والمدني في آن واحد. في البداية كان دور الائتلاف سياسيًا وتنظيميًا ومدنيًا، ثم بدأ يتبلور الإطار العسكري تدريجيًا.
التنظيم العسكري السري داخل طرابلس
مصطفى نوح: كنا نعمل بتكاملٍ بين التخصصات؛ فما كان عسكريًا يُحال إلى المجلس العسكري، وما تعلّق بالجانب المدني والاجتماعي يُنقل إلى المجلس المدني. سعينا إلى تجنيد الكفاءات داخل المجتمع، وتنظيم الصفوف، لأننا كنا ندرك أن المعركة في طرابلس ستكون طويلة.
أحمد منصور: كيف كانت استجابة الناس، في ظل أن من يُكتشف أمره قد يُعدم؟
مصطفى نوح: كانت المواقف متفاوتة؛ كثيرون ساندونا بقوة، وبعضهم آثر التراجع وانتظار سقوط النظام. هكذا هي النفس البشرية.
أحمد منصور: في ظل وجود أجهزة أمنية متعددة—الأمن الداخلي، الأمن الخارجي، الاستخبارات، الوحدات الأمنية، كتائب القذافي، الحرس الشعبي—وكان تركيزها منصبًا على طرابلس، هل كانت هناك اعتقالات؟
مصطفى نوح: نعم، كانت هناك حملات اعتقال. ومع تحرك الزاوية وجبل نفوسة ومصراتة، وهي مناطق قريبة وتهدد العاصمة، كان النظام يحشد الكتائب ويرسلها إلى تلك الجبهات، لكنه في الوقت نفسه شدد القبضة داخل طرابلس، وجنّد الشباب وأغراهم بالأموال، مستغلًا ظروفهم المعيشية الصعبة، ومدعومًا بإعلام يروّج لرواية أن ما يجري مؤامرة خارجية.
أحمد منصور: ما خطتك العسكرية داخل هذا الحصار الأمني؟
مصطفى نوح: اعتمدنا فكرة الخلايا المنظمة المرتبطة بمركزية واحدة. قسمنا طرابلس—بحسب تقديرنا الميداني—إلى ثماني عشرة منطقة عسكرية، رغم أن التقسيم الإداري أوسع من ذلك. لاحقًا تطور العمل، وغادر بعض الإخوة إلى تونس لتشكيل غرفة تنسيق خارجية، بينما بقينا نتعامل ميدانيًا داخل طرابلس ونتواصل مع غرفة العمليات في بنغازي.
أحمد منصور: كيف شكّلتم الخلايا؟ هل كانت موجودة أصلًا؟
مصطفى نوح: وُجدت بعض الخلايا بالفعل في مناطق ساخنة مثل فشلوم، وسوق الجمعة، وتاجوراء، وحتى حي الأندلس. ركّزنا على التنسيق مع هذه المناطق، ووجدنا استعدادًا كبيرًا. أحيانًا كانت في المنطقة الواحدة أكثر من خلية لا تعرف بعضها بعضًا، حفاظًا على الأمن. بعض الخلايا كانت مرتبطة بنا مباشرة، وأخرى تعمل بالتوازي. كنا حريصين على منع الاختراق الأمني، لأن أي خرق كان سيؤدي إلى اعتقال الشباب أو تصفيتهم.
في أيام الجمعة خرجت مسيرات كثيرة، واستشهد عدد من الشباب، وصُوّر بعضها وبُثّ في الفضائيات. كنا نحاول تزويد الجبهة بالمعلومات، والاستفادة من إخوتنا في المنطقة الشرقية.
أحمد منصور: هل كان لكم غرفة عمليات غير التي في بيت الدكتور محمد عميش؟
مصطفى نوح: استخدمنا تلك الغرفة، ثم أضفنا غرفة أخرى للاجتماعات. ومع تطور العمل استقطبنا ضباطًا من داخل مؤسسات النظام.
أحمد منصور: من هؤلاء؟
مصطفى نوح: شكّلنا جناحًا عسكريًا خالصًا، منفصلًا عن المدنيين. كنت على رأس المجموعة، وكان معنا العميد محمد الشيخ، ضابط شرطة وخبير في الأدلة الجنائية، وكان لا يزال في خدمته الرسمية. كذلك العقيد أونيس الساحلي، يعمل في غرفة عمليات الجيش، والعقيد عبد الرزاق غنية، وكان أيضًا ضمن غرفة عمليات مركزية.
اختراق المنظومة الأمنية والعسكرية للنظام
أحمد منصور: إذن أنتم اخترقتم الدوائر الأساسية، حتى غرف العمليات التي كانت تدير المعارك؟
مصطفى نوح: نعم، كان لدينا اختراق، لكن لا يمكنني ذكر جميع الأسماء، فبعضها ما زال حساسًا. أستطيع القول إن لنا عيونًا داخل أجهزة أمنية عميقة، وكانت تصلنا أحيانًا أسماء المطلوبين قبل تنفيذ حملات الاعتقال، فكنا نتحرك بسرعة لتحذيرهم أو إخراجهم من دائرة الخطر.
أحمد منصور: أي أن بطن النظام كان مفتوحًا أمامكم؟
مصطفى نوح: إلى حدٍّ كبير، نعم. كثير من الخطط العسكرية كانت تصلنا أولًا بأول. لم يكن الأمر جهدنا وحدنا؛ بل كان هناك من داخل النظام نفسه يمدّنا بالمعلومات بدافع وطني. هذه شهادة حق للتاريخ.
أحمد منصور: هل يمكن ذكر بعض الأسماء التي شاركت في التخطيط؟
مصطفى نوح: في جانب التخطيط المدني–العسكري كان معنا الأستاذ محمد القدار، وكان له دور مهم، وكذلك الأخ صالح رجبان. وشكّلنا مجلس أمن عالي المستوى يتبع المجلس العسكري، وكان فيه العقيد حسن نجوان، وكان لا يزال في خدمته الرسمية، ومعه زملاء يعملون في أجهزة أمنية مختلفة. كل واحد منهم كان لديه شبكة داخل المؤسسة التي يعمل بها.
كنا ندرك أن طرابلس تمثل مركز البيانات والمعلومات في ليبيا، ولذلك حرصنا على تأمين قواعد البيانات الحساسة تحسبًا لفراغ أمني عند سقوط النظام، حتى لا تُعبث أو تُدمَّر.
أحمد منصور: في الوقت الذي كنتم تعملون فيه بهدوء وتجمعون المعلومات، كان الشباب في الشارع يدخلون في مواجهات مباشرة؟
مصطفى نوح: نعم، خصوصًا في سوق الجمعة وتاجوراء. كانت تقع اشتباكات شبه يومية، وأحيانًا عمليات تفجير تستهدف سيارات أمنية داخل المربعات الأمنية، ويسقط قتلى من رجال الأمن. كنت أتألم لذلك، لأن من في تلك السيارات ليبيون أيضًا، حتى وإن جرّهم النظام إلى مواجهة مع أهلهم.
أحمد منصور: لكنهم كانوا يقتلون المتظاهرين أيضًا.
مصطفى نوح: وهذا ما دفع بعض الثوار لاستهدافهم. كنا نحاول تقليل الخسائر قدر الإمكان، وتجنب بعض البوابات الأمنية عند نقل تحركاتنا، حتى لا يتحول الأمر إلى اقتتال مباشر واسع.
أحمد منصور: ماذا استفدتم عمليًا من هذا الاختراق؟
مصطفى نوح: استفدنا في قراءة تحركات الجبهات. في جبل نفوسة كان القتال عنيفًا، وكذلك في الشرق. النظام كان يملك ترسانة كبيرة بناها عبر سنوات، وجنّد مرتزقة—تتراوح التقديرات بين عشرين إلى خمسة وعشرين ألفًا—جلبهم من الخارج.
كنا نعرف تفاصيل الكتائب الأساسية. أقوى تشكيلات النظام كانت “كتيبة محمد”، المكلفة بحماية القذافي، وقد فقدت جزءًا مهمًا من قوتها في معارك مصراتة. كذلك اللواء 32 المعزز، التابع لابنه خميس، وكان من أشد الألوية تدريبًا وتسليحًا، يضم مختلف صنوف الأسلحة، وحتى دعمًا جويًا، وتلقى عناصره تدريبات عالية المستوى. كثير من ضباطه وجنوده سقطوا في مصراتة.
أحمد منصور: لذلك يصف أهل مصراتة مدينتهم بأنها كانت مقبرة لتلك القوات.
مصطفى نوح: نعم، كانت معركة فاصلة أضعفت نخبة قوات النظام.
أحمد منصور: هذا يعني أن المعلومات كانت تصلكم أولًا بأول؟
مصطفى نوح: نعم، كنا نحصل على معلومات دقيقة من داخل المنظومة نفسها، وهو ما ساعدنا في وضع خطط أكثر إحكامًا للتحرك داخل طرابلس.
أحمد منصور: إذن أنتم اخترقتم الدوائر الأساسية، حتى غرف العمليات التي كانت تدير المعارك؟
مصطفى نوح: نعم، كان لدينا اختراق، لكن لا يمكنني ذكر جميع الأسماء، فبعضها ما زال حساسًا. أستطيع القول إن لنا عيونًا داخل أجهزة أمنية عميقة، وكانت تصلنا أحيانًا أسماء المطلوبين قبل تنفيذ حملات الاعتقال، فكنا نتحرك بسرعة لتحذيرهم أو إخراجهم من دائرة الخطر.
أحمد منصور: أي أن بطن النظام كان مفتوحًا أمامكم؟
مصطفى نوح: إلى حدٍّ كبير، نعم. كثير من الخطط العسكرية كانت تصلنا أولًا بأول. لم يكن الأمر جهدنا وحدنا؛ بل كان هناك من داخل النظام نفسه يمدّنا بالمعلومات بدافع وطني. هذه شهادة حق للتاريخ.
أحمد منصور: هل يمكن ذكر بعض الأسماء التي شاركت في التخطيط؟
مصطفى نوح: في جانب التخطيط المدني–العسكري كان معنا الأستاذ محمد القدار، وكان له دور مهم، وكذلك الأخ صالح رجبان. وشكّلنا مجلس أمن عالي المستوى يتبع المجلس العسكري، وكان فيه العقيد حسن نجوان، وكان لا يزال في خدمته الرسمية، ومعه زملاء يعملون في أجهزة أمنية مختلفة. كل واحد منهم كان لديه شبكة داخل المؤسسة التي يعمل بها.
كنا ندرك أن طرابلس تمثل مركز البيانات والمعلومات في ليبيا، ولذلك حرصنا على تأمين قواعد البيانات الحساسة تحسبًا لفراغ أمني عند سقوط النظام، حتى لا تُعبث أو تُدمَّر.
أحمد منصور: في الوقت الذي كنتم تعملون فيه بهدوء وتجمعون المعلومات، كان الشباب في الشارع يدخلون في مواجهات مباشرة؟
مصطفى نوح: نعم، خصوصًا في سوق الجمعة وتاجوراء. كانت تقع اشتباكات شبه يومية، وأحيانًا عمليات تفجير تستهدف سيارات أمنية داخل المربعات الأمنية، ويسقط قتلى من رجال الأمن. كنت أتألم لذلك، لأن من في تلك السيارات ليبيون أيضًا، حتى وإن جرّهم النظام إلى مواجهة مع أهلهم.
أحمد منصور: لكنهم كانوا يقتلون المتظاهرين أيضًا.
مصطفى نوح: وهذا ما دفع بعض الثوار لاستهدافهم. كنا نحاول تقليل الخسائر قدر الإمكان، وتجنب بعض البوابات الأمنية عند نقل تحركاتنا، حتى لا يتحول الأمر إلى اقتتال مباشر واسع.
أحمد منصور: ماذا استفدتم عمليًا من هذا الاختراق؟
مصطفى نوح: استفدنا في قراءة تحركات الجبهات. في جبل نفوسة كان القتال عنيفًا، وكذلك في الشرق. النظام كان يملك ترسانة كبيرة بناها عبر سنوات، وجنّد مرتزقة—تتراوح التقديرات بين عشرين إلى خمسة وعشرين ألفًا—جلبهم من الخارج.
كنا نعرف تفاصيل الكتائب الأساسية. أقوى تشكيلات النظام كانت “كتيبة محمد”، المكلفة بحماية القذافي، وقد فقدت جزءًا مهمًا من قوتها في معارك مصراتة. كذلك اللواء 32 المعزز، التابع لابنه خميس، وكان من أشد الألوية تدريبًا وتسليحًا، يضم مختلف صنوف الأسلحة، وحتى دعمًا جويًا، وتلقى عناصره تدريبات عالية المستوى. كثير من ضباطه وجنوده سقطوا في مصراتة.
أحمد منصور: لذلك يصف أهل مصراتة مدينتهم بأنها كانت مقبرة لتلك القوات.
مصطفى نوح: نعم، كانت معركة فاصلة أضعفت نخبة قوات النظام.
دور مصراتة والفتوى وتأمين طرابلس
مصطفى نوح: نعم، أنا أصلي من مصراتة، لكن الحقيقة أن كل الليبيين شاركوا، لا أحد يمكن أن ينكر جهودهم، لكن بعض الحقائق يجب أن تُسجَّل للتاريخ. كتائب النظام كانت شرسة جدًا، لكن الشباب استطاعوا دحرها، وخصوصًا بعد تدخل الطيارين في بنغازي ضد الرتل القادم من طرابلس، كنا نتابع كل الأحداث ونتفاعل مع الأجهزة الأمنية بشكل يومي.
أحمد منصور: هل كنتم تمدون الثوار بالمعلومات من خلال الغرف الأمنية؟
مصطفى نوح: نعم، عن طريق الهاتف، الستالايت، الإنترنت، السكايب، التواصل كان يوميًا. كنا نكتفي بالواجهة العسكرية للضباط حتى لا نغرق في تفاصيل عميقة قد تضرنا أمنياً. كانت مناطق مثل سوق الجمعة وتاجوراء ذات ثوار نشطين، وكانت تحركاتنا فيها أكثر أمانًا وفعالية.
فتوى الشيخ الصادق
أحمد منصور: دور فتوى الشيخ الصادق؟
مصطفى نوح: كانت الفتوى محل قبول واسع جدًا في الشارع، الشباب والنساء والأطفال استجابوا لها بسرعة. الشيخ كان على تواصل دائم مع أهل طرابلس، وبيته مفتوح للتواصل والاستفسار، وله برنامج أسبوعي على التلفزيون الليبي. الفتوى ساعدت على تهدئة الوضع وتحريك الناس نحو الهدف الوطني.
إدخال السلاح إلى طرابلس
أحمد منصور: متى قررتم إدخال السلاح؟
مصطفى نوح: في البداية كانت الخطة على نوعين: إدخال السلاح من خارج طرابلس ومن داخل المعسكرات.
أحمد منصور: ماذا عن خطط القذافي لتوزيع السلاح؟
مصطفى نوح: القذافي وزع السلاح فقط على أتباعه، وجرّفهم إلى الجبهات مع تسجيل الأسماء، معظمهم كانوا قتلة ومجرمين، وارتكبوا فظائع في المنازل والمناطق التي دخلوا إليها، بما في ذلك السرقة، الاعتداء على النساء، استخدام المخدرات، حتى بعضهم كان مصابًا بالإيدز وتم إطلاقه ليؤذي الناس. كل هذه المعلومات موثقة وموجودة لدينا للأرشيف والدولة المستقبلية.
الخطة العسكرية لطرابلس
أحمد منصور: كيف أدخلتم السلاح للثوار؟
مصطفى نوح: تعاونّا مع إخواننا في الشرق ومصراتة، الذين كانوا أفضل حالاً في تلك الفترة، وتم إدخال الأسلحة عبر البحر.
هذه الخطوات كانت جزءًا من استراتيجية منظمة لإعداد ثوار طرابلس للمعركة، مع التركيز على تقليل الخسائر وحماية المدنيين قدر الإمكان، واستغلال الشبكات الداخلية والخارجية للتمويل والتسليح والمعلومات الاستخبارية.
مصطفى نوح: نعم.
أحمد منصور: كانت المخاطرة كبيرة.
مصطفى نوح: نعم، لديّ من إخواننا من تم القبض عليهم، 11 شخصاً، في عملية إدخال معروفة في جنزور.
أحمد منصور: احكِ لنا عن العملية؟
مصطفى نوح: عندما وضعت الخطة في المرحلة الأخيرة، كنا نرغب في الانتفاضة قبل شهر رمضان بخمسة عشر يوماً تقريباً.
أحمد منصور: يعني حوالي 15 يوليو؟
مصطفى نوح: قبل رمضان بخمسة عشر يوماً تقريباً، وضعنا الخطة بالتنسيق مع إخواننا في منطقة العمليات الشرقية، ومع إخواننا في منطقة جبل نفوسة، بالتعاون مع بعض الإخوة الذين كان لكل منهم دور في العملية. وشُكّلت غرفة عمليات في تونس.
أحمد منصور: وما كان دور غرفة تونس؟
مصطفى نوح: كانت مسؤولة عن وضع الخطة النهائية، ومن المفترض أن تقوم بالموافقة عليها واعتمادها.
أحمد منصور: إذن، كان لديكم الائتلاف العسكري داخل طرابلس، ومجلس الثوار في الجبل، والجبل الغربي هو جبل نفوسة، والغرفة العملياتية موجودة في تونس؟
مصطفى نوح: نعم، وأيضاً في بنغازي.
أحمد منصور: أي أنه كان هناك تواصل مع المجلس الانتقالي في بنغازي أيضاً؟
مصطفى نوح: نعم.
أحمد منصور: كل البيانات التي صدرت كانت تؤكد على المجلس الانتقالي، أي أن خياركم كان نوعاً من الفصل النهائي مع القذافي؟
مصطفى نوح: نعم، وكان هذا أيضاً إثبات ولاء حتى لا يقلق أحد بشأن طرابلس تجاه الشرق والغرب.
أحمد منصور: وكان هذا مقصدكم؟
مصطفى نوح: نعم، كانت رسالة سياسية قوية، فالقذافي كان يدرك أن الأجهزة الأمنية في مرحلة معينة قد انهارت، ولم يبقَ إلا جهاز واحد يعمل، وهو الحرس الشعبي. وكان هناك صدام مع باقي الأجهزة بسبب الانشقاقات الكبيرة، خاصة في جهاز الأمن الداخلي والخارجي.
أحمد منصور: في أي فترة حدث ذلك؟ لدي ستة أشهر من فبراير إلى 20 أغسطس.
مصطفى نوح: أذكر شهر مايو بالتحديد، كان حاسماً بالنسبة للأجهزة الأمنية.
أحمد منصور: هل انضم بعض الضباط لكم أم أنهم هربوا إلى الخارج؟
مصطفى نوح: كان معنا ضباط من جهاز الأمن الداخلي والخارجي، وجهاز الشرطة، والتشكيلات العسكرية للجيش الليبي.
أحمد منصور: كل هؤلاء كانوا يعملون معكم ويمدونكم بمعلومات بشكل دائم؟
مصطفى نوح: نعم، وبشكل دقيق جداً، حتى فيما يتعلق بتحركات كتائب القذافي، كانت تصلنا المعلومات أولاً بأول. حتى في مرحلة كان من المقرر أن تُطلق صواريخ على بنغازي، كنا نتلقى المعلومات من داخل طرابلس من إخواننا في ائتلاف 17 فبراير، ومن مجموعات أخرى، لنتمكن من التنسيق مع الغرفة العملياتية في بنغازي.
أحمد منصور: كنت تعمل كمنسق عسكري على رقعة ليبيا كلها؟
مصطفى نوح: نعم، كان هناك تحركات في الجنوب ضد المرتزقة، وعمليات التفاف حول القوات العسكرية داخل المنطقة الشرقية، وكانت ثوار ليبيا في مصراتة والمنطقة الشرقية والجبل يواجهون آلة عسكرية كبيرة جداً، خصوصاً صواريخ الغراد التي كانت تُستخدم في قصف المناطق الصغيرة، وهذا كان له تأثير رهيب.
أحمد منصور: متى حدث الاختراق الأول؟
مصطفى نوح: الاختراق الأول تم مع خمسة أعضاء من الائتلاف، عندما انضمت حركة شباب العاصمة، وقُبض على أحد أفرادها الحيويين، لكن الله سلم، ورفض الاعتراف بالائتلاف، وتمت معالجة الوضع بحكمة، وكانت العملية محكمة جداً.
أحمد منصور: ماذا عن عملية إدخال السلاح التي قُبض فيها على 11 شخصاً؟
مصطفى نوح: كانت الكمية كبيرة نسبيّاً، وكلها أسلحة خفيفة مثل الهاون والقناص والكلاشينكوف، إضافة إلى رشاشات 14.5. وكنا نعلم أن أي رصاصة تطلق علينا لن يرحمنا النظام، لذلك كان لا بد من الاستعداد الكامل للمعركة، مع إخفاء مواقع التحرك لتأمين الدخول الآمن.
أحمد منصور: الخطة كانت قائمة على تحرير طرابلس منطقة منطقة؟
مصطفى نوح: نعم، على سبيل المثال، منطقة تاجوراء أو سوق الجمعة كان قرارنا أن يتم تحريرها في هبة واحدة، بعد تأمينها تأميناً قوياً.
أحمد منصور: وبقية المناطق؟
مصطفى نوح: كانت الخطط تتغير أحياناً، لكن استقر الرأي على أن تكون هبة واحدة شاملة لطرابلس، بالتنسيق مع خلايا الثوار الموجودة في الميدان. قبل سجني في 21 أو 22 يوليو، كانت نسبة التنسيق داخل طرابلس قد وصلت إلى 80% تقريباً، شاملة مناطق مثل جنزور، المدينة السياحية، غرغارس، حي الأندلس، فشلوم، بن عاشور، زاوية الدهماني، سوق الجمعة، والسراج، وبوسليم. وكانت هذه النقاط أهم بؤر النظام في طرابلس، وكان لها أهمية استراتيجية عالية.
مصطفى نوح: وفيما يخص عملية إدخال السلاح، كان يومها حاسماً، وكانت الأجهزة الأمنية منتشرة في ساحل طرابلس بالكامل، وكان إخواننا في الضفادع البشرية مسؤولين عن إدخال الأسلحة، بقيادة النقيب أيمن، الذي كان منشقاً عن النظام ومتوافقاً مع الثوار. وكان يعمل بنظام خلايا مغلقة لضمان السرية والأمان.
أحمد منصور: كان عليكم العمل بهذا النظام بسبب الوضع الأمني؟
مصطفى نوح: نعم، لا بد من العمل بنظام الخلايا العنقودية، لأن أي كشف للقيادات كان سيكون كارثياً. وأنا لم أكن مشاركاً في عملية حي الأندلس التي تم فيها القبض عليّ، ولكن كنت على اطلاع على تحركات الأسلحة وطرق التنسيق بين المجموعات الميدانية.
أحمد منصور: شكراً لك، وسنكمل في الحلقة القادمة.
مصطفى نوح: نعم.
أحمد منصور: شكراً لك، ولمشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة، سنواصل الاستماع إلى شهادة مصطفى نوح، المنسق العسكري في ائتلاف 17 فبراير وعضو المجلس العسكري لطرابلس، ورئيس العمليات والضبط الأمني في اللجنة الأمنية العليا في العاصمة الليبية. في الختام، أنقل لكم تحية فريق البرنامج، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحوار
0:00 تشكيل القذافي للجان الأمنية وتأجيج الشعب ضد الثوار
2:28 انكماش في الانتفاضة بطرابلس
2:57 ترتيب اجتماعات الائتلاف تحت القبضة الأمنية
4:22 رسالة عبر الفضائيات بتوقيع نخب سياسية
5:02 انتفاضة القضاة في ساحة طرابلس
6:03 البرنامج الإصلاحي الُمطالب به في ليبيا
6:50 اتساع الانتفاضة في المشرق وأثرها على طرابلس
9:01 البيان التأسيسي للائتلاف وبيعة المجلس الوطني الانتقالي
10:03 بداية التحرك العسكري في طرابلس
12:17 عدد الأجهزة الأمنية في ليبيا والضغط الأمني على طرابلس
14:16 الخطة العسكرية لنوح في طرابلس
17:32 غرف العمليات الخاصة بطرابلس واستقطاب العسكريين
19:53 اختراق الثوار لنظام القذافي
22:26 ثورة الشباب وعملياتهم ضد الأمن الليبي
23:48 المعلومات الأمنية عن المقاتلين للقذافي
25:34 مصراتة كانت مقبرة للكتائب الأمنية
26:47 شراسة القوات الأمنية للقذافي وبسالة الليبيين في الدفاع
28:51 اقتحامات وقتل أهل غاتوراء
29:47 أثر فتوى الشيخ الصادق
32:06 توزيع القذافي للأسلحة وتجنيد الجنائيين
34:04 الشعوذة في صفوف كتائب القذافي والمخدرات
36:03 إطلاق أصحاب مرضى الإيدز على الشعب الليبي
37:11 الخطة العسكرية لإدخال السلاح
39:24 انهيار أجهزة الأمن وضرب صواريخ الجراد وقتل الأطفال
42:12 محاولة الاختراق للائتلاف
42:54 الخطة لانتفاضة طرابلس
45:00 عملية الضفادع البشرية لإدخال الأسلحة .