مصطفى نوح ج3: كواليس الإعداد العسكري لانتفاضة طرابلس

يستعرض أحمد منصور، مع المنسق العسكري لائتلاف 17 فبراير بطرابلس وعضو المجلس العسكري ورئيس العمليات والضبط الأمني باللجنة الأمنية العليا لطرابلس، مصطفى نوح ج3 من حوارهما في برنامج شاهد على الثورة، كواليس الإعداد العسكري لانتفاضة طرابلس، وخطة الزحف وعمليات تهريب السلاح للثوار … 
مصطفى نوح

يستعرض أحمد منصور، مع المنسق العسكري لائتلاف 17 فبراير بطرابلس وعضو المجلس العسكري ورئيس العمليات والضبط الأمني باللجنة الأمنية العليا لطرابلس، مصطفى نوح ج3 من حوارهما في برنامج شاهد على الثورة، الذي جرى بثه في 29 إبريل 2012، كواليس الإعداد العسكري لانتفاضة طرابلس، وخطة الزحف وعمليات تهريب السلاح للثوار … 

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على الثورة حيث نواصل الاستماع إلى شهادة مصطفى نوح المنسق العسكري لائتلاف السابع عشر من فبراير في العاصمة الليبية طرابلس، أخ مصطفى مرحباً بك. 

مصطفى نوح: أهلاً وسهلاً أخي أحمد.  

عمليات تهريب السلاح لثوار طرابلس

أحمد منصور: توقفنا في الحلقة الماضية عند أكبر عملية لإدخال السلاح إلى طرابلس وهي تحت الحصار وتحت سلطة القذافي، وكانت هذه العملية يوم الثاني من يوليو عام 2011. كيف تم ترتيب العملية من البداية؟

مصطفى نوح: وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها من الضروري توفير السلاح في أيدي الثوار. وكانت الخطة مبنية على أن يُؤخذ السلاح من المعسكرات والثكنات داخل طرابلس، أو أن يُدخل إلى طرابلس عن طريق البحر، أو عن طريق البر من منطقة الجبل. غير أن السلاح في المنطقة الجبلية لم يكن متوفراً بكثرة في أيدي المجاهدين، بل كان بالكاد يكفي حاجتهم في القتال.

أحمد منصور: في الجبل الغربي؟

مصطفى نوح: نعم، في الجبل الغربي. عملنا مع إخواننا في الغرفة الأمنية في بنغازي، وكان هناك تواصل معهم من أجل أن يوفروا لنا السلاح في مدينة طرابلس. كانت الانتفاضة في طرابلس قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى. وُضعت الخطة، وكان من المقرر أن تكون الانتفاضة قبل نهاية شهر يوليو.

أحمد منصور: نعم.

مصطفى نوح: أعني ذلك على وجه التحديد.

أحمد منصور: لقد قلت لي إن من بين الخطط التي وُضعت كان الخامس عشر من شعبان أو الخامس عشر من يوليو.

مصطفى نوح: في البداية كان الأمر كذلك.

أحمد منصور: ولكنكم أخرتم الموعد قليلاً.

مصطفى نوح: أجل، أخرناه لظروف معينة.

أحمد منصور: أي إنكم أردتم أن يبدأ شهر رمضان بالنصر؟

مصطفى نوح: نعم، أن يبدأ بالنصر. فوضعت الترتيبات، وبدأنا نتحرك بقوة داخل طرابلس لجمع السلاح وشرائه حتى بالمال.

أحمد منصور: قبل أن نأتي إلى العملية، ما معالم هذه الخطة؟

مصطفى نوح: المعالم الرئيسية للخطة كانت تقتضي أن يصل الثوار إلى درجة من التسليح تمكّنهم من الانتفاضة من الداخل أولاً، ثم يأتي الثوار من خارج طرابلس لمناصرتهم.

أحمد منصور: كم كان العدد التقريبي للثوار الذين كنتم تحتاجون إلى تسليحهم داخل طرابلس حتى تتمكنوا من القيام بانتفاضة شاملة؟

مصطفى نوح: كنا نتمنى أن نصل إلى عدد ثلاثة آلاف ثائر يحملون السلاح.

أحمد منصور: فقط؟

مصطفى نوح: في البداية، نعم.

أحمد منصور: في مدينة يبلغ عدد سكانها مليوني نسمة؟

مصطفى نوح: نحن نقصد على مستوى الائتلاف.

أحمد منصور: على مستوى الائتلاف؟

مصطفى نوح: نعم، فهناك خلايا أخرى كانت تحمل السلاح.

أحمد منصور: وكم كان عددهم تقريباً؟

مصطفى نوح: بحسب التقديرات التي كانت لدينا، قد يصل العدد إجمالاً إلى خمسة آلاف أو أكثر بقليل.

أحمد منصور: وكان بينكم وبين المجموعات الأخرى نوع من التنسيق؟

مصطفى نوح: نعم. كانت لدينا كتائب في الجبل تتدرب، وكان لواء تأمين العاصمة يتدرب في الجبل.

أحمد منصور: لواء تأمين العاصمة، وهو أحد الألوية الخمسة للمجلس العسكري لطرابلس؟

مصطفى نوح: نعم، وكانت هناك كتائب ضمن هذه المجموعة، وهي جزء من الخطة الموضوعة لمدينة طرابلس.

أحمد منصور: عندما نقول لواء، كم يكون عدد أفراده؟

مصطفى نوح: أكثر من ألفين.

أحمد منصور: أكثر من ألفين؟

مصطفى نوح: نعم. فالكتيبة قد يكون عددها أربعمائة أو ثلاثمائة أو أكثر، بحسب الظروف. على سبيل المثال، كتيبة السرايا الحمراء التي كان يهتم بها ائتلاف السابع عشر من فبراير، كنا نتمنى أن يصل عدد مقاتليها إلى ألف، لكنها وصلت إلى أربعمائة أو يزيد قليلاً.

أحمد منصور: وهل كانت هذه خارج طرابلس؟

مصطفى نوح: نعم، كانت في منطقة الرجبان.

أحمد منصور: إذن لدينا خمس كتائب خارج طرابلس كانت تتجهز؟

مصطفى نوح: نعم.

أحمد منصور: للمجيء من الخارج؟

مصطفى نوح: لمساعدة أهل طرابلس في التحرير.

أحمد منصور: وأنتم كان لديكم في الائتلاف نحو ثلاثة آلاف مقاتل تعدّونهم؟

مصطفى نوح: تقريباً.

أحمد منصور: ومن ألفين إلى ثلاثة آلاف من الائتلافات الأخرى، لكن الجميع كان على تنسيق واحد؟

مصطفى نوح: كانت معظم هذه المجموعات على تنسيق واحد، وبعض الإخوة الذين كانوا يعملون خارج هذا التنسيق كانوا قريبين جداً منا.

أحمد منصور: ما نوعية السلاح الذي كنتم تسعون إليه؟

مصطفى نوح: كنا نسعى إلى بعض الأسلحة النوعية. في البداية، كانت لدى أهل طرابلس عبوات ناسفة من الديناميت تُعدّ بأيدٍ وسواعد داخلية.

أحمد منصور: كما يحدث في فلسطين وغيرها؟

مصطفى نوح: نعم.

أحمد منصور: تُعدّ داخل البيوت؟

مصطفى نوح: نعم. وكان لهذه العبوات دور حاسم في إرهاب الكتائب الأمنية التي كانت تقتحم البيوت.

أحمد منصور: ماذا كنتم تفعلون بها؟

مصطفى نوح: كانت تُفجَّر في وجه أي كتيبة أمنية تدخل منطقة معينة.

أحمد منصور: هل معنى ذلك أن قوات القذافي، بأجهزتها الأمنية المختلفة، حين كانت تقتحم بعض المناطق، كانت تواجه بالعبوات الناسفة؟

مصطفى نوح: نعم، وكانت تتراجع إلى الخلف.

أحمد منصور: وهل كان هذا هو السلاح الرئيسي لديكم؟

مصطفى نوح: نعم، وكان سلاحاً مرعباً بالنسبة إليهم.

أحمد منصور: في الفترة من مارس حتى يوليو مثلاً، هل استُخدمت بنادق الكلاشينكوف أو الأسلحة الخفيفة من قبل الثوار داخل المدينة؟

مصطفى نوح: نعم، كانت هناك عمليات استُخدم فيها الكلاشينكوف إلى جانب الديناميت والمتفجرات. وكانت هذه العمليات تردع بعض الكتائب الأمنية من دخول أماكن معينة.

أحمد منصور: ما هي بعض الأماكن التي كانت الكتائب تخشى دخولها؟

مصطفى نوح: على سبيل المثال، منطقة سوق الجمعة، وهي منطقة كبيرة جداً في طرابلس، تمتاز بالأزقة الضيقة والمساحات الواسعة، فكانت العبوات الناسفة تُستخدم ضد الكتائب التي تدخلها. وأكثر ما كنا نخشاه في تلك الفترة هو عيون القذافي.

أحمد منصور: الجواسيس؟

مصطفى نوح: نعم، الجواسيس والمخبرون، وكانوا بكثرة. ولم نكن مسلحين بما يكفي؛ فقد لا تجد لدى أحدنا سوى بندقيتين، وحتى الذخيرة كانت ناقصة. كنا نسعى لإدخال السلاح من البحر، وقد نجح كثير من الإخوة في ذلك، لكن الكميات لم تكن كبيرة.

أحمد منصور: من بين الثلاثة آلاف التابعين للائتلاف الذين كنتم تتمنون تسليحهم، كم قطعة سلاح كانت لديكم داخل المدينة حتى بداية يوليو؟

مصطفى نوح: لا نستطيع حصر العدد بدقة.

أحمد منصور: هل يمكن القول مثلاً ألف قطعة سلاح؟

مصطفى نوح: نعم، ربما كانت نحو ألف قطعة موزعة بين الثوار ضمن الائتلاف. فهناك مجموعة تملك مائتي قطعة، وأخرى أربعين، وأخرى ستين، وأخرى ثلاثين، وأخرى عشر بنادق. وقد أجريت حصراً في منطقة المدينة السياحية، فوجدت في البداية عشر بنادق فقط، ثم بعد التوسع في الحصر اكتشفت وجود أكثر من أربعين بندقية. كان بعض الناس يحتفظ بالسلاح إلى وقت الحسم، خوفاً من التصريح بامتلاكه.

أحمد منصور: لكنك ذكرت أن القذافي كان يسلح أتباعه.

مصطفى نوح: نعم، فقد اتخذ قراراً في البداية بتسليح جميع ضباط الجيش، وكان قراراً خاطئاً بالنسبة لنا.

أحمد منصور: واستفدتم من ذلك؟

مصطفى نوح: نعم، فكثير من ضباط الجيش وأفراد الأجهزة الأمنية، حين انشقوا أو غادروا البلاد، سلّموا أسلحتهم لنا، فاستفدنا منها. كما كنا نشتري السلاح من بعض أفراد الكتائب الذين كانوا يبيعونه.

أحمد منصور: وكيف كنتم تشترون السلاح منهم؟

مصطفى نوح: كان بعضهم ينظر إلى المعركة باعتبارها فرصة للغنيمة والاستفادة من الواقع الأمني، ويتعامل معها كتجارة.

أحمد منصور: وكم كان ثمن بندقية الكلاشينكوف؟

مصطفى نوح: كنا نشتريها بأربعة آلاف دينار تقريباً.

أحمد منصور: أي ما يعادل نحو ألفين وثمانمائة إلى ثلاثة آلاف دولار تقريباً. ومن أين كنتم تأتون بالمال؟

مصطفى نوح: كان لدينا دعم من إخواننا التجار داخل المدينة.

أحمد منصور: من تجار طرابلس؟

مصطفى نوح: نعم، وقد وقفوا معنا موقفاً يُذكر لهم في التاريخ، فقد كان موقفهم شجاعاً ورجولياً.

أحمد منصور: هل كان ذلك بشكل عام، أم من فئات معينة أو أشخاص محددين؟

مصطفى نوح: كما تعلم، هذا الموضوع حساس.

التنسيق العسكري والمدني وخطة الزحف إلى طرابلس

أحمد منصور: نعم.

مصطفى نوح: أذكر ـ ابتغاء وجه الله أولاً وأخيراً ـ فضل الله سبحانه وتعالى، ثم جهود بعض إخواننا الذين اجتهدوا في جمع الأموال. وأذكر منهم أخانا عبد الرزاق العربي، الذي كان يأتي بالأموال.

أحمد منصور: عبد الرزاق هو الآن نائب؟

مصطفى نوح: هو الآن عضو في المجلس الوطني الانتقالي.

أحمد منصور: وهو في اللجنة الأمنية لطرابلس؟

مصطفى نوح: نعم، وهو نائب رئيس اللجنة الأمنية العليا لطرابلس.

أحمد منصور: وهو رجل أعمال أيضاً؟

مصطفى نوح: نعم، رجل أعمال ناجح جداً. وكذلك أخونا عبد الرحمن باجا، وأخونا عبد الحكيم المصري، وهم تجار من طرابلس، إضافة إلى شخصيات أخرى. وكان بعض الإخوة يأتون بالأموال ولا يرغبون في أن يُعرف اسمهم. وكانت الأموال تتكدس أحياناً.

أحمد منصور: إذن، أهل طرابلس على مختلف مستوياتهم لم يكونوا بالصورة التي كان يراها الناس؟

مصطفى نوح: لا. أذكر أخانا صلاح التونالي، وكان من رجال الأعمال، وله مطعم مشهور في طرابلس يُدعى “مطعم الشجرة”. وتيمناً بجهود هذا الأخ وإخوانه، سُمّيت عملية الإدخال عبر المدينة السياحية إلى طرابلس بعملية الشجرة.

أحمد منصور: وهي عملية يوم الثاني من يوليو؟

مصطفى نوح: نعم، في الثاني من يوليو.

أحمد منصور: سنأتي إلى تفاصيلها، لكننا الآن في إطار الخطة: ترتيب السلاح، شراؤه، مصادر إدخاله، عدد القطع التي تحتاجونها، وعدد الثوار، وكل ما يتعلق بتفصيلات الخطة.

مصطفى نوح: عندما نضع الخطة، نحاول أن نبنيها وفق المتاح لدينا. كانت أهم نقطة في العملية هي التنسيق بين جميع فصائل طرابلس.

أحمد منصور: سواء التي تحت الائتلاف أو خارجه؟

مصطفى نوح: نعم. لم نكن نُقصي أحداً، بل كنا نعرض على الجميع أن يكون الائتلاف داعماً قوياً لعملية التحرير. بعض الإخوة كانت لديهم تحفظات على فكرة الائتلاف، وكانوا يفضلون أن يكونوا ثواراً دون أي إطار تنظيمي.

أحمد منصور: صحيح.

مصطفى نوح: لكننا كنا نوضح لهم أن التنظيم ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لخدمة الوطن. لا يمكن العمل في ساحة متعددة الأطراف دون معرفة من ينسق مع من. فكنا نقنعهم بالانضمام إلى تنسيق العملية، حتى إن لم يدخلوا في تنظيم رسمي.

أحمد منصور: تنسيق فقط.

مصطفى نوح: نعم. فاقتنع كثير منهم بالعمل معنا، وشُكّلت غرفة عمليات للتنسيق بين عدد كبير من الثوار.

أحمد منصور: من كان فيها؟

مصطفى نوح: على المستوى العسكري، كما ذكرت في الحلقة الماضية، كانت هناك غرفة عمليات تضم عدداً من الضباط المنضمين إلى الثورة. جهزنا لهم غرفة خاصة، وكنت على رأس هذه الغرفة، ومعي النائب أخي محمد الشيخ.

أحمد منصور: لكن من حيث التراتبية العسكرية، أنت ضابط سابق برتبة نقيب، ومعك عقداء؟

مصطفى نوح: نعم، وكانوا راضين بذلك تمام الرضا. وأُسجل لهم كلمة تقدير واحترام؛ فقد قالوا جميعاً: “اعتبر هذه رتبة لم تكن على أكتافنا. نحن جنود لهذا الوطن، وأنت قد هذه القيادة ونحن معك.” وكان ذلك بكل شفافية.

وكان من الشخصيات المدنية المتميزة في الربط بين العسكريين والمدنيين الأخ محمد القدافي.

أحمد منصور: أذكر لنا أسماء العسكريين مرة أخرى إكراماً لهم.

مصطفى نوح: منهم العميد محمد الشيخ، والعقيد أنيس الساحلي الذي كان يعمل في عمليات قاعدة معيتيقة الجوية التابعة لحرس الحدود، والعقيد عبد الرزاق غنية، الذي كان في غرفة العمليات المركزية مع المدعو الهادي مديرس، وهو الذي تولى قمع الانتفاضة في الجبل الغربي وكان رئيس العمليات.

أحمد منصور: هل قبضتم عليه؟

مصطفى نوح: نعم، وهو الآن في الأسر.

وكان معنا العقيد فتحي عياد من منطقة سافانا وجنزور، وله دور كبير في التنسيق. وكذلك العقيد عبد الرزاق بن رخاء في الدعم الإلكتروني، إضافة إلى عدد من الضباط الذين كنا نعرفهم وجهاً لا اسماً، لأن كثيرين لم يكونوا يصرحون بأسمائهم.

أحمد منصور: أنت كنت تتحرك بثلاثة أسماء.

مصطفى نوح: نعم، ولذلك لم أكن أعرف أسماء الجميع.

أحمد منصور: أكمل، فهؤلاء ينبغي أن يُسجلوا في التاريخ.

مصطفى نوح: لهم فضل كبير بعد الله سبحانه وتعالى. كانوا يأتون بالمعلومات الدقيقة التي نستفيد منها في تحركاتنا. بعضهم جاء عبر علاقات خاصة مع الثوار، فيقول الضابط: “أنا معكم، اطلبوا ما تريدون، أقدم خبرتي العسكرية والأمنية حتى تقوم الثورة.”

لكن بعد الثورة ظهرت إشكالية؛ إذ إن بعض الضباط الذين عملوا معنا سراً وهم في مناصبهم، لم يعترف بعض الثوار بدورهم، لأنهم ظلوا في مواقعهم حتى اللحظة الأخيرة، بينما كانوا يعملون بتنسيق معنا داخل غرفة العمليات.

أحمد منصور: بعضهم لم يفهم هذا الدور أو لم يرد الاعتراف به؟

مصطفى نوح: نعم، بعضهم لم يرد أن يفهم.

وفي المجال الأمني كان العقيد حسن جوان، ومعه مجموعة مهنية ساهمت في الحفاظ على كنوز ووثائق الأرشيف الوطني.

كما أذكر العقيد جمعة المشري، والعقيد أسامة عويدات، وكانا نشيطين جداً.

أحمد منصور: ما طبيعة دورهم؟

مصطفى نوح: كان العقيد جمعة يسعى لتأمين السجون، خاصة سجن عين زارة، خوفاً من تصفية السجناء، وكان يعمل على إبقائهم أحياء، ويساند الإخوة في ذلك.

أحمد منصور: للحفاظ على المعتقلين السياسيين؟

مصطفى نوح: نعم.

وكذلك العقيد يوسف السهل في مصلحة الجوازات، وكان له دور كبير في تزويدنا بالمعلومات.

كما كان العقيد مصطفى التيل من الذين ساعدونا، وغيرهم كثير ممن قد لا أذكر أسماءهم الآن، لكنهم قدموا جهوداً كبيرة.

أحمد منصور: كان لديك ضباط في مواقع مختلفة، ومجموعات ثوار في أنحاء المدينة، لكن لا يوجد سلاح كافٍ.

مصطفى نوح: نعم. كنت أعمل في منطقة سوق الجمعة مع أخينا خالد الشيخ خالد البصير، وهو شاب نشيط من مواليد 1979، قام بأعمال كبيرة، وكان يحيط به شباب وضباط. وكان معنا شعيب، وعبد الرزاق، ومحمد قديرة، وناصر، ومحمود طليب من الأمن الداخلي وكان مطلوباً للاعتقال، وعصام مشراب في فشلوم، ووسام المصري، والشهيد وليد ـ رحمه الله ـ ونجم الدين الريس، ومحمد الغزاوي، ومهدي ملوق، والعقيد الفتوح الغريبي الذي شارك في عملية حرندز، والعلي بن زهرة الذي كان مطلوباً حياً أو ميتاً.

كانت مجموعة كبيرة من الضباط تعمل كجنود عاديين، لا ينظرون إلى رتبهم، ويشاركون في الخطط بروح واحدة.

أحمد منصور: نعود إلى الخطة.

مصطفى نوح: كانت الخطة منسقة بين المنطقة الشرقية والغربية، وكانت ملامحها واضحة. عقدنا في طرابلس نحو ثلاثة عشر اجتماعاً لهذا الموضوع.

أحمد منصور: ثلاثة عشر اجتماعاً؟

مصطفى نوح: تقريباً.

أحمد منصور: حتى اعتقالك في الرابع والعشرين من يوليو؟

مصطفى نوح: نعم، في الرابع والعشرين من يوليو، يوم الأحد.

أحمد منصور: إذن حتى ذلك اليوم عقدتم ثلاثة عشر اجتماعاً لتنسيق الخطة؟

مصطفى نوح: نعم، وهذا كان المجلس العسكري الخاص بالضباط فقط، غير اجتماعات مؤسسي الائتلاف والجانب المدني في التنسيق العسكري. فقد كان العسكريون والمدنيون أحياناً لا يجتمعون في الخطط، لكننا حرصنا على توحيد الرؤية بين الجميع.

حماية مؤسسات الدولة وتفريغ طرابلس من الكتائب

أحمد منصور: لذلك كان من أفضل ما حدث آنذاك أنهم تركوك تنسق مع العسكريين دون تدخل، وأنت كنت تنقل إليهم ما يلزم؟

مصطفى نوح: نعم، كان هناك تنسيق مع إخواننا الثوار، حتى إننا هيأنا مكاناً للاجتماع، وجهزناه بغرفة اتصالات لتبدأ منه إدارة العمل، لكن الظروف الأمنية حالت دون ذلك. وكان التنسيق الإعلامي جزءاً مهماً في الائتلاف، غير أن مشكلتنا كانت أن كل من يُعيَّن في هذا الملف يُعتقل.

أحمد منصور: كيف ذلك؟

مصطفى نوح: أخونا المهندس أبو بكر النفار البوسيفي، كان رجلاً ذا حيوية ونشاط ملحوظين، وبدأ بسرعة كبيرة في التواصل الإعلامي.

أحمد منصور: تواصل مع وسائل الإعلام؟

مصطفى نوح: نعم، حتى إنه تواصل مع إخواننا في قناة الجزيرة، ونُسق له أن تكون له مداخلات، لكنه ما إن ظهر للمرة الثانية أو الثالثة حتى اعتُقل، ولم نعرف له مكاناً. وكذلك أخونا يوسف الرويس، وأخونا مصطفى القذافي، وغيرهم كثير من العسكريين ومن القوات الخاصة.

ومنهم أخونا بلال بن حامد، وهو رجل متقدم نسبياً في السن، لكنه كان يتمتع بطاقة نفسية وبدنية عالية، ومعه مجموعة من الضباط الشباب والثوار. وكان لنا إخوة في البحرية، وفي الدفاع الجوي، وفي سلاح الجو. بعضهم انتقل إلى منطقة الجبل الغربي استعداداً للدخول مع الكتائب القادمة من الخارج، لأن الضغط الأمني كان شديداً على الضباط الذين رفضوا تنفيذ أوامر القذافي بالقتال ضد إخوانهم في مصراتة أو في الجبل.

كان الثوار ينشطون في الميدان، وفي غرف العمليات، وفي الأجهزة الأمنية، وفي نقل المعلومات، وفي إدخال السلاح وتسليح الكتائب. وكنا كذلك نحرص على تأمين بعض الشخصيات المهمة التي كانت مطلوبة للنظام.

أحمد منصور: مثل من؟

مصطفى نوح: مثل الشيخ الدكتور صادق الغرياني، فقد مر بفترة صعبة أمنياً، وكذلك الشيخ حمزة أبو فارس، الذي اعتُقل أبناؤه الثلاثة، وكان النظام يضغط على أسر العلماء. فكان من مهامنا تأمين حياتهم.

كما كنا نحافظ على معلومات حساسة تخص الدولة الليبية.

أحمد منصور: أعطنا نموذجاً.

مصطفى نوح: السجل المدني لليبيين.

أحمد منصور: كان بحوزتكم؟

مصطفى نوح: نعم، وحافظنا عليه. وكذلك منظومة الجوازات بالكامل. كنا نخطط لكيفية حماية أرشيف الدولة الليبية كله، إذ إن مركز البيانات الرئيسي كان في طرابلس.

أحمد منصور: وكان الضباط والمسؤولون متعاونين معكم؟

مصطفى نوح: نعم، بشكل كامل.

القذافي ومحاولة تغيير التركيبة الديمغرافية

مصطفى نوح: لا تنسَ أن القذافي حاول في مرحلة معينة إضعاف النسيج الاجتماعي الليبي، فأدخل عائلات كثيرة من خارج ليبيا، من بعض دول أفريقيا وغيرها، ومنحهم الجنسية الليبية.

أحمد منصور: وجنسهم؟

مصطفى نوح: نعم، منحهم الجنسية، رغم أنهم ليسوا ليبيين في الأصل، وهذه حقائق تاريخية.

أحمد منصور: كم العدد تقريباً؟

مصطفى نوح: قد يصل إلى ثمانمائة ألف، وربما يقارب المليون.

أحمد منصور: وهل اعتمد عليهم في إطالة فترة حكمه وفي حربه ضد الشعب؟

مصطفى نوح: أقول إن ذلك صحيح بدرجة كبيرة. كثير من الكتائب التي قمعت الشعب لم تكن ليبية الجنسيات. كان يجند من حركات مسلحة حول العالم، ويدعمها بالمال، ثم يستخدم عناصرها ضد الشعب الليبي.

بمن كان القذافي يحارب الشعب؟

أحمد منصور: إذا كان كثير من الجيش وأجهزة الدولة متعاطفين مع الثورة، فمن كان يحارب الشعب؟

مصطفى نوح: كان القذافي يعتمد على تركيبة أمنية وعسكرية تقوم على الولاء المطلق له. إما ولاء كامل أو إقصاء. وكانت حركة اللجان الثورية أداة رئيسية في نظامه، تجند من أوروبا وأفريقيا وآسيا.

كان يستضيف حركات انفصالية وثورية من دول مختلفة، ويدعمها وفق أهوائه الشخصية. ونحن لسنا ضد حركات التحرر، بل نؤيد الحرية، لكن دعمه كان انتقائياً يخدم أهدافه.

وقد تحمل الشعب الليبي تبعات سياساته، مثل قضية لوكربي، حيث دفعت أموال طائلة من مقدرات الليبيين. وكان الفقر والإذلال واضحين في شوارع طرابلس.

عوامل الخطة وإفراغ العاصمة من الكتائب

أحمد منصور: نعود إلى الخطة. لديكم عسكريون وثوار وكتائب في الجبل الغربي، وعقدتم ثلاثة عشر اجتماعاً لتنفيذها، وكان من المقرر أن تنتفض طرابلس قبل رمضان.

مصطفى نوح: كانت الخطة تخضع لعاملين أساسيين: أولاً، كيفية إخراج كتائب القذافي من طرابلس أو على الأقل تفريغها جزئياً، لأن الاعتقالات داخل العاصمة بلغت مستويات خطيرة.

وردتنا معلومات عن أعداد كبيرة من المعتقلين، بعضها تحدث عن عشرات الآلاف. ولم تكن كل الأسماء مسجلة رسمياً. وقد رأينا ما حدث في بعض الكتائب، من جثث محروقة ومقابر جماعية وحاويات مغلقة على جثث.

أحمد منصور: حتى الآن لا توجد إحصاءات دقيقة عن المفقودين.

مصطفى نوح: نعم، والعمل جارٍ لتوثيق ذلك. وردت معلومات عن مقابر جماعية، منها في بوسليم، وأخرى في البحر، حيث وُضعت جثث داخل حاويات وأغرقت.

قوارب الموت والهجرة غير الشرعية

أحمد منصور: هل كانت قوارب الهجرة غير الشرعية بترتيب من القذافي؟

مصطفى نوح: نعم، كان يستخدم هذا الملف للضغط على أوروبا. كان يجمع مهاجرين أفارقة ويرسلهم عبر البحر. وقد شاهدت بنفسي في منطقة ساحلية معروفة كيف كانت القوارب تتجمع قبل الانطلاق، وكان القارب يحمل نحو مائتي شخص، ويُرسل يومياً عشرات الأشخاص.

وكان المشرف على هذه العمليات ـ بحسب ما وردنا ـ ضابط متقاعد يُدعى زهير أدهم، ويُتهم بالتورط في عمليات تلغيم وممارسات خطيرة.

أحمد منصور: هل أُلقي القبض عليه؟

مصطفى نوح: لا أعلم على وجه الدقة، لكن يفترض أن يُقدَّم إلى العدالة.

كارثة ميناء طرابلس

أحمد منصور: وهؤلاء قد يغرقون أو يصلون؟

مصطفى نوح: نعم. وقد وقعت كارثة في ميناء طرابلس.

أحمد منصور: ما هي؟

مصطفى نوح: جاؤوا بمركب صيد كبير – وهو ما نسميه في ليبيا “جرافة” – بعد أن خدعوا عائلات من الصومال ومن دول أفريقية أخرى، وأخبروهم أنهم سينقلونهم إلى منظمة دولية. جُمعوا في حافلات وأُحضروا إلى الميناء، وكانت الواقعة موثقة لدى جهة دولية.

أحمد منصور: متى حدث ذلك؟

مصطفى نوح: قبل اعتقالي بأيام، في يوليو 2011 تقريباً.

أحمد منصور: يوليو 2011؟

مصطفى نوح: نعم، على وجه التقريب.

أحمد منصور: والمقصود بالجرافة هو مركب الصيد؟

مصطفى نوح: نعم، هذا هو المصطلح في الشارع الليبي.

جُلبت عائلات وأطفال ونساء حوامل، وأُدخلوا بالقوة إلى المركب، إذ كان عددهم كبيراً جداً يفوق الطاقة الاستيعابية. وبعد امتلائه، تُرك الحبل دون أن يتحرك القارب، فانقلب رأساً على عقب قرب الشاطئ.

أحمد منصور: على الشاطئ؟

مصطفى نوح: نعم، والحادثة معروفة لدى أهل طرابلس، وبعضهم صوّرها. كانت الكتائب تحرس المكان، وغرق عدد كبير من الناس – ربما يزيد على مئتين. ولم تُنتشل الجثث فوراً، حتى انتشرت الروائح في البحر، وكان الاقتراب من المكان صعباً بسبب وجود الأجهزة الأمنية. وتمكن بعض الإخوة من إنقاذ عدد محدود فقط.

كان القذافي يستخدم ملف الهجرة غير الشرعية للضغط على أوروبا، ويتوعدها بإرسال الملايين من أفريقيا. وقد عانت إيطاليا من ذلك كثيراً.

وكان يُدخل إلى ليبيا أشخاصاً من دون ضوابط، بعضهم بلا هوية، وبعضهم بأيديولوجيات غريبة عن المجتمع الليبي، مما أثر في النسيج الاجتماعي.

أحمد منصور: وجنّس بعضهم؟

مصطفى نوح: نعم، ومنح بعضهم الجنسية. في مناطق مثل سرت والجفرة وغيرها، تجد عائلات لا تتقن العربية كما يتقنها الليبيون، وأُدخل أبناؤهم في الكتائب الأمنية، وكان بعضهم ممن قمعوا الليبيين.

ومع ذلك، بعضهم رفض القتال. أذكر أنني تحدثت مع شاب تشادي عُرض عليه ثلاثون ألف دولار ليقاتل الليبيين في باب العزيزية، فرفض وقال: “لا أستطيع أن أقتل مسلماً في بلده، ولو عشت على الماء والخبز.”

أحمد منصور: لديكم الآن معتقلون كثيرون ممن قاتلوا مع القذافي. هل لديكم إحصاءات؟

مصطفى نوح: الثورة كانت حديثة العهد، والعمل كبير. شُكّلت لجنة أمنية عليا لحصر السجناء والأسرى والمفقودين ضمن أطر منظمة، والإحصاءات ستصدر تباعاً.

أحمد منصور: لكن ميزتكم أنكم أسقطتم النظام، فباتت المعلومات في أيديكم.

مصطفى نوح: نعم، لكن الجهد ضخم، وهناك أخطاء طبيعية في مرحلة انتقالية، ونسأل الله أن يغفر لنا ما لم يكن مقصوداً.

تفاصيل خطة الانتفاضة داخل طرابلس

أحمد منصور: نعود إلى الخطة.

مصطفى نوح: كانت تقوم على أن تكون المبادرة من أهل طرابلس أنفسهم. اجتمعنا مراراً مع الإخوة في مختلف المناطق، وكان الجميع مستعداً لحمل السلاح في لحظة معينة، وإغلاق الأحياء على الكتائب.

أحمد منصور: أي محاصرة الكتائب داخل المدينة؟

مصطفى نوح: نعم. مثلاً، في منطقة المدينة السياحية، كانت هناك مداخل محددة ينبغي إغلاقها حتى لا تتمكن الكتائب من الدخول، والتحصن خلف البيوت. وكذلك في سوق الجمعة، كان الهدف تحصين المنطقة ومنع الكتائب من اقتحامها.

أحمد منصور: هل كانت الكتائب معسكرة داخل الأحياء؟

مصطفى نوح: جزء بسيط منها داخل الأحياء، وجزء أكبر خارجها، مثل قاعدة معيتيقة الجوية.

أحمد منصور: إذن الانتفاضة تقوم على منع دخول الكتائب إلى الأحياء؟

مصطفى نوح: نعم، لأن دخولهم يعني قتل الأطفال والنساء والشيوخ بلا رحمة.

أحمد منصور: دخلت بعض المناطق، وأخبرني الثوار أن الكتائب قتلت نساءً وأطفالاً في البيوت الطرفية.

مصطفى نوح: هذا صحيح. كانوا لا يراعون حرمة ولا ذمة. وبعضهم كان يبرر فعلته بأنه “عبد المأمور”، لكن لا عذر لمن يقتل أبناء وطنه.

أحمد منصور: نرجع للخطة. كانت تقوم على انتفاضة داخلية وإغلاق الأحياء قبل رمضان.

مصطفى نوح: نعم. اعتُقلت في الرابع والعشرين من يوليو، وكانت الخطة قبل رمضان بقليل. لكن ظروفاً أمنية منعت إدخال السلاح من الخارج، فأُغلقت طرابلس علينا، فاضطررنا إلى شراء السلاح من الداخل.

أحمد منصور: من الكتائب؟

مصطفى نوح: نعم، ومن بعض الأفراد الذين كانوا يخزنون السلاح.

أحمد منصور: لأن القذافي كان يخزن السلاح داخل الفلل والأحياء؟

مصطفى نوح: نعم، داخل الفلل والمناطق السكنية، وكان ذلك جزءاً من واقعنا الذي تعاملنا معه في تنفيذ الخطة.

استنزاف الكتائب وخطة تطويق طرابلس

مصطفى نوح: نعم، بعضهم انقلب على القذافي حين أدرك أن الدائرة قد دارت عليه، وأراد أن يستفيد مادياً من الموقف.

أحمد منصور: ولديه فيلا مليئة بالسلاح، فيصبح بذلك مليارديراً.

مصطفى نوح: كان لدى بعضهم أربعمائة بندقية، أو مئتان. أذكر يا أخي أحمد أننا قبل اعتقالي رتّبنا صفقة بقيمة ستمائة وخمسين ألف دينار لشراء مئتين وخمسين بندقية كلاشينكوف.

أحمد منصور: من أحدهم، من منزله؟

مصطفى نوح: نعم، من أحدهم. دُفع مبلغ أولي قدره خمسون ألف دينار، وبعد اعتقالي أكمل الإخوة المسيرة. وقبل ذلك كان بعض الإخوة قد دفع المبلغ نفسه لشراء مئتي بندقية. كنا نشتري الذخيرة أيضاً، وكانت طلقة الكلاشينكوف بدينار أو أكثر.

أحمد منصور: هذا كثير.

مصطفى نوح: كنا في قتال، وكنا مستعدين لبيع أي شيء في سبيل اقتناء السلاح. أي متاع لدينا كان يُباع لتوفير المال للسلاح. وكنا نحاول دعم إخواننا في الزاوية بالمال قدر المستطاع. كانت العاصمة تُعدّ “الأم”، وكان العالم ينظر إليها على أنها مطالبة بتقديم شيء. وكانت هتافات إخواننا في بنغازي ومصراتة تحرك فينا العاطفة والعزيمة لنقدم ما نستطيع.

أحمد منصور: كان أهل المدن الأخرى يظنون أن أهل طرابلس موالون للنظام، ولم تكن هذه المعلومات معروفة.

مصطفى نوح: القذافي قسّم طرابلس إلى مربعات أمنية، وعلى رأس كل مربع كتيبة، وأصدر تعليمات صريحة: إذا تحركت منطقة فلتُبَد عن بكرة أبيها. وكان يحيط المدينة بطوق أمني، خصوصاً عند طريق وادي الربيع على مسافة أربعين كيلومتراً، حيث نُصبت راجمات صواريخ غراد موجهة نحو طرابلس.

أحمد منصور: لتُطلق على المدينة؟

مصطفى نوح: نعم، كانت مجهزة للإطلاق بمجرد الضغط على زر. عشر أو خمس عشرة عربة، في كل واحدة أربعون صاروخاً، ولو أُطلقت لأبادت مناطق مكتظة بالسكان، إضافة إلى منشآت حيوية: خزانات الغاز والنفط بطريق المطار، محطة غرب طرابلس الكهربائية، والميناء بما فيه من أنبوب غاز طويل. كان يهدد بجعل طرابلس محرقة.

أحمد منصور: سيف الإسلام هدد يوم 20 فبراير.

مصطفى نوح: نعم، ولكن الله سلّم. كنا نخشى انهياراً مفاجئاً وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين.

أحمد منصور: كم كنتم تتوقعون أن تستغرق معركة طرابلس؟

مصطفى نوح: اختلفت التقديرات؛ بعضهم رأى أنها قد تطول أسبوعين أو ثلاثة، لتمركز القذافي في طرابلس، وآخرون رأوه “نمراً من ورق” بعد أن سُحبت منه كتائب في الشرق.

كان الهدف أيضاً استنزاف الكتائب بإشغالها في جبهات أخرى. وقد شكّل المجلس الوطني الانتقالي لجنة شؤون العاصمة برئاسة محمود جبريل لتنسيق دخول العاصمة وفتح جبهات في البريقة ومصراتة لتخفيف الضغط عن طرابلس.

كان القذافي يشكل ما سماه “الحرس الشعبي”، ويغري الشباب بالمال والشقق، ويخدعهم بدعايات إعلامه. كثير منهم لم يكن مدرباً، وكانوا يفرون عند الصدمة. أما الكتائب المدربة فقد انكسرت أمام الثوار. وكانت أوامرنا واضحة: من أعطاك ظهره فلا تقتله، كنا نريد حقن الدماء، ونسعى إلى دفعهم للتراجع والاستيلاء على آلياتهم.

كانت الخطة تقوم على انتفاضة داخلية من كل الأحياء، بالتزامن مع تقدم الثوار من محاور عدة: من الجبل الغربي عبر زوارة والزاوية والعزيزية، ومن مصراتة نحو زليتن. دخل نحو أربعة آلاف وخمسمائة مقاتل من مصراتة إلى زليتن، واستشهد منهم قرابة ثلاثين إلى ستة وثلاثين. وكانت هناك غرفة عمليات في تونس للتنسيق بين مختلف الأطراف.

أحمد منصور: إذن معالم الخطة كانت واضحة قبل اعتقالك؟

مصطفى نوح: نعم، كانت واضحة، مع قابلية التعديل وفق تطورات الميدان، فالقائد الميداني يتعامل مع معطيات متغيرة. لكن الهدف الأساسي كان حماية الأرواح والمنشآت الحيوية.

ملامح وأهداف خطة طرابلس وحماية المنشآت الحيوية

أحمد منصور: من أهداف الخطة الأساسية الحفاظ على المنشآت الحيوية.

مصطفى نوح: نعم، مثل الفنادق التي كان يقيم فيها ضيوف، ومحطة الكهرباء الرئيسية، ومحطات الغاز والنفط بطريق المطار، ومحطة الزاوية والبريقة.

أحمد منصور: ومحطة مياه طرابلس البعيدة نحو خمسمائة كيلومتر؟

مصطفى نوح: دمّرها، نعم. وعندما خرجت من السجن كانت المياه مقطوعة والكهرباء متقطعة. لكن بفضل الله ثم جهود الإخوة عادت المياه والكهرباء في وقت قياسي. كما نظف الشباب الشوارع من القمامة التي تراكمت في عهد القذافي، وعادت بعض المحال التجارية إلى العمل لإعادة المشهد المدني.

أحمد منصور: في إطار الخطة، اعتمدتم على شراء السلاح من الداخل، وكان لا بد من إدخاله من الخارج أيضاً. وسنبدأ الحلقة القادمة بأكبر عملية إدخال سلاح إلى طرابلس.

مصطفى نوح: نعم.

أحمد منصور: شكراً جزيلاً لك.

مصطفى نوح: بارك الله فيك.

أحمد منصور: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة نواصل الاستماع إلى شهادة مصطفى نوح، المنسق العسكري لائتلاف السابع عشر من فبراير في العاصمة الليبية طرابلس وعضو المجلس العسكري عن طرابلس. في الختام، تقبلوا تحية فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاور الحوار

0:00 عمليات تهريب السلاح لثوار طرابلس
2:01 خطة الانتفاضة الشاملة بطرابلس
4:07 نوعية الأسلحة لثوار طرابلس ومواجهة الكتائب بالعبوات الناسفة
6:56 تسليم الجيش والشرطة أسلحتهم للثوار في طرابلس
7:30 شراء الأسلحة من الكتائب
9:07 التنسيق العسكري بين غرف العمليات للثوار وتفاصيل الأدوار
14:55 العقيد جمعة المشري، وتأمين السجون
15:27 دور العقيد يوسف السهل في الجوازات
16:14 أدوار رموز الائتلاف والثوار في طرابلس
18:03 التنسيق الإعلامي وتوزيع الضباط المشاركين في الثورة
20:55 تأمين الرموز المنتمية للثورة والسجلات الهامة للدولة
22:02 محاولات القذافي إضعاف النسيج الليبي
23:44 تجنيد القذافي لمتمردي العالم
25:25 إذلال القذافي لليبيين
26:53 عوامل استكمال خطة طرابلس
29:09 الهجرة غير الشرعية على يد القذافي وتفاصيل كارثة ميناء طرابلس
34:57 خطط طرابلس بمحاصرة الكتائب والأحياء
37:06 شراء الأسلحة داخليًا
38:48 أسباب الاعتقاد السائد بأن أهل طرابلس موالون للنظام
41:22 فتح جبهات بعيدة لتفريغ طرابلس من الكتائب
43:59 انتفاضة من داخل طرابلس ومساندة من الخارج
45:56 حماية المنشآت الحيوية  

Total
0
Shares
السابق
مصطفى نوح وأحمد منصور

مصطفى نوح ج2: كواليس معارك طرابلس ضد مرتزقة القذافي

التالي
مصطفى نوح

مصطفى نوح ج4 : أسرار عملية الأندلس ضد رموز نظام القذافي في ليبيا

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share