يستعرض أحمد منصور مع رئيس سوريا الأسبق الفريق أمين الحافظ ج2 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر ، والذي جرى بثه بتاريخ :2/04/2001 عن بداية مسلسل الانقلابات العسكرية في سوريا والدور الأجنبي فيها ولماذا قام حسني الزعيم بانقلابه عام 1949.
نص حوار أمين الحافظ ج2:
مسلسل الانقلابات العسكرية في سوريا والوحدة مع مصر
من الكلية العسكرية إلى جبهة فلسطين عام 1948
أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج «شاهد على العصر»، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الرئيس السوري الأسبق الفريق أمين الحافظ. مرحبًا سيادة الرئيس.
أمين الحافظ:
مرحبًا بكم.
أحمد منصور:
توقفنا في الحلقة الماضية عند اندلاع حرب عام 1948، وتخرجكم من الكلية العسكرية، وتوجهكم مباشرة إلى الجبهة. كيف كان وضع الساحة القتالية عندما بدأتم المشاركة في الحرب؟
أمين الحافظ:
اسمح لي أولًا أن أؤكد مبدأ أراه أساسيًا: الوقوف مع الحق في وجه الباطل واجب، وعلى من يعتبر نفسه مناضلًا أن يستمر في نضاله حتى آخر رمق من حياته، مهما واجه من صعوبات. الحياة موقف.
وأستذكر هنا بيتين من الشعر يعبّران عن حال بعض الحكام آنذاك:
إني لا يحزنني في أرض أندلسٍ
ألقابُ معتمدٍ فيها ومعتضِ
أسماءُ مملكةٍ في غير موضعها
كالهرِّ يحكي انتفاخًا صولةَ الأسدِ
كثير من الألقاب كانت بلا مضمون حقيقي، وذهبنا إلى حرب فلسطين في ظل تلك الظروف.
أحمد منصور:
قبل أن نذهب إلى تفاصيل الحرب، ما الذي قصدته في مقدمتك؟
أمين الحافظ:
أقصد أن الإنسان، مهما تقدم به العمر، إذا كان مؤمنًا بعقيدة أو فكرة، فعليه أن يدافع عنها بما يستطيع. إن لم يحمل السلاح، فليقل كلمة حق. هذا أضعف الإيمان.
أحمد منصور:
لكن كثيرًا من الناس لا يحتملون تبعات قول كلمة الحق.
أمين الحافظ:
{لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها}. إن لم يستطع الإنسان حمل السلاح، فليقل كلمة حق، وليشجع غيره. أما إن استطاع القتال، فعليه أن يفعل.
أحمد منصور:
دعنا نعود إلى عام 1948. كيف بدأتم مشاركتكم في الحرب؟
أمين الحافظ:
كنا طلابًا في الكلية العسكرية، والتحقنا بمنطقة على حدود فلسطين تُدعى بنياس – غير بنياس الساحلية – وهناك انضممنا إلى الفوج الرابع، وكان آمره آنذاك المقدم سامي الحناوي، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للأركان وقاد انقلابًا ضد حسني الزعيم.
شاركنا في معارك دفاعية وهجومية. قاتلنا في تل أبو الريش، وفي كعوش، وتل عزيات، وخان يرده، وغيرها من المواقع. في تل عزيات شاركنا في استعادته مع وحدات أخرى.
قدمنا خسائر كبيرة، لكن كان يتم تعويضنا باستمرار. أذكر أنه قد يُستشهد منا عشرون جنديًا، فيُرسل إلينا بدلاء. كانت لنا سمعة طيبة في الجبهة، لأن قائدنا كان شجاعًا وشهمًا، وكان يرفع من معنوياتنا.
أحمد منصور:
هل شاركتم مع جيش الإنقاذ أيضًا؟
أمين الحافظ:
قبل التخرج الرسمي، فكرت مع بعض رفاقي في الهروب من الكلية والالتحاق بالمجاهدين الذين سبقوا الحرب النظامية، وكان فيهم بعثيون ومؤيدون للأستاذ أكرم الحوراني. بعض زملائنا من حماة تمكنوا من الالتحاق مبكرًا. كانت الروح العامة لدى الشباب تدفعهم إلى القتال، قبل صدور الأوامر الرسمية.
أحمد منصور:
هل كان هناك نوع من التكتل بين أبناء المدن المختلفة، كالحموية والحلبية مثلًا؟
أمين الحافظ:
كان هناك تعارف طبيعي بحكم الانتماء إلى المدن، لكن في الجبهة لم تكن المدينة هي الأساس، بل الروح القتالية والانتماء الوطني. كنا نقاتل باعتبارنا جنودًا سوريين، وجزءًا من جيش عربي يخوض معركة مصيرية.
أسباب الهزيمة في حرب 1948
أحمد منصور:
كم شهرًا بقيتم في ساحة المعركة؟
أمين الحافظ:
لم تطل المدة كثيرًا في خطوط الاشتباك الأولى، لكنني أمضيت فترة طويلة في مواقع الجبل وعلى الجبهة الشمالية.
أحمد منصور:
كيف تقيّم المعارك التي خضتموها؟
أمين الحافظ:
المهم ليس أن نقول: قاتلنا هنا أو انتصرنا هناك، بل أن نضع الأمور في إطارها العام. لقد قدم العرب، وبعض المسلمين من خارج الوطن العربي، تضحيات كبيرة. أتذكر أن مقاتلين مسلمين من يوغسلافيا – من البوسنة والهرسك – جاؤوا وشاركوا في القتال.
لكن دعايتنا كانت ضعيفة، بينما كانت الدعاية الإسرائيلية، ومن خلفها، قوية ومؤثرة؛ فأظهرت باطلهم حقًا، وغطت على حق الفلسطينيين والعرب.
الخطأ الكبير الذي رأيته بعيني أن مجموع القوات العربية التي دخلت الحرب في بدايتها لم يكن يتجاوز قوة فرقة عسكرية واحدة تقريبًا، أي نحو عشرين إلى خمسة وعشرين ألف مقاتل، وهو عدد ضئيل قياسًا بحجم المعركة.
أحمد منصور:
وماذا عن المتطوعين؟
أمين الحافظ:
كان عددهم كبيرًا، خاصة في «جيش الإنقاذ». لكن المتطوع، إن لم يخضع لقيادة حازمة وتنظيم صارم وتدريب جيد، قد يتحول إلى عبء بدل أن يكون قوة. النية الطيبة وحدها لا تكفي؛ فالجهاد نظام وانضباط وتخطيط.
هناك من ضحّى بصدق، ومنهم متطوعون من الإخوان المسلمين في مصر، وقد تكبدوا خسائر كبيرة. أما في سوريا، فقد تطوع كثيرون، لكن خسائرهم كانت أقل مقارنة ببعض الوحدات المصرية.
أحمد منصور:
هناك صورة شائعة عن الجندي الإسرائيلي بأنه جبان.
أمين الحافظ:
لا، هذا غير دقيق. في حرب 1948 قاتل الإسرائيليون بشراسة وتنظيم، رجالًا ونساءً. كانوا مدربين تدريبًا جيدًا، وكثير منهم شارك في الحرب العالمية الثانية ضمن وحدات الحلفاء. وصل تعدادهم بعد المراحل الأولى من القتال إلى ما بين 120 و130 ألف مقاتل مدرب.
شجاعتهم لا تعني شرعية ما فعلوه؛ فهم احتلوا أرضًا ليست لهم، وسفكوا دماءً بريئة. لكن من الناحية العسكرية كانوا منظمين ومهيئين للحرب، بينما افتقدنا نحن إلى القيادة العليا المتماسكة والتنسيق الشامل.
أحمد منصور:
إذا سألتك عن الأسباب الحقيقية لهزيمة 1948؟
أمين الحافظ:
الأسباب متعددة. أولًا، ضعف الاستعداد العربي. كنا نحو سبعين مليون عربي مقابل مجتمع يهودي لا يتجاوز المليون ونصف آنذاك، ومع ذلك حشدوا قوة عسكرية منظمة ومدربة.
ثانيًا، تجريد الشعب الفلسطيني من السلاح خلال الانتداب البريطاني، في حين سُمح للحركة الصهيونية بالتسلح والتنظيم. الفلسطينيون قاتلوا قتالًا مشرفًا رغم قلة السلاح.
ثالثًا، تقصير الأنظمة العربية في الحشد الشامل. لو أخذنا سوريا مثلًا، وكان عدد سكانها نحو مليونين ونصف، لكان يفترض – من وجهة نظري – أن يُحشد مئات الآلاف للدفاع عن أرض يعتبرها العرب أرضًا مقدسة. الأمر نفسه ينطبق على مصر والعراق وسائر الدول.
صحيح أن بعض الجيوش قاتلت ببسالة، كالجيش العراقي والمصري، لكن حجم القوات لم يكن كافيًا، ولم يكن هناك تنسيق استراتيجي موحد.
أحمد منصور:
من يتحمل مسؤولية الهزيمة إذاً؟
أمين الحافظ:
الحكام يتحملون قسطًا كبيرًا من المسؤولية، لكن ينبغي أيضًا النظر إلى الظروف؛ فالجيوش كانت حديثة التكوين بعد الاستقلال، والعديد منها خرج لتوه من تحت الانتداب، وتسليحه كان محدودًا أو قديمًا.
ومع ذلك، أرى أن التقصير في التعبئة الشاملة والتخطيط الموحد كان خطأ جسيمًا.
أحمد منصور:
كيف كان شعورك وأنت تعود من الجبهة ضابطًا حديث التخرج، بعد أول حرب تخوضها، وقد انتهت بالهزيمة؟
أمين الحافظ:
كان شعورًا مريرًا ومؤلمًا. أن تذهب وأنت ممتلئ بالحماسة والإيمان بعدالة القضية، ثم تعود وأنت تشعر أن النتيجة لم تكن بمستوى التضحيات، فهذا جرح لا يُنسى.
لكنني لم أشعر بالانكسار الشخصي؛ شعرت بالغضب، وبأن المعركة لم تنتهِ، وأن علينا أن نصحح الأخطاء ونستعد لجولات أخرى. الهزيمة كانت صدمة، لكنها أيضًا كانت درسًا قاسيًا في معنى التنظيم، والقيادة، والاستعداد الحقيقي للحرب.
بدايات الانقلابات العسكرية
أحمد منصور:
ما شعورك وأنت عائد من الجبهة ضابطًا حديث التخرج، في أول معركة تخوضها، وقد عدت مهزومًا؟
أمين الحافظ:
نحن لا نعدّ أنفسنا مهزومين. عدنا مرتاحي الضمير لأننا قمنا بواجبنا. فالنصر ليس معركة واحدة تُحسم في يوم أو شهر. وحتى الآن أقول: نحن أمة عربية مسلمة، لنا رسالة خالدة. شعارنا كان: وحدة، حرية، اشتراكية، والرسالة الخالدة في جوهرها هي الإسلام إلى يوم الدين؛ فلا رسالة للعرب غيره.
أنا بعثي، سواء اعترف الكبير أو الصغير أو لم يعترف، وهذه قناعتي. خسرنا معركة، نعم، لكن لم نخسر الحرب. كانت هناك أسباب كثيرة، وبعضها من عندنا. كان على الحكام أن يتحملوا مسؤولياتهم كاملة، وأن يمنحوا الجيش ما يحتاجه من عتاد وتسليح وإعداد.
أحمد منصور:
أين الوحدة والاشتراكية الآن؟
أمين الحافظ:
الظروف الدولية والإقليمية معقدة، والدول تمر بمراحل. نحن خسرنا معركة لأسباب عديدة، وكان من الواجب على القيادات السياسية أن تدعم الجيوش دعمًا حقيقيًا. في سوريا مثلًا، يتحمل وزير الدفاع آنذاك مسؤولية كبيرة؛ فالجيش لم يُعطَ ما طلبه من إمكانات.
والوضع لم يكن مختلفًا كثيرًا على الجبهتين المصرية والأردنية.
أحمد منصور:
الجيش الأردني كان تحت قيادة بريطانية.
أمين الحافظ:
نعم، كان فيه ضباط بريطانيون يقودون وحدات مهمة. الجيش الأردني كان شجاعًا، ومعظم جنوده من البدو العرب المقاتلين الشجعان، لكن القيادة العليا كانت مرتبطة بالإنجليز، ودخولهم الحرب كان لتنفيذ قرار التقسيم، بينما دخلنا نحن لرفضه.
خسرنا معركة، لكنني أكرر: لم نخسر الحرب. الفرق كبير بين خسارة معركة وخسارة قضية.
أحمد منصور:
لكنكم خسرتم معظم المعارك.
أمين الحافظ:
صحيح، لكن الحرب طويلة. الشعوب إذا ثبتت وصمدت يمكن أن تعوض خسائرها. التقصير كان من الجميع، والاستعمار لعب دورًا، لكن لا يجوز أن نلقي كل الأخطاء على الاستعمار وحده؛ نحن أيضًا أخطأنا. سلاحنا كان قليلًا، وتنظيمنا ضعيفًا مقارنة بالخصم.
الإسرائيليون قاتلوا بتنظيم وتخطيط، وإن كنت أرى أن قتالهم لم يكن دفاعًا عن وطن، بل كان احتلالًا لأرض وطردًا لأهلها. ومع ذلك، من الناحية العسكرية كانوا منظمين، وهذا واقع يجب الاعتراف به.
أحمد منصور:
كيف كان وضع الجيش السوري بعد عام 1948؟
أمين الحافظ:
كان الجيش يحمل القيادات السياسية مسؤولية الهزيمة. كنا نرفض مفهوم الهزيمة من حيث المبدأ، ونعدّ ما جرى إخفاقًا في معركة ضمن صراع طويل.
الوطن العربي كله كان ساحة عمليات؛ من لبنان إلى سوريا والعراق والأردن ومصر والسودان وليبيا. الحرب ليست جبهة عسكرية فقط، بل هي حالة تعبئة شعبية شاملة. كنت أرى أن الأمة كلها ينبغي أن تكون في حالة استعداد دائم، لا أن يُترك الأمر لجيش محدود الإمكانات.
ومن أسباب ما جرى لاحقًا من انقلابات عسكرية هذا الشعور العام بالمسؤولية والغضب داخل صفوف الضباط.
أحمد منصور:
بدأت الانقلابات بانقلاب حسني الزعيم في 30 مارس 1949. من إبريل 1946 حتى ذلك التاريخ، كيف تقيّم المرحلة الأولى بعد الاستقلال؟
أمين الحافظ:
تلك كانت مرحلة انتقالية. الضباط الذين التحقوا بالجيش الوطني بعد الاستقلال كانوا قلّة، والتجربة كانت حديثة. كثيرون منهم شاركوا في حرب فلسطين.
أما أديب الشيشكلي، فقد كان من الضباط الوطنيين الذين التحقوا مبكرًا بالجيش، وذهب إلى فلسطين وقاتل. له مواقف وطنية معروفة، وأسرته كانت منخرطة في الحركة الوطنية في حماة. الإنسان قد يخطئ أو يصيب، لكن لا يمكن إنكار مشاركته القتالية ومواقفه الأولى.
أحمد منصور:
أنتم كعسكريين تفتحت أعينكم على ظاهرة جديدة: الانقلابات العسكرية. أين كنت حين وقع انقلاب حسني الزعيم؟
أمين الحافظ:
كنت ما أزال على الجبهة. وصلنا الخبر هناك. كان حدثًا مفاجئًا، وأحدث صدمة في صفوف الضباط؛ إذ وجدنا أنفسنا أمام واقع جديد لم نعهده من قبل: أن يتحول الجيش من أداة دفاع إلى لاعب مباشر في السلطة السياسية.
وكان ذلك بداية مرحلة مختلفة تمامًا في تاريخ سوريا والمنطقة.
انقلاب حسني الزعيم في 30 مارس 1949
أحمد منصور:
من هو حسني الزعيم؟ أريد تعريفًا مختصرًا للمشاهدين.
أمين الحافظ:
حسني الزعيم كان ضابطًا سوريًا، أحد ضباط الجيش الوطني، قام بأول انقلاب عسكري في سوريا بتاريخ 30 مارس 1949 ضد حكومة أديب الشيشكلي. جاء بانقلابٍ مفاجئ وأحدث صدمة كبيرة في الجيش والسياسة السورية.
أحمد منصور:
وفي ذلك الوقت، كنت أنت ضابطًا على الجبهة، ما شعورك تجاه هذا الانقلاب؟
أمين الحافظ:
كنت على الجبهة حين وقع الانقلاب، وجدانياً كنت ضده. أنا كنت ضد أي هجمة على الجيش، لأن الجيش مؤسسة محترمة، جيش أمة، جيش عربي، جيش سوريا قلب العروبة النابض. الجيش أمانة وواجب أن نحميه مهما كانت الظروف.
لكن عواطفي الداخلية كانت مع شكري القوتلي وضد الزعيم، لأني اعتبرت أن هذا الانقلاب ليس لصالح الوطن، بل لصالح شخصية واحدة.
أحمد منصور:
وكيف أثر ذلك على وضعك الشخصي؟
أمين الحافظ:
أثر كثيرًا، لأنني كنت مؤمنًا بالجيش وبواجباته، وكنت أشعر بأن النخوة والكرامة تحتم الدفاع عن المؤسسة العسكرية. كنت أرفض التدخل في السياسة على حساب الجيش، لذلك شعرت بأن هذا الانقلاب يمثل تجاوزًا على قيمنا العسكرية والوطنية.
أحمد منصور:
وهل حاولت التدخل أو مواجهة الانقلاب؟
أمين الحافظ:
كنت ما زلت على الجبهة، لكن موقفنا النفسي والمعنوي كان واضحًا: مع الجيش ومع الحق. حاولت أن أبقي ارتباطي بالمبادئ العسكرية والوطنية، حتى لو اضطررت لاحقًا لمغادرة البلاد أو مواجهة تبعات الانقلاب.
أحمد منصور:
في تلك الفترة، يبدو أن الدعم أتى إليك من جهات عربية مختلفة.
أمين الحافظ:
نعم، مثلاً الرجعيون في الكويت ساعدوني، والملك حسين أرسل لي مساعدات مالية، لكنني رفضت أخذ أي شيء لنفسي. كل ما وصلني أعطيته للمكتب المالي، لأنه ليس لي الحق في الاستفادة منه شخصيًا.
النخوة العربية والالتزام بالقيم كانت دائمًا معيارًا عندي، سواء على الجبهة أو أمام الانقلابات العسكرية.
أحمد منصور:
سيادة الرئيس، إذاً خلال عام 1949 شهدت سوريا ثلاثة انقلابات متتالية: الأول لحسن الزعيم في 30 مارس، والثاني سامي الحناوي في 14 أغسطس، والثالث أديب الشيشكلي في ديسمبر. كيف كان شعورك كضابط صغير أمام هذه السلسلة من الانقلابات؟
أمين الحافظ:
والله، كان شعور غريب، الجيش –وأنا منهم– يواجه حالة من الارتباك، لكننا كنا مؤمنين بأن مهمتنا الدفاع عن الوطن والشعب، لا عن الأشخاص. كل قائد يأتي ويحاول أن يثبت سلطته، لكن الضابط الذي يحترم نفسه عليه أن يظل ملتزمًا بالقيم العسكرية والأخلاقية.
أحمد منصور:
وهل توقعت أن الأمور ستستمر بهذا الشكل مع الشيشكلي؟
أمين الحافظ:
الصراحة، لا. أديب الشيشكلي كان أكثر طموحًا، وعنده فكرة إنه يفرض سلطته على الدولة كلها، وهذا كان واضحًا بعد انقلابه. لكن نحن في الجيش تعلمنا أن نكون صامدين مهما تغيّرت الشخصيات السياسية.
أحمد منصور:
موقفك الشخصي مع هذه الانقلابات؟
أمين الحافظ:
أنا دائمًا كنت ضد أي انقلاب على الجيش، وضد التسلط الفردي، لكن عملي كضابط كان ينحصر في حماية الحدود والجيش والشعب. لم أشارك في أي مؤامرة، ولم أستغل المنصب لمصلحة شخصية، وهذا شيء كنت أحرص عليه دائمًا.
أحمد منصور:
إذاً، بالرغم من كل الانقلابات، بقيت ملتزمًا بدورك العسكري بعيدًا عن السياسة الشخصية؟
أمين الحافظ:
بالضبط، الشرف العسكري والالتزام تجاه الوطن فوق كل شيء. وحتى لو جاء قائد جديد أو انقلاب جديد، الواجب واحد: حماية الشعب والجيش.
أحمد منصور: إذن سيادة الرئيس، بعد انقلاب سامي الحناوي، بدأت مرحلة جديدة من الانقلابات في سوريا. كيف تصف هذه المرحلة بإيجاز؟
أمين الحافظ: والله أستاذنا الكريم، الانقلابات العسكرية بشكل عام مضرة، وتلعب بها أيدي أجنبية أحيانًا لغرض سياسي أو اقتصادي أو حتى ثقافي.
أحمد منصور: بعض الكتب تشير إلى دور الولايات المتحدة في هذه الانقلابات، أولها انقلاب حسن الزعيم، هل لديك معلومات حول ذلك؟
أمين الحافظ: والله، أنتم تعلمون أننا حاربنا الإنجليز، والعراق حارب، ونحن حاربنا فرنسا، الدول الكبيرة تعمل وفق مصالحها. أنا أحترمهم، لكن أعتب على الحاكم إذا استمد قوته من يد أجنبية وليس من شعبه وجيشه.
أحمد منصور: هل ثبت لديك وجود علاقة مباشرة لحسن الزعيم بالمخابرات الأميركية؟
أمين الحافظ: لا أملك معلومات دقيقة، لكن أكثر الانقلابات لعبت فيها أيدي أجنبية، باستثناء انقلابي ضد أديب الشيشكلي.
أحمد منصور [مقاطعًا]: نعم، هذا كان انقلابك.
أمين الحافظ: والله يا أخي، لا أخفي شيئًا، أحكي كما هو.
أحمد منصور: من كان وراء انقلاب سامي الحناوي على حسن الزعيم؟
أمين الحافظ: بتقديري، الحناوي رجل شجاع وطيب، وكان له موقف مع قادة حزب الشعب، وكانوا يرون وحدة مع العراق رغم النفوذ البريطاني. نحن أخذنا استقلالنا بسيفنا، فلا أساوي سوريا مملكة لعبد الإله، أبداً.
أحمد منصور: تقصد الملك عبد الإله الوصي على العرش العراقي آنذاك؟
أمين الحافظ: نعم، الوصي. الملك فيصل كان صغيرًا آنذاك، لكن بلا شك له ماضي.
أحمد منصور: سنتناول ذلك في الحلقة القادمة.
أمين الحافظ: على عيني.
أحمد منصور: شكراً جزيلاً لك، سيادة الرئيس، كما أشكر مشاهدينا الكرام على المتابعة.
أمين الحافظ: أنا شاكر أستاذ أحمد… محنون شريان، لكن المشكلة ما حد بيرد! مع الأسف، دول عربية وإسلامية تروح تتفاوض مع إسرائيل من أجل قطعة أرض؟! يجب أن تُسترد بالسيف، وبعدها ندافع عن فلسطين.
أحمد منصور: لا يوجد سيف، سيادة الرئيس.
أمين الحافظ: فيه، عيب!
أحمد منصور: في الحلقة القادمة إن شاء الله نكمل.
الفريق أمين الحافظ: إن شاء الله، الله يعطيكم ألف عافية.
أحمد منصور: شكراً لك، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الفريق أمين الحافظ (رئيس سوريا الأسبق).
في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام علكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحلقة
00:00 – المقدمة
– 00:45 – 48مشاركة أمين الحافظ في حرب العام
– 03:46 – 1964اجتماع الحماة في أبريل عام
1964 – 05:52 – الشعوب العربية تقبع تحت أنظمة حكم تربي الناس على الذل والاستسلام
– 08:14 – أهم المعارك التي دخلها الفريق أمين الحافظ ضد الإسرائيليين
– 11:55 – 48وضع الجيش السوري بعد العام
– 14:22 – 1948 الأسباب الحقيقية لهزيمة عام
16:47 – من يتحمل مسؤولية هزيمة 67 واغتصاب فلسطين
– 19:41 – شعور أمين الحافظ في أول معركة
– 22:00 – مسلسل الانقلابات العسكرية في سوريا
– 24:12 – تقييم أمين الحافظ لفترة أديب الشيشكلي الأولى
– 25:55 – رواية أمين الحافظ عن أول انقلاب قادة حسن الزعيم
– 28:54 – 49لماذا قام حسني الزعيم بانقلابه عام
– 31:18 – رأي أمين الحافظ في حسني الزعيم
– 33:46 – علاقة أكرم الحوراني بانقلاب حسن الزعيم
– 35:25 – انقلاب العقيد سامي الحناوي ضد حسن الزعيم
– 36:53 – الدور الأجنبي في الانقلابات العسكرية في سوريا
– 39:06 – من الذى كان يقف وراء انقلاب سامي الحناوي على حسن الزعيم؟ –