في الحلقة التاسعة من شهادته على العصر، يستعرض وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي اللبناني، في حواره مع أحمد منصور، خفايا حرب الجبل، وذهابه إلى المملكة العربية السعودية، في أغسطس 1983، لطلب النجدة من الملك فهد، وتورط أمريكا في المستنقع اللبناني، وإمكانية وجود سلام بين إسرائيل من جهة ولبنان والعرب من جهة أخرى.
وتحدث جنبلاط في بداية الحوار عن أسباب تشكيل جبهة الإنقاذ الوطني، وهل كان هناك قرارُ فعليُ بالحرب، ومن الذين اتخذوه؟ وأكد أن الخطأ الأكبر الذي وقع فيه بشير الجمّيل أنه أرسل قواته إلى الجبل، تحت شعار حماية المسيحيين.
وأوضح أن إسرائيل اتخذت قراراً في أغسطس 1983 بالانسحاب من منطقة الشوف وعاليه إلى ماوراء النهر، وتسليم تلك الأراضي للدروز وليس لحلفائها الموارنة؟!

رابط الحلقة على الجزيرة ومنصاتها الرقمية
وقال جنبلاط إنه كان يعمل من أجل مصالح الدروز وسوريا، لتقاطع المصالح بينهما، وكشف كواليس لقائه غير المعلن في باريس الذي حضره الفرنسيون والأمريكيون، وفي الخلفية الإسرائيليون لترتيب الأوضاع في لبنان.
ونفى الزعيم الدرزي اللبناني أن يكون قد تحرك في هذه المرحلة بوازع الخوف من اغتيال حافظ الأسد له، كما أكد الملك فهد لأمين الجميل، مشيراً إلى التنسيق الكامل بينهما.
وتحدث جنبلاط عن لغز إسقاط إسرائيل 80 طائرة سورية في معركة سهل البقاع، أو عملية «ميد كريكيت 19» في 9 يونيو 1982، دون أن تخسر إسرائيل طائرة واحدة، وتفسير حافظ الأسد لذلك.
وشهدت تلك المعركة استخدام إسرائيل التشويش الإلكتروني المتقدم لتعطيل اتصالات الطائرات السورية، كما استخدمت إسرائيل الطائرات بدون طيار ربما للمرة الأولى.
كما ذكر أسباب رفضه حرب الإسرائيليين، ومنها تخوفه من أن يستغل الموارنة ذلك لاحتلال الجبل، نافياً في الوقت ذاته وجود أي تنسيق بينه وبين الإسرائيليين في الحرب.
وأوضح وليد جنبلاط كيفية تورط أمريكا في المستنقع اللبناني، ونتائج إعلانه الحرب على المارينز، بعد قصف البحرية الأمريكية للدروز.
وأكد الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، أنه لا يمكن أن يكون هناك سلام مع وجود إسرائيل في المنطقة، وأكد أنها تشن حروبها بدوافع توراتية، مشيراً إلى دورها في إخراج مصر من معادلة الشرق الأوسط.
ونفى إمكانية أن تقيم إسرائيل سلام مع أي أحد، وليس مع لبنان، وذكر أنها انتهكت شروط اتفاقيات أبراهام التي وقعتها منذ سنوات مع عدد من الدول العربية، وقال إن المستقبل مع إسرائيل مظلم على العالم العربي.

نص حوار وليد جنبلاط ج9 من شهادته على العصر:
حروب إسرائيل التوراتية وتورط أمريكا في المستنقع اللبناني
أحمد منصور
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بيك جنبلاط زعيم الدروز في لبنان وليد بيك مرحبا بيك
كواليس شهادة وليد جنبلاط على العصر؟
وليد جنبلاط
مساء الخير
أحمد منصور:
أود في البداية أن أشير إلى أمرٍ يسألني عنه المشاهدون دائمًا فيما يتعلق بكواليس هذه الشهادة. لقد بدأت التفاوض معك بشأن هذه الشهادة عام 2010، وسجلنا الحلقات الثماني الأولى في شهر يوليو/تموز 2024، وكانت الحلقة الأخيرة منها قد بُثَّت يوم السبت الماضي. ثم بقينا طوال عامين، وكلما حددنا موعدًا طرأت ظروف معينة حالت دون إتمام التسجيل.
والحمد لله أنك جئت الآن حتى تتواصل الحلقات. فبعض المشاهدين يسألونني: كم استغرق إعداد هذه الحلقات؟ والحقيقة أنها استغرقت ستة عشر عامًا من التفاوض والأحداث حتى وصلنا إلى هذه المرحلة.
والأمر الثاني المهم أنني أود أن أشكرك على الهدية القيّمة التي أرسلتها إليَّ؛ كرتونين كبيرين من الكتب، أحدهما يضم كل تراث جدك شكيب أرسلان. وأنا أشكرك، لأن أقل ما يمكن أن يقدمه الابن وفاءً لأبيه أو لجده هو أن يحفظ تراثه. وأنت حفظت تراث جدك، بل وطبعته كاملًا، وقد سعدت كثيرًا بهذه الهدية.
أما الهدية الأخرى فكانت مؤلفات كمال جنبلاط، التي كشفت لي أنه لم يكن زعيمًا سياسيًا فحسب، بل كان يكتب في موضوعات كثيرة ومتنوعة. لذلك أشكرك، لأن أفضل هدية يمكن أن تُهدى إليَّ هي الكتب، وأنت أهديتني هذه الهدية.
حرب الدروز والموارنة
أحمد منصور:
أود أن أبدأ معك من حيث توقفنا في الحلقة الثامنة عند حرب الدروز والموارنة. لقد شرحت بصورة متميزة للغاية حرب عام 1860 بين الدروز والموارنة، وكيف كانت عدة إمبراطوريات تتنازع على أرض لبنان آنذاك. وتكاد الظروف تكون مشابهة لما حدث عام 1983.
لكن لدي بعض التفاصيل الصغيرة حتى نختم هذا الحدث. لقد شكّلتم الجبهة الوطنية اللبنانية في 23 تموز/يوليو قبل الحرب، فهل كان ذلك استعدادًا للحرب؟
وليد جنبلاط:
لا، لقد شكلنا الجبهة احتسابًا لأي تطور محتمل فقط. لكن الأحداث على الأرض كانت تشير إلى أن الحرب آتية، وأن الحرب قادمة لا محالة.
أحمد منصور:
أمين الجميل قال في شهادته معي في برنامج «شاهد على العصر»، في الحلقة الثانية عشرة، إن قراركم بالحرب كان قد اتُّخذ منذ الربيع.
وليد جنبلاط:
هذا استنتاج الشيخ أمين. لكن استنتاجنا نحن أيضًا أن الآخرين كانوا قد اتخذوا قرارهم بالاستمرار في الحرب. فالشيخ بشير اغتيل، والشيخ أمين ظن أن المعادلة أصبحت في صالحه، فاستعد للحرب أو استمر فيها.
ووقعت مأساة صبرا وشاتيلا، وهو لم يكن المسؤول عنها، لكن الحرب استمرت. وكانت الظروف الدولية آنذاك، وكذلك الوجود الأمريكي في لبنان، تدفع الشيخ أمين إلى الاعتقاد بأن الظروف مناسبة له.
وفي تلك الأثناء كان حافظ الأسد ينتظر لحظة إعادة تسليح جيشه من قبل أندروبوف، ثم اتُّخذ قرار حرب الجبل.
وكان الخطأ الأكبر الذي ارتكبه الشيخ بشير هو إرسال القوات اللبنانية إلى الجبل، وكان ذلك خطأً كبيرًا.
أحمد منصور:
ولماذا كان خطأً؟
وليد جنبلاط:
لأن عناصر من خارج المنطقة جاءت إليها تحت شعار حماية المسيحيين، وكأننا نحن، كدروز أو كحزب اشتراكي، أرسلنا قواتنا المسلحة إلى كسروان أو بشري لحماية أحد هناك!
عندما تذهب إلى أرض ليست أرضك، لا تذهب إليها مسلحًا، بل تذهب إليها مسالمًا. ولذلك أدى هذا القرار إلى وقوع أخطاء كبيرة جدًا.
أحمد منصور:
هل كان ذلك استفزازًا لكم؟
وليد جنبلاط:
نعم، كان استفزازًا. وعلى الأرض بدأت بعض المحاور العسكرية، ثم بدأت عمليات الخطف والخطف المضاد، وتصاعد الاحتقان منذ عام 1982.
وفي السادس من حزيران/يونيو 1982 وقع الاحتلال الإسرائيلي للقسم الأكبر من لبنان. ودخلت القوات اللبنانية إلى الجبل، سواء كان ذلك بموافقة أمين الجميل أم لا، فهذا أمر ينبغي أن تسألوه عنه، فأنا لا أدري. ثم تصاعد التوتر بعد ذلك.
استنجاد وليد جنبلاط بالملك فهد
أحمد منصور:
في 12 آب/أغسطس 1983، وقبيل اندلاع الحرب بنحو شهر تقريبًا، ذهبت إلى السعودية واستقبلك الملك فهد.
وليد جنبلاط:
صحيح.
أحمد منصور:
ماذا دار بينك وبين الملك فهد؟
وليد جنبلاط:
ذهبنا نستعين بالملك فهد، لأننا رأينا أن الأوضاع لم تكن طبيعية.
أحمد منصور:
لكن موقفكم كان قويًا.
وليد جنبلاط:
لم يكن ذلك كافيًا.
أحمد منصور:
الضعيف هو الذي يستنجد.
وليد جنبلاط:
لا، كانت هناك معادلة كبيرة وهائلة. كنا نوضح للملك فهد أن الأمور لا تُحل بهذه الطريقة، بل بالحوار السياسي. ففي النهاية كانت هناك حاجة إلى تسوية سياسية، لكن آنذاك كانت الكلمة للعسكر، وكان المدفع يتغلب على التسوية السياسية.
أحمد منصور:
وما كان رأي الملك فهد؟
وليد جنبلاط:
في الحقيقة، لا أتذكر الآن.
أحمد منصور:
هل قابلت الأمير عبد الله في ذلك الوقت؟
وليد جنبلاط:
طبعًا، لم تكن هناك زيارة إلى المملكة إلا وأقابل فيها الأمير عبد الله.
أحمد منصور:
كانت تربط الأمير عبد الله بك علاقات وثيقة.
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
هل وعدكم بتقديم أي دعم، أو بالقيام بأي دور؟
وليد جنبلاط:
كلا. لا أعرف الطريقة التي كان الأمراء والملوك السعوديون يديرون بها الأمور، لكنهم كانوا يستمعون ويسجلون الملاحظات، ثم يتحركون في الوقت المناسب.
وأعتقد أيضًا أن رفيق الحريري كان يؤدي آنذاك دورًا معينًا، إذا لم أكن مخطئًا. نعم، كان دوره يجري في الظل.
أحمد منصور:
لكن رفيق الحريري لم يكن قد بدأ بعد ممارسة دوره السياسي على الساحة اللبنانية.
وليد جنبلاط:
كان قد أتى رسولًا خاصًا من الملك فهد إلى سوريا، بعد أن ترك الأمير بندر بن سلطان منصبه.
أحمد منصور:
ذهب سفيرًا؟
وليد جنبلاط:
كان سفيرًا في واشنطن لمدة عشرين عامًا، ثم جاء رفيق الحريري مكانه في تلك المهمة.
تسليم إسرائيل الأراضي التي انسحبت منها للدروز وليس للموارنة
أحمد منصور:
إسرائيل اتخذت قرارًا مفاجئًا في 21 آب/أغسطس 1983 بالانسحاب من منطقتَي الشوف وعاليه إلى ما وراء النهر، وهو ما خلق فراغًا أمنيًا. فهل أبلغكم الإسرائيليون قبل انسحابهم بأنهم سيقومون بذلك، وأن عليكم أنتم الدروز ملء هذا الفراغ، وليس الموارنة؟
وليد جنبلاط:
كنا ننتظر الانسحاب الإسرائيلي ونراقب هذا الأمر. وعندما أقول «كنا»، فأقصد نحن والفريق السوري والنظام السوري.
فالنظام السوري كان يريد في النهاية العودة مجددًا إلى بيروت، التي كان يسيطر عليها لسنوات، كما كان يريد فتح طريق الجبل أمام المقاومة؛ المقاومة الوطنية اللبنانية، ثم المقاومة الإسلامية لاحقًا.
أحمد منصور:
إذن كنتم في إطار تحالف ثلاثي. فقد كنت متحالفًا مع جزء من الموارنة ممثلًا بشمعون، وكنت متحالفًا كذلك مع السنة في الوقت نفسه.
وليد جنبلاط:
متحالف مع شمعون؟ لا، كيف ذلك؟ الأستاذ شمعون…
أحمد منصور:
أقصد في إطار جبهة المقاومة الوطنية.
وليد جنبلاط:
لا، لم تكن جبهة المقاومة مع شمعون.
أحمد منصور:
ألم يكن شمعون معكم؟
وليد جنبلاط:
كانت جبهة المقاومة الوطنية تضم الأحزاب الوطنية: الحزب الشيوعي، والحزب التقدمي الاشتراكي، ومنظمة العمل الشيوعي. ثم انضم إليها، أو كان جزءًا أساسيًا منها، الرئيس نبيه بري وحركة أمل. ولاحقًا ظهرت المقاومة الإسلامية، التي أصبح اسمها فيما بعد «حزب الله».
أحمد منصور:
حزب الله.
وليد جنبلاط:
ثم سيطرت لاحقًا على الجنوب بأكمله.
أحمد منصور:
هناك سؤال مهم للتاريخ: لماذا سلّم الإسرائيليون مواقعهم عند انسحابهم للدروز وليس للموارنة، رغم أن الموارنة كانوا قد بدأوا، خلال عهد بشير الجميل، إقامة علاقات مع الإسرائيليين؟
وليد جنبلاط:
انسحب الإسرائيليون من الجبل بعد أن اعتقدوا أن الشيخ أمين الجميل حاول تأجيل موضوع الاتفاق على 17 أيار/مايو.
أحمد منصور:
لقد وجدت زئيف شيف في كتابه «حرب بلا نهاية» يقول إن إسرائيل سلّمتكم الجبل صراحةً عبر اتفاق غير موقّع.
وليد جنبلاط:
هي لم تسلّمنا الجبل. وفي النهاية، نحن نتحدث عن جراح مؤلمة، لأن مئات القتلى سقطوا من الجانبين. لكن المعارك وقعت بالفعل، وكانت المعركة الأساسية، مع الأسف، في بحمدون، التي اشتهرت في الماضي بأنها بلدة كبيرة يقصدها المصطافون العرب، من الكويتيين والعراقيين وغيرهم. وهناك كان المنعطف الأساسي.
أحمد منصور:
سأعود إلى هذه النقطة بعد قليل، لأنني أحتاج إلى التوقف عندها رغم أننا تناولناها في الحلقة الماضية.
الرئيس أمين الجميل، عندما سجلت معه شهادته في برنامج «شاهد على العصر»، كانت مذكراته لا تزال مخطوطة آنذاك، وقد سمح لي بقراءتها. كنت أجلس ساعات في منزله أقرأها.
ويقول إنه في 27 تموز/يوليو عُقد اجتماع في باريس، في منزل مستشار فرانسوا ميتران، واسمه فرانسوا دو غروسوف.
وليد جنبلاط:
اسمه فرانسوا دو غروسوف.
أحمد منصور:
دو غروسوف. وقد حضره وديع حداد، وفاروق أبي اللمع، وأنت كذلك حضرته مع ثلاثة آخرين.
وليد جنبلاط:
حضرت القسم الأول من الاجتماع. وكان وديع حداد حاضرًا، وكذلك فرانسوا دو غروسوف، كما حضر أيضًا مستشار ميتران الآخر، ريجيس دوبريه، الذي كان من أبرز الثوار في أيام فيدل كاسترو.
أحمد منصور:
وكان هناك أيضًا روبرت ماكفارلين.
وليد جنبلاط:
روبرت ماكفارلين.
أحمد منصور:
ماكفارلين.
وليد جنبلاط:
نعم، ماكفارلين.
أحمد منصور:
في هذه الجلسة كان هناك أمريكيون وفرنسيون، ويُقال إن إسرائيليين حضروها أيضًا.
وليد جنبلاط:
كلا.
أحمد منصور:
أوري لوبراني لم يحضر؟
وليد جنبلاط:
أوري لوبراني حضر لاحقًا، وقبل ذلك أيضًا. فقد جاء إلى المختارة قبل أن أنزل إلى بيروت، برفقة مروان حمادة والسفير الأمريكي الذي أصبح لاحقًا سفيرًا في العراق وسوريا وأفغانستان، ريان كروكر.
وقد أنقذاني من المختارة. وكان أوري لوبراني قد زار المختارة وقال إن هذا البيت بيت مقدس. وعندما حضر مع بعض الضباط، تجولت معه في المختارة.
أحمد منصور:
نعم.
وليد جنبلاط:
وقلت له: هذا جدي شكيب أرسلان، وهذا والدي كمال جنبلاط. وأنا لن أغيّر موقفي اليوم. نحن نعتبركم قوة احتلال لهذا البلد.
وكان أوري لوبراني قد شغل سابقًا منصب سفير إسرائيل في لبنان، كما كان سفيرًا لإسرائيل في إيران.
أحمد منصور:
ويُعتبر من أبرز مهندسي العلاقات الإسرائيلية في المنطقة.
لكن في هذا الاجتماع الذي يؤكد أمين الجميل أنك حضرته، وأن أوري لوبراني كان حاضرًا فيه، أريد أن أفهم، ويفهم المشاهد كذلك، ما الذي كان يجري خلف الكواليس بعيدًا عن الأمور المعلنة؟
نريد أن نفهم من خلال هذه الجلسة كيف كانت الدول الكبرى ترتب لقاءات بين كبار الساسة والمسؤولين في أماكن غير رسمية لاتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالدول.
وليد جنبلاط:
كانت هذه محاولة فرنسية من الرئيس فرانسوا ميتران لتأجيل الانفجار الدموي المتوقع.
ولهذا اجتمع اللاعبون الكبار: الفرنسي والأمريكي.
أحمد منصور:
والإسرائيلي.
وليد جنبلاط:
والإسرائيلي أيضًا، باعتبار أن الأمريكي كان صاحب التأثير الأكبر عليه.
لكن المطلب الأساسي كان مطلبًا قديمًا؛ إذ كنا قد طلبنا من الرئيس أمين الجميل، وأُرسل إليه وفد يحمل مذكرة تطالب بسحب القوات اللبنانية من الجبل واستبدالها بالجيش اللبناني، لكنه رفض.
أحمد منصور:
أمين الجميل يقول إن جميع شروطك كانت تعجيزية ويصعب تنفيذها.
وليد جنبلاط:
لم تكن شروطًا تعجيزية. لم أكن أستطيع أن أقبل، أمام الجمهور الدرزي الواسع، بدخول الجيش اللبناني إلى المنطقة إلى جانب القوات اللبنانية، لأننا كنا نعتبر الجيش آنذاك جيشًا معاديًا، والقوات اللبنانية قوةً محتلة لجزء من الجبل.
أحمد منصور:
هل كنت في ذلك الوقت تنفذ مصالح الدروز أم مصالح سوريا؟
وليد جنبلاط:
الاثنين معًا. لكن أولًا كنت أريد تحرير المنطقة، وثانيًا كانت المصالح تلتقي أحيانًا.
أحمد منصور:
أحيانًا، وليس دائمًا.
وليد جنبلاط:
لكن حرب الجبل، بكل مراحلها، أدت لاحقًا إلى عودة السوريين إلى بيروت، ثم إلى تغيير المعادلة السياسية، ولاحقًا بعد أن أعلن ميشال عون حرب التحرير.
أحمد منصور:
سأصل إلى ذلك لاحقًا.
وليد جنبلاط:
عاد السوريون، وأمسكوا مجددًا بمفاصل اللعبة اللبنانية.
رسالة الملك فهد لأمين الجميل
أحمد منصور:
أمين الجميل يذكر في مذكراته أنه أرسل موفدًا عبر وديع حداد إلى الملك فهد في محاولة لوقف الحرب، وأن الملك فهد قال له إن وليد جنبلاط يتحرك بدافع الخوف من تهديدات الأسد له بالقتل.
وليد جنبلاط:
كلا، لم يكن هناك أي تهديد من هذا النوع.
أحمد منصور:
لم تكن تخشى الأسد؟
وليد جنبلاط:
لم أكن أخشاه. وبكل صراحة، لم يكن هناك أي تهديد. كنا ننسق تنسيقًا كاملًا مع القيادة السياسية والعسكرية السورية.
أحمد منصور:
أيكما استفاد أكثر من الآخر؟
وليد جنبلاط:
الجميع استفاد بطريقته. لقد حقق وليد جنبلاط انتصارًا، ولنقل من دون تأجيج للمشاعر، انتصارًا سياسيًا للدروز.
ففي ذلك الوقت كان هناك إجماع درزي على رفض أي محاولة لتطويع الدروز أو إخضاعهم. ولذلك منحتُ الدروز انتصارًا سياسيًا وعسكريًا، لكنه كان انتصارًا مكلفًا جدًا.
أحمد منصور:
هل صحيح، في هذه المرحلة التي سبقت اندلاع الحرب، كما يقول أمين الجميل، وكما وجدت في أكثر من مصدر، أن ريتشارد فيربانكس، مساعد ممثل الرئيس ريغان في لبنان…
وليد جنبلاط:
ريتشارد من؟
أحمد منصور:
فيربانكس.
وليد جنبلاط:
فيربانكس؟ لا أذكره.
أحمد منصور:
حسنًا. هذا الرجل سلّم أمين الجميل وثيقة إسرائيلية تطالب بمنح الدروز في الشوف وضعًا خاصًا أشبه بالحكم الذاتي. كما قال الجميل في موضع آخر إنك طالبت بمنح الدروز وضعًا قريبًا من الوضع الذي منحهم إياه العثمانيون سابقًا. هل هذا صحيح؟
وليد جنبلاط:
في العهد العثماني، وفي أيام الأمير فخر الدين، وهو من كبار الأمراء في تاريخ لبنان والمنطقة، والذي أقام إمارة امتدت من صفد إلى تدمر، كان هناك تحالف كبير بين الدروز والمسيحيين.
أما أنا فقد طالبت برفع الظلم عن الدروز، واستفدت من تراجع الإسرائيليين لملء الفراغ الذي خلّفوه. لكن ملء هذا الفراغ كلّف الكثير من الدماء.
ثم إن الاجتماع الذي تتحدث عنه…
أحمد منصور:
نعم.
وليد جنبلاط:
أستاذ أحمد، لقد حضرت الاجتماع في منزل فرانسوا دو غروسوف. ثم استُكمل هذا الاجتماع لاحقًا، لكنني لم أحضره، إذ عُقد في أحد منازل رفيق الحريري.
أحمد منصور:
صحيح.
وليد جنبلاط:
في منزل رفيق الحريري، لكنني لم أحضره؛ لأنني رأيت أن الأفق مسدود، وأنه لا مجال إطلاقًا لأي تسوية بيننا وبين أمين الجميل. وربما كان أمين مقيّدًا، أو واقعًا تحت تأثير القوات اللبنانية.
أحمد منصور:
ومن الذي كان يقيّد أمين؟
وليد جنبلاط:
هو نفسه يذكر في مقابلته، وقد استفدت كثيرًا من مشاهدتها، أنه لم يكن يسيطر بصورة كاملة على القوات اللبنانية. هكذا فهمت الأمر. كما تحدث أيضًا في برنامج «شاهد على العصر» عن الكيفية التي جرى بها اغتيال طوني فرنجية.

من اتخذ قرار حرب الجبل ؟؟
أحمد منصور:
الآن أمين الجميل يقول إن قرار الحرب اتُّخذ من قبلك أنت، ومن سوريا، وبدعم أو بقرار سوفييتي.
وليد جنبلاط:
نعم، اتُّخذ قرار الحرب. كان هناك قرار بالمواجهة.
أحمد منصور:
وما مصلحة السوفييت في ذلك؟
وليد جنبلاط:
كيف؟
أحمد منصور:
أنا أفهم مصلحة سوريا، وأفهم مصلحتك، لكن ما مصلحة السوفييت؟
وليد جنبلاط:
لقد تحدثنا سابقًا عن الخسائر الكبيرة التي تكبدها الجيش السوري خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، خصوصًا في منطقة البقاع. وعندما أرسل حافظ الأسد نحو سبعين طائرة لمواجهة إسرائيل…
أحمد منصور:
وقد أُسقطت كلها تقريبًا.
وليد جنبلاط:
نعم، أُسقطت. وقد أخبرني الأسد نفسه أن الطائرة كانت تقلع، وما إن تقلع حتى يفقد الطيار السيطرة عليها بالكامل بسبب عمليات التشويش الإلكترونية.
أحمد منصور:
ثم ماذا؟
وليد جنبلاط:
كان الطيار يضطر إلى خلع خوذته والقفز. لقد ذهبوا إلى القتال فوق البقاع، لكنهم ذهبوا إلى المجهول. وأعتقد أن نحو سبعين طائرة أُسقطت.
أحمد منصور:
لكن هناك علامات استفهام كثيرة. فإذا كان الأسد قد روى لك هذه القصة، فمن المعروف عسكريًا أن الطائرات تُرسل على دفعات للحفاظ على تشكيلاتها، أما إرسال هذا العدد الكبير دفعة واحدة فكان يجعلها هدفًا سهلًا لإسرائيل.
وليد جنبلاط:
كان حافظ الأسد يريد الحفاظ على الممر اللبناني ـ السوري، أي الحدود التي نعرفها اليوم عند منطقة المصنع، الممتدة من جديدة يابوس إلى داخل الأراضي السورية. وكان مصممًا على منع القوات الإسرائيلية من الوصول إلى هذه المنطقة.
كما شهدت الأرض معركة كبيرة جدًا هي معركة السلطان يعقوب، وهي قرية في البقاع تشرف على جزء مهم من المنطقة. وهناك استخدم الأسد، وفق المفاهيم العسكرية، راجمات الصواريخ في مواجهة الدبابات، وتمكن من إيقاف الرتل الإسرائيلي، بحسب ما ذكره المؤرخ العسكري الإسرائيلي زئيف شيف.
أحمد منصور:
زئيف شيف.
وليد جنبلاط:
ثم وافق لاحقًا على وقف إطلاق النار.
أحمد منصور:
لكن بعد أن تعرض الجيش السوري لخسائر كبيرة.
وليد جنبلاط:
هذا موضوع آخر. لم يُدمَّر الجيش السوري بالكامل، لكنه تكبد خسائر كبيرة قُدِّرت بنحو خمسة آلاف قتيل. كما أنه أرسل رتلًا من الدبابات من حمص إلى البقاع من دون غطاء جوي، فدُمّر هذا الرتل.
لكن الأسد كان يريد الحفاظ على موطئ قدم داخل لبنان ليعود لاحقًا، وقد نجح في ذلك في العام التالي.
أحمد منصور:
لقد نجح بفضلكم أنتم أيضًا.
وليد جنبلاط:
دعني أكون صريحًا معك. لقد خاض الجيش السوري أيضًا معارك مهمة في جبل لبنان، ومنها معركة عين زحلتا، وهي قرية مختلطة بين الدروز والمسيحيين، وتقع قرب منطقة استراتيجية مهمة هي المديرج.
وقد استخدمت الوحدات الخاصة السورية، بدعم من طائرات الهليكوبتر، أسلحة مضادة للدروع. وأذكر ذلك لأنني علمت بهذه التفاصيل لاحقًا من صديقي الراحل العماد حكمت الشهابي.
كان لدى الإسرائيليين قوة نارية هائلة، لكنهم كانوا يريدون التقدم بسرعة. ومع ذلك، توقفت القوات الإسرائيلية في عين زحلتا، كما توقفت أيضًا في السلطان يعقوب.
وأعتقد أن العماد إبراهيم صافي كان آنذاك في مقدمة القوات. وبعد وقف إطلاق النار، تُركت ممرات سمحت للسوريين، وكذلك لنا، بالوصول إلى الجبل ثم إلى بيروت.
خلفيات رفض وليد جنبلاط محاربة الإسرائيليين
أحمد منصور:
دعني أسألك بصراحة: هل حاربت الإسرائيليين في ذلك الوقت؟
وليد جنبلاط:
لا.
أحمد منصور:
لماذا؟
وليد جنبلاط:
لأنه لم تكن لدينا القدرة أو الاستعداد لمواجهة إسرائيل.
أحمد منصور:
لكن سوريا كانت تحاربهم، والأسد كان حليفك.
وليد جنبلاط:
كنا نرى، ومع الأسف أقول ذلك بصراحة، أن الجبل قد يقع تحت سيطرة القوى الانعزالية. وكانت التعبئة السياسية والشعبية آنذاك موجهة ضد هذه القوى، أو بصورة أدق ضد بعض الأطراف المسيحية.
أحمد منصور:
إذن كنت تخشى أن تترك الجبل وتشارك السوريين في القتال ضد إسرائيل، فيتمكن الموارنة من السيطرة عليه؟
وليد جنبلاط:
نعم، كنت أخشى ذلك. ولم يكن الأمر مجرد خوف شخصي، بل خشية من تكرار التاريخ.
أحمد منصور:
تقصد أحداث عام 1860؟
وليد جنبلاط:
نعم، أحداث عام 1860. ففي تلك المرحلة جاء يوسف بك كرم من الشمال، ووقعت معارك ومجازر دامية.
هذا الجزء من الجبل، يا أستاذ أحمد، شديد الحساسية؛ لأنه منطقة مختلطة بين الدروز والمسيحيين، وتوازنها دقيق للغاية، كميزان الذهب.
لقد أخطأ بشير الجميل، وكاد أن يعترف بخطئه قبل اغتياله. أما مع سمير جعجع فلم نتصارح يومًا بهذا الموضوع، رغم أنني التقيته لاحقًا.
أحمد منصور:
تقصد سمير جعجع؟
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
عندما زارك في المنزل عام 2005؟
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
ولم تفتحوا هذا الملف؟
وليد جنبلاط:
كلا.
أحمد منصور:
سأعود إلى بعض التفاصيل المهمة لاحقًا. لكن هذه المرحلة من الناحية التاريخية شديدة الحساسية، وعندما يدرسها المؤرخون مستقبلًا ستكون شهادتك مرجعًا أساسيًا فيها، لأنك كنت طرفًا رئيسيًا في تلك الأحداث.
ولهذا أريد أن أوضح موقفك من الإسرائيليين بشكل لا لبس فيه: هل كان هناك أي اتفاق، مكتوب أو غير مكتوب، بينك وبين الإسرائيليين يقضي بألا تواجهوهم مقابل أن يتركوكم؟
وليد جنبلاط:
لم يكن هناك أي اتفاق.
لكن خلال الفترة الممتدة من عام 1982 إلى عام 1983 كانت المقاومة الوطنية اللبنانية قد بدأت عملياتها ضد الاحتلال الإسرائيلي، وشاركت فيها الأحزاب القومية السورية، وأقسام من الحزب التقدمي الاشتراكي، والحزب الشيوعي، وحركة أمل، وإن كانت عملياتنا نحن محدودة نسبيًا.
لقد وصل الإسرائيليون إلى بيروت واحتلوها.
أحمد منصور:
صحيح.
وليد جنبلاط:
لكنهم اضطروا إلى مغادرتها بعدما بدأت العمليات ضدهم في بيروت الغربية.
أتذكر حادثة وقعت في شارع الحمراء، قرب صيدلية بسترس، حين قرر أحد الضباط الإسرائيليين أن يجلس ويشرب القهوة هناك، فجاء أحد المقاومين وأطلق النار عليه.
بعد ذلك بدأت الدبابات والدوريات الإسرائيلية تُبلغ أهالي بيروت الغربية بأنها لن تبقى في المدينة، وأنها ستنسحب.
وبالفعل، بدأت عملية انسحاب تدريجية من بيروت، ثم إلى البقاع، ولاحقًا إلى جزين.
حروب إسرائيل التوراتية!
أحمد منصور:
أنت هنا، ومن خلال متابعتك للاجتياحات الإسرائيلية للبنان منذ عام 1982 وحتى اليوم، وما رافقها من حروب وصراعات، هل يعني ذلك أن الجندي الإسرائيلي ليس ذلك “الرامبو” الذي صُوِّر لنا؟
وليد جنبلاط:
كلا، أبدًا. لكنهم اليوم يعتمدون على القوة النارية، وعلى التدمير والقتل وارتكاب المجازر.
كما ذكرت لك سابقًا، عندما جاء شمعون بيريز إلى المختارة…
أحمد منصور:
نعم.
وليد جنبلاط:
قال لي: “نحن لا نقتل الأبرياء”. لكنهم كانوا قد قتلوا الأبرياء في صيدا. وقالوا إنهم لن يدخلوا إلى بيروت، ثم دخلوها. وقالوا عن صبرا وشاتيلا ما قالوه، لكنهم في الواقع أوقعوا القوات اللبنانية في الفخ، بينما كانوا يطوقون المخيم.
وهذه هي سياستهم حتى اليوم، ولم يتغير شيء.
أما اليوم، فقد أصبحت التعبئة اليمينية، والتعبئة التوراتية داخل إسرائيل، أقوى بكثير مما كانت عليه في الماضي. ولذلك يُقال إنهم لم يعودوا يبالون حتى بالخسائر التي يتكبدونها.
أحمد منصور:
كنت أريد أن أسألك عن ذلك. ففي السابق كانت إسرائيل تعطي أهمية كبيرة للأسير أو للقتيل، أما الآن فتبدو وكأنها تتكتم على أعداد كبيرة من خسائرها، ومع ذلك تواصل القتال وكأنها تخوض حربًا نهائية أو مصيرية.
وليد جنبلاط:
هي ليست حربًا مصيرية، بل هي حرب تكشف مجددًا طبيعة المشروع التوراتي.
فإسرائيل، في الأساس، دولة بلا حدود نهائية معلنة. واليوم هناك من يسعى إلى تحقيق ما يسمى «إسرائيل الكبرى». ولكن أين تنتهي حدود هذه إسرائيل الكبرى؟ لا أحد يعلم.
أحمد منصور:
وهل سيتمكنون من تحقيق ذلك؟
وليد جنبلاط:
ربما في بعض المراحل، لأن إسرائيل تمسك، برأيي، بمفاصل السياسة الأمريكية، وتؤثر بقوة في السياسيين الأمريكيين عبر جماعات الضغط، وعلى رأسها «إيباك».
ففي الأسبوع الماضي، على سبيل المثال، قيل إن ترامب هاجم نتنياهو ووصفه بالمجنون، ثم خرجت وسائل الإعلام الإسرائيلية لتقدم رواية مختلفة.
في النهاية، سواء كان نتنياهو أو غيره، فإن هناك تيارًا يريد الحرب من أجل الحرب، ويريد إعادة تشكيل المنطقة وتغيير كيانها.
أحمد منصور:
وهل يعني ذلك أن هذه المنطقة لن تنعم بالسلام قريبًا؟
وليد جنبلاط:
أنا لا أرى سلامًا قريبًا لهذه المنطقة. ولذلك يجب على الجميع أن يحتاطوا، كلٌّ بطريقته.
أحمد منصور:
إذن، ما دامت إسرائيل موجودة، فإن الحروب لن تتوقف؟
وليد جنبلاط:
كانت إسرائيل موجودة سابقًا أيضًا، ومع ذلك شهدت المنطقة قدرًا من الاستقرار.
أحمد منصور:
لكن لم تمضِ عشر سنوات متواصلة من دون حرب.
وليد جنبلاط:
بعد اتفاقية كامب ديفيد جرى تحييد أكبر دولة عربية وأساسية في المنطقة، وهي مصر.
وربما تعود مصر إلى دورها يومًا ما، لكن بعد ذلك فُتحت أمامها جبهات متعددة: سيناء، والفوضى في ليبيا، وسد النهضة، وغيرها من التحديات.
ومصر اليوم، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، تواجه مشكلات هائلة.
أحمد منصور:
110 ملايين.
وليد جنبلاط:
أعتقد ذلك.
أحمد منصور:
ويزداد العدد باستمرار، وربما يزداد خلال هذه الحلقة أيضًا.
هل تعتقد أن إسرائيل هي التي تلعب الدور الأساسي في إشغال مصر بكل هذه المشكلات؟
وليد جنبلاط:
في بعض هذه الملفات، نعم.
فمصر، وهي الدولة العربية الكبرى، لا تستطيع أن تتحرك بحرية كاملة فيما يتعلق بمعبر رفح. وهناك قيود معروفة، لأن اتفاقية كامب ديفيد تضمنت ترتيبات خاصة بالتسليح في سيناء، كما تضمنت مساعدات مالية أمريكية.
أحمد منصور:
حوالي 2.3 مليار دولار.
وليد جنبلاط:
نعم، كانت مساعدات.
أحمد منصور:
مساعدات مشروطة من الولايات المتحدة.
وليد جنبلاط:
صحيح، وموجهة إلى جهات محددة، كما أن الجانب العسكري منها يرتبط بشراء السلاح من الولايات المتحدة.
أحمد منصور:
أنت لست مجرد قارئ للتاريخ، بل تعيش داخله.
هذه المنطقة، منذ حروب الفرس والروم، لم تعرف استقرارًا يمتد مئة عام من دون حروب. فما قدر هذه المنطقة أن تبقى في دوامة الصراعات التي لا تنتهي؟
وليد جنبلاط:
صحيح أننا لم نستقر طويلًا، لكن هذا لا يعني أننا محكومون بالحروب إلى الأبد.
انظر إلى الغرب نفسه؛ فالحرب العالمية الثانية انتهت قبل عقود، ثم عاش الغرب أربعين أو خمسين عامًا من الاستقرار النسبي.
أحمد منصور:
لكننا نحن لم ننعم بذلك. فمنذ قيام إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية لم تعرف المنطقة أمنًا ولا سلامًا حقيقيين.
وليد جنبلاط:
لأن من يسيطر على فلسطين يفصل بين المشرق العربي ومغربه، ويفصل بين مصر وسوريا.
واليوم، مع هذا التراجع العربي، لا أحد يعلم حجم الإمكانات العربية المعطلة أو المهدورة.
أحمد منصور:
دعنا نعود إلى عام 1983.
في 15 كانون الأول/ديسمبر 1983 دخل لواء من الجيش الإسرائيلي إلى دير القمر، وأخرج نحو ألفين وخمسمئة مقاتل من القوات اللبنانية، إضافة إلى خمسة آلاف مدني.
وقد قلت لي في الحلقة السابقة إن ذلك جرى أمام أعينكم، لكنكم لم تكونوا قادرين على مواجهة إسرائيل.
وليد جنبلاط:
صحيح.
أحمد منصور:
هل جرى أي تنسيق بينكم وبين الإسرائيليين في هذه العملية؟
وليد جنبلاط:
لم يكن هناك أي تنسيق.
أما سمير جعجع فقد تسلل بطريقته الخاصة، مستفيدًا من الطبيعة الجبلية للمنطقة وما فيها من ممرات، ثم عاد إلى مقره في بيروت الشرقية.
أحمد منصور:
من دون علمكم؟
وليد جنبلاط:
من دون علمنا.
أحمد منصور:
ولا حتى عبر معلومات استخباراتية؟
وليد جنبلاط:
لم يكن بإمكاننا أن نغلق الطوق على دير القمر بالكامل.
لكن، والحمد لله، لم تُرتكب في دير القمر الجريمة التي وقعت في القرن التاسع عشر، عندما دخل الدروز، ومن بينهم جدنا الأكبر سعيد جنبلاط، إلى البلدة ووقعت المآسي المعروفة.
في تلك المرحلة فرضنا حصارًا محكمًا على دير القمر، وساعدني في ذلك رفاقي في الحزب، ومنهم أنور الفطايري وشريف فياض وغيرهما.
وقد أحكموا الحصار، لكنهم لم يسمحوا للانفعال أو للرغبة في الانتقام بأن تتحكم بالموقف.
أحمد منصور:
هل كنت تخشى فعلًا من تكرار صبرا وشاتيلا في دير القمر؟
وليد جنبلاط:
كنت أخشى تكرار التاريخ، وتحديدًا ما جرى عام 1860.
ولهذا استدعاني الرئيس فرانسوا ميتران، فذهبت إليه وأكدت له أنه لا خوف على دير القمر.
كما قلت الكلام نفسه لعبد الحليم خدام، لأن حافظ الأسد وعبد الحليم خدام، وكذلك ميتران، كانوا جميعًا قلقين على مصير البلدة.
أحمد منصور:
جميعهم كانوا يتواصلون معك؟
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
والتقيت ميتران في فرنسا؟
وليد جنبلاط:
نعم، في باريس.
أحمد منصور:
وكانت دير القمر محاصرة آنذاك؟
وليد جنبلاط:
نعم، كانت محاصرة، وبقيت كذلك لفترة.
أحمد منصور:
الحرب كلها استمرت ثلاثةً وعشرين يومًا فقط، لكنها كانت ثلاثةً وعشرين يومًا شديدة القسوة.
وليد جنبلاط:
صحيح، لكن دير القمر كانت تتمتع برمزية خاصة، ولذلك كانت الحساسية تجاهها كبيرة جدًا.
قصف البحرية الأمريكية للدروز وإعلان جنبلاط الحرب على المارينز
أحمد منصور:
في 19 أيلول/سبتمبر 1983 قامت البحرية الأمريكية، للمرة الأولى، بقصف مواقع الدروز في الشوف. فهل كان ذلك دعمًا للجيش اللبناني أم دعمًا للموارنة؟
وليد جنبلاط:
كان دعمًا للجيش اللبناني. لكنني قلت لك إن الجيش آنذاك كان منقسمًا؛ فبعض الألوية كانت مع المسلمين، مثل اللواء السادس، وكانت هناك وحدات أخرى تضم عددًا من الدروز. كما كان معنا ضباط مسلمون ووطنيون.
أحمد منصور:
وجميعهم كانوا يتقاضون رواتبهم من الدولة.
وليد جنبلاط:
نعم، جميعهم كانوا يتقاضون رواتبهم من الدولة، حتى سعد حداد وأنطوان لحد.
أحمد منصور:
لكن الأمريكيين…
وليد جنبلاط:
عندما قصفت البارجة الأمريكية «نيوجيرسي»، استهدفت مواقع استراتيجية مثل سوق الغرب والتلال المحيطة بها، والتي كانت تتمتع بأهمية عسكرية كبيرة. ولذلك كان السوفييت يقفون إلى جانب سوريا في تلك المرحلة.
أحمد منصور:
نحن هنا في ذروة الحرب الباردة بين السوفييت والأمريكيين. وكأنكم كنتم تديرون جانبًا من هذه الحرب أو تشاركون فيها بالنيابة عن السوفييت، بينما كان الأمريكيون يقفون مباشرة إلى جانب اليمينيين والموارنة، أو الأطراف الأخرى كما تسميها أنت.
وليد جنبلاط:
نعم، هذا صحيح.
لاحقًا، عندما أعلن ميشال عون ما سُمي بـ«حرب التحرير»، كان صدام حسين يقف خلفه، بينما كانت سوريا تعاني عزلة كبيرة.
أحمد منصور:
في مرحلة من المراحل كنت تتحرك في سيارة السفير الأمريكي، وكان الأمريكيون يؤمّنون لك الحماية، ثم عادوا ليقصفوك!
وليد جنبلاط:
ليس الأمر كذلك.
لقد طلبت المساعدة من السفير الأمريكي، وبرفقته مروان حمادة، للخروج من الطوق الإسرائيلي المفروض على المختارة والوصول إلى بيروت، وتحديدًا إلى بيروت الغربية.
ثم عندما انتُخب بشير الجميل، شعرنا بأن الأمل قد ضاع. وفي تلك الفترة كنا قد ودعنا ياسر عرفات على ظهر الباخرة. فقلت لفيليب حبيب: لقد انتصرتم علينا، فهل أستطيع المغادرة؟
قال لي: يمكنك المغادرة، لكن عليك أن تقطع عشرة أو خمسة عشر كيلومترًا.
أحمد منصور:
حتى تعود؟
وليد جنبلاط:
حتى أصل إلى صوفر، حيث كان الحاجز السوري. وهكذا حصل فعلًا.
استُخدمت سيارة السفارة الأمريكية لإيصالي بأمان، ثم استلمت سيارتي الموجودة عند الحاجز السوري وتوجهت إلى دمشق.
تورط أمريكا في المستنقع اللبناني
أحمد منصور:
هناك موقف تاريخي مهم أريد أن أذكرك به.
فعندما قصفت البحرية الأمريكية مواقعك في الجبل، أعلنتَ الحرب على قوات المارينز. وأنت زعيم طائفة صغيرة في لبنان، ومع ذلك أعلنت الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية!
وليد جنبلاط:
هم أطلقوا النار أولًا. وهذه المدافع الضخمة لم تحقق أهدافًا عسكرية حاسمة، رغم ما سببته من دمار.
وكانت قوات المارينز متمركزة قرب مطار بيروت. وعندما قصفوا منطقة الشويفات…
أحمد منصور:
الشويفات معروفة، ومدارس الشويفات يعرفها الناس في أنحاء كثيرة من العالم.
وليد جنبلاط:
قلت لأحد مقاتلينا، وهو الشهيد هيثم الجردي: «ردّ عليهم».
فقام بالرد، وقُتل ثلاثة أو أربعة من عناصر المارينز الأمريكيين.
بعد ذلك اتصل بي إدوارد جيرجيان، الذي كان يعمل ضمن الطاقم الدبلوماسي الأمريكي.
أحمد منصور:
إدوارد جيرجيان.
وليد جنبلاط:
نعم، وكان يعمل آنذاك في السفارة الأمريكية. فقال لي: «أنت إرهابي».
فأجبته: «أنا لست إرهابيًا، بل أنتم الإرهابيون؛ لأنكم تقصفوننا».
أحمد منصور:
لكننا نتحدث هنا عن موقف تاريخي؛ وليد جنبلاط يعلن الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية.
وليد جنبلاط:
على ذكر ذلك، فإن أمين الجميل نفسه أعلن، خلال إحدى لقاءاته مع الرئيس ريغان، أنه يريد الحرب على سوريا، وأن دمشق ستُقصف بدعم أمريكي.
أحمد منصور:
من الذي أعلن الحرب على سوريا؟
وليد جنبلاط:
الشيخ أمين الجميل.
أحمد منصور:
أريد فقط أن أوضح للمشاهد أن قوات المارينز كانت جزءًا من القوة متعددة الجنسيات.
وليد جنبلاط:
والشهيد هيثم الجردي، رحمه الله، هو الذي نفذ تلك العملية.
أحمد منصور:
اسمه هيثم الجردي؟
وليد جنبلاط:
نعم، هيثم الجردي.
أحمد منصور:
وهو الذي أدى هجومه إلى مقتل أربعة من عناصر المارينز.
وللتوضيح، فإن القوة متعددة الجنسيات التي تشكلت بعد أحداث صبرا وشاتيلا ضمت نحو 1800 من مشاة البحرية الأمريكية، ونحو 2000 مظلي فرنسي، و1400 جندي إيطالي، إضافة إلى قوة بريطانية صغيرة.
وفي 12 أيلول/سبتمبر 1983 كتب وزير الدفاع الأمريكي كاسبار واينبرغر في مذكراته أنه في اليوم الذي تقرر فيه استخدام البارجة «يو إس إس فيرجينيا» لقصف مواقع الدروز دعمًا للجيش اللبناني، تحولت الولايات المتحدة فعليًا من قوة لحفظ السلام إلى طرف في الحرب الأهلية اللبنانية.
وأضاف أن اللحظة التي ضغطوا فيها زر إطلاق النار على مواقع الدروز كانت اللحظة نفسها التي وقّعوا فيها على حكم الإعدام لقوات المارينز، التي تعرضت لاحقًا للتفجير في 23 تشرين الأول/أكتوبر 1983.
كيف تقرأ هذا الاعتراف؟
وليد جنبلاط:
صحيح.
يبدو أن واينبرغر كان يدرك أن فتح الجبهة ضد الدروز يعني أيضًا فتحها ضد سوريا.
ثم جاءت لاحقًا عملية تفجير الثكنة الأمريكية، وكذلك الثكنة الفرنسية، التي نُسبت آنذاك إلى «الجهاد الإسلامي».
أحمد منصور:
سأعود إلى هذه الحادثة لاحقًا؛ لأنها محطة تاريخية مهمة جدًا، ويعتبرها كثيرون بداية ولادة حزب الله.
وليد جنبلاط:
لا أعتقد أنها كانت البداية الفعلية، لكنها كانت التسمية التي استُخدمت آنذاك، بحسب ما فهمناه.
أحمد منصور:
وممن كان يتكون «الجهاد الإسلامي» في ذلك الوقت؟
وليد جنبلاط:
كان مجموعة ذات ارتباط إيراني.
أحمد منصور:
إيرانية؟
وليد جنبلاط:
نعم. وقد جاءت إلى منطقة بعلبك بدعم سوري، لكنها كانت في النهاية تعمل ضمن الإطار الذي كانت تسيطر عليه سوريا في عهد حافظ الأسد.
أحمد منصور:
إذن كان حافظ الأسد يخوض مواجهة مفتوحة إلى جانب السوفييت ضد الأمريكيين والتحالف الغربي على الساحة اللبنانية.
وليد جنبلاط:
نعم.
أحمد منصور:
ألكسندر سولداتوف شخصية مهمة جدًا في تاريخ لبنان خلال تلك المرحلة. فقد كان يُعرف رسميًا بأنه السفير السوفييتي، لكنه كان في الحقيقة جنرالًا سوفييتيًا بارزًا.
كان صديقًا لوالدك، ثم أصبح صديقًا لك أيضًا.
حدثنا عن دوره في تلك المرحلة التي كان فيها يقود جانبًا من الحرب الباردة في لبنان باسم الاتحاد السوفييتي.
وليد جنبلاط:
في البداية طلب سولداتوف الإذن من أندريه غروميكو.
أحمد منصور:
أندريه غروميكو، وزير الخارجية السوفييتي.
وليد جنبلاط:
نعم.
قال لغروميكو: «لقد أمضيت سنوات طويلة في السلك الدبلوماسي، وأريد أن أذهب إلى بلد أستريح فيه».
فأُرسل إلى لبنان عام 1972.
ثم اندلعت الحرب اللبنانية، أو ما نسميه أحيانًا «الحرب الصغرى»، في 13 نيسان/أبريل 1975.
وبقي في لبنان أحد عشر عامًا كاملة. وصمد خلال أصعب المراحل، بما فيها حصار بيروت والقصف الذي تعرضت له المدينة.
وفي تلك الفترة كانت معركة المتحف قد بدأت…
أحمد منصور:
من أشهر المعارك.
وليد جنبلاط:
نعم، من أشهر المعارك. وقد بدأت المدفعية تقصف بيروت، وتحديدًا منطقة سباق الخيل ومحيط السفارة الفرنسية الحالية.
وعند الساعة الثانية عشرة ليلًا أُعلن وقف إطلاق النار. وفي صباح اليوم التالي كان أول ما فعلته هو الخروج من الملجأ الذي كنت أحتمي فيه.
ثم ذهبت إلى السفارة السوفييتية، وسرت بحذر شديد، لأنهم كانوا يحذرونني من وجود قنابل عنقودية متناثرة على الأرض.
أحمد منصور:
هل كان ذلك خلال الحرب مع إسرائيل؟
وليد جنبلاط:
نعم، خلال الحرب مع إسرائيل.
مستقبل مظلم
أحمد منصور:
في 27 أيلول/سبتمبر 1983 تم الاتفاق على وقف إطلاق النار بين جبهة الخلاص الوطني، التي ضمتك مع رشيد كرامي وسليمان فرنجية، وبين القوات اللبنانية وحلفائها، ومن بينهم كميل شمعون وبيار الجميل.
كيف توصلتم إلى وقف إطلاق النار بعد حرب لم تستمر سوى ثلاثة وعشرين يومًا، لكنها شهدت كل ذلك القدر من العنف؟
وليد جنبلاط:
لأن الحرب، مهما بلغت حدتها، لا بد أن تفسح المجال في النهاية للعمل السياسي.
وفي ذلك العام توجهنا جميعًا نحو البحث عن حل سياسي، ولذلك انعقد مؤتمر جنيف، والتقينا هناك.
أحمد منصور:
لقد التقيتم في جنيف في 21 تشرين الأول/أكتوبر 1983.
وأمين الجميل قال لي في شهادته على برنامج «شاهد على العصر»، في الحلقة العاشرة، إن النقاشات في جنيف كانت ودية في العلن، لكنها كانت قاسية جدًا خلف الأبواب المغلقة.
وليد جنبلاط:
هذا صحيح. كانت ودية وقاسية في آن واحد.
وكان المطلوب من أمين الجميل أن يتراجع عن اتفاق 17 أيار/مايو، لكنه لم يفعل.
أحمد منصور:
هل كنت مصرًا على إسقاط اتفاق 17 أيار خدمةً لسوريا أم لاعتبارات أخرى؟
وليد جنبلاط:
لم يكن الأمر خدمة لسوريا.
فهذا الاتفاق كان يفرض على لبنان شروطًا تمثل نوعًا من الوصاية الإسرائيلية عليه.
ولهذا أحذر حتى اليوم من أي مسار مشابه، رغم اختلاف الظروف والموازين.
فبعض السياسيين اللبنانيين يتحدثون اليوم عن السلام مع إسرائيل. وأنا أقول: على الأقل احتفظوا بالهدنة أو بمعاهدة عدم الاعتداء، وكأن لبنان هو الذي يهدد إسرائيل أو يستعد للاعتداء عليها!
أحمد منصور:
هل تعتقد أن سلامًا حقيقيًا يمكن أن يقوم بين لبنان وإسرائيل؟
وليد جنبلاط:
لا أعتقد أن إسرائيل ستقيم سلامًا حقيقيًا مع أحد.
أحمد منصور:
مع أحد؟ وليس مع لبنان فقط؟
وليد جنبلاط:
مع أحد.
أحمد منصور:
وماذا عن الاتفاقيات التي وُقعت مع مصر والأردن وغيرهما؟
وليد جنبلاط:
برأيي، فإن سيناء ليست جزءًا مما يعتبره الفكر التوراتي أرضًا مركزية في مشروعه التاريخي.
أحمد منصور:
لكن سيناء مرتبطة بقصة موسى والتوراة.
وليد جنبلاط:
صحيح، لكن الرواية التوراتية تواصل مسارها شرقًا، وصولًا إلى الأردن، حيث يُقال إن موسى توفي هناك.
أحمد منصور:
لكن إسرائيل اليوم دولة صهيونية علمانية أكثر منها دولة دينية توراتية، أليس كذلك؟
وليد جنبلاط:
كلا، أبدًا.
أحمد منصور:
لكن مؤسسي إسرائيل كانوا في معظمهم علمانيين.
وليد جنبلاط:
هذا كان في الماضي، عندما كانت الصهيونية ذات طابع يساري، وحين كان اليسار في أوج حضوره في بولندا وروسيا، وكذلك داخل حزب العمل الإسرائيلي.
أما اليوم فأين اليسار؟ وأين العلمانية؟ وأين المعارضة الإسرائيلية الحقيقية؟
أحمد منصور:
دعني أعود إلى عبارة خطيرة قلتها قبل قليل، وهي أن إسرائيل لا يمكن أن تقيم سلامًا مع أحد.
وليد جنبلاط:
لأنها لا ترى نفسها بحاجة إلى ذلك.
لقد وقعت بعض الدول العربية ما سُمي بالاتفاقات الإبراهيمية. لكن مقابل ماذا؟
قيل: مقابل السلام، ومقابل إقامة دولة فلسطينية.
فأين هي هذه الدولة؟ وأين هي الأرض التي ستقام عليها؟
لقد أُطلقت مبادرة «الأرض مقابل السلام» في القمة العربية ببيروت.
أحمد منصور:
عام 2002.
وليد جنبلاط:
نعم، عام 2002.
لكن أين الأرض اليوم؟
كل من يعتقد أن هناك أرضًا كافية ستبقى لإقامة دولة فلسطينية مستقلة أو حتى كيان فلسطيني قابل للحياة، فهو واهم.
أحمد منصور:
لقد خرج نتنياهو أمام العالم بخريطة لما سماه «إسرائيل الكبرى».
وليد جنبلاط:
بل إن بعض المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين صاروا يتحدثون عن الدولة الفلسطينية وكأنها يمكن أن تُقام في مكان آخر، في لبنان أو السعودية أو سوريا.
أحمد منصور:
هل تعتقد أن اتفاقًا شبيهًا باتفاق 17 أيار قد يُفرض على اللبنانيين اليوم؟
وليد جنبلاط:
حتى الآن تحاول الدبلوماسية اللبنانية تفادي هذا الأمر.
وهنا ألتقي في الرأي مع أمين الجميل. فقد ذكر في مذكراته أنه كلما اشتكى للأمريكيين كان يشعر أنهم مجرد سعاة بريد ينقلون الرسائل الإسرائيلية ذهابًا وإيابًا.
أحمد منصور:
صحيح. لقد قال هذه العبارة بالحرف.
إذن، هل ترى أن المستقبل مع إسرائيل مظلم؟
وليد جنبلاط:
بل أرى أن ذلك يشكل مصدر قلق كبير للعالم العربي كله.
أحمد منصور:
وهل تعتقد أن المنطقة ستشهد حروبًا أشد مما شهدناه حتى الآن؟
وليد جنبلاط:
في حياتي يكفيني ما رأيته من حروب. أرجو ألا نشهد المزيد.
أحمد منصور:
في 23 تشرين الأول/أكتوبر 1983، وعند الساعة السادسة وست وعشرين دقيقة صباحًا، وقعت العملية الانتحارية المزدوجة التي أسفرت عن مقتل 241 من جنود المارينز الأمريكيين و58 من المظليين الفرنسيين.
ومن هذه الحادثة المهمة والخطيرة سنبدأ حديثنا في الحلقة القادمة.
شكرًا جزيلًا لك.
كما أشكركم، مشاهدينا الكرام، على حسن متابعتكم.
في الحلقة القادمة، إن شاء الله، نواصل الاستماع إلى شهادة وليد بك جنبلاط، زعيم الدروز في لبنان.
وفي الختام، أنقل إليكم تحيات فريق البرنامج.
وهذا أحمد منصور يحييكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.