مصطفى نوح ج5 : استعانة القذافي بالمرتزقة وتفاصيل معركة تحرير طرابلس

يستعرض أحمد منصور، مع المنسق العسكري لائتلاف 17 فبراير بطرابلس وعضو المجلس العسكري ورئيس العمليات والضبط الأمني باللجنة الأمنية العليا لطرابلس، مصطفى نوح ج5 من حوارهما في برنامج شاهد على الثورة، كيفية استعانة القذافي بالمرتزقة، وتفاصيل معركة تحرير طرابلس، والأوقات العصيبة للثوار في سجن بوسليم، ولحظة اقتحام السجون. 
مصطفى نوح وأحمد منصور

يستعرض أحمد منصور، مع المنسق العسكري لائتلاف 17 فبراير بطرابلس وعضو المجلس العسكري ورئيس العمليات والضبط الأمني باللجنة الأمنية العليا لطرابلس، مصطفى نوح ج5 من حوارهما في برنامج شاهد على الثورة، الذي جرى بثه في 13 مايو 2012، كيفية استعانة القذافي بالمرتزقة، وتفاصيل معركة تحرير طرابلس، والأوقات العصيبة للثوار في سجن بوسليم، ولحظة اقتحام السجون. 

نص حوار مصطفى نوح ج5 :

استعانة القذافي بالمرتزقة وتفاصيل معركة تحرير طرابلس

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج “شاهد على الثورة”، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة مصطفى نوح، المنسق العسكري لائتلاف السابع عشر من فبراير في العاصمة الليبية طرابلس. أخ مصطفى، مرحبًا بك.

مصطفى نوح: أهلاً وسهلاً.

تفاصيل الاعتقال والتعذيب في سجن زاوية الدهماني

أحمد منصور: في يوم الرابع والعشرين من يوليو 2011، كنت في مبنى الجوازات، حيث التقيت بالعقيد يوسف سهل، الذي كان من المتعاونين مع الثوار. وقد أعطاك قوائم بأسماء بعض الأشخاص الذين جاؤوا من الخارج، وكانوا من الأوكرانيين الذين كانوا يساعدون قوات القذافي في إطلاق الصواريخ وغيرها من العمليات. أخذت الورقة وضعتها في جيبك. هل يمكن أن تخبرنا المزيد عن هذا؟

مصطفى نوح: نعم، كان هذا اللقاء تقريبًا آخر لقاء لي به قبل اعتقالي بساعات قليلة، ربما ساعتين أو ثلاث، أو أقل من ذلك. في هذا اللقاء، اتفقنا على بعض الترتيبات لبعض الإخوة الذين كانوا بحاجة لمساعدات للسفر، كما أعطاني قائمة بأسماء الأوكرانيين الذين كان النظام يسعى لإدخالهم إلى ليبيا. هؤلاء الأشخاص كانوا يعملون على تطوير منظومة صواريخ جديدة كانت تستخدم لإطلاق الصواريخ ضد الثوار في مختلف المدن الليبية. كان الهدف من هذه الصواريخ أن تكون صواريخ “أرض جو” بدلاً من “جو جو”، وقد تم استخدامها ضد مصراتة، مما أسفر عن استشهاد أكثر من ثلاثة عشر شخصًا من الثوار هناك. كان النظام يعتمد بشكل كبير على هؤلاء المرتزقة من الأوكرانيين وغيرهم.

أحمد منصور: كان هؤلاء الأوكرانيون جزءًا من خطة النظام لاطالة أمد الحرب. كيف كنت تحاول منع دخول هؤلاء المرتزقة إلى ليبيا؟

مصطفى نوح: كنا نحاول الاتصال ببعض الإخوة في تونس وبنغازي، لوقف هذا الزحف من المرتزقة. كان من المهم لنا أن نمنع دخولهم إلى ليبيا، لأنهم كانوا يساعدون النظام في قتل الليبيين. وبعد أن أخذت الورقة من العقيد يوسف سهل، توجهت إلى المسجد لأداء صلاة الظهر في شارع الصليب.

أحمد منصور: هل كان هاتفك مراقب في هذه اللحظات؟

مصطفى نوح: نعم، كان هاتفي مراقب في كل لحظة. بعد الصلاة، تلقيت اتصالًا من أحد الإخوة الذين ساعدونا في تركيب منظومة الساتلايت. كان الأمر ضروريًا جدًا بالنسبة له، وأصر على أن نلتقي في مكان محدد. لم أكن أعرف مكان منزله، لكنه وصفه لي عن طريق الهاتف.

أحمد منصور: كنت تعرف أن هاتفك كان مراقبًا، فكيف تمكنت من التعامل مع ذلك؟

مصطفى نوح: كان الأمر معقدًا. عندما يكون الهاتف مفتوحًا، يعرفون بالضبط أين أنا، ولكنهم لا يستطيعون تحديد مكاني بدقة إلا عندما أفتح الهاتف. هم يعرفون المنطقة التي أتواجد فيها، ولكنهم لا يعرفون بالضبط أين أتواجد في تلك المنطقة. إذا أغلقت الهاتف تمامًا، فلا يستطيعون تتبعي.

أحمد منصور: إذن كانوا يراقبونك باستخدام الأبراج الخلوية؟

مصطفى نوح: نعم، كانوا يعتمدون على أبراج الإرسال. عندما أفتح الهاتف، يستطيعون تحديد المنطقة التي أكون فيها. لكن إذا أغلقت الهاتف أو أزلت البطارية، ينقطع الاتصال.

أحمد منصور: وهل كان بإمكانهم تتبعك إذا أغلقت الهاتف أو غيرت السيارة؟

مصطفى نوح: بالطبع، كان بإمكانهم تتبعي عن طريق الهاتف إذا كان مفتوحًا، لكنني كنت حذرًا جدًا في استخدامه. بعد فترة طويلة من الاتصال، كنت أحرص على إغلاق الهاتف لفترات طويلة حتى لا يتمكنوا من تحديد مكاني بدقة.

أحمد منصور: كيف تمكنوا من التعرف على مكانك في النهاية؟

مصطفى نوح: بعد أن تلقيت المكالمة، حاولت أن أتحرك بشكل غير متوقع. كان من الواضح أن الأجهزة الأمنية قد رصدتني، وأعرف أنهم كانوا يراقبونني بدقة. عند مغادرتي من منطقة معينة، بدأوا في متابعتي باستخدام السيارة نفسها. وكان الأخ خالد البصيري معهم في السيارة، فكانوا يحاولون تحديد هويتي بالنظر إلى السيارة.

أحمد منصور: إذن، كانوا قد رصدوا سيارتك وتابعوك بدقة.

مصطفى نوح: نعم، وكانوا يراقبوننا عن كثب. حتى نوع السيارة كان في غاية الأهمية بالنسبة لهم. كنت قد غيرت السيارة من نوع “مكسيما” إلى “ميتسوبيشي لانسر”، وهذه كانت السيارة الوحيدة في الشارع. على الرغم من أنني كنت قد غيّرت السيارة، إلا أن السيارة الجديدة كانت ملفتة للنظر. كانوا على علم بمكان وجودي، وكانوا يلاحقونني بشكل مستمر.

أحمد منصور: هذا يعني أن الأجهزة الأمنية كانت تراقبك بشكل دقيق جدًا. هل حاولوا اعتقالك فورًا؟

مصطفى نوح: نعم، حاولوا اعتقالي فورًا، ولكن بفضل تحركاتي السريعة، تمكنت من الهروب منهم في تلك اللحظة.

أحمد منصور: سيارتك كانت معك عندما قاموا بمحاصرتك؟

مصطفى نوح: نعم، عندما دخلت في شارع تسعة، كنت أسأل عن الشارع فوجدوا السيارة وبدأوا يراقبونني. في النهاية، عرفوا أنني مصطفى، فاقتحموا الشارع وأغلقوه بأسلحتهم أمام الناس. كان الموقف صعبًا جدًا. أشهروا الأسلحة على الفور.

أحمد منصور: هل أطلقوا عليك النار؟

مصطفى نوح: لا، الحمد لله، لم يصبني شيء. لكن كانت الرصاصة في وجهي، كنت رافع يدي على أمل أنني أستطيع تجنب إطلاق النار. لم أكن أريد مقاومة.

أحمد منصور: هل كان معك سلاح؟

مصطفى نوح: لا، لم يكن معي سلاح. كنت قد قررت في وقت سابق عدم حمل السلاح. كنا قد قررنا أن نكون حذرين جدًا ولا نستخدم السلاح في تلك المرحلة لأننا كنا نعتبر أي مقاومة قد تؤدي إلى قتلنا.

أحمد منصور: ماذا كان معك في السيارة؟

مصطفى نوح: كنت قد وضعت بعض الأجهزة الإلكترونية مثل جهاز الاتصال اللاسلكي “التيكي”، بالإضافة إلى بعض المال الذي كان بحوزتي. كان لدي حوالي أربعة آلاف دينار. كما كان لدي بعض المعلومات في فلاش ميموري كانت تحتوي على تفاصيل هامة.

أحمد منصور: هل رأيت الأخ خالد البصيري؟

مصطفى نوح: نعم، رأيته. كانت أول كلمة خرجت مني: “حسبي الله ونعم الوكيل”. كان يبدو عليه أنه تعرض للتعذيب. كانت ملابسه ملطخة بالدماء، وكان واضحًا أنه قد تعرض للضرب بشكل شديد. عندما رأيته، شعرت بالحزن الشديد على ما حدث له.

أحمد منصور: هل كان خالد يبكي؟

مصطفى نوح: نعم، كان يبكي. كان يمسك بيدي، وكأنه يطلب مني أن أسامحه. حاولت أن أطمئنه، وأخبرته أن هذا قضاء الله وقدره، وأني راضٍ بما يحدث. قلت له: “حسبي الله ونعم الوكيل”، لأننا كنا نتوقع أي شيء في تلك اللحظة.

أحمد منصور: هل كان معكم الأخ الذي كنت متوجهًا إليه؟

مصطفى نوح: الحمد لله، لم يمسكوا بهذا الأخ. لو تم القبض عليه، كانت الأمور قد تتطور بشكل أكبر. في اللحظة التي توقفت فيها السيارة، أُطلق النار في الهواء بشكل غير متوقع، وكان هناك بعض الارتباك بين الأمن. هذا جعلني أتمكن من أخذ الورقة التي كانت في جيبي، وأخفيتها بسرعة تحت المقعد في السيارة.

أحمد منصور: هل كانت هذه الورقة تتعلق بشيء حساس؟

مصطفى نوح: نعم، كانت هذه الورقة تحتوي على معلومات حساسة. كانت دليلًا إدانة، وكانت متعلقة بتخطيط العملية في فندق المهاري، وهو مكان كنا نخطط فيه للعملية ضد بعض رموز النظام.

أحمد منصور: هل رأيت كيف تعاملوا معك بعد القبض عليك؟

مصطفى نوح: نعم، بعد أن تم القبض علينا، أخذونا إلى منطقة زاوية الدهماني، حيث كانت هناك نقطة أمنية. كانوا فرحين جدًا لأنهم اعتقدوا أنهم قد قبضوا على صيد ثمين. عندما دخلنا، رأيت عبد الله السنوسي شخصيًا في انتظاري.

أحمد منصور: عبد الله السنوسي كان في انتظارك هناك؟

مصطفى نوح: نعم، كان في انتظاري مباشرة بعد أن دخلت إلى المكان. عبد الله السنوسي هو الرجل الأول في جهاز المخابرات الليبي، وكان يتظاهر أحيانًا بالتدين والطيبة، لكن في الحقيقة كان وراء العديد من الجرائم.

أحمد منصور: هل كنت تعرفه شخصيًا؟

مصطفى نوح: لا، لم أكن أعرفه شخصيًا، لكنني كنت أعرفه من خلال عمله في جهاز الأمن والمخابرات. لم يكن بيننا أي علاقة شخصية، لكننا كنا نعرفه بحكم موقعه.

أحمد منصور: كيف استقبلك؟

مصطفى نوح: أول سؤال وجهه لي: “هل تعرفني؟” قلت له: “لا”، فقال لي: “أنا عبد الله السنوسي”. في تلك اللحظة، شعرت أن الأمور أصبحت أكثر خطورة. بدأ يسألني عن بعض التفاصيل المتعلقة بالفندق، ثم طلبوا مني عرض التسجيلات الصوتية.

أحمد منصور: ماذا كان يحتوي التسجيل؟

مصطفى نوح: كان التسجيل عبارة عن مكالمة بيني وبين الأخ خالد. كانت المكالمة تتعلق بأحد الثوار الذين أصيبوا أثناء العملية. كنت أطمئن عليه، لكن من خلال هذه المكالمة، عرفوا أنني على علاقة بالفندق، حيث كنا نخطط لعملية.

أحمد منصور: ماذا كانت خطتكم في فندق المهاري؟

مصطفى نوح: كانت هناك عملية مخطط لها ضد بعض الشخصيات البارزة في النظام. لكن لم نتمكن من تنفيذها، وكانت تلك العملية تستهدف بعض الرموز التي تسببت في معاناة كبيرة للشعب الليبي.

أحمد منصور: هل كنتم قد حددتم تاريخ العملية؟

مصطفى نوح: نعم، كنا قد حددنا تاريخ العملية بعد خمسة أيام من عملية حي الأندلس. كان من المفترض أن تكون في يوم 26 من يوليو، ولكن تم القبض علي في يوم 24، مما جعلنا نؤجل العملية.

أحمد منصور: هل استطعتم مسك بعض من الشخصيات التي كانت تستهدفها العملية؟

مصطفى نوح: لا، لم نتمكن من تنفيذ العملية، لكن كان هدفنا هو القضاء عليهم أو أسرهم. كنا نعلم أن العملية ستكون حاسمة في تلك الفترة، وكان لدينا معلومات دقيقة عن أماكنهم.

أحمد منصور: كيف تعاملتم مع الأمن في هذه اللحظة؟

مصطفى نوح: كانت الأمور تتصاعد بسرعة. علمنا أن العقيد عبد الله السنوسي كان شخصيًا يتعامل مع القضية. لكنه كان يتعامل مع السلاح بطريقة غير احترافية، وهو ما أثار استغرابي.

أحمد منصور: هل كانت السرية التي تعمل معها في الخدمة عند القبض عليك؟

مصطفى نوح: لا، هم خرجوا عن الخدمة، كانوا فقط يتدربون. كانت المجموعة تدرب بعض الشباب لتكون جاهزة لعمليات الهبة وبعض العمليات الخاصة التي تم تنفيذها في وقت لاحق.

أحمد منصور: هل كانوا موجودين في طرابلس؟

مصطفى نوح: نعم، كانوا موجودين في طرابلس وقد قاموا ببعض العمليات ضد كتائب القذافي. في يوم الأحد، 24 يوليو، اتصل بي الأخ بلال صباحًا في الساعة التاسعة ليحدثني عن موعد العملية في الفندق، وأوضح لي أن المكان ممتاز وكان يتحدث بأسلوب فيه شفقة، ما أثار شكوكي.

أحمد منصور: ماذا حدث بعد ذلك؟

مصطفى نوح: في تلك المكالمة، حاولت أن أغير الموضوع وأبعده عن الفندق، لكن بعد ذلك تلقيت مكالمة من عبد الله السنوسي مباشرة وقال لي: “اشرح لي هذا الكلام!” فكان من الواضح أنه كانوا يراقبون المكالمات الهاتفية، لذلك أخذوني للتحقيق على الفور.

لقاء عبد الله السنوسي

أحمد منصور: كيف استقبلك عبد الله السنوسي؟

مصطفى نوح: عبد الله السنوسي كان قد عرفني على الفور. بدأ يوجه لي أسئلة عن تفاصيل العمليات العسكرية في طرابلس، وحينما نفيت معرفتي بالكثير من الأمور، بدأوا في تعذيبي على الفور. كان الضرب عنيفًا جدًا، حيث استخدموا أسواطًا ثقيلة للضرب على كل أجزاء جسدي.

أحمد منصور: هل كان لديك فرصة لرؤية الأخ خالد؟

مصطفى نوح: نعم، لكنهم أخذوه لمكان آخر. كان واضحًا أن الأمر كان أكثر خطورة مما كنا نتصور. بدأوا في تهديدي بشكل متزايد، وكان هناك ضغط نفسي رهيب. كانوا يحاولون أن أقوم بالاعتراف بأي شيء، حتى عندما حاولت التظاهر بأنني لا أعرف شيئًا.

تحت التعذيب

أحمد منصور: هل حاولوا استخراج معلومات منك؟

مصطفى نوح: نعم، ضغطوا عليَّ بشكل نفسي هائل، وفي كل مرة حاولت التظاهر بأني لا أعرف شيئًا، كانوا يزيدون من تعذيبي. جلبوا خالد إلى التحقيق معي، وقالوا له: “قُل له ما عنده أي معلومات.” وأصروا على أنني كنت منسق عمليات طرابلس، وكانوا يضربونني على هذا الأساس.

أحمد منصور: كيف كان شعورك أثناء التعذيب؟

مصطفى نوح: كان التعذيب لا يُطاق، كان كل ما أستطيع قوله “حسبي الله ونعم الوكيل”، لكنهم كانوا يزدادون غضبًا. في مرحلة معينة، حاولت أن أستعطف أحدهم، فقلت له أنني مريض نفسيًا، وهو ما جعل أحد المحققين يتوقف لحظة عن التعذيب، لكنه عاد ليقول: “لا بد أن تتعاون.” ضغطوا عليَّ بشكل أكبر، وفي النهاية، بدأوا يسحبونني للتحقيق مرة أخرى.

أحمد منصور: هل حاولوا أن يضغطوا عليك بأي طريقة أخرى؟

مصطفى نوح: نعم، كانوا يحاولون التلاعب بي نفسياً. كان أحد المحققين يتصرف كأنه الطيب بينما الآخر يتصرف كأنه الشرير، وكانت هذه أساليب أمنية معروفة. في النهاية، وافقت على التعاون معهم بشكل جزئي من أجل تخفيف الضغط، لكنني استمريت في محاولة إخفاء معلومات عنهم.

أحمد منصور: هل كانت الأسئلة تدور حول العمليات العسكرية في طرابلس؟

مصطفى نوح: نعم، كانوا يضغطون عليَّ ليكشفوا عن تفاصيل عمليات طرابلس. حاولت أن أحول الموضوع إلى المساعدات الإنسانية، وقلت لهم أننا كنا نساعد في توزيع الطعام والدواء على الناس. لكنهم لم يكونوا راضين عن الإجابة، وكانوا مصرين على أنني كنت منسقًا للعمليات العسكرية.

أحمد منصور: كيف كانت ظروفك في السجن بعد التحقيق؟

مصطفى نوح: بعد أن أنهوا التحقيق، وضعوني في غرفة ضيقة مع العديد من الشباب. كان هناك طبيب من أوكرانيا يعاني من التعذيب، وأيضًا أخونا عبد الرؤوف بن صابر الذي كان قد تعرض لتعذيب شديد. كانت الظروف داخل الزنزانة صعبة للغاية، الهواء كان خانقًا، وكان المكان ضيقًا وغير مريح.

أحمد منصور: كم كان عدد المعتقلين معك في الغرفة؟

مصطفى نوح: كان هناك حوالي 13 شخصًا في الغرفة، وكانت مساحة الغرفة ضيقة جدًا. البعض كان في حالة صحية سيئة جدًا نتيجة التعذيب المستمر.

أحمد منصور: كيف كانت الروح المعنوية داخل السجن؟

مصطفى نوح: رغم التعذيب، كان الجميع يحاولون رفع معنويات بعضهم البعض. كان كل شخص يذكر الله ويحاول أن يبقي روح الأمل حية. حتى في أحلك الظروف، كانت الروح المعنوية عالية بيننا.

أحمد منصور: هل تعرف كم مدة قضيت في السجن؟

مصطفى نوح: تقريبًا قضيت في السجن أربعة أيام، كانت مليئة بالتحقيقات والتعذيب. في اليوم الأول، كنت في حالة انهيار بسبب كثرة الضرب، لكن بحمد الله تمكنت من تحمل الضغط.

أحمد منصور: كيف كانت معاملة الحراس؟

مصطفى نوح: في البداية، كانت المعاملة قاسية جدًا، لكن بعض الحراس أظهروا تعاطفًا معنا. كنت ألاحظ أن بعضهم يشعر بالندم لما يحدث لنا، وكانت هذه لحظات صعبة بالنسبة لنا جميعًا.

أحمد منصور: هل خرجت من السجن بعد تلك الفترة؟

مصطفى نوح: نعم، بفضل الله، تم نقلي إلى مكان آخر بعد أن كانت هناك بعض المؤشرات على أن الطيران الناتو كان يستعد لضربة على المكان الذي كنا فيه، مما أدى إلى بعض الارتباك بين الحراس. تم نقلنا إلى غرفة أخرى، حيث كانت الظروف أقل قسوة.

أحمد منصور: هل تم عرض عليك أي فرصة للتعاون معهم بعد ذلك؟

مصطفى نوح: نعم، بعد ذلك بدأت مرحلة المفاوضات. كانوا يحاولون إقناعي بتقديم معلومات، واستخدموا خالد في محاولة لإقناعي بأن أتعامل معهم. لكنني كنت حريصًا على عدم تقديم أي معلومات مهمة لهم.

أحمد منصور: هل كانت المفاوضات تتعلق بالوضع العسكري في طرابلس؟

مصطفى نوح: نعم، كان الحديث يدور حول الوضع العسكري في طرابلس، وكيفية التعامل مع الأزمة. كانوا يعتقدون أنني يمكن أن أساعد في إقناع الناس بوقف القتال، ولكن لم يكن لدي أي نية للتعاون معهم في هذا الصدد.

أحمد منصور: هل كان الضغط النفسي هو الأكثر تأثيرًا عليك في تلك اللحظات؟

مصطفى نوح: نعم، كان الضغط النفسي هو الأصعب. كانت هناك محاولات مستمرة لكسر إرادتي، لكن بفضل الله، استطعت الصمود ولم أقدم لهم أي معلومات.

أحمد منصور: هل كان لديك أمل في الخروج من السجن؟

مصطفى نوح: كنت أعتمد على الله في كل لحظة. كانت الأيام صعبة جدًا، لكنني كنت أتمسك بالأمل وأدعو الله أن يفرج عني.

أحمد منصور: هل كان التعذيب قد خف عليكم في هذه الفترة؟

مصطفى نوح: نعم، كان التعذيب قد خف نسبياً عن بعضنا. خاصةً بعد وصول بعض الإخوة الجدد مثل مصطفى قدور وناصر قدور، وكان التعذيب يستمر بشكل كبير بالنسبة لهم. فالوضع كان يختلف من معتقل إلى آخر حسب نوع القضية.

أحمد منصور: هل كان هناك معلومات جديدة وصلت لكم حول الثوار وحالة المعركة؟

مصطفى نوح: نعم، كانوا يحضرون لنا ثواراً من مختلف المناطق في ليبيا، من تاجوراء، مصراتة، الزاوية، وغيرها. وكانوا يأتون بمعلومات عن تقدم الثوار في مختلف الجبهات. كنا نسمع أن الثوار قد وصلوا إلى مشارف طرابلس وأن المعركة كانت على أشدها.

أحمد منصور: هل كنت تستطيع الحصول على معلومات حول موعد المعركة الكبرى؟

مصطفى نوح: في البداية لم نكن نعرف الكثير، ولكن مع مرور الوقت وصلنا إلى معلومات تفيد بأن المعركة ستبدأ في 20 رمضان. كان لدينا أمل كبير في أن نسمع التكبير والتهليل من المساجد في ذلك اليوم.

أحمد منصور: هل كانت هناك أي محاولات للاتصال بالثوار أو إعطاءهم رسائل؟

مصطفى نوح: نعم، تمكنت من الاتصال بعد يومين من اعتقالي بأحد الإخوة في الخارج، وأعطيتهم تحذيراً بأن يتخذوا الحذر، وأن بعض الأشخاص كانوا يراقبونهم. كان من الضروري أن يهربوا إذا استطاعوا، وقد نقلنا الرسالة واحتاطوا لذلك.

أحمد منصور: كيف كانت الأجواء في السجن قبل 20 رمضان؟

مصطفى نوح: الأجواء كانت مشحونة بالتوتر. كنا نعلم أن اليوم الذي حددته المعارضة للتحرك كان قد اقترب، وكل شيء كان يشير إلى قرب النهاية بالنسبة للقذافي. كان الحراس في السجن يتصرفون بشكل غريب، وكنا نسمع التكبير من بعيد. كان هناك شعور عام بالأمل والطمأنينة بيننا.

أحمد منصور: ماذا حدث في يوم 20 رمضان تحديدًا؟

مصطفى نوح: في يوم 20 كنا نسمع التكبير من المساجد القريبة. في البداية كان الصوت بعيدًا، ثم أصبح أقرب وأقرب، وكان الجميع في السجن يشعر بالفرح والأمل. الحراس كانوا يتصرفون بشكل غريب، وكانت هناك حركة غير طبيعية في السجن.

أحمد منصور: هل كانت تلك اللحظات هي لحظات تحرير طرابلس بالنسبة لكم؟

مصطفى نوح: نعم، كان يوم 20 بمثابة لحظة فتح مكة بالنسبة لنا. كنا نعرف أن الثوار قد بدأوا الهجوم على طرابلس، وكان الأمل يزداد مع كل لحظة. كان الوضع في السجن يختلف عن أي وقت مضى، شعرنا أن التحرير أصبح قريبًا جدًا.

أحمد منصور: هل كانت الأجواء في السجن قد تغيرت تمامًا بعد ذلك؟

مصطفى نوح: نعم، الحراس كانوا يرفضون التحدث معنا، وكانوا يبدون وكأنهم في حالة اضطراب. كنا نعلم أن شيئًا كبيرًا يحدث في الخارج. في يوم 20 و21 رمضان، كانت الأجواء مشحونة بالأمل، والشعور بأننا في النهاية سنخرج من هذا السجن.

قصف سجن بوسليم

أحمد منصور: هل كان هناك قصف أو ضربات جوية في تلك الفترة؟

مصطفى نوح: نعم، في يوم 20 بالذات، تعرض مقر سجن بوسليم لضربة جوية من طائرات الناتو. كانت تلك اللحظة محورية، حيث شعرنا أن المعركة قد بدأت وأن طرابلس بدأت تتحرر. رغم أن الحراس كانوا يحاولون إخفاء الحقيقة عنّا، كنا نعرف أن شيئًا كبيرًا يحدث.

أحمد منصور: كيف كان شعوركم عندما تأكدتم من أن طرابلس قد تحررت؟

مصطفى نوح: شعورنا كان لا يوصف. عندما سمعنا التكبير من المساجد، وكان الحراس في حالة من الفوضى، شعرنا أن النهاية قد اقتربت. كنا نعلم أن الثوار قد انتصروا وأن سجن بوسليم سيكون آخر مكان نعيش فيه تحت حكم القذافي.

أحمد منصور: كيف كانت الأوضاع في السجن يوم 21؟

مصطفى نوح: في يوم 21، كانت الأجواء مشحونة جدًا، فقد سمعنا التكبير وكان إطلاق النار كثيفًا جدًا. كنا نشعر أن أهل طرابلس قد انتفضوا ضد الطاغية وأن السجن محاصر. الطائرات كانت تحلق في السماء، لكننا كنا نعيش في حالة من التحليل الداخلي، نتساءل إذا كانت الضربات من الناتو أو من قوات القذافي.

أحمد منصور: هل كنت قادرًا على النوم؟

مصطفى نوح: لا، كان النوم مستحيلًا. كنا نعيش في حالة من الترقب والتوتر الشديدين. أحيانًا ننام لساعات قليلة، لكن اليوم كان طويلاً جدًا.

أحمد منصور: ماذا حدث في يوم 22؟

مصطفى نوح: يوم 22 كان التغيير واضحًا. تم توفير زجاجة ماء فقط لنا، وكان الإفطار بسيطًا للغاية. الأمن كان مشددًا جدًا. لم يكن هناك طعام كافٍ أو أماكن لراحة. الأمور كانت مشحونة، حيث كانت قوات الحراسة مسلحة بشكل كامل، وكان الوضع يشير إلى حالة الطوارئ في البلاد.

أحمد منصور: ما هي الأوضاع في السجن يوم 23؟

مصطفى نوح: في يوم 23، ضرب الناتو سجن بوسليم مجددًا. أصاب الصاروخ قرب مكاننا، واهتز السجن بالكامل. كانت لحظات مرعبة؛ كان الغبار والدخان يملأ المكان، وكنت أقطع صلاتي بسبب الانفجار. كنا نعتقد أن المكان سيتعرض للقصف بشكل كامل.

أحمد منصور: كيف تم تحريركم من السجن؟

مصطفى نوح: في يوم 23 أو 24، بدأنا نسمع التكبير يقترب من السجن. ثم بدأنا نسمع أصوات طرق الأبواب والتكسير. السجناء بدأوا بتحطيم الأبواب من الداخل لتحريرنا. كان الأمر مدهشًا ومؤثرًا، وكلنا بدأنا نرفع التكبير والتهليل. في البداية كانت الأبواب مغلقة جدًا، ولكن بعد جهد كبير تمكنا من فتحها.

أحمد منصور: كم كان عدد السجناء في سجن بوسليم؟

مصطفى نوح: كان هناك أكثر من أربعة آلاف سجين في السجن. كان المكان مكتظًا جدًا. في الزنزانة التي كنت فيها، كان يوجد أيضًا بعض الإعلاميين الذين اعتُقلوا في فترة القذافي.

أحمد منصور: ما كان شعورك عندما تم فتح الزنزانة؟

مصطفى نوح: شعور لا يمكن وصفه بالكلمات. كنت أسمع التكبير وأصوات الأقدام تكسر الأبواب، وكان كل شيء حولنا مليئًا بالفرحة، وكأننا نعيش لحظة تاريخية. لقد دعونا الله أن نخرج من السجن مكبرين مهللين، والحمد لله خرجنا كذلك.

أحمد منصور: أين ذهبت أولاً بعد أن خرجت من السجن؟

مصطفى نوح: أول ما خرجنا من السجن، كان الأمن في طرابلس ما زال هشًا، وكانت المدينة تشبه مدينة الأموات. خرجنا بحذر من السجن وتوجهنا إلى منطقة “قدح”، حيث استقبلنا إخواننا بحفاوة كبيرة، وباركوا لنا على خروجنا. ولكننا سرعان ما واصلنا طريقنا إلى مكان آمن، وكان الوضع في المدينة لا يزال صعبًا.

أحمد منصور: كيف تتمنى أن ترى ليبيا في المستقبل؟

مصطفى نوح: أتمنى أن يرى الليبيون وطنهم آمنًا ومزدهرًا، وأن يتمكنوا من بناء دولة مؤسسات حقيقية، حيث يعيش الناس في أمان ويستمتعون بحياة كريمة. أطمح أن أعيش حياتي بشكل طبيعي مثل أي ليبي آخر، وأن أتمكن من السفر والتنقل بحرية دون أي عراقيل. كما أتمنى أن يتمكن جيلنا من تجاوز جراح الماضي وبناء ليبيا أفضل.

أحمد منصور: شكراً جزيلاً لك، مصطفى، على شهادتك المؤثرة.

مصطفى نوح: شكرًا لك، أخي أحمد، وأتمنى أن يعم الأمن والاستقرار في ليبيا، وأن يعيش أولادنا في سلام.

أحمد منصور:شكراً جزيلاً لك، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، حتى ألقاكم في حلقة قادمة مع شاهد جديد على الثورة، هذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاور الحوار

 0:00 محاولة وقف زحف الأوكرانيين لداخل ليبيا
2:13 تفاصيل ولحظات القبض على مصطفى نوح
7:58 تخلص نوح من ورقة سرية بحوزته
8:28 التهديد بمسدس ذو طلقات جرثومية
9:47 استقبال عبدالله السنوسي لمصطفى نوح
14:35 أشكال التعذيب التي تعرض لها مصطفى نوح
18:40 الاعترافات التمويهية لمصطفى نوح مع الأمن
20:26 وصف لتعذيب بعض المعتقلين دخل حجرة الاعتقال
22:34 اعتقال العقيد فتوح الغريبي مسؤول تخطيط عملية الأندلس
25:16 التنكيل بنوح بسبب انتماءه لمصراته وكسر ضلع من صدره
28:30 مطالب النظام المفاوضات واستغلال المعتقلين لها لتخفيف التعذيب
29:39 اتصال سري من مصطفى للثوار
31:25 الانتقال لسجن بوسليم واستمرار الاعتقالات
33:24 معلومات المعتقلين عن تحركات الثوار بالخارج
34:43 تحديد موعد معركة طرابلس 20 رمضان
37:26 وضع المعتقلين في يوم معركة طرابلس
41:36 تحرير سجن بوسليم
44:30 شعور مصطفى نوح بعد فتح الزنازين
45:54 الوضع الأمني في طرابلس بعد المعركة
47:45 أمنيات مصطفى نوح لمستقبل ليبيا

Total
0
Shares
السابق
مصطفى نوح

مصطفى نوح ج4 : أسرار عملية الأندلس ضد رموز نظام القذافي في ليبيا

التالي
أمين الحافظ

أمين الحافظ ج2: مسلسل الانقلابات العسكرية في سوريا

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share