أمين الحافظ ج3: انقلاب النقباء مصطفى حمدون وأمين الحافظ وترسيخ الوجود العلوي

يستعرض أحمد منصور مع رئيس سوريا الأسبق الفريق أمين الحافظ ج3 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، تفاصيل انقلاب النقباء مصطفى حمدون وأمين الحافظ ضد أديب الشيشكلي، وعودة شكري القوتلي لرئاسة سوريا، مع بدء ترسيخ الوجود العلوي في البلاد..
أمين الحافظ

يستعرض أحمد منصور مع رئيس سوريا الأسبق الفريق أمين الحافظ ج3 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر ، و الذي جرى بثه بتاريخ 9 إبريل 2001، تفاصيل انقلاب النقباء مصطفى حمدون وأمين الحافظ ضد أديب الشيشكلي، وعودة شكري القوتلي لرئاسة سوريا، مع بدء ترسيخ الوجود العلوي في البلاد.

يستكمل أمين الحافظ في الحلقة الثالثة من شهادته على العصر، الحديث عن سلسلة الانقلابات في سوريا، وتفاصيل انقلاب مصطفى حمدون وأمين الحافظ ضد أديب الشيشكلي وعودة شكري القوتلي لرئاسة سوريا.
وأكد الحافظ أن الانقلابات أساءت إلى الشعب وإلى الجيش، موضحا أنه في انقلاب أديب الشيشكلي، عرض عليه عدة مراكز من رئيس الأركان شوكت شقير وآمر الشعبة الأولى نعيم وفائي، ولكنه رفض.
وأوضح أن الحياة السياسية خلال فترة الانقلابات والتي تضمنت ثلاث انقلابات، خلال عدة أشهر من عام 1949 كانت ضعيفة..
وأشار الحافظ إلى اجتماع الأحزاب في عام 1953 ضد أديب الشيشكلي ومطالبته بالاستقالة، لافتا إلى أنه انضم إلى البعث في العام 1955، كما تحدث الحافظ عن انقلاب النقباء وتفاصيله.

نص حوار أمين الحافظ ج3:

انقلاب مصطفى حمدون وأمين الحافظ وترسيخ الوجود العلوي

أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (شاهد على العصر)، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الرئيس السوري الأسبق الفريق أمين الحافظ.
مرحبًا سيادة الرئيس.

أمين الحافظ:
أهلاً بكم.

الانقلابات العسكرية وسياقها السياسي في سوريا عام 1949

أحمد منصور:
في الحلقة الماضية توقفنا عند انقلاب سامي الحناوي في 14 أغسطس/آب 1949، الذي قاده ضد انقلاب حُسني الزعيم، والذي يُعد أول انقلاب عسكري في الدول العربية، وقد بقي الزعيم في السلطة أربعة أشهر ونصف. وأشرتَ إلى حقيقة مهمة جدًا، وهي أن معظم الانقلابات العسكرية تكون لها علاقات خارجية، وذكرتَ أن انقلاب الحناوي كان لصالح العراق.

أمين الحافظ:
في الحقيقة، ليس الحناوي شخصيًا. فالحناوي رجل أعرفه جيدًا؛ كان طيبًا، بسيطًا، شجاعًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. غير أن له قريبًا يُدعى أسعد طلس، كان متأثرًا بحزب الشعب. وحزب الشعب، رغم احترامي لقادته، وأنا لا أتهمهم، كانت لهم وجهة نظر معينة.

أحمد منصور:
من تقصد بقادته؟

أمين الحافظ:
أقصد أمثال معروف الدواليبي، وعبد الوهاب حامد، وناظم القدسي رحمه الله، ورشدي الكخيا رحمه الله. كانوا من خيرة الناس، لكن كانت لهم رؤية سياسية مختلفة.

أحمد منصور:
تقصد معروف الدواليبي رئيس الوزراء السابق؟

أمين الحافظ:
نعم، معروف الدواليبي، وهؤلاء كانوا يُعدّون من التيار التقدمي داخل حزب الشعب. كانوا يرون أن الوحدة أو العلاقات الوحدوية مع العراق، رغم الوجود البريطاني هناك، ممكنة، بحجة أننا طردنا فرنسا ونستطيع طرد الإنجليز أيضًا. أما نحن فكنا نرى العكس؛ إذ كنا نعتقد أن ضم سوريا إلى العراق في ظل النفوذ البريطاني سيؤدي إلى فقدان استقلالها وجمهوريتها، ويجعلها تابعة. وكان هناك أيضًا لاحقًا حلف بغداد الذي مثّل قوة سياسية وعسكرية.

أحمد منصور:
نعم، جاء حلف بغداد في 25 فبراير/شباط 1955.

أمين الحافظ:
صحيح، ولذلك كنا نقف ضد هذا التوجه. وليس ذلك عداءً للعراق، فالشعب العراقي شعب شقيق، وجيشه بطل، وقد قاتل بشجاعة في فلسطين، وضباطه عرب أصلاء من خيرة الناس. وحتى الأكراد في العراق من أطيب الناس وأشجعهم. لكن المشكلة كانت في النفوذ البريطاني، الذي سيطر على الخليج قرابة مئتي عام، ولم يسمح بقيام نهضة حقيقية. وانظر إلى ما حدث في الهند حتى تحقّق الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية، وبرز قادة مثل المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو.

وأذكر موقفًا لرشدي الكخيا رحمه الله، حين طُلب منه في عام 1961 أن يوقّع على وثيقة الانفصال عن مصر، فقال: «اليد التي وقّعت على الوحدة لا توقّع على وثيقة الانفصال».

أحمد منصور:
كان ذلك في عام 1961، عند الانفصال عن مصر.

أمين الحافظ:
نعم، في عام 1961. ومع الأسف، وقّع على وثيقة الانفصال اثنان من كبار قادة حزب البعث؛ أولهما أكرم الحوراني، الذي فُصل من المؤتمر الخامس، وكذلك صلاح البيطار، أحد مؤسسي الحزب، وهو رجل نزيه اليد، طاهر السيرة.

أحمد منصور:
سنعود إلى هذه النقطة بالتفصيل، ولكن دعنا الآن نبقى في موضوع انقلاب سامي الحناوي.

أمين الحافظ:
الحناوي دخل مدخلًا لم يُحسن الخروج منه، والانقلابات العسكرية عمومًا تُسيء.

أحمد منصور:
إلى من تُسيء؟

أمين الحافظ:
تُسيء إلى الشعب وإلى الجيش، مع الأسف.

أحمد منصور:
لكن وصولك إلى السلطة كان أيضًا عبر انقلاب.

أمين الحافظ:
نعم، كان انقلابًا، وهذا صحيح. ولكن حين وقع انقلاب عام 1954، عُرضت عليّ مناصب من رئيس الأركان شوكت شقير وآمر الشعبة الأولى نعيم وفائي، فرفضت. قلت: أنا ضابط في الجيش، أقوم بواجبي ولا أطلب مقابلًا. بقيت في موقعي ولم أطلب منصبًا.

أحمد منصور:
لكن كان لك دور رئيسي في انقلاب 1954، وكذلك في انقلاب 1963 الذي أوصلك إلى السلطة مع البعثيين.

أمين الحافظ:
ساهمت فيه مساهمة كبيرة قبل اندلاع المعركة، شأن غيري من الضباط.

أحمد منصور:
والآن تقول إن الانقلابات تُسيء، باستثناء التي شاركتَ فيها؟

أمين الحافظ:
لا أقول ذلك. أنا أتحدث عمومًا. من عرفتهم من القادة كانوا نظيفي اليد، حسني النية، حتى وإن اختلفنا في التقدير السياسي.

أحمد منصور:
سنفصل في ذلك لاحقًا. سامي الحناوي بقي في السلطة من 14 أغسطس/آب 1949 حتى 19 ديسمبر/كانون الأول 1949. أي إن عام 1949 وحده شهد ثلاثة انقلابات في سوريا خلال أشهر قليلة. كيف كان شكل الجيش آنذاك؟

أمين الحافظ:
سؤال في محلّه.

أحمد منصور:
وكيف تقبّل الناس هذا الوضع، في ظل حياة كانت شبه ديمقراطية آنذاك؟

أمين الحافظ:
الجيش في الأصل هو رأس الحربة في الحرب، وهو طليعة مقاتلة، لكنه ليس بديلًا عن الشعب. الشعب هو الأساس، وهو من يقاتل في النهاية. كثرة الانقلابات تؤدي إلى إرباك الدولة وإضعافها. وأقول هنا إن الشعب السوري، العربي السوري، جزء من أمة عربية كبيرة تعرّضت لمخططات متعددة لضربها بوسائل شتى، ومن بينها التحركات المرتبطة بحلف بغداد ومن يدور في فلكه.

أحمد منصور:
لكننا ما زلنا في عام 1949.

أمين الحافظ:
صحيح، لكن المؤامرات كانت مستمرة. ولا أُحمّل الاستعمار وإسرائيل كل المسؤولية؛ لدينا أخطاء داخلية أيضًا. الشعب السوري شعب ذكي، ويستحق أن يُوصف بقلب العروبة النابض.

أحمد منصور:
وأين المصريون من هذا الوصف؟

أمين الحافظ:
وجميع العرب كذلك. المشكلة أن القوى الأجنبية كثيرًا ما تتدخل لإضعاف أي حاكم وطني مستقل، وتأتي بغيره ممن يخدم مصالحها.

أحمد منصور:
لنعد إلى عام 1949، وإلى المقولة الشائعة آنذاك بأن من يستيقظ مبكرًا من الضباط يستطيع أن يستولي على السلطة، لكثرة الانقلابات.

أمين الحافظ:
في ذلك شيء من المبالغة، لكنها تعكس واقعًا مضطربًا.

الأصل أن الجيش في خدمة السلطة المدنية، وخاضع لإرادة الشعب الذي أنشأه، وهو أداة للدفاع عن الوطن لا لفرض نفسه على الناس. لكن دول العالم الثالث – بل ما كنت أقول عنه آنذاك العالم العاشر – كانت تعاني اختلالات عميقة.

مع الأسف، كثيرًا ما كانت صراعاتنا داخلية، في حين نتخاذل أمام العدو. نحن أمة يزيد عددها على ثلاثمئة مليون، ولم نخسر حربًا شاملة بقدر ما خسرنا معارك. والانتصار ممكن متى توفرت الإرادة الصادقة ووحدة الصف.

الانقلابات المتلاحقة وصراع القوى السياسية في سوريا

أحمد منصور:
هل كان لك علاقة بانقلاب أديب الشيشكلي الأول؟

أمين الحافظ:
لا، والله.

أحمد منصور:
ألم تؤيده أيضًا؟

أمين الحافظ:
ضمنيًا كنت ضد فكرة الوحدة مع العراق في ظل النفوذ البريطاني. أنا أفرّق بين الشعب البريطاني، وهو شعب عظيم له مكانته وكرامته، وبين السياسات الاستعمارية. وكذلك الشعب الأمريكي شعب عظيم، لكن للدول مصالحها. وأقول إن اللوم يقع علينا نحن العرب؛ فليس من المقبول أن يُترك ياسر عرفات ورجاله في مواجهة الجيش الإسرائيلي وحدهم، بينما تدعم الولايات المتحدة وبريطانيا إسرائيل.

أحمد منصور:
لكنه هو من اختار ذلك المسار.

أمين الحافظ:
بل فُرض عليه فرضًا.

أحمد منصور:
دعنا ننتقل إلى انقلاب الشيشكلي الثاني في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1951.

أمين الحافظ:
اسمح لي بكلمة. الفلسطينيون ليسوا ياسر عرفات وحده. ولسان حال كل فلسطيني يقول:

«ولو أن قومي أنطقتني رماحهم
نطقتُ، ولكن الرماح أجرّتِ»

لو أن العرب والمسلمين وقفوا كما يجب، لما وصل الفلسطينيون إلى هذا الحال.

أحمد منصور (مقاطعًا):
أنت تناقض نفسك، سيادة الرئيس. تتحدث عن قوة الشعوب، ثم عن التخاذل العربي.

أمين الحافظ:
أتحدث عن تخاذل الحكّام، لا الشعوب. الشعوب مكبوتة. في سوريا –على سبيل المثال– حين يأتي حاكم قد يُقتل عشرات الآلاف، وتُدمَّر مدن ومساجد وكنائس.

أحمد منصور:
أنت دمّرت مسجدًا في حماة عام 1964.

أمين الحافظ:
سنتحدث عن ذلك بالتفصيل. وأقول إن شهادات عديدة، ومنها شهادة أكرم الحوراني، تؤكد أنني ساهمت في تقليل الخسائر والوقوف في وجه الفتنة الطائفية. هدفي كان ولا يزال الوحدة الوطنية، وقد رأيت في حماة أمورًا عالجتها بما استطعت.

أحمد منصور:
نعود إلى انقلاب الشيشكلي الثاني في 29 نوفمبر 1951. لماذا انقلاب ثانٍ وقد قام بالأول؟

أمين الحافظ:
بتقديري، كان يريد الوصول إلى السلطة تدريجيًا وترسيخها.

أحمد منصور:
كيف كانت الحياة السياسية في ظل تلك الانقلابات؟

أمين الحافظ:
كانت الأحزاب موجودة، لكن الحزب الوطني كان ضعيفًا، وحزب الشعب أقوى نسبيًا، وكانت ميوله نحو العراق. أما الحزب القومي السوري الاجتماعي، فكان له حضور بين بعض الضباط، ويُقال إن شقيق أديب الشيشكلي، صلاح، كان قريبًا من هذا التيار.
أما الشيوعيون، فلم تكن لهم القوة التي يُبالغ الناس في تصويرها. في زمن الوحدة مع مصر، كان لهم نائب واحد فقط في البرلمان من بين أكثر من مئة وأربعين نائبًا، ولم يكن لهم نفوذ حقيقي داخل الجيش.

أحمد منصور:
وماذا عن حزب البعث؟ لقد أُعلن عنه في 7 أبريل/نيسان 1947 على يد صلاح الدين البيطار وميشيل عفلق. كيف كانت قوته حتى عام 1951؟

أمين الحافظ:
كانت له قوتان: قوة بشرية مادية، وقوة معنوية فكرية. صحيح أن نتائجه الانتخابية لم تكن متقدمة مقارنة بأحزاب أخرى، لكن طرحه الفكري جذب الشباب. قادته كانوا أساتذة جامعات، نظيفي اليد، وماتوا دون أن يملكوا شيئًا.

أحمد منصور:
اغتيل صلاح البيطار في باريس عام 1980.

أمين الحافظ:
اغتيل لأنه كتب مقالات ذكر فيها ما اعتبره حقيقة، ومن بينها مقال بعنوان «عفوك يا شعب سوريا»، وتحدث فيه عن الطائفية مرارًا. أما أنا، فكنت ولا أزال أرى أن الوحدة الوطنية فوق كل اعتبار.

أحمد منصور:
لكن الطائفية واقع في سوريا، ويتحدث عنها الجميع.

أمين الحافظ:
هي واقع يمكن معالجته، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى محور دائم للخطاب السياسي.

أحمد منصور:
ومعظم السياسيين تحدثوا عنها.

أمين الحافظ:
ولهذا فقتلوه. 

إسقاط حكم الشيشكلي

أحمد منصور:
وأنت أحد المتهمين بتدعيم الطائفية، وسنأتي إلى ذلك لاحقًا.

أمين الحافظ:
حاشا لله. أنا رجل مسلم سُنّي، وأرفض الطائفية رفضًا قاطعًا.

أحمد منصور:
لكن يُقال إنك أتحت لها المجال خلال فترة حكمك.

أمين الحافظ:
أبدًا. جئت إلى المسؤولية بعد الثامن من آذار بأيام قليلة، وكانت البلاد في حالة اضطراب. في الجيش لم نكن نقبل بالطائفية. بل إنني وقفت ضد أي محاولة لانقلاب يقوم على أساس طائفي، ومنعت تحركات كان يمكن أن تؤدي إلى صراع بين الضباط على أساس الانتماء. لا أقبل أن يتحول الجيش إلى ساحة تنازع طائفي.

أحمد منصور:
سنعود إلى هذه النقطة بالتفصيل. لننتقل إلى انقلاب أديب الشيشكلي الثاني في 29 نوفمبر 1951، ثم إلى ما حدث في 25 فبراير 1954 عندما وجّه النقيب مصطفى حمدون نداءً من حلب لإنهاء حكم الشيشكلي، وكنتَ أول من استجاب له.

أمين الحافظ:
هذا صحيح.

أحمد منصور:
كيف تقيّم فترة حكم الشيشكلي؟ ولماذا استجبت للانقلاب ضده؟

أمين الحافظ:
نشأنا على أن الشعب هو الأساس. الحاكم الذي يحفظ كرامة الناس وينصفهم تكون له مكانته، أما إذا ظلم واستبدّ فإنه يفقد شرعيته. في عام 1953 اجتمعت معظم الأحزاب، بما فيها شخصيات مستقلة، وطالبت الشيشكلي بالاستقالة، لأنه انفرد بالحكم، وأنشأ حزبًا بقرار إداري وفرضه على الموظفين وبعض الضباط. الحزب لا يُنشأ بمرسوم، بل يتكوّن عبر نضال وتضحيات.

أحمد منصور:
إذًا كنت ضد نظام حكمه.

أمين الحافظ:
نعم، ووقفت ضده، خاصة بعد أحداث جبل العرب، حيث كان لا بد من موقف يحقن الدماء ويحافظ على وحدة البلاد.

أحمد منصور:
في عام 1953 حدث اندماج بين حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب العربي الاشتراكي الذي كان يقوده أكرم الحوراني. هل كنت آنذاك منضمًا إلى أيٍّ منهما؟

أمين الحافظ:
كانت عواطفي معهما، لكن انضمامي الفعلي كان لاحقًا، تقريبًا عامي 1955 أو 1956.

أحمد منصور:
هل كان الاندماج قائمًا على اتفاق فكري حقيقي، أم على حسابات قوة؟

أمين الحافظ:
أكرم الحوراني منح الحزب قاعدة جماهيرية واسعة، خاصة بين الفلاحين والعمال، بينما كان لدى ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار قاعدة فكرية وثقافية بين المثقفين. القواعد الحزبية كانت ترغب في وحدة الصف، أما القيادات فلكل منها رؤيته الخاصة. ومع ذلك ظل موقف الحزب الرسمي مؤيدًا للوحدة.

أحمد منصور:
ما الأسباب التي دفعت مصطفى حمدون إلى الدعوة لإنهاء حكم الشيشكلي في 25 فبراير 1954؟

أمين الحافظ:
كان مصطفى صديقًا وزميلًا في الكلية العسكرية، شابًا وطنيًا من خيرة الناس. لم أكن على علم مسبق بحركته، وإن كنت أفكر في ضرورة التغيير. وعندما أعلن موقفه، استجبت فورًا.

أحمد منصور:
هل يعني ذلك أن عددًا من الضباط كانوا يفكرون بالأمر نفسه؟

أمين الحافظ:
نعم، كانت هناك حالة تذمّر عامة. الشيشكلي كان يمتلك قوة عسكرية معتبرة، دبابات وقوات منظمة، لكن عندما بدأت الحركة لم يتحرك كثيرون. كنت من أوائل من تحركوا صباح ذلك اليوم، واحتللت درعا وأرسلت تقارير متتالية.

أحمد منصور:
هناك اختلاف في الروايات حول توقيت استجابتك.

أمين الحافظ:
قد تختلف الساعات في الروايات، لكن المؤكد أنني تحركت في الصباح الباكر، وكنت من أوائل المستجيبين لنداء إنهاء حكم الشيشكلي.

دور أمين الحافظ في انقلاب 1954 وتداعيات حلف بغداد

أحمد منصور:
ما كانت رتبتك آنذاك؟

أمين الحافظ:
كنت برتبة نقيب، مثل مصطفى حمدون.

أحمد منصور:
إذًا مستوى الانقلابات تغيّر؛ بعد أن كانت تُقاد من عُقداء، أصبحنا أمام ما يمكن تسميته «انقلاب النقباء»!

أمين الحافظ:
الأمر لم يكن مسألة رتب، بل كان مسألة وطن. حين يتحرك الإنسان بدافع وطني، لا تُقاس الأمور بالرتبة العسكرية.

أحمد منصور:
هل يمكن لنقباء أن ينجحوا في انقلاب؟

أمين الحافظ:
توكلنا على الله، ثم تحركنا. عدت إلى وحدتي، وأعلنت الاستنفار. جنودي كانوا يثقون بي، وكنت دائمًا معهم في الميدان، أقوم بواجبي دون تقصير. صادرت نحو ثلاث عشرة أو خمس عشرة سيارة عسكرية، وسيطرنا على درعا، واعتقلنا المحافظ وقائد الفوج بكل احترام. أردنا أن نوجّه رسالة معنوية قبل أن تكون عسكرية.

أحمد منصور:
هل كنتم واثقين من نجاح تحرككم، وأنتم مجموعة محدودة من الضباط برتبة نقيب؟

أمين الحافظ:
اعتمدنا على الله، وعلى إيماننا بأننا على حق، وعلى دعم الشعب. لم نكن نمثل أشخاصًا، بل كان المزاج العام ضد الشيشكلي، وقادة الأحزاب كانوا معتقلين، والحياة السياسية معطّلة.

أحمد منصور:
كيف تحركت بقية القوى؟

أمين الحافظ:
شهدت المدن مظاهرات واسعة، في السويداء وغيرها. الشعب كان في حالة غليان. وعندما عُرضت عليّ مناصب بعد نجاح الحركة من رئيس الأركان شوكت شقير وآمر الشعبة الأولى نعيم وفائي، رفضت؛ لم أتحرك طمعًا في منصب.

أحمد منصور:
هل كانت تلك أول مشاركة فعلية لك في انقلاب؟

أمين الحافظ:
كانت أبرز مشاركة مباشرة لي. أما في أحداث أخرى فكان لي مواقف، منها معارضتي للانفصال لاحقًا.

أحمد منصور:
في 25 فبراير 1955 وُقّع حلف بغداد. ما تأثيره على سوريا؟

أمين الحافظ:
كان له أثر بالغ، إذ اعتبرناه موجّهًا ضد توجهاتنا القومية. كانت هناك محاولات ضغط وتدخل مستمرة. لكن صمود الشعب السوري، وموقف مصر بقيادة جمال عبد الناصر، كانا عاملين مهمين في مواجهة تلك الضغوط.

أحمد منصور:
هرب الشيشكلي إلى لبنان.

أمين الحافظ:
نعم، وغادر دون قتال واسع، وهذا جنّب البلاد إراقة دماء كبيرة. كان بإمكانه أن يقاتل، فكانت لديه قوات قوية، لكنه اختار المغادرة.

أحمد منصور:
في 18 أغسطس 1955 أُعيد انتخاب شكري القوتلي رئيسًا للجمهورية.

أمين الحافظ:
شكري القوتلي كان له تاريخ نضالي ضد الفرنسيين، ومكانة وطنية معتبرة. إعادة انتخابه جاءت في سياق إقليمي معقّد، وشهدت تداخلات عربية، لكن في تقديري كان يستحق التقدير لدوره الوطني.

أحمد منصور:
كنت تقصد الشيشكلي حين تحدثت عن المغادرة إلى لبنان.

أمين الحافظ:
نعم، الشيشكلي غادر، وكان ذلك أفضل للبلاد من مواجهة عسكرية داخلية. حتى بعض الضباط الذين كانوا معه كانوا رجالًا أكفاء، والخلاف كان سياسيًا في جوهره.

أحمد منصور:
ذكرت اسم عبد الحق شحادة سابقًا.

أمين الحافظ:
نعم، كان قائد الشرطة العسكرية آنذاك، وله دور في مواقف سابقة، وذكرت اسمه في سياق الحديث عن تلك المرحلة.

أثر الانقلابات على المؤسسة العسكرية

أحمد منصور:
نعم، صحيح.

أمين الحافظ:
كان لي صديق مقاتل يُدعى حسين حدّة، اتصل بي في درعا وقال: يا أبا عبدو، تعالَ نتفاهم. فقلت له: لا تفاهم قبل أن يغادر أديب.

أحمد منصور:
ما تقييمك لشخصية أديب الشيشكلي؟

أمين الحافظ:
القائد العسكري، قبل كل شيء، واجبه أن يكون قدوة. يُضرب به المثل في الانضباط، والالتزام، والعلم، واحترام الوقت، والتدريب مع جنوده ليلًا ونهارًا. أما القائد الذي يسهر في اللهو حتى الصباح، ثم يخرج في اليوم التالي ليُحاضر في الآخرين، فذلك أمر لا يليق بالقيادة.

أحمد منصور:
هل كان يتعاطى الخمر؟

أمين الحافظ:
كان ذلك معروفًا. حضرتُ مرةً مجلسًا معه، وفُرض عليّ أن أكون حاضرًا. ولم أكن أرى في ذلك سلوكًا ينسجم مع قدسية المسؤولية العسكرية.

أحمد منصور:
وهل كان شرب الخمر منتشرًا بين الضباط؟

أمين الحافظ:
كان موجودًا بين بعضهم.

أحمد منصور:
وماذا عن لعب القمار؟

أمين الحافظ:
القمار من أسوأ العيوب. ليس كل الضباط يمارسونه، لكنه كان موجودًا بين بعض القدامى. وهو سلوك مُشين؛ إذ كيف يليق بضابط يُفترض أن يضحي بنفسه من أجل وطنه أن يجلس فيسلب مال زميله على طاولة الميسر؟ كنت ولا أزال أرى في القمار نوعًا من أكل أموال الناس بالباطل.

أحمد منصور:
ما الجوانب الأخرى في تقييمك لشخصيته؟

أمين الحافظ:
كما قلت، ماضيه العسكري كان جيدًا؛ شارك في حرب فلسطين عام 1948 ولم يُقصّر. أسرته كانت معروفة، ومن بينها توفيق الشيشكلي، وكان بيته مفتوحًا للناس، وكذلك عمر الشيشكلي الذي عُرف بتوجه وحدوي. غير أن النزعة الديكتاتورية والاستخفاف بالناس كانا من أبرز سلبيات تجربته في الحكم.

أحمد منصور:
لماذا عاد شكري القوتلي إلى الرئاسة؟

أمين الحافظ:
لم نأتِ به نحن بصورة مباشرة. شاركنا في إنهاء حكم الشيشكلي، ثم تُرك الأمر للتوازنات السياسية. وأعترف أن الأخطاء لم تبدأ مع حزب بعينه؛ الجميع أخطأ بدرجات مختلفة. في فترات سابقة، استُخدم بعض الضباط للتأثير في الانتخابات لصالح هذا الحزب أو ذاك، وكان ذلك خطأ جسيمًا. تدخل الجيش في السياسة فتح الباب لتدخلات لاحقة.

أحمد منصور:
بين عامي 1949 و1955، ومع توالي الانقلابات، كانت كل مجموعة تُقصي الأخرى، حتى قيل إن عدد الضباط المسرّحين صار أكبر من عدد من بقوا في الجيش.

أمين الحافظ:
هذا صحيح إلى حدّ بعيد. ظاهرة الإقصاء أضعفت المؤسسة العسكرية. حين عدت لاحقًا وتولّيت مسؤولية وزارة الداخلية، أدركت حجم الخلل الذي سببه تسريح أعداد كبيرة من الضباط. كان الجيش يدفع ثمن الصراعات السياسية، بدل أن يبقى مؤسسة وطنية موحّدة تخدم الدولة بأكملها.

أزمة تسريح الضباط وتمهيد الطريق للوحدة عام 1958

أحمد منصور:
هذا كان عام 1963، وأنا ما زلت عند عام 1955.

أمين الحافظ:
أتحدث عن قضية الضباط بصورة عامة، في سياق إجابتي عن سؤالك.

أحمد منصور:
نعم.

أمين الحافظ:
أعطيك مثالًا: عندما عدتُ من الأرجنتين، حيث كنت ملحقًا عسكريًا، وصلت إلى المطار مع عائلتي دون أن أُبلغ أحدًا بموعد عودتي. فوجئت بعدد كبير من الضباط في استقبالي، من بينهم من أصبحوا لاحقًا أعضاء في مجلس قيادة الثورة، مثل صلاح جديد وعبد الكريم الجندي. أمّنوا لنا سيارة، وأوصلوا عائلتي إلى فندق ناصر – وكان يُعرف بفندق السياحة – ثم اصطحبوني إلى قصر الضيافة.

أحمد منصور:
ألم يكن لديك منزل في دمشق؟

أمين الحافظ:
لم يكن لي منزل مملوك، كنت أستأجر مسكنًا، ولم أشترِ بيتًا حتى بعد تولّي المسؤوليات.

أحمد منصور:
نعود إلى مسألة الضباط الذين أُخرجوا من الجيش.

أمين الحافظ:
نعم. عندما التقيت بهم – وكنت آنذاك برتبة عميد – رحّبوا بي، ثم سألتهم عمّا فعلوه خلال الأيام التي سبقت وصولي. قالوا إنهم سرّحوا عددًا كبيرًا من الضباط.

أحمد منصور:
كم كان العدد؟

أمين الحافظ:
وفق ما علمت، كان العدد يتراوح بين أربعمئة وخمسمئة ضابط. وكان لؤي الأتاسي رئيس الدولة آنذاك. قلت لهم صراحة: لقد أخطأتم، فالجيش مؤسسة وطنية. معظم هؤلاء الضباط شاركوا في حرب فلسطين، ولم يكونوا انفصاليين، ولا يجوز تسريحهم جماعيًا. قيل لي: «سبق السيف العذل»، لكنني لم أقبل ذلك المنطق.

أحمد منصور:
هل حاولت إعادتهم؟

أمين الحافظ:
حاولت، وطلبت من القيادة إعادة النظر، لكن بعد الانقلاب عليّ فوجئت بأن موجة تسريح جديدة وقعت، حتى شملت ضباطًا كانوا من أصدقائي. كنت أسأل في وزارة الداخلية عن بعض الأسماء، فيُقال لي: لقد سُرّح.

أحمد منصور:
كأن كل مجموعة كانت تقصي الأخرى.

أمين الحافظ:
هذا ما حدث للأسف. كانت دوامة من الإقصاء المتبادل أضعفت الجيش. ومع أنني كنت أختلف مع بعض الذين قاموا بالانقلاب عليّ، فإنني أقول إن معالجة مسألة التسريح لو تمت بصورة عادلة لما تطورت الأمور إلى احتقانات خطيرة.

أحمد منصور:
يقال إن معظم الذين سُرّحوا كانوا من السنّة، مقابل تثبيت ضباط علويين.

أمين الحافظ:
الغالبية ممن كانوا معي كانوا من السنّة، لكنني لم أكن أنظر إلى المسألة بمنظار طائفي. التكتلات داخل الجيش فرضت واقعًا معقدًا، لكنني كنت أؤكد أن الجيش جيش وطني، لا يُختزل في طائفة. أما في مرحلة الانفصال، فقد كان معظم من قاموا به من السنّة أيضًا، وكثير منهم من دمشق، وكانت هناك مصالح اقتصادية وسياسية متداخلة.

أحمد منصور:
سندخل في تفاصيل العلاقة مع جمال عبد الناصر في الحلقة القادمة.

أمين الحافظ:
نعم.

أحمد منصور:
سنتحدث عن طبيعة العلاقة بين عبد الناصر وحزب البعث، وعن تأسيس «اللجنة العسكرية البعثية»، ثم توجهكم في 12 يناير 1958 إلى مصر لطلب الوحدة.

أمين الحافظ:
صحيح.

أحمد منصور:
ثم أُعلنت الوحدة بين مصر وسوريا في الأول من فبراير 1958. نؤجل التفاصيل إلى الحلقة القادمة. أشكرك جزيل الشكر، سيادة الفريق.

أمين الحافظ:
الشكر لكم.
أحمد منصور:
كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. في الحلقة القادمة نواصل الاستماع إلى شهادة الفريق أمين الحافظ، رئيس سوريا الأسبق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاور الحوار


00:00
​​ – المقدمة

00:30 – من الذي كان يقف وراء انقلاب سامي الحناوي على حسن الزعيم؟

01:59 – 1955حلف بغداد في 25 فبراير عام

04:07 – انقلاب سامي الحناوي

06:00 – الانقلابات العسكرية في سوريا

08:27 – علاقة أمين الحافظ بانقلاب أديب الشيشكلي الأول

10:47 – رأى أمين الحافظ فى ياسر عرفات

12:43 – انقلاب الشيشكلي الثاني في 29 نوفمبر

14:17 – قوة حزب البعث على الساحة في سوريا

16:51 – تقييم أمين الحافظ لفترة حكم الشيشكلي ودوافع استجابته للانقلاب ضده

19:32 – اندماج ما بين حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الذي كان يقوده أكرم الحوراني

22:16 – انقلاب مصطفى حمدون وأمين الحافظ ضد أديب الشيشكلي

24:50 – منصب أمين الحافظ وقت الانقلاب على الشيشكلي

27:00 – عودة الجيش للسيطرة على السلطة مرة أخرى

29:32 – عودة شكري القوتلي لرئاسة سوريا

32:04 – انتشار الخمر بين الضباط في الجيش السوري

34:21 – 55فترة الانقلابات العسكرية المتتالية منذ عام 49 إلى

36:41 – تسريح لؤي الأتاسي عدد 500 ظابط من الجيش السوري

38:46 – تسريح الضباط السنة من الجيش وترسيخ وضع العلويين

Total
0
Shares
السابق
أمين الحافظ

أمين الحافظ ج1 : نضال الشعب السوري ضد الاحتلال الفرنسي ..وتقسيم سوريا لـ 5 دويلات

التالي
طارق البشري

طارق البشري: حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share