طارق البشري: حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم

يتناول أحمد منصور مع الفقيه القانوني المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة في حلقة برنامج الشريعة والحياة، الحديث حول الحقوق الأساسية لغير المسلمين في المجتمعات المسلمة، وأسباب إثارة قضية الاضطهاد الديني في مصر.
طارق البشري

يستعرض أحمد منصور مع الفقيه القانوني المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة في حلقة برنامج الشريعة والحياة التي بُثت بتاريخ 2 أغسطس 1998 الحديث حول الحقوق الأساسية لغير المسلمين في المجتمعات المسلمة، وأسباب إثارة قضية الاضطهاد الديني في مصر.

اعتبر المستشار طارق البشري في حلقة برنامج الشريعة والحياة إثارة قضية الاضطهاد الديني الذي تنسبه دول غربية إلى بعض الدول العربية بأنه امتداد لمرحلة الاستعمار والتفرقة التي انتهجها الغرب في القرن 19 للدول الإسلامية، وبيّن أن الدول الغربية تسعى للتفتيش عن الخلافات الدينية أو العرقية أو القبلية لإثارتها واستغلالها لتحقيق مصالحها

ونفى الفقيه القانوني وجود قانون في الدولة المصرية يتضمن تفرقة بين المسلمين والأقباط في الشؤون الخاصة بالحقوق أو بموانع الحقوق أو بالامتيازات أو بالواجبات، مؤكدا أن الهيكل التشريعي للدولة مبني على المساواة الكاملة بين المسلمين والمسيحيين.

كما نفى أن يكون للكنيسة المصرية دور في إثارة هذا القانون معتبراً أن هناك ثوابت استراتيجية للكنيسة القبطية تتمثل في الالتزام باستقلالية الكنيسة والتزام بالإجماع الوطني في شتى القضايا الوطنية ورفض التدخل الأجنبي

وحول مشاكل الأقباط في مصر أوضح مرقص أن هناك مشاكل مؤسسية تتمثل في العلاقة بين الكنيسة والدولة منها قضية بناء الكنائس أو الأوقاف الكنسية إضافة إلى الهموم الحياتية التي تنطلق من فكرة المناخ الطائفي الذي بدأ في السبعينات وتحديداً منذ حادثة الخانكة في عام 1972

كما أشار إلى أن الحوار الوطني هو أنسب الوسائل لإزالة التوتر بين المسلمين والمسيحيين وقطع الطريق على التدخل الأجنبي

نص حوار طارق البشري:

حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحييكم على الهواء مباشرة من القاهرة، وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

موضوع حلقة اليوم عن حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم وفي ظل التشريع الإسلامي، وذلك في ظل ما أثير مؤخراً في الغرب وفي الولايات المتحدة، على وجه الخصوص. من أن غير المسلمين في المجتمعات المسلمة يتعرضون للاضطهاد لا سيما الأقباط في مصر، والمساعي القائمة الآن في الكونجرس الأميركي وفي الولايات المتحدة لاستصدار قانون جديد يسمى قانون الاضطهاد الديني يفرض، في النهاية، شروطاً جائرة على الدولة العربية و الإسلامية ويسمح للدول الغربية بالتدخل في شؤونها وإثارة النعرات والخلافات بين أبناء الشعوب المسلمة. تساؤلات عديدة حول هذا الموضوع نطرحها على ضيف حلقة اليوم المستشار طارق البشري (نائب رئيس مجلس الدولة في مصر) والمستشار البشري كاتب ومؤرخ وقاض، بل واحد من أبرز القضاة في مصر، وفقيه شهد له الفقهاء بأنه واحد من المجتهدين في الفقه. وقد صدر للمستشار البشري أكثر من ستة عشر كتاباً من بينها: “المسلمون والأقباط في ظل الجماعة الوطنية” الذي صودرت طبعته الأولى حينما صدر عام 81 ثم صدر بعد ذلك.

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحييكم على الهواء مباشرة من القاهرة، وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

موضوع حلقة اليوم عن حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم وفي ظل التشريع الإسلامي، وذلك في ظل ما أثير مؤخراً في الغرب وفي الولايات المتحدة، على وجه الخصوص. من أن غير المسلمين في المجتمعات المسلمة يتعرضون للاضطهاد لا سيما الأقباط في مصر، والمساعي القائمة الآن في الكونجرس الأميركي وفي الولايات المتحدة لاستصدار قانون جديد يسمى قانون الاضطهاد الديني يفرض، في النهاية، شروطاً جائرة على الدولة العربية و الإسلامية ويسمح للدول الغربية بالتدخل في شؤونها وإثارة النعرات والخلافات بين أبناء الشعوب المسلمة. تساؤلات عديدة حول هذا الموضوع نطرحها على ضيف حلقة اليوم المستشار طارق البشري (نائب رئيس مجلس الدولة في مصر) والمستشار البشري كاتب ومؤرخ وقاض، بل واحد من أبرز القضاة في مصر، وفقيه شهد له الفقهاء بأنه واحد من المجتهدين في الفقه. وقد صدر للمستشار البشري أكثر من ستة عشر كتاباً من بينها: “المسلمون والأقباط في ظل الجماعة الوطنية” الذي صودرت طبعته الأولى حينما صدر عام 81 ثم صدر بعد ذلك.

أسباب إثارة قضية الاضطهاد الديني في مصر

أحمد منصور: سيادة المستشار، بدايةً: ما الأسباب التي أدّت إلى تفاقم قضية الاضطهاد الديني التي تنسبها الدول الغربية ووسائل إعلامها، وبعض أعضاء الكونغرس الأميركي وجماعات الضغط في الغرب، إلى الدول العربية والإسلامية؟ وما أسباب تفجّر هذا الوضع بالنسبة للأقباط في مصر خصوصاً في هذه المرحلة؟

طارق البشري: بسم الله الرحمن الرحيم. أتصوّر أن أي نفوذ أجنبي، وهذه خبرة تاريخية عايشناها في وعينا الفكري والسياسي عبر تجاربنا منذ مطلع القرن التاسع عشر إلى اليوم، كان من أبرز سماته أن الدول الغربية حين تطمح إلى النفوذ في بلادنا تبحث عن مواطن الخلاف بين الجماعات المختلفة؛ سواء أكان الخلاف دينياً، أم عِرقيّاً، أم مذهبياً، أم لغوياً. ثم تعمل على إثارة هذه الخلافات واستثمارها للإيقاع بين أبناء البلد الواحد. وهي سياسة عُرفت قديماً بمبدأ “فرِّق تسُد”.

أحمد منصور: هل يمكن اعتبار إثارة هذا الوضع الآن امتداداً لمرحلة الاستعمار والتفرقة التي بدأها الغرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؟

طارق البشري: هو امتداد للسياسة ذاتها، وامتداد للخبرة السياسية التي اكتسبها الغرب من تعامله معنا في تلك الفترات. وقد جُرّبت هذه السياسة في مصر مراراً، كما جُرّبت في بلاد الشام، وفي الهند، وفي الصين، وفي بلدان كثيرة.

أحمد منصور: لكن في هذه المرحلة يوجد قدر من الوفاق السياسي بين عدد من الدول العربية والإسلامية والولايات المتحدة، فكيف نفسّر إثارة هذا الملف من قِبل جماعات الضغط والكونغرس، ومحاولة إبراز قصور مزعوم في معاملة غير المسلمين، ولا سيما الأقباط في مصر؟

طارق البشري: هو نوع من إحكام السيطرة أو إثارة المشكلات الداخلية لتيسير التفاوض مع هذه الدول. ونذكر أن الإنجليز حين كانوا يحكمون مصر في مطلع القرن العشرين كانوا يثيرون هذه المسألة رغم أن الحكم كان بأيديهم. فإثارة الخلافات الداخلية تخدم أي دولة تسعى إلى بسط نفوذها في دولة أخرى. ونلاحظ اليوم انتقال الخطاب من صراعات الشرق والغرب إلى صراعات داخل المجتمعات نفسها؛ كالصراع بين الرجل والمرأة أو بين المسلمين والمسيحيين، بحيث يصبح بأسنا بيننا لا على غيرنا، وهذه خبرة تاريخية معروفة.

الحقوق الأساسية لغير المسلمين في المجتمعات المسلمة

أحمد منصور: إذا انتقلنا من محاولات الخارج إلى الواقع الداخلي، وبحكم خبرتكم القضائية التي امتدت أربعة وأربعين عاماً، إضافةً إلى اجتهاداتكم الفقهية وكتاباتكم التاريخية، ما الحقوق الأساسية التي يقرّها الإسلام والقانون لغير المسلمين في المجتمعات المسلمة اليوم؟

طارق البشري: أبدأ بالقوانين الوضعية المعاصرة، ثم أنتقل إلى الرؤية الشرعية كما أفهمها. في القوانين المصرية الحالية – في حدود علمي – لا يوجد نصّ يفرّق بين المسلمين والأقباط في الحقوق أو الواجبات أو الامتيازات. فالهيكل التشريعي قائم على المساواة الكاملة. ولا يَرِدُ اشتراط الدين إلا في إطار التخصص، كاشتراط الإسلام للتعيين في الأزهر، أو اشتراط الانتماء الكنسي لتولي منصب في الكنيسة. وهذه شروط تخصص لا شروط مواطنة. فالدولة المصرية تقوم على أساس المواطنة معياراً جامعاً لتولي المناصب والتمتع بالحقوق وأداء الواجبات.

أحمد منصور: هناك من يثير قضية عدم المساواة في الوظائف والولاية العامة، وأن ثمة تمييزاً في هذا الشأن.

طارق البشري: لا يوجد في القوانين المعاصرة نصّ يُقرّ هذا التمييز. تاريخياً، كان النصّ الوحيد الذي اشترط الإسلام هو قانون ولاية العرش في العهد الملكي، ولم يكن هناك غيره.

أحمد منصور: وماذا عن المنظور الشرعي لمسألة الولاية العامة؟

طارق البشري: يُثار دائماً موضوع “لا ولاية لغير المسلم على المسلم”. غير أن الفقهاء قديماً كانوا يتصوّرون الولاية العامة على أنها متعلقة بأفراد: الإمام فرد، والقاضي فرد، والوالي فرد، والوزير فرد. وكانت الدولة قائمة على أساس ديني، لا على مفهوم المواطنة الحديث. لذلك اشترطوا الإسلام في هذا السياق.

أما اليوم فقد تغيّر مفهوم الدولة؛ إذ أصبحت قائمة على المواطنة لا على الانتماء الديني وحده. ومن ثم فإن فهم الولاية يحتاج إلى إعادة نظر في ضوء تغيّر طبيعة النظام السياسي.

أحمد منصور: هل يمكن توضيح الفرق بين المواطنة والدين في هذا السياق؟

طارق البشري: المواطنة في الدولة الحديثة تقوم على رابطة سياسية وقانونية، لا على رابطة دينية. في التاريخ الإسلامي، كان المواطن هو المسلم، ثم وُضع نظام “عقد الذمة” لتنظيم علاقة غير المسلمين بالدولة. وكان الفقهاء ينظرون إلى المسألة بمعيار سياسي مرتبط بظروف الزمان والمكان وطبيعة العلاقة بين الجماعات.

ومع سقوط الدول الإسلامية تحت الاستعمار، نشأت حركات وطنية شارك فيها المسلمون والمسيحيون معاً، ومن خلال هذه المشاركة تبلور مفهوم المواطنة بمعناه الحديث، القائم على الشراكة في الوطن والسعي المشترك لاستقلاله، لا على الانتماء الديني وحده.

تطوّر الاجتهاد الفقهي ومفهوم المواطنة

أحمد منصور: وهل انتقل هذا الفهم أيضاً إلى التشريع الإسلامي وإلى اجتهادات الفقهاء؟

طارق البشري: نعم، انتقل إلى الفقه الإسلامي، وهذا – في تصوري – هو التوجّه التجديدي في الفكر الإسلامي المعاصر. وقد كتب في هذا الاتجاه عدد من العلماء والمفكرين، مثل الدكتور سليم العوا، والأستاذ فهمي هويدي، وكذلك الدكتور يوسف القرضاوي الذي ألّف كتاباً مهماً بعنوان «غير المسلمين في المجتمع الإسلامي».
هذه الاجتهادات تؤكد أن الجماعة السياسية اليوم تقوم على أساس المواطنة، وأن المواطنة نشأت من اشتراك أبناء الوطن جميعاً – مسلمين ومسيحيين – في مقاومة الاستعمار واسترداد الإرادة الوطنية.

أحمد منصور: لكن هل يعني ذلك أن مفهوم المواطنة الحديثة يُلغي الجانب الشرعي في العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، باعتبار أن المجتمع في نهاية المطاف مجتمع مسلم؟

طارق البشري: أود أن أوضح أن المواطنة الحديثة نفسها قامت على أساسٍ معتبرٍ شرعاً؛ لأن المعيار الفقهي قديماً كان معياراً سياسياً يرتبط بطبيعة الجماعة السياسية. فإذا تغيّرت طبيعة هذه الجماعة، تغيّر الاجتهاد تبعاً لذلك.

فلسفة الجزية وسقوطها في العصر الحديث

أحمد منصور: هل يسقط بذلك حكم الجزية، خاصة وأن المسلمين والمسيحيين اشتركوا في الدفاع عن الوطن وتحملوا المسؤوليات ذاتها؟

طارق البشري: في هذا الموضوع قدّم الدكتور يوسف القرضاوي معالجة واضحة؛ إذ بيّن أن الجزية كانت مرتبطة بعدم إلزام غير المسلمين بالخدمة العسكرية، فهي بمثابة بدلٍ عن التجنيد. فإذا اشترك الجميع في أداء الواجب العسكري، سقط موجب الجزية شرعاً.

وقد سقطت الجزية فعلياً منذ منتصف القرن التاسع عشر، حين تقرر التجنيد الإجباري المتساوي في الدولة العثمانية، وصدر في ذلك ما عُرف بالفرمانات الإصلاحية عام 1856. ومن ثم فإن القول بفرض الجزية اليوم لا أساس له لا فقهاً ولا قانوناً.

أحمد منصور: تُثار في الإعلام الغربي صورة سلبية عن الجزية، وكأنها ضريبة إذلال أو أداة تمييز.

طارق البشري: فلسفة الجزية في أصلها كانت أن الدولة الإسلامية مكلفة بالدفاع عن المجتمع عبر الجهاد، ولم تكن تفرضه على غير المسلمين. فإذا قامت الدولة بالحماية وجب مقابل مالي رمزي. وإذا عجزت عن الحماية، وجب عليها ردّ الجزية.
وكان هذا تنظيماً فقهياً قديماً، لا يحمل معنى الإذلال كما يُصوَّر اليوم. لكن الإشكال لم يكن في القيمة المالية، بل في كونها تمييزاً على أساس ديني، ولهذا سقطت بسقوط سببها.

أحمد منصور: إذن المسألة ليست مالية بقدر ما هي رمزية ونفسية؟

طارق البشري: نعم، الإشكال في المبدأ القائم على التفرقة الدينية، لا في مقدار المال.

عقد الذمة ومفهوم أهل الذمة

أحمد منصور: مصطلح عقد الذمة أو أهل الذمة يثير حساسية لدى بعض المسيحيين اليوم، إذ يُفهم أحياناً باعتباره دليلاً على مواطنة منقوصة. كيف يُعالَج هذا المصطلح فقهاً؟

طارق البشري: أولاً، مصطلح عقد الذمة هو اجتهاد فقهي لتنظيم العلاقة بين جماعة سياسية تقوم على أساس ديني وبين من يعيشون فيها من أتباع ديانات أخرى. ومعناه أن غير المسلمين في عهد المسلمين وذمتهم، أي في حمايتهم وضمانهم.
وكان المقصود به إضفاء طابع الرعاية والحماية، وجعل الوفاء بهذا العهد واجباً دينياً على المسلمين.

لكن مع تطوّر مفهوم الدولة الحديثة وقيامها على أساس المواطنة المشتركة، لم نعد بحاجة إلى هذا الإطار الاصطلاحي؛ إذ حلّت المواطنة محل عقد الذمة، وسقط المفهوم القديم بسقوط أساسه السياسي.

أحمد منصور: هل ينسحب هذا الاجتهاد على جميع المجتمعات الإسلامية؟

طارق البشري: أتصور أن حيثما وُجد ولاءٌ واشتراكٌ كامل في بناء الجماعة السياسية الحديثة، فإن المواطنة تقوم مقام عقد الذمة. فالعبرة بطبيعة الجماعة السياسية القائمة، وبالعلاقة الفعلية بين مكوّناتها، لا بمجرد الاصطلاحات التاريخية.

فرمان 1856 (الخط الهمايوني) وبناء الكنائس

أحمد منصور: سيادة المستشار، أُثير إعلامياً على نطاق واسع موضوع الخط الهمايوني أو فرمان 1856 الصادر عن السلطان عبد المجيد الأول، ويُقال إنه قيّد شعائر الأقباط وبناء الكنائس. ما مدى دقة هذه الاتهامات؟

طارق البشري: كما قلت سابقاً عن عقد الذمة إنه لم يكن مسيئاً في سياقه التاريخي، أقول كذلك عن الخط الهمايوني: لم يكن مسيئاً في زمنه، بل تضمّن ضمانات مهمة، لكنه اليوم لم يعد له محل تطبيق.

فالفرمان الصادر سنة 1856 نصّ أولاً على الحفاظ على الحقوق والامتيازات الممنوحة لغير المسلمين منذ عهد السلطان محمد الفاتح. كما أكد عدم وضع موانع أمام ترميم الكنائس أو بنائها في القرى والمدن التي يقطنها أتباع مذهب واحد.
أما في المناطق المختلطة مذهبياً، فقد ترك الأمر لتقدير السلطة بما يراعي اعتبارات الأمن والعلاقات بين السكان، وهو – في تقديري – كان موجهاً أساساً لأوضاع البلقان، ولم يُفصَّل خصيصاً لمصر.

أحمد منصور: وهل ما زال هذا الفرمان يُطبَّق في مصر بنصّه؟

طارق البشري: في مصر يُنظر إليه تاريخياً بوصفه إجازة من ولي الأمر ببناء الكنائس، خاصة أن بعض المذاهب الفقهية كانت ترى عدم جواز إحداث كنائس جديدة. غير أن هذا الرأي لا ينطبق على مصر؛ لأنها فُتحت صلحاً لا عنوة، ومن ثمّ فإن شروط الصلح هي المرجع. وقد أجاز الإمام الليث بن سعد بناء الكنائس في مصر وعدّها من عمران البلاد. لذلك لا توجد – من الناحية الفقهية – إشكالية خاصة بمصر.

أعداد الكنائس والوظائف العامة في مصر

أحمد منصور: تُثار أيضاً مسألة تحجيم بناء الكنائس، وكذلك التمثيل في الوظائف العامة والولاية العامة، ويُقال إن هناك تمييزاً ضد الأقباط. هل توجد معطيات تخالف ذلك؟

طارق البشري: دعنا نفصل بين المسائل. فيما يخص الأرقام، أُثيرت نسبة المسيحيين في تعداد 1976 داخل مجلس الشعب، وكانت النسبة 6.2%، مقابل 7.2% في تعداد 1947. وقد شُكِّلت لجنة مشتركة من مسلمين ومسيحيين، وراجعت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وتبيّن أن التغيّر مرتبط بعوامل منها هجرة الأجانب بعد 1952، إذ كان بعضهم يُدرج ضمن التعداد.

أما عن عدد دور العبادة، فقد ذُكر – في مناقشات عام 1980 – أن متوسط عدد السكان لكل مسجد أو زاوية يقارب 1250 نسمة، ولكل كنيسة نحو 1350 نسمة. أي إن الفارق لم يكن كبيراً وفق البيانات المتاحة آنذاك. وليس لديّ بيانات أحدث من ذلك.

أحمد منصور: وماذا عن مسألة الترخيص؟

طارق البشري: هنا يدخل عنصر الإدارة التنظيمية للدولة. صحيح أن بناء الكنيسة كان يتطلب ترخيصاً خاصاً، لكن الواقع اليوم أن المساجد أيضاً لا تُبنى إلا بترخيص، بل إن الخطابة في المساجد لا تُمارس إلا بإذن من وزارة الأوقاف.
بينما الشأن الوعظي داخل الكنيسة – في حدود علمي – يظل شأناً كنسياً داخلياً لا يخضع للرقابة ذاتها.

أحمد منصور: بمعنى أن المسألة إدارية تنظيمية أكثر من كونها دينية؟

طارق البشري: نعم، يغلب عليها الطابع الإداري المرتبط بإدارة الدولة للمجال الديني، سواء في المؤسسات الإسلامية أو المسيحية، أكثر من كونها تمييزاً تشريعياً قائماً على الدين في حد ذاته.

إدارة الدولة أم تمييز ديني؟

أحمد منصور: إذاً هذا يُعد جزءاً من إدارة الدولة ونظامها وقوانينها؟

طارق البشري: نعم، أتصور أن الأمر يدخل في إطار التنظيم الإداري الذي تمارسه الدولة، وليس تمييزاً مقصوداً على أساس ديني.

دور أقباط المهجر وقانون الاضطهاد الديني

أحمد منصور: أرحب بالأستاذ سمير مرقص، الأمين العام المشارك لمجلس كنائس الشرق الأوسط. أستاذ سمير، ما الدور الذي يلعبه أقباط المهجر في إثارة قضية قانون الاضطهاد الديني؟ وهل يتم ذلك برضا أو تشجيع من الكنيسة المصرية؟

سمير مرقص: لا أعتقد ذلك. المتابع لنشأة ما يُعرف بقانون الاضطهاد الديني في الولايات المتحدة يلاحظ أن اللوبي الصهيوني كان من أوائل من أثار القضية عام 1995، عبر مقالات وتحركات إعلامية، ثم تبنّت الفكرة بعض الكنائس البروتستانتية الأصولية ذات التوجه اليميني، التي تعيد تفسير النصوص الدينية في ضوء تصورات سياسية معاصرة.

أما أقباط المهجر فليسوا كتلة واحدة؛ بل هم أطياف متنوعة اجتماعياً ومهنياً وفكرياً. الأغلبية مرتبطة بالكنيسة الأم والوطن الأم، وهناك أقلية عالية الصوت تسعى للإثارة الإعلامية، لكنها لا تمثل الجميع.

أحمد منصور: لكن هل يمكن لمجموعة محدودة أن تثير هذه الضجة الواسعة؟

سمير مرقص: الجديد ليس في أدواتهم، فهي إعلانات مدفوعة أو مذكرات كما كان الحال منذ السبعينات، وإنما في استثمار جهات ضغط أميركية لتلك التحركات في سياق أوسع. وهنا ينبغي ألا نفصل الأمر عن تاريخ توظيف قضايا الأقليات في علاقة الغرب بالمنطقة.

موقف الكنيسة القبطية من التدخل الأجنبي

أحمد منصور: هل يوجد تيار داخل الكنيسة يرى الاستفادة من الهيمنة الغربية؟

سمير مرقص: التيار الرئيسي داخل الكنيسة القبطية يقوم على ثلاثة ثوابت: الاستقلالية، والانتماء للجماعة الوطنية، ورفض التدخل الأجنبي. وهذا تيار راسخ تاريخياً. وقد كان موقف البابا شنودة الثالث واضحاً في رفض أي توظيف خارجي للقضية القبطية.

نحن نرفض وصف الأقباط بالأقلية؛ فهم مكوّن أصيل من مكونات الأمة المصرية، مندمجون في نسيجها الاجتماعي بكل طبقاته.

هل توجد مشكلات حقيقية للأقباط؟

أحمد منصور: هل توجد بالفعل مشكلات يواجهها الأقباط في مصر؟

سمير مرقص: يمكن تقسيم المسائل إلى نوعين:

  1. مشكلات مؤسسية، مثل قضايا بناء الكنائس أو الأوقاف، وقد قُطع شوط في معالجتها.
  2. هموم مجتمعية ترتبط بالمناخ الطائفي الذي تصاعد منذ السبعينات، خاصة بعد أحداث الخانكة عام 1972.

العلاقة بين المسلمين والأقباط تاريخياً كانت تتأثر بحالة المجتمع: فعندما تكون مصر في حالة نهوض وطني تتضاءل التوترات، وعندما تمر بظروف اقتصادية واجتماعية صعبة تطفو التوترات على السطح.

المخرج والحوار الوطني

أحمد منصور: ما المخرج في تقديرك؟

سمير مرقص: الحوار الوطني الصريح. كما جرت العادة تاريخياً، تُطرح الهموم على مائدة البحث داخل الإطار الوطني، فنقطع الطريق على التدخل الخارجي، ونعالج المشكلات بالحوار والاجتهاد المشترك.

طارق البشري: أتفق مع كثير مما قاله الأستاذ سمير مرقص. وأتصور أن الموقف الغالب لدى الأقباط في مصر هو رفض التدخل الأميركي في العلاقة بين المسلمين والمسيحيين. كما أن للكنيسة القبطية تقاليد عريقة في الاستقلالية والانتماء الوطني.

وقد شهدنا سابقاً مبادرات من الأقباط أنفسهم لإفشال محاولات تدويل ما يُسمّى بقضية الأقليات، كما حدث في شأن المؤتمر الذي كان مقرراً عقده بالقاهرة ثم نُقل إلى قبرص ولم يحقق أثراً يُذكر.

وإن كان بعض المسيحيين قد تواصلوا مع أطراف أميركية، فهناك أيضاً بعض المسلمين يتواصلون مع الخارج في قضايا أخرى؛ فالاتصال بالخارج ليس مقصوراً على فئة دون أخرى.
والأصل أن تُدار شؤون العلاقة الوطنية داخل الإطار المصري، بعيداً عن أي توظيف خارجي.

خطورة القانون على الثوابت الوطنية

أحمد منصور: تكمن خطورة الأمر في أنه يمسّ الثوابت الوطنية والأُسس الجوهرية للدولة، ويؤدي إلى تمزيق الاتجاهات، بحيث تنصرف طاقات الدولة عن أهدافها الأساسية إلى محاولة تحسين صورتها أمام الخارج.

طارق البشري: أستطيع أن أطمئن إلى أن التيار الوطني الرئيسي بين الأقباط هو التيار الغالب، وهو الذي يُعوَّل عليه في الوصول إلى النتائج المرجوة بإذن الله.

نفي وجود اضطهاد ديني

أحمد منصور: معنا الأخ توفيق محمد من القاهرة.

توفيق محمد: أحيي البرنامج والقناة على إسهامهما في فتح آفاق جديدة للفكر والرأي المستنير. وبوصفي مسلمًا أعيش في مصر، لا أشعر بوجود اضطهاد أو تفرقة بيني وبين أي مواطن قبطي. والتاريخ يشهد أن المسلمين والأقباط كانوا صفًا واحدًا في الأزمات الكبرى.

وأتساءل عن مصداقية قانون الاضطهاد الديني الأميركي، خاصة أن هناك أماكن في العالم –من وجهة نظري– تشهد اضطهادًا واضحًا مثل كوسوفو سابقًا، والبوسنة، وحتى ما جرى في أيرلندا الشمالية.

حقيقة قانون الاضطهاد الديني الأميركي

طارق البشري: لديّ عدة ملاحظات:

  1. القانون صدر عن الكونغرس الأميركي، أي عن مؤسسة سياسية كبرى تشارك في رسم السياسات، وليس مجرد قرار إداري عابر.
  2. يتيح فرض عقوبات مثل منع القروض والمعونات أو المقاطعة الاقتصادية، وقد يصل الأمر إلى حصار اقتصادي.

لكن الولايات المتحدة تستطيع فرض هذه الإجراءات بوسائل متعددة دون الحاجة إلى هذا القانون تحديدًا. ولذلك يثور التساؤل: ما الداعي لإصداره؟

اللافت أن الكونغرس خوَّل الرئيس الأميركي سلطة تقدير ما إذا كانت دولة ما تمارس الاضطهاد أم لا، مما يمنحه مرونة واسعة في التطبيق أو التعطيل.

أحمد منصور: هل تريد الولايات المتحدة أن تقدم نفسها بوصفها حاميةً للأديان والمضطهدين في العالم؟

طارق البشري: الفكرة في جوهرها محاولة جذب الأقليات في العالم لتعتبر أن الولايات المتحدة هي ملاذها وحاميتها.

ازدواجية المعايير

أحمد منصور: معنا الأستاذ أحمد نبيل من القاهرة.

أحمد نبيل: أتفق مع أن الأقباط جزء أصيل من المجتمع المصري، وكان لهم دور مهم في ثورة 1919. لكنني أرى أن ملف الاضطهاد الديني أصبح ورقة تستخدمها الولايات المتحدة للضغط على العالم العربي والإسلامي، في حين أن المسلمين في بعض الدول الغربية يعانون من صور من التمييز، سواء في الاعتراف بدينهم أو في بناء مؤسساتهم.

وسؤالي: إذا كان هناك لوبيات مؤثرة في أميركا، فلماذا لا يكون للدول الإسلامية أو العربية لوبي قادر على مواجهة هذه الضغوط؟

تأثير اللوبيات والسياسة الأميركية

طارق البشري: إذا وُجد لوبي عربي أو إسلامي قوي في الولايات المتحدة، فبإمكانه تقليل آثار هذه السياسات، لكنه لن يستطيع منعها تمامًا. فالمسألة ترتبط ببنية السياسة الأميركية ذاتها، وبعلاقتها الخاصة بـ إسرائيل، التي تُعد جزءًا أساسيًا من استراتيجيتها في المنطقة.

وهناك كذلك تأثير الصهيونية والإنجيليين المحافظين داخل الولايات المتحدة، ما يجعل الأمر جزءًا من توجه سياسي عام، لا مجرد تحرك جماعات ضغط منفردة.

العلاقة بين الدعوة الصهيونية واللوبيات في أميركا

طارق البشري: إن كثيرين في الولايات المتحدة يعتبرون أن الدعوة الصهيونية جزء من تكوينهم العقدي، بخلاف المسيحيين الشرقيين، وبخلاف الأرثوذكس في بلادنا وغيرها، فهم يختلفون تمامًا في هذا الشأن.

أحمد منصور: السؤال يتركز حول: أين اللوبي العربي أو الإسلامي؟ فحتى الأيرلنديون واليونانيون لهم لوبيات مؤثرة.

طارق البشري: من المفترض أن يكون هناك لوبي عربي أو إسلامي، لكنهم حديثو الوجود في الولايات المتحدة مقارنة بغيرهم، كما أن دخولهم إلى اللعبة السياسية الأميركية لا يزال في بداياته.

التأكيد على وحدة الشعب المصري

أحمد منصور: معنا الأخ مجدي الجندي، مصري قبطي مقيم في فرنسا.

مجدي الجندي: أشكركم على إتاحة الفرصة. أود أن أقول إن مصر ستظل بلدًا آمنًا. ونحن دائمًا نُوصى من الكنيسة ومن قداسة البابا بأن مصر وطننا، وحتى إن وجدت مشكلات فعلينا أن نكون أكبر منها.

أتمنى ألا أسمع يومًا أن في مصر شعبين؛ فنحن شعب واحد منذ البداية وحتى النهاية. لا يمكن التفرقة بين مسلم ومسيحي في الشارع؛ دمنا واحد، وعاداتنا واحدة. أفرح بشهر رمضان كما يفرح به إخوتي المسلمون، وأتمنى أيضًا أن تكون هناك مشاركة أوسع في أعياد المسيحيين.

أحمد منصور: نشكرك على هذه الروح الوطنية.

ولاية غير المسلم على المسلم في الدولة الحديثة

طارق البشري: عندما تحدث الفقهاء عن «الولاية» كانوا يقصدون ولاية الأفراد، ولذلك اشترطوا الإسلام حتى لا تكون هناك ولاية لغير المسلم على المسلم.

أما في الدولة الحديثة، فقد استُبدلت ولاية الأفراد بولاية الهيئات. فالقرارات تصدر عن مجلس وزراء، أو برلمان، أو هيئة قضائية، وليس عن فرد منفرد. والولاية هنا تكون للهيئة مجتمعة، لا للفرد بصفته الشخصية.

أحمد منصور: هل يوجد نص شرعي يمنع المسلم من انتخاب مسيحي نائبًا عنه في البرلمان أو النقابة؟

طارق البشري: لم أجد نصًا يمنع ذلك؛ لأن من يُنتخب يكون عضوًا في هيئة، والهيئة هي صاحبة الولاية، لا الفرد بمفرده.

أوضاع المسلمين في الغرب

أحمد منصور: وردتنا رسالة من أحد المشاهدين في هولندا يشير فيها إلى صعوبات يواجهها المسلمون في بعض الدول الأوروبية، خصوصًا فيما يتعلق بالاعتراف الرسمي وبناء المساجد.

نبيل محمد أحمد: الغرب نفسه استخدم الدين أداةً للاضطهاد في تاريخه، من محاكم التفتيش في الأندلس إلى ممارسات الاستعمار الفرنسي في الجزائر. واليوم يتحدث عن الاضطهاد الديني في غيره.

كما أؤكد أن الأقباط في مصر يتمتعون بحقوقهم، وهذا واجب، فهم جزء من نسيج المجتمع.

د. محمد نور الدين: أشكركم على إثارة هذه القضايا المهمة.

أحمد منصور: نشكركم جميعًا على هذه المشاركات.

د. محمد نور الدين: شكرًا للأخ الدكتور أحمد.

أحمد منصور: شكرًا لك.

د. محمد نور الدين: وأنا منذ سنة بصراحة كنت أرغب في القول، والنهار هذا وفقني الله في مداخلة مهمة جدًا.

أحمد منصور: تفضل.

د. محمد نور الدين: لأنني كنت قد كتبت في هذا الموضوع، وأشكر أيضًا سيادة المستشار طارق البشري، والأخ الأستاذ سمير مرقص، فقد تحدثوا أيضًا بكلام جميل.

أحمد منصور: نعم.

د. محمد نور الدين: وباقي الإخوة الذين تحدثوا كذلك.

أحمد منصور: تفضل، باختصار مداخلتك.

د. محمد نور الدين: حاضر، المداخلة هي أنه لا يوجد شيء اسمه “أقباط هم المسيحيون”، نحن المسلمون والمسيحيون كلنا أقباط، لأنني كتبت في هذا الموضوع مقالات كثيرة في الصحف، وحاليًا أعمل على كتاب بعنوان “نحن كلنا أقباط”.

أحمد منصور [مقاطعًا]: يعني في الأصل أقباط.

د. محمد نور الدين [مستأنفًا]: في الأصل كلنا أقباط.

أحمد منصور: لكن…

د. محمد نور الدين: فكثير منّا دخل الإسلام، فنحن في الصعيد كلنا أقباط مسلمون.

أحمد منصور: أي بمعنى الآن؟

د. محمد نور الدين: فلا يجب أن نقول “أقباط مسلمين” فقط، والمسلمون… وإلا سنصبح مثل البوسنة والهرسك، حيث كانوا يقولون “المسلمون والصرب والكروات”، فكيف نُدخل الدين في شعب، وكيف نُدخل الشعب في دين؟ نحن شعب مصري واحد، ٩٠٪ منه دخل الإسلام، و١٠٪ بقي مسيحيًا، فهناك مسلم قبطي، وهناك قبطي مسيحي، فلا يجب علينا أن نفرق بيننا، ولكن تطالعنا الصحف والمقالات…

أحمد منصور [مقاطعًا]: يا أخ… يا دكتور محمد… دكتور محمد، دكتور محمد، إذاً لو سمحت، نحن لا نريد أن نعالج قضية…

د. محمد نور الدين: نعم، أنا سامع حضرتك، ولكن أريد القول إنه يجب هذا… هذا.

أحمد منصور: أن نعالج قضية بأسلوب فيه خلط بين ما ينبغي أن نفهمه تشريعًا وما لا ينبغي خلطه أيضًا، فهم الدين وفهم القضايا التشريعية بالشكل الصحيح ينبغي أن يفهمها المسلم، وينبغي أن يفهمها القبطي، نحن لا نريد أن نداخل الأمور في بعضها فقط لمحاولة الإصلاح.

د. محمد نور الدين: هذا جميل.

أحمد منصور: اسمح لي أن أستمع إلى رأي المستشار طارق البشري في المسألة.

د. محمد نور الدين: يا دكتور أحمد، ثوانٍ، هذا جميل، ولكن سعادتك أمامي، أنا سامعك الآن، يجب أن تقول “المسلم والمسيحي”، وليس “المسلم والقبطي”، لأن قبطي تعني مصري، فمن دخل الإسلام يعني…

أحمد منصور [مقاطعًا]: الكنيسة اسمها… يا دكتور محمد، الكنيسة اسمها “الكنيسة القبطية”.

د. محمد نور الدين: تفسير ابن كثير يقول عندما كان سيدنا عيسى… وسيدنا موسى، لما وكز المصري قال وكز القبطي، فهل في أيام سيدنا موسى كان هناك…

أحمد منصور [مقاطعًا]: أشكرك يا دكتور، واسمع رأي المستشار البشري في المسألة.

طارق البشري: يخيّل لي أن الخلاف لفظي هنا فقط.

أحمد منصور: بالضبط، معناه أن القضية شكلية.

طارق البشري: إنما كلمة “قبطي” جاية من “إيجيبتوس”، فعُربت إلى “قبط”، والمقصود بها “إيجيبتوس” وهم المصريون عمومًا، وظهرت بهذا المعنى، والمصطلح عليه حاليًا أن من نسميهم الأقباط في مصر هم المسيحيون، وأن المسلمين أغلبهم أرثوذكس، وقليل منهم إنجيليين أو كاثوليك، إنما المسيحي المصري هو من يُسمى قبطي الآن، وهو خلاف في اللفظ فقط.

أحمد منصور: الأخ ناصر عبيدات من الدوحة… أخ ناصر، يبدو أن هناك خلل في الخط، ولكن معنا الأخ عمر الحاروني من القاهرة.

عمر الحاروني: ألو.

أحمد منصور: تفضل يا أستاذ عمر.

عمر الحاروني: السلام عليكم.

أحمد منصور: وعليكم السلام ورحمة الله.

عمر الحاروني: مبدئيًا، أحيي أستاذ طارق، هذه المناقشة مستوى رائع جدًا.

أحمد منصور: حياك الله، حياك الله.

عمر الحاروني: كان عندي سؤال أو مداخلة بسيطة جدًا، باختصار.

أحمد منصور: تفضل.

عمر الحاروني: بما أننا نتحدث عن مبدأ تدخل الولايات المتحدة أو الدول العظمى للتفرقة بين الأديان، أو إثارة الخلافات بين الطوائف المختلفة، ما رأي المستشار في الضجة الإعلامية التي حدثت حول الترحيب بلجنة الكنائس؟ لأنه كان متوقعًا جدًا أنهم في أول حركة سيشيدون، ويقولون إن كل شيء تمام، حتى يمنحوا لأنفسهم حقًا مكتسبًا ليعودوا كل مرة، ثم مع أي حادث مفتعل يمكن أن يخرجوا ببيان ويضعوا شروطًا ومواصفات، فتتحول اللجنة إلى لجنة تفتيش.

أحمد منصور: سؤال جميل جدًا، سيادة المستشار.

عمرو الحاروني: لا أفهم سبب الاهتمام الإعلامي بهم.

طارق البشري: يقصد حضرته مجلس الكنائس في نيويورك.

أحمد منصور: الذين جاءوا من نيويورك، نعم.

طارق البشري: نعم، الذين جاءوا من نيويورك.

أحمد منصور: الذين جاءوا إلى القاهرة وأقاموا مؤتمرًا…

طارق البشري: الحقيقة أن الأمر كان تقريرًا يُكتب، وكان نوعًا من الاستقبال لجهة تقوم بدعاية، نوع من أنواع الدعاية، لم يكن لهم أي وجود فيما يتعلق بالبعثة أو التحقيق، لم تكن هذه الحالة قط، الحقيقة أنها مجرد فرصة، وأتيح لهم نوع من الانفتاح على الإعلام الغربي، ولكن ليس لهم حق في هذا الأمر، وأتصور أن التصريحات الرسمية في هذا الشأن، المتعلقة بقانون الاضطهاد، كانت حاسمة بما يكفي، وكانت تحمل قدرًا من الغضب، والغضب الطيب.

أحمد منصور: معي الأستاذ جوزيف شلال من ألمانيا، وهو أحد مشاهدي البرنامج الذين يراسلوننا بشكل دائم، يقول إن سيادة المستشار ذكرت أن نسبة المسيحيين في مصر ٦٪، ونسبة المسيحيين في العراق أقل من ٢٪، ومع ذلك هناك نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز.

طارق البشري: نعم، أنا…

أحمد منصور: نعم، وفي مصر يقول إنه ليس للأقباط مكانة.

طارق البشري: الحقيقة أنني لم أتكلم عن الأقباط ٦٪ بمعنى نسبة، أنا كنت أقص القصة عندما سألتني عن المساجد والكنائس ودورها، فأثرت موضوع سنة ١٩٨٠ وما حدث في هذه المسألة.

أحمد منصور: نعم، نعم.

طارق البشري: ذكرت الموضوع بهذا الشكل، إنما أساس كلامي كله يتعلق بفهم المواطنة.

أحمد منصور: إذن السؤال حول قضية الوظائف الكبرى ومشاركة المسيحيين في الوظائف الأساسية.

طارق البشري: أولًا: قضية المواطنة، هل المواطنة مكفولة نظريًا وفكريًا وأيديولوجيًا في هذا البلد بشكل كامل أم لا؟ ثانيًا: من يحيد عن هذا لننظر في المشكلة. أولًا: نصفي ونحرر الموضوع من الناحية النظرية والفكرية، هل في الشريعة الإسلامية ما يمنع وجود الأقباط أو توليهم الشأن العام؟ في كتابي “المسلمون والأقباط”، لم أكتفِ بلفظ المساواة بين المسلمين والأقباط، بل ذكرت المساواة والمشاركة، لأن المساواة قد تعني نوعًا من المساواة السلبية بين ذوي الدينين، أما المشاركة في الشأن العام فهي ما نريد تحقيقه بشكل مباشر.

أحمد منصور: لكن على أرض الواقع الآن…

طارق البشري: على أرض الواقع.

أحمد منصور: هل مشاركة الأقباط في الوظائف الأساسية في مصر مكفولة وموجودة، أم هناك نوع من التقليل من وجودهم؟

طارق البشري: أرى مثلًا أن وزير الاقتصاد قبطي…

أحمد منصور: نعم.

طارق البشري: وزارة الاقتصاد، على ما أعتقد، من أهم الوزارات في الشأن المالي في مصر، فهي تتبع البنك المركزي، البورصة، سوق المال، الشركات، والرقابة على الشركات المساهمة وغير المساهمة، أي أنها قلب الاقتصاد في فترة الخصخصة، وغير ذلك.

أحمد منصور [مقاطعًا]: علاوة على الوزارات الأساسية، وكان هناك تقرير في جريدة الأهرام يوضح أن النظر في صفحة الوفيات يكفي لمعرفة حجم الوظائف الأساسية التي شغلها أي شخصية مسيحية متوفاة ونسبة تواجدها في الوظائف الأساسية.

طارق البشري: الوجود في المناصب المختلفة قائم، ولا أتصور أنه قليل، والوجود في النشاط الاجتماعي كبير، والنقابات المهنية نسبة كبيرة جدًا، مصر ليست مجرد موظفين، فيها اقتصاد، شركات، نقابات، مهنيون، فننظر إلى جهاز الدولة ومن فيه، وإلى الشركات ومن يعمل فيها.

أحمد منصور: والتواجد في هذه الوظائف أيضًا لا يعتمد على التميز بقدر ما هو…

طارق البشري: صحيح.

أحمد منصور: نعم، الدكتور جمال المنشاوي من النمسا.

جمال المنشاوي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحمد منصور: وعليكم السلام ورحمة الله.

جمال المنشاوي: كيف الحال يا أستاذ أحمد؟

أحمد منصور: أهلاً يا دكتور، تفضل.

جمال المنشاوي: الحقيقة أرجو أن تتيح لي الفرصة كاملة للكلام.

أحمد منصور: أنا أتيح لك الفرصة في إطار ما يُتاح للمشاهد، لأن هناك آخرين أيضًا ينتظرون.

جمال المنشاوي: نعم، بارك الله فيك.

أحمد منصور: تفضل.

جمال المنشاوي: أولًا، أشعر أن هناك خلطًا شديدًا في تناول القضايا بين الواقع وبين الأمور الشرعية، أي خلط بين دول لا تطبق شريعة الله، وتلبيس هذا الواقع على أمور شرعية غير موجودة، كما ذكر فضيلة الشيخ القرضاوي، وأن هذا كان أمرًا قديمًا، فكيف نستطيع أن نلغيه الآن ونقول حقوق المواطنة، مع أن هذا النص لا يُلغي قضية العدالة بين المسلم والنصراني، كما في حادثة سيدنا عمر رضي الله عنه، والأمر بالعدل بين المسلمين والأقباط.

أحمد منصور: نعم.

جمال المنشاوي: قضية الجزية تتعلق بالدفاع عن الأراضي أو الجهاد في سبيل الله، وهي تخص المسلم فقط، وفيها نص قطعي، وأساسها أمر عقيدي، فإذا اجتهدنا نحن في أمر شرعي قاطع، فإننا نُعطل النصوص الشرعية نفسها، مثل الآية في سورة التوبة: “قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يدينون دين الحق ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون”، فكيف نعطل هذا النص بكلام عن المواطنة؟

أحمد منصور [مقاطعًا]: يا دكتور جمال، أليست هذه النصوص تخضع أيضًا لاجتهادات الفقهاء والعلماء، أم تُطبق على إطلاقها؟

جمال المنشاوي: أستاذ أحمد، الاجتهاد في المسائل التي لا نص فيها فقط، أما النصوص القطعية فلا يجوز الاجتهاد فيها.

أحمد منصور: ما هو النص؟ كيف نطبقه؟

جمال المنشاوي: هذا كلام الفقهاء، وليس رأيي، وأرجع إلى كتب الفقه المعتمدة، أما ما قاله المستشار طارق البشري، والدكتور سليم العوا، وفضيلة الشيخ القرضاوي، فهي اجتهادات في مسائل غير نصوص قطعية، لا يجوز الاجتهاد فيها.

أحمد منصور: إذن نترك المجال للمستشار طارق البشري للرد، بعد أن آخذ مداخلة الأخ أنس داوود من ألمانيا.

طارق البشري: قد لا يتسع…

أحمد منصور: اسمح لي لأخذ المشاهد، لأنه تأخر على الخط، تفضل يا أستاذ أنس.

أنس داوود: ألو، مساء الخير.

أحمد منصور: مساك الله بالخير.

أنس داوود: مساء الخير، أشكركم على هذا البرنامج الرائع.

أحمد منصور: شكرًا لك.

أنس داوود: والحقيقة أنا مسيحي من العراق.

أحمد منصور: أهلاً بك.

أنس داوود: يبدو أن النقاش ينحصر في موضوع المسيحيين في مصر.

أحمد منصور [مقاطعًا]: لا، النقاش مفتوح، وموضوع الحلقة عن الأقليات بشكل عام أو غير المسلمين في ظل التشريع الإسلامي، وليس في مصر وحدها، ولكن ظروف ما أثير في الكونجرس والجانب الإعلامي حول الأقباط طغت على المسألة. تفضل، أستاذ أنس… يبدو أن الخط انقطع مع الأخ… الأستاذ محفوظ المغازي من مصر.

محفوظ المغازي: أريد فقط أن أقدم مداخلة بسيطة.

أحمد منصور: تفضل.

محفوظ المغازي: أنتم تناقشون مشكلة إخوتي المسيحيين من باب أنهم أقلية، وهم ليسوا أقلية، فهم جزء من النسيج الاجتماعي، وعليه نختلف عن جميع الأوطان العربية، فالمسيحيون في جميع الأوطان العربية لهم جنس والمسلمون لهم جنس، أما في مصر، عندما فتح المسلمون مصر تزوجوا المسيحيات، وأصبح الفرق بيني وبين المسيحي جيل واحد في الدم، والذي اندثر، ثم تزوجوا أولاد خالتهم، وظل الدم متأصلًا، فأصبحت العظام مصرية، وأصبحت أنا قبطي مسلم، والثاني قبطي مسيحي، كلنا مصر، نحن أقباط ومسلمون.

أحمد منصور [مقاطعًا]: رأيك جميل جدًا، أستاذ محفوظ، نحن لا نريد خلط الجانب العرقي بالقومي، أو التشريعي بالإسلامي، لأن هناك واجبات وفروض.

محفوظ المغازي: لو أُعد برنامج عن المكرمة التي تتم من الجانبين، يمكن أن تصبح ملحمة قصصية بلا نهاية، مثل قصة توفيق بيه صليب.

أحمد منصور: هذه قصة درامية.

محفوظ المغازي: توفيق بيه صليب كان مسيحيًا في الداخلية، وأخي كان في الإخوان المسلمين، وكان لدينا أحكام عرفية آنذاك، وكان لدينا بندقية الغفير في بيتنا، ولم نجد مكانًا لإخفائها إلا في بيت توفيق بيه صليب.

أحمد منصور: أشكرك على مداخلتك، وسنستمع أيضًا لرأي المستشار البشري، وأخذ مداخلة أخيرة من الأستاذ حلمي جرجس من بريطانيا، أستاذ حلمي.

حلمي جرجس: مساء الخير.

أحمد منصور: أهلاً مساء الخير.

حلمي جرجس: سيادة المستشار، والأخ أحمد.

أحمد منصور: مساك الله بالخير.

حلمي جرجس: الحقيقة، أهنيك على البرنامج.

أحمد منصور: شكرًا جزيلاً.

حلمي جرجس: سيادة المستشار، الحقيقة، وجهة نظره كانت شاملة الموضوع بصفة عامة، بعض الزملاء الذين تحدثوا قبلي أشاروا إلى بعض النقاط، وأود أن أعقب عليها، سيادة المستشار تحدث عن الترخيص للمسجد والكنيسة، تقريبًا لا يوجد فرق بينهم، أعتقد أن هناك فرقًا في أن الكنيسة تحتاج إلى تصريح من رئيس الجمهورية لبناء كنيسة جديدة، ويمكن حديثًا فقط فُوض المحافظون لإعطاء تصاريح بالترميمات وليس بالبناء، وأعتقد أن هذا البند لا ينطبق على بناء المسجد، فهو لا يحتاج تصريح من رئيس الجمهورية، والنقطة الأخرى… بسرعة، الحقيقة…

أحمد منصور [مقاطعًا]: اسمح لي، لم يبقَ لدي سوى تعقيب أخير للمستشار، ولم يبقَ سوى ثوانٍ وينتهي البرنامج… سيادة المستشار، أود في ثلاثين ثانية… نود أن نسمع رأي الدكتور جمال المنشاوي على وجه الخصوص.

طارق البشري: الدكتور المنشاوي، أقول له إن الجزية تسقط بالمشاركة في الجهاد، كما أنها تُرد إذا لم يستطع المسلمون الدفاع عن أهل الذمة في بلادهم، هذا من الأثر القديم.

أحمد منصور: هل تجتهدون في ظل نص قطعي كما تقول؟

طارق البشري: هذا أثر قديم، لا.. أنا.. لا أجتهد في هذه الكلمات هذا أثر قديم.

أحمد منصور: من الفقهاء من قديم.

طارق البشري: من الفقهاء.. القديم.. هذا.. كلام قديم، الكلام الحديث الذي قلناه هو في عهد بالمواطنة ونشأة فكرة المواطنة بدلاً من فكرة عقد الذمة، هذا هو الجديد في الحقيقة، بالنسبة للدكتور حلمي جرجس، الترخيص.. المهم في الموضوع أن هناك ترخيص تصدره الدولة لبناء هذا الأمر أو لبناء هذا الأمر، أن يكون بقى التدرج، التدرج الرئاسي، يعني عاوز من رئيس الجمهورية وهذا من سلطة أقل هذا نوع من أنواع المشاكل الفرعية التي تعالج وفي إطار كونها مشاكل فرعية، وأنا لا يمكن أن أنكر أن هناك مشاكل فرعية، إنما..

أحمد منصور: من الفقهاء منذ القديم؟

أحمد منصور[مقاطعًا]: شكرًا سيادة المستشار..

طارق البشري [مستأنفًا]: إنما أين المشكلة وأين مستواها في العموم أم في الخصوص؟أحمد منصور:  شكرًا سيادة المستشار طارق البشري (نائب رئيس مجلس الدولة في مصر)، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم من القاهرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاور الحوار

00:00 برومو الحلقة

02:39 المقدمة

04:58 أسباب تفاقم قضية الاضطهاد الديني في مصر

09:18 الحقوق الأساسية لغير المسلمين في المجتمعات المسلمة

33:42 دور الأقباط في إثارة قضية قانون الاضطهاد الديني

47:17 حقيقة قانون الاضطهاد الديني الأميركي

56:48 ولاية غير المسلم على المسلم في الدولة الإسلامية الحديثة

Total
0
Shares
السابق
أمين الحافظ

أمين الحافظ ج3: انقلاب النقباء مصطفى حمدون وأمين الحافظ وترسيخ الوجود العلوي

التالي
أحمد منصور وطارق البشري

طارق البشري: الدور الريادي لمصر في المنطقة العربية

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share