يسلط أحمد منصور، مع مدير المخابرات العسكرية العراقي الأسبق، فاضل العزاوي ج4 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر، الضوء على كواليس بداية الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، والأخطاء التي وقع فيها صدام حسين بداية من تورطه في الحرب، التي كان يمكن تفاديها، لأن العراق لم يكن مؤهلا من الأساس لخوضها.
وأشار فاضل العزاوي إلى اعتقاد صدام أن إيران “اختل توازنها العسكري والاجتماعي والاقتصادي والفكري”، بعد سقوط نظام الشاه، وتولي آية الله الخوميني السلطة، لذا أقدم على دخول الحرب معها.
وكشف العزاوي، عن حديثه مع وزير خارجية الاتحاد السوفيتي، أندريه غروميكو والذي سأله: “لماذا تورطتم في الحرب مع إيران؟” وأضاف: “نحن دولة كبرى دخلنا خلال العشرينيات في حرب مع إيران دامت 40 سنة، وكانت على تلة.. وقلنا لهم عبر وسيط نتنازل لكم عن التلة ونتوقف عن القتال فرفضوا.. فعناد الإيرانيين معروف”.
وأقر الضيف بأن الإعدامات والتصفيات التي نفذها صدام حسين ضد قيادات البعث بالعام 1979 أخافت الكوادر والمسؤولين بالدولة..
ونقل أحمد منصور عن المشير عبد الحليم أبو غزالة في كتابه عن الحرب العراقية الإيرانية، قوله: “إن العراق استورد في العام 1981، مبيعات سلاح بـ ثلاثة وسبعة من عشرة مليار دولار، وفي عام اثنين وثمانين، أربعة وثلاثة من عشرة مليار دولار”، وأن مصانع السلاح في العالم انتعشت بسبب تلك الحرب.
وعن مواقف الدول العربية من الحرب، قال فاضل العزاوي إن سوريا وليبيا دعمتا إيران خلال الحرب، بينما وقفت الجزائر”بين وبين”، أي لم تدعم طرفا على حساب الأخر.
وأعترف العزاوي بأن العراق تكبّد خسائر كبيرة في حربه مع إيران، لكن صدام الذي “لم يندم مطلقا على دخول الحرب” استمر فيها، لأن الطرف الآخر (إيران) وضع شرطا غير مقبول لوقف الحرب، وهو أن يتنحى صدام عن منصبه، وهو شرط فيه إهانة للدولة العراقية ولرئيسها.
ويرى محللون وخبراء أن الحرب العراقية الإيرانية لها تاريخان:
تاريخ معلن وهو يوم 22 سبتمبر/أيلول 1980.
تاريخ آخر وهو اليوم الرابع من الشهر نفسه، عندما اخترق الطيران الإيراني الأجواء العراقية وقصف مخافر العراق وعمقه ..
رابط الحلقة الرابعة على منصة الجزيرة 360
نص شهادة فاضل العزاوي ج4 عن بداية الحرب العراقية الإيرانية
أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور فاضل العزاوي مدير المخابرات العراقية الأسبق وسفير العراق في كل من واشنطن وموسكو ونيودلهي.
دكتور مرحبا بك.
فاضل العزاوي : أهلا وسهلا.
أحمد منصور:
رغم أن جذور الخلاف الإيراني العراقي كما أوردها وزير الدفاع المصري الأسبق المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة في كتابه الحرب العراقية الإيرانية تعود إلى عام 606 قبل الميلاد كصراع بين الفرس والعرب تطور إلى صراع بين الدولة العثمانية والفارسية، ثم امتد مئات السنين، وحتى توقيع اتفاقية طهران عام ألف وتسعمائة وإحدى عشر، وبروتوكول الأستانة، عام ألف وتسعمائة وثلاثة عشر. إلا أن الخلاف الحديث بين العراق وإيران حول شط العرب بدأ مع توقيع اتفاقيات الحدود. التي وقعّت عام ألف وتسعمئة وسبعة وثلاثين. وانتهى بتوقيع اتفاقية الجزائر التي وقعها صدام حسين مع شاه إيران.
الأجواء التي سبقت اندلاع الحرب العراقية الإيرانية؟
أحمد منصور: ما هي الأجواء التي سبقت اندلاع الحرب العراقية الإيرانية؟
فاضل العزاوي
دكتور، كانت الأجواء ملبَّدة بالغيوم والمشكلات بشكل يومي. كان هناك قصف مدفعي يومي، وكان هناك تسلل وتجسس وعمليات قتل وتبادل من الطرفين، أي من إيران ويردُّ عليها العراق. لأنه في البداية كان هناك تصوّر مطلق عند معظم الناس أن الكفّة الأعلى لإيران وليس للعراق؛ لأن العراق بلد أصغر، وأقل عددًا في السكان، وأقل إمكانيات، فكانت إيران هي صاحبة الكفّة الأعلى.
أحمد منصور
علاوةً على أن التسليح الإيراني كان كله تسليحًا أمريكيًّا.
فاضل العزاوي
أمريكيًّا.
أحمد منصور
وكان التسليح العراقي تسليحًا سوفييتيًّا؟
فاضل العزاوي
سوفييتيًّا، وتسليحًا لم يكن بالقدر الذي…
أحمد منصور
علاوةً على أن جيش العراق كان جيشًا منهكًا في الحروب.
فاضل العزاوي
منهكًا. كان الشمال قد أضرَّ بالجيش كثيرًا، وتسبَّب في خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات.
أحمد منصور
هل زيارة صدام حسين في شهر يوليو/تموز عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين إلى كلٍّ من الأردن ثم السعودية، كان لهذه الزيارات ترتيبات أو علاقة بترتيبات الحرب؟
فاضل العزاوي
لا، كان يبحث عن خلق تحالف مهم ضمن إطار الجامعة العربية، ثم انبثق هذا التعاون لاحقًا في مجلس التعاون العربي.
أحمد منصور
تأزَّم الموقف بين العراق وإيران، وتم سحب السفراء في شهر مارس/آذار عام ألف وتسعمائة وثمانين. هل كان العداء الظاهري في ذلك الوقت بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني الذي كان يقوده آية الله الخميني دافعًا لكي يدخل صدام تلك الحرب ضد إيران؟ هل شجَّعت أمريكا؟
فاضل العزاوي
هذه هواجس لا أعرفها، لكن الذي أعرفه أنه في سبعة أيلول/سبتمبر…
أحمد منصور
أيلول/سبتمبر 1980.
فاضل العزاوي
أيلول/سبتمبر 1980، الرائد العراقي كمال عبد الستار البرزنجي أسقط طائرة فانتوم إيرانية من طراز إف-5، وألقت القطاعات العراقية القبض على الطيار الذي اسمه حسين الأشقري.
أحمد منصور
وأنت كتبت اسمه عندك في كتابك أيضًا.
فاضل العزاوي
كتبته عندي؛ لأن هذا كله موثَّق في الوثائق. وكان ذلك في سبعة أيلول.
أحمد منصور
وظل صدام حسين يحتفظ بهذا الطيار، ويرفض الإفراج عنه في جميع الصفقات، للتأكيد على أن إيران هي التي بدأت المعركة.
فاضل العزاوي
بعد هذه الحادثة، كان أول ردٍّ عراقي بمئتي طائرة مقاتلة ضربت مواقع عسكرية في إيران، فبدأت الحرب.
ورطة الجيش العراقي المنهك
أحمد منصور
وهنا بدأت الحرب. السؤال المهم: كان الجيش العراقي منهكًا، ومع ذلك تصوَّر صدام حسين أنه يمكن أن ينتصر في المعركة على إيران.
فاضل العزاوي
وهذا يدل دلالةً قطعية على أنهم كانوا يعرفون أن الجيش متعب، وأن التسليح ليس بالمستوى المطلوب. وهذا يعني بشكل قاطع أن موضوع الحرب العراقية الإيرانية لم يكن اعتداءً من العراق على إيران بدأ من العراق ضد إيران؛ لأن العراق لم يكن مؤهلًا.
أحمد منصور
هل كان يمكن تجنُّب هذه الحرب؟
فاضل العزاوي
كان يمكن تجنُّبها بالتفاوض، وبالوساطات، وبالرجوع إلى الجامعة العربية، أو إلى الأمم المتحدة، أو إلى مجلس الأمن، أي بتفادي الحروب. وقد وجَّه إليَّ هذا السؤال جروميكو، وقال لي إن هذه الحرب كان يمكن تفاديها، وهذه قناعة دولية.
أحمد منصور
خلال لقاءاتك مع صدام، هل تطرَّق صدام إلى هذا الأمر يومًا ما؟ هل شعر بالندم وأن هذه الحرب كان يمكن أن يتفاداها؟
فاضل العزاوي
لا، لم يشعر بالندم. لكنني سمعت أنه، رحمه الله، قال عن غزو الكويت إنه اعتذر.
أحمد منصور
هو أصدر رسالة اعتذار رسمية، لكنها كانت متأخرة جدًا في عام ألفين واثنين. لكن دعنا الآن في هذا الموضوع. هل كان صدام فعلًا يعتقد أن إيران مفككة بعد سقوط الشاه، وأنه يمكن أن ينتصر عليها؟
فاضل العزاوي
ممكن؛ لأنه منذ غادر الشاه وجاء الخميني وحكم الملالي، اختلَّ التوازن العسكري والاجتماعي والاقتصادي والفكري في إيران؛ لأن المنظومة التي حكمتها كانت تختلف عن منظومة الشاه في كل التفاصيل. وربما هذا الوهم ساور القيادة، فقبلوا المنازلة.
أحمد منصور
صلاح عمر العلي، في شهادته على العصر، وكان مندوبًا للعراق في الأمم المتحدة، قال إنه التقى بوزير الخارجية العراقي سعدون حمادي، وطلب منه أن يفاتح صدام حسين بشأن طلب وزير الخارجية الإيراني إبراهيم يزدي أن يلتقي مع صدام. لكن سعدون حمادي كان خائفًا من صدام حسين، وقال إنه لا يمكن أن يفاتحه في الأمر. هل إلى هذه الدرجة يخشى وزير الخارجية أن يفاتح رئيس الدولة لعقد لقاء يمكن أن يجنب البلد حربًا كارثية؟
فاضل العزاوي
نعم، كارثية فعلًا. لكنني أعرف سعدون حمادي، وكان في فترة توليه الوزارة إنسانًا مهذبًا ومحترمًا.
أحمد منصور
مهذب ومحترم لنفسه، لكننا الآن أمام مناصب ومسؤوليات تفرض على من يتولاها أن يكون أهلًا للمسؤولية.
فاضل العزاوي
طبعًا، هذه مبادرة كان لا بد أن يقتنصها، وأن يعمل على توظيف يزدي وإقناعه من أجل حل النزاع بالطرق السلمية.
أحمد منصور
لكن من الذي حوَّل المسؤولين حول صدام حسين، وعلى رأسهم وزير الخارجية، إلى هذا الخوف بحيث لا يفاتحون الرئيس في أمور يمكن أن تجنب البلاد كوارث؟
فاضل العزاوي
والله يا أستاذي، هذا سؤال واضح ومهم. أعتقد أن ما حدث في عام 1979 أخاف الكوادر وأخاف المسؤولين.
أحمد منصور:
عمليات التصفية التي تمت..
فاضل العزاوي:
نعم، التصفيات الكبيرة.
أحمد منصور:
التي تمت.
فاضل العزاوي:
أعتقد ذلك.
أحمد منصور:
كيف يخوض صدام حسين حربًا وقد صفّى عددًا كبيرًا من قيادات جيشه وقيادات حزبه؟
فاضل العزاوي:
كان صدام – رحمه الله – يتصرف دائمًا بناءً على قناعته بقدراته الشخصية، إذ كان يرى نفسه قويًا ومقتدرًا.
أحمد منصور:
وليس بقدرات جيشه ولا دولته؟
فاضل العزاوي:
هذا تقديري. وإلا كيف قَبِلَ بمنازلة دول العالم المتقدم جميعًا؟ وأي إنسان لديه قدر بسيط من الثقافة يدرك أن النتيجة لن تكون في صالح العراق.
أحمد منصور:
الحرب العراقية الإيرانية، هل كانت حساباتها خاطئة؟ واجتياح الكويت والحرب مع الأمريكيين، هل كانت حساباتها خاطئة؟ وفي عام ألفين وثلاثة، هل كانت الحسابات خاطئة أيضًا؟ ومع ذلك كان صدام يُصرّ، وكان الجميع يسير وراءه، وكأنهم يمضون إلى الهاوية والانتحار.
فاضل العزاوي:
للأسف الشديد، الحرب – يا أستاذ – حتى المنتصر فيها خاسر. لكنها مسألة ثقافة متأصلة في النفس؛ فهناك من لديه استعداد للحرب، وهناك من يميل إلى السلم والتفاوض والتفاهم والهدوء. ولو رجعنا إلى أسلافنا لوجدنا ما قاله النابغة الذبياني في معلقته الشهيرة، وهو ما ينبغي أن نعتمده في حياتنا اليومية:
«وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ،
وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ،
مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً،
وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ،
فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها،
وَتَلقَح كِشافًا ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ».
أي أن الحرب تحطم كل شيء وتنتهي بالخراب، وقد قيل هذا قبل مئات السنين.
أحمد منصور:
وقد جسّد صدام حسين ذلك.
فاضل العزاوي:
أنا شخصيًّا لم أكن راضيًا عن تلك المنازلات، وخصوصًا غزو الكويت. كنت أرى أنه كان بالإمكان تفادي الغزو وحل المشكلة بروح أخوية. لكنني أُلقي اللوم على ثلاثة أطراف: الوفد المفاوض العراقي، والوفد المفاوض الكويتي، والدولة المضيفة. فعندما رأت الدولة المضيفة أن الأمور تتأجج وتتجه نحو الصدام، كان ينبغي أن تتدخل بصورة مختلفة.
أحمد منصور:
سأعود إلى ذلك بالتفصيل لاحقًا. ولكن يقول صلاح عمر العلي إن صدام حسين رتّب والتقى مع إبراهيم يزدي، لكن بعد اللقاء أعلن نقض اتفاقية الجزائر وأعلن الحرب. إذا فشل قائد سياسي في إنجاز اتفاق يجنّب بلاده حربًا في لقاء كهذا، كيف تفسّر ذلك؟ وماذا جنى العراق بعد هذا اللقاء وإعلان الحرب؟
فاضل العزاوي:
لا أستطيع أن أتهم المرحوم الدكتور سعدون حمادي بالخيانة أو التواطؤ، لكن طبيعته أنه رجل يحترم نفسه.
أحمد منصور:
من يحترم نفسه يبقى في بيته.
فاضل العزاوي:
كان مكلّفًا بمهمة.
أحمد منصور:
من يتولى منصبًا عليه أن يكون أهلًا له، وأن يؤدي واجباته ومسؤولياته، فالتاريخ لا يرحم، والمسؤوليات لا ترحم.
فاضل العزاوي:
بالتأكيد هناك فرق بين الولاء والكفاءة، وبين الولاء والاقتدار.
أحمد منصور:
هل تعتبر أن الكارثة الرئيسية في العراق في عهد صدام حسين كانت تقديم أهل الولاء على أهل الكفاءة؟
فاضل العزاوي:
كانت هناك كفاءات، لكن مبدأ الولاء كان يُقدَّم على الكفاءة في حالات كثيرة.
تعيين فاضل العزاوي سفيرًا للعراق في الهند
أحمد منصور:
قبل الحرب بشهر تقريبًا، في أغسطس عام ألف وتسعمائة وثمانين، نُقلت من واشنطن إلى نيودلهي، رغم أنك لم تمكث في واشنطن سوى عامين، في حين أن المتعارف عليه أربع سنوات. ما أسباب نقلك؟
فاضل العزاوي:
في الحقيقة لا أعرف. الموظف يُنقل بأمر، ولو بعد شهر واحد. يؤدي واجبه، يودّع زملاءه، ويستأذن من الدولة المضيفة.
أحمد منصور:
هل عرفت الظروف التي دفعت الحكومة إلى نقلك من واشنطن إلى نيودلهي؟
فاضل العزاوي:
لا. الهند دولة كبرى، وأمريكا دولة كبرى، ولم يكن عندي فرق. كنت قد درست وعشت في أمريكا، أما الهند فكانت عالمًا جديدًا بالنسبة لي.
أحمد منصور:
ماذا شكّلت لك هذه النقلة؟
فاضل العزاوي:
انتقلت إلى عالم جديد، وتعلمت أمورًا كثيرة.
أحمد منصور:
ما أهم ما تعلمته؟
فاضل العزاوي:
الحياة الديمقراطية الحقيقية في الدول؛ وقد رأيتها في الهند آنذاك.
أحمد منصور:
تقصد في زمن إنديرا غاندي؟
فاضل العزاوي:
نعم، في زمن إنديرا غاندي، من حيث تداول السلطة والتواؤم الاجتماعي.
أحمد منصور:
التقيتِ إنديرا غاندي، ماذا دار بينكما؟ وكيف تقيّم شخصيتها؟
فاضل العزاوي:
التقيتها مرة في ظرف طارئ. اتصل بي المرحوم عدنان خير الله، وكان وزير الدفاع أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وقال لي إن العراق لم يتبقَّ لديه سوى ستة إطارات لطائرات «ميغ 21»، وهذه كارثة، إذ لا يمكن للطائرات أن تعمل من دون إطارات بديلة. وطلب مني أن أؤمّن إطارات من الهند.
كانت لدينا عضوة برلمان صديقة تُدعى نجمة هبة الله، فاتصلت بها، وطلبت لقاء رئيسة الوزراء إنديرا غاندي. قيل لي إن يوم السبت مخصص لاعتكافها وممارسة اليوغا، ولا تستقبل فيه أحدًا. لكنني أكدت أن الأمر وطني وطارئ، فكيف تخوض دولة حربًا وليس لديها إطارات لطائراتها؟ وكان ذلك دليلًا واضحًا على أن العراق لم يكن مهيأً للحرب كما ينبغي.
أحمد منصور:
هذه نقطة مهمة، صدام دخل الحرب العراقية الإيرانية الآن بشهادتك، وهو غير مهيأ للحرب.
فاضل العزاوي:
هذا الكلام الذي دار بيني وبين المرحوم عدنان خير الله، وبعد ذلك أحضرت الإطارات المطلوبة.
أحمد منصور:
انتظر، أكمل لي القصة.
فاضل العزاوي:
ذهبت لمقابلتها يوم السبت، وأوضحت لها أن لدينا أمرًا اضطراريًا، وهي – أنديرا غاندي – احترمت موقفنا. شرحت لها الأمر بهذا الشكل، وقلت إن القيادة اتصلت بي، ونحن بحاجة عاجلة للإطارات.
أحمد منصور:
هل سيصنعونها هناك أم سيأخذونها من السوفييت؟
فاضل العزاوي:
الإطارات تُصنع لديهم، سواء في الحالتين. قالت لي إن لديها الإطارات لكنها لا تستطيع تسليمها مباشرة، لأنها محايدة بين العراق وإيران، وكل حركة مراقبة. لكنني أكدت لها أننا سنأتي بطرف ثالث لنقل الإطارات، فقالت إن وافق الطرف الثالث، فزودتني بمائتين وأربعة إطارات. بلغتها جماعتي، واتفقنا على أن تأتي طائرة أردنية لنقلها. تم نقل الإطارات من الأردن إلى بغداد. كان هذا اللقاء مهمًا، إذ وفرت إدارة غاندي جزءًا من الحل، لأن الحرب كانت قائمة بين دولتين كبيرتين، ونحن لم نملك سوى ست إطارات، وهذا كان خطرًا بالغًا.
أحمد منصور:
هذا الوضع قد ينطبق على كل الأسلحة في العراق، وهذا ما أدى إلى أن تصبح اليد العليا في الحرب العراقية الإيرانية عام 1982 لإيران وليس للعراق.
فاضل العزاوي:
تقريبًا إلى عام 1984، بقيت اليد العليا في الحرب لإيران.
أحمد منصور:
يقول تشارلز تريب في كتابه صفحات من تاريخ العراق في الصفحة 297 إن صدام حسين حين تولى السلطة اختزل الدولة في شخصه وعشيرته والمقربين منه، وربطهم بشبكة تحالف ومصالح يصعب على الآخرين اختراقها.
فاضل العزاوي:
أنا أقر بأنه استحضر أصدقاءه، أما عشيرته، فلنحسب من منهم كان في مواقع المسؤولية.
أحمد منصور:
يكفي أنه أحضر أزواج بناته وأطلق العنان لأبنائه، وأيضًا بعض الأشخاص من تكريت، ووضعهم في مواقع مختلفة، وهذا يكفي.
فاضل العزاوي:
لو أحصينا المسؤولين بالفعل..
أحمد منصور:
ألم يكن كل شخص قريبًا من صدام حسين؟ ألم يكن هذا بمثابة جواز مرور له لدخول أي مؤسسة وأخذ ما يشاء؟ طاهر العاني في مذكراته يقول..
فاضل العزاوي:
طاهر العاني غير منصف.
أحمد منصور:
طاهر العاني، عضو مجلس قيادة الثورة، وهذا كتابه..
فاضل العزاوي:
قرأت كتابه، والله كتابة غير دقيقة، لا يكتبها إلا نائب ضابط متعلم.
أحمد منصور:
أنت الآن تنتقد شخصًا كان عضو قيادة.
فاضل العزاوي:
عضو قيادة، يا رجل.
أحمد منصور:
عضو مجلس قيادة الثورة.
فاضل العزاوي:
أقولها علنًا، وهو يسمعني الآن في لندن، طاهر العاني..
أحمد منصور:
معركتك مع طاهر العاني خلصها معه لوحدك.
فاضل العزاوي:
كنا معًا، نعرف بعضنا جيدًا، حتى في السجن، لكنني رأيت كتابه.
أحمد منصور:
هو كان معك في السجن وكتب عن مرحلة السجن؟
فاضل العزاوي:
نعم، كان معنا. هو متدين بالطريقة القديمة، يؤمن بالصوفية.
سطوة الأجهزة الأمنية العراقية
أحمد منصور:
أعود إلى كتاب تشارلز تريب، الأستاذ في جامعة لندن، الذي يقول في صفحات من تاريخ العراق إن صدام حسين فور اعتلائه كرسي الرئاسة خلق حوله هالة من الإعجاب المفرط بشخصه، وأنشأ أجهزة أمنية تتجسس على الناس وعلى بعضها البعض.
فاضل العزاوي:
شاهدت ذلك. الأجهزة الأمنية الفاعلة في العراق كانت: جهاز الأمن العام، الذي يختص بالعراقيين أو من يختلط بالعراقيين من الأجانب؛ والاستخبارات العسكرية، التي تهتم بالعسكريين ومن يختلط معهم من الأجانب؛ والمخابرات العامة، التي تهتم بالأجانب إذا اختلطوا بالعراقيين.
أحمد منصور:
والتي ترأستها أنت بعد ذلك؟
فاضل العزاوي:
عملنا ربما بنسبة واحد بالمئة داخل العراق، والباقي خارج العراق.
أحمد منصور:
سآتي لك بالتفصيل. ماذا عن الأجهزة الأخرى؟
فاضل العزاوي:
مثل من؟
أحمد منصور:
بعد سقوط نظام صدام في 2003 تبين أن العراق كله كان يتجسس على بعضه البعض. حجم الوثائق كان هائلًا، وقد دخلت غرفة مليئة بالوثائق وأُتيح لي أخذ ما شئت، كلها تقارير جواسيس على بعضهم، من يذهب للصلاة يتجسس على شيخ المسجد، وبائع الخضار يتجسس، والدكاترة يتجسسون على مرضاهم، تحولت الدولة إلى دولة جواسيس.
فاضل العزاوي:
صحيح، الأجهزة لديها وكلاء ومعتمدون، لكن عند الاحتلال لم يتم إتلاف الوثائق، لأن المعنيين لم يتوقعوا سقوط الدولة ونجاح الاحتلال.
أحمد منصور:
سأذكر لك في كتاب لاحقًا أرقام عدد الناس، وسأقدّمها لك حينها.
فاضل العزاوي:
ممكن. أنا أقول لك، الأجهزة لديها وكلاء وأصدقاء.
أحمد منصور:
هل لديك معلومات عن المدة التي كان صدام حسين يتوقع أن تنتهي فيها الحرب؟ أنت تستطيع إشعال حرب في أي وقت، لكن لا تضمن نهايتها ولا نتائجها، مثل الحرب العراقية الإيرانية.
فاضل العزاوي:
لا أحد كان يتوقع أن الحرب ستطول هكذا. عندما نُقلت من الهند كسفير إلى الاتحاد السوفيتي، سألت وزير الخارجية السوفييتي غروميكو، وكان قد عاد من الأمم المتحدة، عن اجتماع الدول الخمس الكبرى، فقال إنهم اتفقوا على عدم التدخل، أي أنهم تركوا العراق وإيران يتقاتلان حتى يتعب الطرفان، وكان هذا قرارًا دوليًا.
أحمد منصور:
يعني إشعال الحرب العراقية الإيرانية كان قرارًا دوليًا؟
فاضل العزاوي:
لا، إشعال الحرب العراقية الإيرانية…
أحمد منصور:
قرار صدام حسين.
فاضل العزاوي:
بالضبط، لكن كان هناك تآمر إسرائيلي أمريكي وإيران كونترا…
أحمد منصور:
أليس من حق العدو أن يتآمر؟ لا ألوم العدو، ولا ألوم نفسي على إخفاقي إذا لم أستطع.
فاضل العزاوي:
أنا لا ألوم العدو، لكن الحقيقة أن هناك دولًا تدعي الديمقراطية والعدالة والحياد، لكنها ليست كذلك.
أحمد منصور:
أي حياد وأي ديمقراطية وأي عدالة في عالم ملئ بالعداء الظاهر بين الأطراف المختلفة؟ على الإنسان السياسي أن يكون فطنًا ليحكم على الأمور.
فاضل العزاوي:
نعم، صحيح.
أحمد منصور:
ولو أن صدام حسين حكم على الأمور بدقة، لما دخل الحرب بجيش منهك.
فاضل العزاوي:
نعم، قبول التحديات الدولية كان خطأ، لأن الكفة لم تكن متوازنة.
جذور الخلافات بين العراق وإيران
أحمد منصور:
جيف سيمونز، وأنت نقلت من كتابه في كتابك، في كتابه عراق المستقبل، يقول إن الحرب العراقية الإيرانية واحدة من أقدم الخلافات في العالم، ويدور أصلها حول طرفي هوة عرقية في الأساس. ويمكن إعادة جذور مشاعر العداء الحالية إلى معركة القادسية التي دارت رحاها في جنوب العراق عام 637 للميلاد، والتي قضى فيها جيش من المسلمين العرب على جيش أكبر حجماً من الفرس الزرادشتيين وعلى الإمبراطورية الساسانية المتعفنة. هذا نص كلامه نقلاً عن الإيكونوميست البريطانية.
فاضل العزاوي:
صحيح، لكن المشكلة تجذرت سنة 1514 عندما وقعت المعركة بين العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول وإسماعيل الصفوي قرب تبريز العاصمة، وكُسر فيها الجيش الفارسي وانتهى بانتصار العثمانيين بشكل كبير جداً.
أحمد منصور:
لكن لم يقضِ عليهم سليم الأول، وعندما عاد لمحاربتهم توفي في الطريق.
فاضل العزاوي:
نعم، توفي في الطريق.
أحمد منصور:
وتوجه بعد ذلك ابنه سليمان القانوني نحو أوروبا وتركها.
فاضل العزاوي:
صحيح، هنا النقطة المهمة: إسماعيل الصفوي، حتى يحمي نفسه، إيران كانت كلها تتبع المذهب الحنفي، فاعتبر أن أفضل طريق لحماية نفسه هو اللجوء إلى المذهب الاثني عشري والمذهب الجعفري، وبدأ يبعث البعوث إلى العراق والمناطق الأخرى، وبالخصوص القريبة من المراقد المقدسة في كربلاء والنجف وأماكن أخرى.
أحمد منصور:
هناك تفسيرات أخرى للحرب تقول إنها كانت صراعاً شخصياً بين رجلين هما آية الله الخميني وصدام حسين.
فاضل العزاوي:
ممكن، لأنه من المستحيل حل المشكلة القائمة بين العراق وإيران، مستحيل، ولم تُحل المشكلة أبداً.
أحمد منصور:
المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، في كتابه عن الحرب العراقية الإيرانية، رصد أخطاءً عسكرية فادحة للقوات العراقية في هجومها العسكري في الفترة من منتصف سبتمبر حتى منتصف نوفمبر 1980، ويمكن الرجوع إليها لأنها تتناول ثلاث صفحات تقريباً. لا أريد سردها بالكامل، لكنها تبين أن العراقيين كانوا منهكين وليس لديهم رؤية استراتيجية للحرب، وينفذون أوامر قائد سياسي يجهل سبب دخوله الحرب وماذا يريد منها.
فاضل العزاوي:
أستاذي، هذا الموضوع تكرر أيضاً في غزو الكويت. لم يكن هناك استطلاع أو خرائط، كما رأيت في حفر الباطن، فقد تاهت فرقة من الجيش، وفي الخفجي دخلت فرقة أخرى، وارتبك موقف السعودية، وتصوروا أنه بعد الكويت سيحتل العراق كل الخليج، وهذا غير صحيح. والطائرات العراقية حينها، عندما حصل الهجوم ليلاً، كثير منها ضربت الضغط العالي ووقعت محترقة مع الجنود الموجودين فيها، ما يعني أنه لم يكن هناك استطلاع أو تخطيط فعلي.
أحمد منصور:
سأتناول هنا كوارث الحرب العراقية الإيرانية. تمكن الجيش العراقي في البداية من التقدم، لكن كفة الحرب بدأت تميل لصالح الإيرانيين بعد عام 1982، وخسر العراق خسائر فادحة. كنت قائداً للسفارة العراقية في الهند منذ بداية الحرب حتى مارس 1982. هل أنجزت شيئاً هناك بخلاف موضوع الإطارات مع أنديرا غاندي بالنسبة للحرب؟
فاضل العزاوي:
نظمنا شؤوناً إعلامية، وأعددنا لقاءات مع المسؤولين هناك.
أحمد منصور:
لكن الهند لم تصدر أي سلاح للعراق خلال الحرب.
فاضل العزاوي:
سلاح؟ لا، لم يكن لديها السلاح المناسب الذي نستفيد منه، فأساس سلاحنا كان بريطاني ثم تحولنا بعد الملكية إلى السلاح السوفيتي، وجزء من الصيني، ثم نوعنا بعض الأسلحة الفرنسية.
أحمد منصور:
أبو غزالة في كتابه يقول إن العراق استورد في عام 1981 ما قيمته 3.7 مليار دولار من السلاح، وفي عام 1982، 4.3 مليار دولار، ما يعني أن مصانع السلاح العالمية كانت منتعشة بشكل كبير لتزويد هذه الحرب.
فاضل العزاوي:
وكل هذه الأسلحة احترقت، وملايين الدولارات ضاعت. الحرب كانت خاسرة للطرفين، حتى من يبدو رابحاً فهو في الواقع خاسر.
أحمد منصور:
في 7 يونيو 1981 تمكنت إسرائيل من تدمير المفاعل النووي العراقي بواسطة ثمان طائرات حربية أقلعت من إسرائيل وعادت بسلام.
فاضل العزاوي:
عادت بسلام لأنها كانت ضربة مفاجئة، وكانت الرادارات العراقية موجهة كلها نحو إيران، لأنهم توقعوا الهجوم من هناك، لكن الهجوم جاء عبر السعودية.
أحمد منصور:
ألم تكن هناك خيانة؟
فاضل العزاوي:
لا، كانت مفاجئة، الموضوع استغرق دقيقتين فقط فوق المفاعل.
أحمد منصور:
ما حقيقة وجود تقني فرنسي أمد الإسرائيليين بالمعلومات ووضع لهم الإشارة، وتوفي في الحادث أيضاً؟ هل لديك معلومات حول هذا؟
فاضل العزاوي:
لا، ليس لدي معلومات مؤكدة، لكن المفاعل كان فرنسياً، وبالطبع كان هناك فنيون مختصون. إسرائيل، كما تعلم، لديها قدرات كبيرة وتعمل لضمان أمنها المستقبلي بطريقة أو بأخرى.
أحمد منصور:
تشارليز ستريب يقول إن إيران نجحت في عام 1982 في استرداد معظم الأراضي التي خسرتها، وأبو غزالة يقول إن المعارك الجوية بين إيران والعراق في يناير 2015 أدت إلى خسارة العراق 80 طائرة في شهر واحد، بينما خسرت إيران 55 طائرة.
فاضل العزاوي:
كانت خسائر كبيرة.
أحمد منصور:
العراق، الدولة الغنية، بدأ اقتصادها يتدهور في العام الثالث من الحرب.
فاضل العزاوي:
نعم، كان لدينا رصيد حوالي 40 مليار دولار، وبنهاية الحرب…
أحمد منصور:
كان 3 مليار دولار فقط في عام 1983، حسب ما ذكر أبو غزالة.
فاضل العزاوي:
لا، ليس كذلك… لأننا بعد ذلك…
أحمد منصور:
انخفض الدخل في سنة 1980 من 30 مليار إلى 3 مليار في عام 1983، دخل العراق من النفط كان 26 مليار في عام 1982، أي أن المنشآت النفطية دُمرت، وكان صدام حسين يصر على الاستمرار في معركة خاسرة وتدمير كل قدرات العراق.
فاضل العزاوي:
ما هو البديل؟
أحمد منصور:
وقف الحرب من الطرف الآخر.
فاضل العزاوي:
الطرف الآخر لم يكن يريد إيقافها.
شروط إيران لوقف الحرب
أحمد منصور:
الطرف الآخر وضع شرطاً.
فاضل العزاوي:
نعم؟
أحمد منصور:
ما هو هذا الشرط؟
فاضل العزاوي:
هذا الشرط؟ غير مقبول.
أحمد منصور:
كيف؟ غير مقبول؟
فاضل العزاوي:
غير مقبول لأنه يطلب تنحي رئيس الدولة.
أحمد منصور:
تنحي رئيس الدولة؟ إذا تنحى رئيس الدولة يُمكن إنقاذ البلد.
فاضل العزاوي:
إذا اقتنع بذلك، لكن الشرط فيه إهانة للدولة ورئيسها.
أحمد منصور:
رئيس الدولة اختزل كل القرارات، كان هناك صيغ عديدة لإنهاء الحرب، لكن صدام حسين اختزل كل شيء في شخصه ولم يكن ينصت لأحد.
فاضل العزاوي:
لا، كان متفاعلاً مع الحرب العراقية الإيرانية، وكان يشارك بنفسه في المعارك، ويزور القطاعات الأمامية. وأقولها على الملأ، لولا جهد صدام حسين ومتابعته لما كان العراق يحقق أي هيبة وسطوة في التعامل مع المعنيين، بالمنطق، لا يمكن للعراق أن ينتصر على إيران.
أحمد منصور:
أنت أيضاً لم تبقَ سفيراً في الهند سوى عامين، ثم نُقلت إلى الاتحاد السوفييتي. هل صحيح أن نقلك إلى الاتحاد السوفييتي كان بطلب خاص من الرئيس صدام حسين؟ وكيف كان القرار؟
فاضل العزاوي:
يعني مصدر تسليحنا أكثر من سبعين بالمائة منه كان سوفيتي، فلما استدعيت إلى بغداد، بلغني الرئيس صدام حسين، رحمه الله، وقال: “أنا قلت للسوفييت سأأتي لكم بسفير يشاهد بعيني، ويسمع بأذني، ويتحدث بلساني”.
أحمد منصور:
هذا يعني أن صدام كان يثق بك ثقة عالية جداً.
فاضل العزاوي:
بالطبع، لأنني لم أفعل شيئاً يجرح هذه الثقة.
أحمد منصور:
بدر بدر بعد ذلك…
فاضل العزاوي:
لا، لا، بدر بدر كان هناك سوء فهم بعد عام 1994، بعد عام 1993…
أحمد منصور:
سنأتي لهذا لاحقاً، لكن بالنسبة لك، الآن عرفت مهمتك المحددة التي حدّدها لك صدام بنفسه.
فاضل العزاوي:
جزء من مهمتي كان يتعلق بالتسليح، وجزء آخر خلال وجودي هو نقل معمل كي 55 لصناعة الدبابات إلى العراق وبعض الأمور الأخرى.
أحمد منصور:
نقلتموه من الاتحاد السوفييتي إلى العراق؟
فاضل العزاوي:
نعم.
أحمد منصور:
وكان التصنيع يتم في العراق؟
فاضل العزاوي:
لم يكن التصنيع كاملاً، لكن تم تصنيع الكثير من الأمور هناك.
أحمد منصور:
يعني كان تجميعاً؟
فاضل العزاوي:
نعم، مثل الأسلحة والعتاد الخفيف وبعض أسلحة الكلاشنكوف.
أحمد منصور:
يعني خلال فترة وجودك في الاتحاد السوفييتي كسفير، كان الدور الأساسي لك هو تمويل العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية؟
فاضل العزاوي:
لا، لم يكن الدور الأساسي فقط، بل كان الدور الأساسي أيضاً تحسين العلاقات، ورعاية الجالية العراقية هناك، وضبط سير السفارات.
أحمد منصور:
كان هناك جالية عراقية؟
فاضل العزاوي:
نعم، الدارسون كثيرون، من المدنيين والعسكريين.
أحمد منصور:
عددهم كان تقريباً كم؟
فاضل العزاوي:
بالمئات.
أحمد منصور:
بالمئات؟ مثل خمس وثمانين ألف، كما هو حال الأمريكيين؟
فاضل العزاوي:
لا، بالطبع لا.
أحمد منصور:
ولا مثل المصريين؟
فاضل العزاوي:
مصر أم الدنيا، ونحن لحد الآن نعشق العيشة في مصر.
أحمد منصور:
كلنا نعشق العيشة في مصر. إذن كان دورك أكبر من أن يكون مجرد دور دبلوماسي كسفير؟
فاضل العزاوي:
بالطبع.
أحمد منصور:
يعني، ما هي صلاحياتك كسفير؟
فاضل العزاوي:
حتى الصواريخ، أنا تفاوضت على صواريخ أرض-أرض سكود، وسهلنا كل الأمور المتعلقة بانسيابية نقلها.
أحمد منصور:
المشير أبو غزالة في صفحة 72 من كتابه يقول إن الفترة ما بين عام 1980 و1987 كان 37٪ من مشتريات العراق من الأسلحة والمعدات من الاتحاد السوفييتي.
فاضل العزاوي:
نعم، رغم أنه في بداية الحرب أربع بواخر سوفيتية كانت محملة بالأسلحة والعتاد غيرت مسارها ورجعت، ونحن كنا بحاجة ماسة إليها.
أحمد منصور:
غيرت مسارها وعادت إلى العراق؟
فاضل العزاوي:
لا، رجعت إلى الاتحاد السوفييتي.
أحمد منصور:
وكانت في طريقها…
فاضل العزاوي:
نعم، قريبة من الخليج.
أحمد منصور:
ولماذا رجعت؟
فاضل العزاوي:
رجعت لأنهم اعتبروا أن هذه حرباً، وأنه لا يجب أن يغذوا النار.
أحمد منصور:
ألم يكونوا يمولون الطرفين؟
فاضل العزاوي:
كانوا يمولون الطرفين، وكذلك الأمريكان، حتى تستمر الحرب إلى ما لا نهاية.
شخصية أندريه جروميكو
أحمد منصور:
كنت تلتقي دائماً بأندريه غروميكو، وزير الخارجية السوفييتي. كيف تقييمك لشخصيته؟
فاضل العزاوي:
شخصية فذة.
أحمد منصور:
من أي ناحية؟
فاضل العزاوي:
أولاً، نحن نتكلم الإنجليزية بطلاقة أنا وهو، فكان التفاهم صحيحاً ودقيقاً. كان قليل الكلام، لكن أفكاره حكيمة ولها بعد نظر.
أحمد منصور:
تتذكر أهم الأشياء والأفكار التي تحدثت فيها معه ولا تزال عالقة في ذهنك؟
فاضل العزاوي:
من الأشياء الكثيرة أنه مرة قال لي: “لماذا تورطتم مع إيران في هذه الحرب؟ كان يمكن تفاديها. نحن دولة كبرى، وفي عشرينيات القرن الماضي اختلفنا مع إيران وتحاربنا أربعين سنة على تلة، ثم قلنا لهم عن طريق وسيط: سنترك لكم التلة ونتوقف عن القتال”، فقالوا: “لا، نستمر في القتال”. العناد الإيراني معروف، ولذلك كان علينا أن نعرف كيف نتعامل معهم، لدينا حدود معهم تبلغ حوالي 1200 كيلومتر تقريباً.
أحمد منصور:
أنت تتحدث عن العراق.
فاضل العزاوي:
العراق، نعم، كان من المفترض تجاوز أي قتال أو حرب بيننا وبين إيران، وكان الحل الأمثل والوحيد هو التفاوض والاستعانة بالأصدقاء، بالأمم المتحدة، وبمجلس الأمن. هناك وسائل عديدة لحل المنازعات.
أحمد منصور:
العلاقة بين حزب البعث والاتحاد السوفييتي كانت متوترة بسبب الأدوار الدموية التي قام بها البعث ضد الحزب الشيوعي العراقي.
فاضل العزاوي:
أقول لك، الاتحاد السوفييتي كحزب شيوعي، منذ بداية علاقتنا وحتى نهايتها، لم يحب الدولة البعثية أبداً.
أحمد منصور:
لأنكم أنتم قتلتم كثيراً من الشيوعيين.
فاضل العزاوي:
هم بدأوا في زمن عبد الكريم قاسم، رحمه الله، نحن نحبه، لكن البداية كانت منهم والبادي أظلم.
أحمد منصور:
لكن، أستاذ، أنا أفهم أن الدموية بين العراقيين كانت شديدة.
فاضل العزاوي:
العراقيون أشداء، أشداء جداً.
أحمد منصور:
لكن يا أخي، وسائل التعذيب التي كانوا يمارسونها مع بعضهم لا تصدق!
فاضل العزاوي:
الخلاف بين البعثيين والشيوعيين أيام زمان كان كبيراً جداً، وكان العداء متأججاً للغاية.
أحمد منصور:
طيب، كيف تعاملت مع هذا الملف حينما كنت سفيراً في الاتحاد السوفييتي؟
فاضل العزاوي:
عملت وعملت… نعم، أنا عملت.
أحمد منصور:
قل لي ماذا فعلت؟
فاضل العزاوي:
سأقول لك شيئاً، أنت استدرجتني… تعاملت مع الحزب الشيوعي العراقي من داخل موسكو، التقيت بعضو اللجنة المركزية اسمه يوسف حمدان.
أحمد منصور:
في الحزب الشيوعي؟
فاضل العزاوي:
الحزب الشيوعي العراقي.
أحمد منصور:
التقيت به في موسكو؟
فاضل العزاوي:
نعم، التقيت به، وهو كان يقيم في الجزائر، واشتغلنا على لقاء وضمانات، ثم أصبح عضواً في مجلس النواب بالعراق، وكان وضعه محترماً.
أحمد منصور:
باع الشيوعيين وجاء معكم؟
فاضل العزاوي:
اتفقنا على كتابة بيان يعلنه في الجزائر باسم الحزب الشيوعي العراقي، وصار انشقاق أضعف الحزب الشيوعي العراقي. وعاتبتني القيادة السوفيتية، غروميكو عاتبني.
أحمد منصور:
ماذا قال لك؟
فاضل العزاوي:
قال لي: “أنت سفير هنا، ونحن أصدقاء، كيف تنشق الحزب الشيوعي العراقي من داخل موسكو؟”
أحمد منصور:
ماذا قلت له؟
فاضل العزاوي:
قلت له: هؤلاء عراقيون، أنا ما تجرأت أن أتدخل في وضع الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، إنهم عراقيون، وهم من حقي أن أرجعهم لوطنهم حتى يكون ولاؤهم للوطن.
أحمد منصور:
معنى ذلك أن الاتحاد السوفييتي كان يرعى ويدعم ويقوم باتصالات قوية مع كل الأحزاب الشيوعية في العالم العربي والعالم، وكانت هناك عقيدة شيوعية واضحة.
فاضل العزاوي:
نعم، العقيدة الشيوعية يدافع عنها ويحميها ويدعمها ويهيئ لها الظروف.
أحمد منصور:
وأحد أسباب كراهية السوفيت للبعثيين هو عداء البعثيين مع الشيوعيين.
فاضل العزاوي:
أبداً، الخصام بين الحزب الشيوعي والحزب البعث خصام أبدي. وأنا ذكرت هذا الكلام وعوّبت عليه من السوفييت.
أحمد منصور:
من من؟
فاضل العزاوي:
من السوفييت.
أحمد منصور:
لكن ماذا فعل صدام حينما علم بما قمت به؟
فاضل العزاوي:
صدام فرح. أنا أقول لك كيف فرح: كان يتابع الموضوع بنفسه، وكان يتلقى البريد من الطائرة العراقية يوم الجمعة ويطلع عليه، ثم يعيده للخارجية، لأنه كان يتابع كل التفاصيل.
أحمد منصور:
في صفحة 172 من كتابك خفايا المؤامرات الدولية، قلت إنه رغم الصداقة الحميمة بين رئيس الحكومة الروسية يفغيني بريماكوف (1991-1996) وصدام حسين منذ عام 1967، كان بريماكوف يعتبر صدام حسين نرجسياً ويصدر قراراته لاضطهاد الشيوعيين.
فاضل العزاوي:
صحيح، أنا كنت قريباً من الحرب، وبريماكوف زار العراق، وكان هناك اجتماع في منطقة قريبة من بغداد، وقصفت المنطقة قبل نهاية الاجتماع، وكان الوزير موجوداً منزعجاً، وسألني عن الأمر، وقلت له إن هذه حالة مفاجئة للجميع.
أحمد منصور:
الصاروخ كان صاروخاً سوفييتياً، صحيح؟ الصواريخ التي استخدمها الإيرانيون ضد العراق كانت سكود أهداها معمر القذافي إلى الإيرانيين.
فاضل العزاوي:
للأسف، في حربنا مع إيران، وقفت سوريا وليبيا مع إيران، والجزائر كانت بين بين.
أحمد منصور:
والعالم كله كان يمول الطرفين حتى تستمر الحرب التي استمرت ثماني سنوات. أنت نقلت من موسكو إلى العراق كمعاون لمدير المخابرات، ثم أصبحت مديراً للمخابرات العراقية.
أحمد منصور:
نبدأ معك الحلقة القادمة من دورك كمدير للمخابرات العراقية خلال الحرب العراقية الإيرانية.
أحمد منصور:
شكراً جزيلاً لك، كما أشكر مشاهدينا الكرام على حسن متابعتهم. في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور فاضل العزاوي، مدير المخابرات العراقية الأسبق وسفير العراق في واشنطن وموسكو ونيودلهي.
أحمد منصور:
في الختام، أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحلقة الرابعة
00:00 مقدمة.
01:28 الأجواء التي سبقت اندلاع الحرب العراقية الإيرانية؟
04:31 ورطة الجيش العراقي المنهك.
12:54 نقل فاضل العزاوي سفيراً للعراق في الهند.
15:55 مساعدة إنديرا غاندي للعراق.
17:49 سلطة عشائرية ..
19:29 سطوة الأجهزة الأمنية العراقية.
24:24 جذور الصراع بين العراق وإيران.
26:14 أسباب الحرب !!
29:03 انتعاش مصانع السلاح الغربية.
32:12 شرط إيران لوقف الحرب.
35:57 دور العزاوي في شراء السلاح من الاتحاد السوفيتي
38:46 توتر العلاقة بين البعث والاتحاد السوفيتي.
43:16 رأي بريماكوف في صدام؟