طارق البشري: الدور الريادي لمصر في المنطقة العربية

يستعرض أحمد منصور مع الفقيه القانوني المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة، في حوارهما في برنامج بلا حدود، تشكل الوعي المصري تجاه القضايا العربية، والقضية الفلسطينية كقضية مصيرية في مصر، وكذلك تأثير الاتفاقات في تحجيم دور الحكومات، وتراجع دور القاهرة واهتزاز مكانتها التاريخية.
أحمد منصور وطارق البشري

يستعرض أحمد منصور مع الفقيه القانوني المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة، في حوارهما في برنامج بلا حدود، الذي جرى بثه في ١٩/٦/٢٠٠٢، تشكل الوعي المصري تجاه القضايا العربية، والقضية الفلسطينية كقضية مصيرية في مصر، وكذلك تأثير الاتفاقات في تحجيم دور الحكومات، وتراجع دور القاهرة واهتزاز مكانتها التاريخية.

نص حوار طارق البشري:

الدور الريادي لمصر في المنطقة العربية

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم على الهواء مباشرة من القاهرة، وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج (بلا حدود).

يكتسب الدور المصري في العالم العربي أهمية خاصة ومُميزة، سواء في العصر الحاضر أو على مدار التاريخ حيث ارتبطت كل قضايا الأمة المصيرية وحركات التحرر في العالم العربي بمصر فحظيت بدعمها ومساندتها، أما القضية الفلسطينية فقد كانت هم مصر الأول منذ أول يوم لها وحتى الآن وبقيت مصر رائدة وسباقة باعتبارها تحتل مركز الثقل في العالم العربي جغرافياً وتاريخياً وسكانياً واستراتيجياً، ومع الحملات الإعلامية التي تتعرض لها مصر ومكانتها من الإعلام الأميركي على وجه الخصوص ترتفع أصوات بين أظهرنا تصب في نفس الإطار، تسعى لتحجيم مصر وتقزيمها والنيل من مكانتها ودورها تجاه قضايا الأمة، لاسيما قضية فلسطين.

تساؤلات عديدة حول هذا الموضوع أطرحها في حلقة اليوم على (المؤرخ المصري والمفكر ورجل القانون البارز) المستشار طارق البشري.

وُلد طارق البشري في الأول من نوفمبر عام 1933 في القاهرة لأسرة عريقة اشتهرت بالعلم الديني والعمل بالقانون، حيث كان جده لأبيه سليم البشري شيخاً للأزهر بداية القرن، أما عمه عبد العزيز البشري فقد كان من أشهر أدباء مصر، أما والده المستشار عبد الفتاح البشري فقد كان رئيساً لمحكمة الاستئناف حتى وفاته عام 1951.

تخرَّج طارق البشري من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1953، وعُيِّن بعد تخرجه مباشرة في مجلس الدولة، واستمر في العمل به حتى أصبح نائباً أول لرئيس مجلس الدولة ورئيساً للجمعية العمومية للفتوى والتشريع.

صدر له عدد من الكتب التي أرَّخ بها لتاريخ مصر الحديث من أبرزها “الحركة السياسية في مصر بين عامي 45 و52″، “الديمقراطية والناصرية”، “سعد زغلول يفاوض الاستعمار”، “المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية”، “الديمقراطية وثورة 23 يوليو”، “شخصيات تاريخية” وإصدارات أخرى عديدة.

تشكل الوعي المصري تجاه القضايا العربية

أحمد منصور: كتابات وآراء كثيرة أصبحت تتحدث الآن عن الدور المصري وتشير إلى انكماشه وتراجعه عربياً بشكل متَّرد خلال العقود الخمسة الماضية، وبعضها يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. ما مدى دقة هذه الآراء، وما هو مفهوم الدور المصري في المنطقة العربية؟

طارق البشري: بسم الله الرحمن الرحيم، أتصور أن الخمسين سنة الماضية بالضبط هي الفترة التي برز فيها الدور المصري في العالم العربي ولم ينكمش، وربما كان منكمشًا قبل ذلك في الخمسين سنة السابقة من القرن العشرين، أي تقريبًا من 1900 أو بعد الاحتلال الإنجليزي وحتى نحو 1945. بعد ذلك بدأ الدور المصري يزداد بالنسبة للدور العربي، ووصل إلى أوجه في الستينات والسبعينات، وبعدها أصبح اليوم ليس منكمشًا بقدر ما أصبح يعتمد على وسائل أخرى.

القضية الأساسية التي كانت مطروحة على العالم العربي والشعب العربي من 1945 حتى اليوم، والتي حتى أهل جيلنا استهلوا حياتهم السياسية بها، هي قضية فلسطين. بدأت قضية فلسطين في الوعي المصري بشكل قوي منذ عام 1929، عندما وقعت حوادث البراق، وحاول اليهود السيطرة على حائط البراق، المعروف بحائط المبكى، فحدث اشتباك كان له صدى كبير في مصر. ومن هنا بدأ التوجه المصري نحو العروبة، وهو لم يكن موجودًا في العشرين أو الثلاثين سنة السابقة.

بعد ذلك نشأت حركات مثل الاتحاد الشرقي والاتحاد العربي، وكان يقصد بالشرق بلاد المشرق العربي، وكان الشيخ مصطفى عبد الرازق من أبرز المشاركين، مع عبد الحميد سعيد وغيرهم. كما برزت حركة “الشبان المسلمين” منذ عام 1927، لكنها انتشرت أكثر في البلاد العربية بعد أحداث 1929 في يافا وحيفا وفلسطين.

أحمد منصور: هل تقصد الشبان المسلمين أم الإخوان المسلمين؟

طارق البشري: لا، أقصد الشبان المسلمين. كانت عضويتهم تتكون من الذين تربوا في الحزب الوطني في ذلك الوقت.

أحمد منصور: أي الحزب الذي أسسه مصطفى كامل؟

طارق البشري: نعم، حزب مصطفى كامل، مثل عبد الحميد سعيد والدرديري، وغيرهم من المجموعات التي كانت موجودة حينها. وبعد ثورة فلسطين سنة 1936، كان لها انعكاس قوي جدًا على مصر، حتى أن التوجه السياسي للإخوان المسلمين بدأ من تلك الفترة.

أحمد منصور: من ثورة 1936 وحتى 1939؟

طارق البشري: نعم، مع ثورة 1936، ثورة عز الدين القسام بالضبط. كان هناك جمع تبرعات وحشد جماهيري قوي، وبدأت القضية الفلسطينية تستقر في أذهان الناس. وبحلول عام 1945، بدأ الوعي المصري يتأكد على قضية فلسطين ويتبلور.

أحمد منصور: كيف تشكل هذا الوعي؟ هل وعي البُعد العربي من مصر أو وعي مصر تجاه العالم العربي؟

طارق البشري: ما حدث هو…

أحمد منصور (مقاطعًا): إذاً يمكننا القول إن عام 1945 يُعتبر نقطة التحول الكبرى من مصر عربياً، إذ تحدثنا عن فلسطين عام 1929–1936، وعربياً 1945؟

طارق البشري: أتصور ذلك. في أكتوبر 1944 كان هناك بروتوكول جامعة الدول العربية، لكن 1945 التاريخ مهم لأنه بداية المظاهرات المصرية الكاسحة للمطالب الوطنية، بتاريخ 2 نوفمبر 1945.

أحمد منصور: ما أهمية هذا التاريخ؟

طارق البشري: إنه يوافق ذكرى وعد بلفور الذي أعطى فيه وزير الخارجية الإنجليزي سنة 1917 وعدًا بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد خرج المصريون في هذا اليوم احتجاجًا على وعد بلفور، وهذا كان بمثابة بداية الحركة الوطنية المصرية.

أحمد منصور (مقاطعًا): يعني أول خروج عربي ضد وعد بلفور بدأ في مصر؟

طارق البشري: كان موجودًا في بعض البلاد العربية، لكن قصدي أن بداية استقرار القضية الفلسطينية في الوعي الشعبي المصري كانت منذ ذلك اليوم، لتصبح واحدة من أهم مضامين الحركة الوطنية المصرية.

أحمد منصور: يا سلام!

طارق البشري: بالفعل، بعد ذلك، بعد ثورة 23 يوليو، جلا الإنجليز عن مصر، وأُبرمت اتفاقية السودان، وجلا الإنجليز عن السودان عام 1954، لكن ظلت مسألة فلسطين تربطنا حتى اليوم بشكل كامل.

أحمد منصور: مصائرنا!!

طارق البشري: مصائرنا جميعًا.

أحمد منصور: إذن أصبحت القضية الفلسطينية بالنسبة لمصر قضية مصيرية؟

طارق البشري: قضية مصيرية بالفعل، وليست مرتبطة فقط بكون فلسطين جارة لمصر، بل قضية مصير.

القضية الفلسطينية كقضية مصيرية في مصر

أحمد منصور: كيف أصبحت القضية الفلسطينية بالنسبة لمصر قضية مصير؟

طارق البشري: أعطيك مثالًا منذ عام 1936، وحتى قبل 1945، كان حزب الوفد المصري يتولى الحكم، وكان حزبًا مصريًا بحتًا، لا يحمل أي أهداف عربية.

أحمد منصور: أي أنه كان داخل الإطار الجغرافي المصري فقط؟

طارق البشري: بالضبط، كان الهدف الأساسي جلاء الإنجليز عن مصر من أول سيناء وحتى حدود ليبيا والسودان، مع التركيز على الديمقراطية الداخلية. أما البلاد العربية فلم يكن لها أي دور في أهدافه.

في عام 1936، عُقدت معاهدة مع الإنجليز، ومن وقتها بدأ العقل السياسي المصري يفكر في سياسة خارجية لمصر بعد الاستقلال. وفي الوقت نفسه، حصلت ثورة فلسطين سنة 1936، ثورة عز الدين القسام، واستمرت ثلاث سنوات حتى 1939.

حينها قال النحاس باشا، الأمين العام لحزب الوفد، إن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي حيال ما يحدث عند حدودها الشمالية الشرقية، أي البعد الفلسطيني.

أحمد منصور: وما أهمية البعد الفلسطيني؟

طارق البشري: يتعلق بالأمن القومي لمصر. تاريخيًا، منذ عهد رمسيس وحتى اليوم، كان خط الدفاع الأساسي واحدًا: عن الشام ومصر والحجاز. ستجد أن كل دولة استقلت في هذه المنطقة اعتمدت على هذا التضامن بين أرض الشام ومصر والجزيرة العربية.

المحور الاستراتيجي: الشام، الجزيرة العربية، مصر

أحمد منصور: يعني هذا المحور الثلاثي، الشام، الجزيرة العربية، مصر، هو محور لا يمكن استراتيجيًا ولا تاريخيًا أن يكون له استقلال تام إلا بوحدته الكاملة؟

طارق البشري: شواهد التاريخ تؤكد هذا المعنى. جميع شواهد التاريخ، سواء في العصور القديمة أو الوسطى أو الحديثة، تدل على ذلك.

أحمد منصور: ما معنى وجود إسرائيل في قلب هذا المحور؟

طارق البشري: لكسر هذا الحائط، محمد علي عندما أسس دولته، التي ضمت الشام والحجاز ومصر، حاول الغرب أن يهاجم فين؟ في الشام، لكسر هذا الحائط الدفاعي.

أحمد منصور: والحروب الصليبية كلها كانت في الشام؟

طارق البشري: نعم، جميعها كانت في الشام.

أحمد منصور: والمغول والتتار أيضًا، وكل الهجمات جاءت من الشام؟

طارق البشري: نعم، كل الحروب التي كانت تتم دفاعًا عن مصر كانت على أرض الشام. معركة عين جالوت، معركة المظفر لقطز ضد التتار، كانت في أرض الشام، وكلها دفاع عن مصر.

أحمد منصور: إذن هذه المعارك كانت دفاعًا عن مصر.

طارق البشري: بالضبط. مصر مع هذا النطاق كله، ومع صلاح الدين، كانت المعارك في أرض الشام. ولذلك، اليوم، إسرائيل تمثل معركتنا نحن كمصريين وكسوريين وكأردنيين وكسعوديين معركة واحدة، لأن أمن هذه المنطقة لم يتجزأ تاريخيًا.

أحمد منصور: إذن المسؤولية التي تقع على سوريا ومصر والسعودية والجزيرة العربية هي مسؤولية من أجل أمن هذه الدول، وليس فقط من أجل فلسطين؟

طارق البشري: من أجل أمنها القومي، إذ لا استقلال حقيقي لأي من هذه الدول إلا عبر ضمان الأمن في أرض الشام.

أحمد منصور: أي أن أمن هذه الدول واستقلالها بوجود إسرائيل يكون منقوصًا ومهددًا؟

طارق البشري: أتصور ذلك، دائمًا مهدد.

أحمد منصور: حتى لو كانت هناك معاهدات واتفاقات؟

طارق البشري: دائمًا مهدد.

أحمد منصور: إذن المعاهدات لا تضمن الأمن لهذه الدول؟

طارق البشري: أصلًا المعاهدات تعكس توازن القوى في فترة زمنية محددة. مثل معاهدة 1936 مع الإنجليز، ومعاهدة عبد الناصر في 1954، كلها كانت ضمن توازن قوى مؤقت.

أحمد منصور: أي أن المعاهدات مطلقًا لا تضمن الأمن؟

طارق البشري: بالضبط، فهي انعكاس لتوازن القوى في مرحلة معينة، وإذا تغيرت الظروف، يصبح الأمن مهددًا مرة أخرى.

معاهدة السلام وحركة الشعوب

أحمد منصور: اسمح لي، معاهدة مصر مع إسرائيل موضوعها مهم جدًا، فهي من المفترض أن تضمن أمن مصر.

طارق البشري: المعاهدات تتم على أساس موازين القوى في مرحلة تاريخية معينة. معاهدة مصر مع إسرائيل عام 1979 اعترفت بإسرائيل وتبادلت التمثيل الدبلوماسي، وبها انتهى عهد الحروب النظامية لحل الصراع العربي–الإسرائيلي.

أحمد منصور: كيف ذلك؟

طارق البشري: لم تعد إسرائيل تحتل الضفة الغربية، أو الجولان، أو مزارع شبعا، أو جنوب لبنان كما كان من قبل. هذه الاتفاقات تجعل التحرير يتم عادة عبر الحركات الشعبية والمقاومة الشعبية، كما حصل في الصين وكوبا وأفريقيا.

أحمد منصور: جنوب لبنان حُرر بحركة شعبية؟

طارق البشري: نعم، تمامًا. حركات التحرير الشعبية هي التي تستطيع تحرير أراضيها من الاحتلال الأجنبي، وليس الحروب النظامية. بعد عام 1979، بدأ الصراع يأخذ شكلًا شعبيًا أكثر منه رسميًا.

أحمد منصور (مقاطعًا): لكن الآن هناك مسارات للتسوية مع إسرائيل، بينما الشعوب تسير في اتجاه المقاومة. هل يمكن تحقيق توازن بين مسار الحكومات ومسار الشعوب؟

طارق البشري: أتصور أن السيطرة الحكيمة على هذا الأمر يمكن أن تجعل هناك مسارين يسيران معًا دون صراع.

مسار المقاومة الشعبية والحكومات

أحمد منصور: كيف يمكن أن يسير المساران معًا؟

طارق البشري: مثلاً في لبنان، كان هناك حركة المقاومة الشعبية، وفي الوقت نفسه الحكومة اللبنانية كانت لديها استعداد للدخول في مسار تسوية، ومع ذلك تم الأمر من غير تعارض كبير بينهما.

أحمد منصور: لكن هناك مطالبات الآن بوقف الحركة الشعبية ووقف العمليات الفدائية، واعتبار أن هذه العمليات تؤثر على الحل السلمي، وكما يقول البعض، سوف تقتل وتدمر القضية الفلسطينية.

طارق البشري: هذا منهجان مختلفان، وأتصور أن الحركة الشعبية هي الأساس في هذا الشأن، وهي الطريق الصحيح، لأن المشروع الإسرائيلي مصمم على إبادة الشعب الفلسطيني وقمعه. أمام الفلسطينيين لا سبيل إلا لمقاومة عنيفة، لأنه لا مقاومة للعدوان العنيف إلا بمثله، ولا يوجد بديل آخر.

أحمد منصور: الحل السلمي لم يجدي؟

طارق البشري: لن يجدي في هذه الفترة قط.

تأثير الصراع في الضفة وغزة على الأمن المصري

أحمد منصور: الآن نعود إلى أهمية القضية الفلسطينية بالنسبة لمصر والدول العربية، خاصة موقع فلسطين وأهميتها، ووجود إسرائيل في هذا المكان. هل ما يحدث من صراع داخل الأراضي الفلسطينية، وأيضًا داخل إسرائيل، له تأثير مباشر على الأمن المصري؟

طارق البشري: القضية هنا تتعلق بالأمن القومي. مصر وسوريا والأردن وكل دولة من بلادنا مسؤوليتها الأساسية هي حماية حدودها القطرية، لكن ما يربط هذه الدول بعضها ببعض هو مفهوم الأمن الجماعي.

أحمد منصور: وما هو مفهوم الأمن القومي هنا؟

طارق البشري: الأمن القومي لا يقتصر على حماية حدود بلدي، بل يجب ألا يكون هناك خطر يهددني من خارج أرضي ويضغط على إرادتي السياسية.

أحمد منصور: هل الاتفاقات مع الجيران تكفي؟

طارق البشري: لا تكفي، لأن التجسس الإسرائيلي مستمر على مصر رغم المعاهدات، وكل سنتين أو سنة نجد قضية تجسس، وفي بعض الأحيان كل ستة أشهر، وتحقق فيها النيابة والمحكمة وتثبتها. كل هذا يمثل تهديدًا للأمن القومي المصري.

أحمد منصور: كيف يمكن حفظ الأمن القومي إلى ما وراء الحدود الجغرافية بالنسبة لمصر وفلسطين؟

طارق البشري: يكون عبر دعم القوى العربية، سياسيًا وعسكريًا، من سوريا ولبنان ومصر والسعودية، مع ظهير عراقي قوي، والاعتماد على اتفاقيات الأمن الجماعي، كما كان موجودًا في الجامعة العربية منذ أواخر الأربعينات أو أوائل الخمسينات.

أحمد منصور: وهل لها وجود واقعي الآن؟

طارق البشري: للأسف لا، رغم أن عبد الناصر أبرم في 23 يوليو أول معاهدات دفاع مشترك مع سوريا والسعودية سنة 1953، قبل التوسع الإسرائيلي.

أحمد منصور: في مقالك الأخير في “وجهات نظر”، قلت إن كفالة الأمن القومي أهم من كفالة الماء والخبز، وأن تهديد الأمن القومي أفدح من تهديد الموارد الأساسية. ما أبعاد هذا المفهوم؟

طارق البشري: الخبز والماء عنصران من عناصر الأمن القومي، لكن وجود تهديد نووي قريب منك أهم من رغيف العيش، وهذا ما أعنيه.

أحمد منصور: هذا كلام خطير، أي دعوة إلى الحذر الكبير من إسرائيل.

طارق البشري: صحيح، إسرائيل هي التهديد الوحيد، وظهيرتها الولايات المتحدة.

أحمد منصور: هل مصر مستهدفة تحديدًا دون غيرها؟

طارق البشري: نعم، فقد أظهرت الوثائق الإسرائيلية، كما تناولها الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتاباته، أن الخطر الأساسي يأتي من مصر، لأنها الأكبر حجمًا، الأقوى داخليًا، والأكثر تماسكًا، مما يجعل الأمن الإسرائيلي مهددًا من هذا الجانب أكثر من غيره.

أحمد منصور: هناك من يرى أن القضية الفلسطينية شأن فلسطيني داخلي، وأن على مصر أن تتفرغ لبناء نفسها داخليًا، بسبب استنزاف الحروب ضد إسرائيل.

طارق البشري: النظر إلى الأمر بهذا الشكل خاطئ. حتى بعد خروج الإنجليز، لم يضمنوا استقلال مصر الكامل، فالمعاهدات السابقة لم تمنح مصر الحرية الكاملة. مصر واجهت إسرائيل أربع مرات فرضًا عليها، والسلاح النووي الإسرائيلي اليوم يمثل تهديدًا مباشرًا، والاعتماد على المعاهدات فقط غير كافٍ.

أحمد منصور: إذن المسؤولية المصرية تجاه القضية الفلسطينية هي مسؤولية تتعلق مباشرة بأمن مصر القومي؟

طارق البشري: بالتأكيد، لا يمكن الفصل بين أمن مصر وأمن فلسطين.

أحمد منصور: اسمح لي، لدي مداخلات كثيرة. نبدأ بحمدي فارس من القاهرة. أخ حمدي، تفضل.

حمدي فارس: ألو، السلام عليكم.

أحمد منصور: أهلاً بك، اتفضل.

حمدي فارس: أرحب بك في القاهرة، أنت وضيفك.

أحمد منصور: شكراً جزيلاً، لكن الصوت منقطع في الأستوديو، موجود فقط في سماعة المصور.

حمدي فارس: أسمع نفسي في التلفزيون، لكن لا في الأستوديو.

أحمد منصور: حسنًا، حتى يتم ضبط الصوت، نستقبل بقية المداخلات على الإنترنت.

وليد عزت الصياد من مصر: لا شك أن مصر هي مركز الثقل الاستراتيجي لمحيطها العربي، لكنها تشهد اهتزازًا في مكانتها التاريخية، هل يرجع ذلك إلى تخلي مصر مؤقتًا عن ثوابت القضية الفلسطينية أو الحل التاريخي لها، سيادة المستشار؟

تراجع دور مصر واهتزاز مكانتها التاريخية

طارق البشري: لا أتصور أبداً أن تكون مصر قد تخلت عن هذه القضية على المستويات المختلفة، الحقيقة. النقطة كلها اليوم هي أن العمل الأساسي لفلسطين أصبح يجب أن يكون شعبيًا.

أحمد منصور: والدول، ماذا عن وضعها؟

طارق البشري: الدول تتعامل في إطار العلاقات الدولية ونقاط السياسات، ويمكن أن تطالب بوقف التطبيع، وبتحقيق المقاطعة، وبإعادة تفسير المعاهدات بما يتلاءم مع حرية العمل المصري والوطني.

أحمد منصور: إذن الدور في هذه المرحلة تجاه القضية الفلسطينية يجب أن يكون شعبيًا، ومسؤولية الشعوب أكبر من مسؤولية الحكومة.

طارق البشري: بالتأكيد، المسؤولية الأساسية للشعب، والدور الذي يقوم به اليوم لتحرير فلسطين هو دور شعبي من داخل الأرض المحتلة، ومن الفلسطينيين أنفسهم. الدعم الأساسي لن يكون من الدول وحدها.

أحمد منصور: هاني جعيدي من فلسطين يقول: أرجو الإجابة دون مراوغة، إذا كان لمصر هذا الدور الريادي والثقل في القضية الفلسطينية منذ زمن، فما الذي يفسر الحالة الكارثية التي وصلت إليها القضية الفلسطينية الآن؟

طارق البشري: أختلف مع الأستاذ هاني في وصف الحالة بأنها كارثية. الحالة الكارثية تكون عند فقدان الأمل أو تحطم الإرادة، أما اليوم، فأتصور أن الإرادة الفلسطينية في أوج نشاطها الكفاحي والجهادي، والمطلوب هو كيفية دعم هذه الحركة الشعبية في إطار الحركات الشعبية العربية، عبر وسائل الدعم المختلفة والمشاركة الفعالة، أكثر من الاعتماد على تصرف الدول.

أحمد منصور: إذن، المسؤولية الآن على عاتق الشعوب، وهذه مرحلة الشعوب للتحرك تجاه القضية الفلسطينية أكثر من الاعتماد على الحكومات، وهي نقطة مهمة جدًا.

طارق البشري: صحيح، مسؤولية الحكومات هي إتاحة هذا المجال للشعوب للتحرك ودعم الفلسطينيين.

أحمد منصور: ولكن الحكومات تسلك طريقها الخاصة أحيانًا.

طارق البشري: نعم، لكنها يجب أن تتيح المجال للشعوب للتحرك والمساندة، ورغم تردد الحكومات، فإن التحرك الشعبي يظل محور العمل الفعلي.

حقيقة القمم العربية والإسلامية

أحمد منصور: حتى بعد عقد قمتين عربيتين ومؤتمر إسلامي، لم يكن مستوى التحرك على قدر طموح الشعوب.

طارق البشري: نعم، القمم لم تكن على مستوى طموح الشعوب، وظهر تباين واضح بين حسم الشعب وبين تردد الدول، لكن المهم أن يتاح للحركات الشعبية إمكانية التعبير والدعم المادي والمعنوي والمشاركة، وهذا ما لعب دورًا في عمليات التحرر في معظم دول المنطقة.

أحمد منصور: ماجد علاء الدين يقول: الأدوار التاريخية لا تورَّث، وإنما تتعلق بقدرة الدولة على تحمل الأعباء العربية. هل تتفق؟

طارق البشري: أتفق معه جزئيًا، لا توجد زعامة تورث، وكل الزعامة قول بالعبء، وعلى الإنسان أن يكون قادرًا على تحمل هذا العبء. لكن المطلوب اليوم هو التحرك الشعبي، وليس الاعتماد فقط على السياسات الرسمية.

مداخلات المشاهدين

أحمد منصور: أستاذ رمضان سعد من الإسكندرية، تفضل.

رمضان سعد: السلام عليكم، أشكر الدكتور البشري على عرضه وجهة نظر المواطن المصري.

أحمد منصور: شكراً لك.

مروة صابر من القاهرة: أستاذ أحمد، أنا من المعجبين بالبرنامج، وقد تشرفنا برؤيتك في معرض القاهرة للكتاب. أود توضيح نقطة: الهجوم على مصر الذي يُسمع هنا ليس بمعنى الهجوم، وإنما نصيحة من الدول العربية، ومنعًا لأي خصومة بين الدول العربية.

أحمد منصور: شكراً لكِ، هذه ملاحظة مهمة.

حمدي فارس من القاهرة: السلام عليكم، أرحب بك وبضيفك. لدي عتاب على الإعلام، خاصة على قناة “الجزيرة”، لعدم تناول موضوع ثقل مصر في العالم العربي بشكل كافٍ، رغم أهميته التاريخية.

أحمد منصور: كل موضوع نطرحه هنا هو موضوع هام، ووسائل الإعلام الغربية والأميركية تتحدث دائمًا عن الدور المصري. نحن نحاول فهم طبيعة الدور المصري وتعلاقه بالقضايا العربية، وخاصة القضية الفلسطينية.

طارق البشري: من الأهمية بمكان أن نمنح هذا الموضوع الوقت الكافي للحديث عن مصر ودورها العربي، وعن دورها في الصراع العربي-الإسرائيلي، فهذا أمر هام جدًا.

حقيقة التنافس بين مصر والسعودية على ريادة العالم العربي

أحمد منصور: مع المبادرة السعودية الأخيرة، ثار حديث عن تنافس مصري-سعودي حول ريادة العالم العربي، هل هناك تنافس حول القضية الفلسطينية؟

طارق البشري: لا أرى تنافسًا، بل اختلاف سياسات فقط. العلاقة المصرية-السعودية بدأت منذ 1945-1944 بمناسبة إنشاء جامعة الدول العربية، وزيارة الملك عبد العزيز للملك فاروق، وكان هناك تقارب تاريخي، ثم مع ثورة 23 يوليو عقدت معاهدات دفاع مشترك بين مصر والسعودية وسوريا. الاختلاف الحالي ليس تنافسًا على الزعامة، والمبادرة السعودية صارت لاحقًا مبادرة عربية مع اعتماد مؤتمر القمة العربية.

أحمد منصور: إذن ما يُقال عن منافسة ليس له وجود.

طارق البشري: بالضبط، المبادرة لم تعد سعودية فقط، بل عربية بعد تبنيها من القمة.

الوحدة الوطنية وأمن الأمة

أستاذ عبد الحميد خضر من ألمانيا: السلام عليكم، أود الإشارة إلى أن من أهم قضايا الأمن القومي هو الوحدة الوطنية داخل الوطن. الانتفاضة ساعدت على ترسيخ الوحدة الوطنية، فلم يعد العدو يستطيع التلاعب بالقضايا الطائفية أو الدينية.

الشيء الثاني، فتح المجال للشعب الفلسطيني للدعم بالمال والأنفس هو الطريق الصحيح للتحرير، فالجيش وحده لا يكفي.

الوحدة الوطنية كركيزة أساسية

طارق البشري: شكرًا جزيلاً للأستاذ عبد الحميد على ما قاله. الحقيقة، بالنسبة للوحدة الوطنية، أنا معه تمامًا في أن الوحدة هي المحاكم الأساسية اليوم. و(لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم)، هذا فعلاً شيء يجب أن نعض عليه بالنواجذ، وهو صنو الانتصار بإذن الله. ولا يمكن أن يكون هناك نصر دون هذا الترابط الوحدوي بين الفصائل الوطنية داخل فلسطين، وإن شاء الله يكون هذا المثال يُحتذى به خارج فلسطين أيضًا.

تاريخ المقاومة الشعبية ودور الجيوش النظامية

أحمد منصور: لديّ مداخلات على الإنترنت، اتفضل.

طارق البشري: بالنسبة لموضوع الشعوب، إذا كان الأستاذ عبد الحميد تكلم عنه، أستطيع أن أستطرد فيه. كثير من المؤرخين والدارسين لحرب 1948 يرون أنه كان من الخطأ أن تدخل الجيوش النظامية العربية فلسطين لتحارب هناك، وكان يجب ترك الأمر إلى المقاومة الشعبية، ورأيهم صحيح.

عندما قامت ثورة 23 يوليو في مصر، استمرت المقاومة الفدائية ضد الإنجليز في منطقة قناة السويس، وبدأ هذا النوع من العمل وتزكيته في غزة سنة 1954، ضد الإسرائيليين، وكانت غزة تحت الإدارة العسكرية المصرية بموجب اتفاقية الهدنة، ولم تدخل تحت السيادة الأردنية كما حدث في الضفة الغربية.

اليهود قاموا بغزوات في سيناء لضرب الجيش المصري، وكان أبرزها معركة الصابحة سنة 1955، والتي سقط فيها حوالي 70 إلى 80 جنديًا مصريًا، ما دفع الجيش المصري لتقوية قدراته، وبدأت فكرة الحروب النظامية للسيطرة على فلسطين، واستمر هذا من 1956 إلى 1979، ثم عاد الدور إلى الحركات الشعبية مجددًا، وهذا هو الوضع الأصوب لتحرير فلسطين.

أحمد منصور: إذن ترى أن المقاومة الشعبية الفلسطينية هي التي ستحرر فلسطين؟

طارق البشري: نعم، مدعمة ومهيأة بالحركات الشعبية العربية في مصر وسوريا والأردن والسعودية وغير ذلك.

استراتيجية إسرائيل

أحمد منصور: اللواء محمد السعيد صالح، من مصر، تفضل.

محمد السعيد صالح: مساء الخير، أشكر سيادة المستشار على تحليله. أود الإشارة إلى نقطتين:

  1. الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية تعتمد على الحرب الخاطفة ونقلها خارج حدودها. اليوم، الانتفاضة الفلسطينية والتلاحم مع قوات الاحتلال تشكل مشكلة كبيرة للجيش الإسرائيلي، وأنا أتفق مع سيادة المستشار بنسبة 100%.
  2. الانتفاضة يجب أن تستمر مع نوع من التنسيق بين السلطة الفلسطينية وجميع الأجهزة، حتى لا تؤثر على النواحي السياسية.

أما بخصوص التنافس بين مصر والسعودية، دور مصر واضح وريادي، والمملكة العربية السعودية تدعم الموقف المصري، وأي محاولات لتقزيم دور مصر مرفوضة.

أحمد منصور: شكرًا سعادة اللواء.

طارق البشري: شكرًا.

الدور التاريخي لمصر في الأمة الإسلامية

سليم الشافعي من بريطانيا: التاريخ يشهد بأن المسلمين عندما كانوا على مفترق الطرق، كانت جيوش المسلمين تتشكل أساسًا من أهل مصر، كما في زمن صلاح الدين وقطز. اليوم، الأمة تنتظر الدور المصري لإعادة مكانتها، وضرب النفوذ الأميركي.

أحمد منصور: شكراً لك.

عادل محمد من طرابلس: قوة العرب مرتبطة بقوة مصر، وضعف العرب مرتبط بضعف مصر.

المعاهدات الدولية والتحرك الشعبي

أحمد منصور: هل أصبحت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عائقًا أمام دور مصر تجاه القضية الفلسطينية، وهل هناك أوراق يمكن أن تساعد؟

طارق البشري: التحرك الشعبي هو الأساس. يجب أن تتيح مصر والدول العربية إمكانيات الشعوب لدعم المقاومة الفلسطينية بكافة الوسائل. المعاهدات تحتاج دائمًا إلى تفسير مرن بحسب الظروف، كما حدث مع اتفاقية 1954 مع بريطانيا بشأن جلاء القوات، والتي طبّقتها مصر بذكاء رغم بقاء جزء من القوات البريطانية مؤقتًا.

مختار مجداش: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا منهم جندًا، فإنهم خير أجناد الأرض وهم في رباط إلى يوم القيامة”. وهذا قدرنا، ونحن في رباط إلى يوم القيامة.

مواجهة الضغوط الدولية ومسؤولية الشعوب

أحمد منصور: كيف تنظر إلى مستقبل الدور المصري في ظل الضغوط الأميركية والحملات الإعلامية ضد مصر والسعودية؟

طارق البشري: الدور الأساسي ستقوم به الشعوب. لا نعول فقط على الحكومات، لأن التباين بين مؤتمرات القمة والحركات الشعبية واضح، لكن الشعوب الوطنية مدفوعة بالانتماء والوطنية يمكن أن تحمي الأمن القومي.

أحمد منصور: إذن، الشعوب عليها مسؤولية تاريخية تجاه المنطقة، ولا يمكن إلقاء كل المسؤولية على الحكومات.

طارق البشري: بالضبط، هذا ما أقصده.

أحمد منصور: أشكر سيادة المستشار، وشكرًا لمشاهدينا الكرام على متابعتكم. ضيف الحلقة القادمة هو اللواء أركان حرب صلاح الدين سليم، للحديث عن التوازن العسكري بين العرب وإسرائيل واحتمالات الحرب القادمة.

نقل لكم تحيات فريقي البرنامج من القاهرة والدوحة، وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود – القاهرة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاور الحوار

0:00 المقدمة

2:00 تعريف بالمستشار طارق البشري

4:00 1945تزايد الدور الريادي المصري منذ

5:32 الوعي المصري لقضية فلسطين

7:37 مظاهرات مصر مع فلسطين في ذكرى بلفور 1945 وبداية تبلور القضية

10:25 القضية الفلسطينية لمصر قضية مصير

12:30 محور الشام والحجاز ومصر وضمانات الاستقلال

13:50 الأمن القوي لمصر مهدد بوجود إسرائيل

16:15 معاهدة مصر وإسرائيل وانتهاء الصراع النظامي

18:40 الصراع الشعبي مستمر مع إسرائيل رغم المعاهدات

21:33 مسارات التعامل مع إسرائيل بين الشعوب والحكومات

23:50 مفهوم الأمن القومي واستمرار التهديد الإسرائيلي لمصر

28:30 القضية الوحيدة المهددة لمصر هي إسرائيل

32:02 مصر مسؤولة عن القضية الفلسطينية

33:44 حقيقة تخلي مصر عن القضية الفلسطينية

35:20 المرحلة الحالية للقضية الفلسطينية مرحلة الشعوب

38:00 الزعامة والقيادة لا تورث

41:34 تنافس مصري سعودي على الدور الريادي في القضية الفلسطينية

44:35 الوحدة الوطنية صمام الانتصار

47:30 مسارات الجيوش النظامية والمقاومة الشعبية لتحرير فلسطين

51:40 ريادة مصر على مر التاريخ

53:35 ضرورة فتح المجال للشعوب لدعم الفلسطينيين

54:37 حقيقة إعاقة معاهدات السلام لدور مصر العربي

57:40 مستقبل الدور المصري في ظل الضغوط الأميركية

Total
0
Shares
السابق
طارق البشري

طارق البشري: حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم

التالي
فاضل العزاوي

فاضل العزاوي ج4: بداية الحرب العراقية الإيرانية

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share