فضل الآباء المؤسسين

حينما التحقتُ بالعمل في قناة الجزيرة في بداية انطلاقتها، قادماً من الصحافة المكتوبة، لم أكن أعلم شيئاً عن فنون الصحافة التلفزيونية وأدواتها؛ فلم يسبق لي دخول استوديو تلفزيوني أو الجلوس أمام كاميرا، رغم أنني كنت في ذلك الوقت أعمل مديراً للتحرير في واحدة من أهم المجلات السياسية الأسبوعية في الخليج..
أحمد منصور وجمال ريان

بقلم/ أحمد منصور:

حينما التحقتُ بالعمل في قناة الجزيرة في بداية انطلاقتها، قادماً من الصحافة المكتوبة، لم أكن أعلم شيئاً عن فنون الصحافة التلفزيونية وأدواتها؛ فلم يسبق لي دخول استوديو تلفزيوني أو الجلوس أمام كاميرا، رغم أنني كنت في ذلك الوقت أعمل مديراً للتحرير في واحدة من أهم المجلات السياسية الأسبوعية في الخليج، وقد قمت قبلها بتغطية الحرب الأفغانية خلال سنوات الاحتلال السوفيتي لمدة ثلاث سنوات، ونشرتُ مئات المقالات والتحليلات والحوارات الصحفية طوال أكثر من عشر سنوات عملتُها في الصحافة المكتوبة، علاوةً على إصدار أحد عشر كتاباً.

إلا أن الصحافة التلفزيونية عالم آخر له أدواته وقواعده ومهاراته، لذا كان لزاماً عليّ أن أتعلم فنونها وأتقن مهاراتها وأدواتها. ومن يريد أن يتعلم حرفة، عليه أن يُحسن اختيار المكان وانتقاء المعلّمين، وقد كنتُ محظوظاً بحق؛ إذ كان المكان “قناة الجزيرة”، أما المعلّمون فقد كانوا نخبةً من أفضل الإعلاميين العرب؛ كل واحد منهم كان يعتبر مدرسةً فريدةً في مجاله، وجهبذاً في علمه، اجتمعوا تحت سقف واحد في غرفة أخبار الجزيرة.

وكان عليّ أن أكتسب ثقتهم وأحظى بمودّتهم حتى يعلّموني، فالمعلّم لا يعطي إلا إذا رغب وأحبّ وشعر أن التلميذ لديه الاستعداد والإلحاح والنباهة والشغف؛ فأصبحتُ مثل النحلة التي تطوف على أجمل الأزهار لترتشف من كل زهرةٍ خلاصةَ رحيقها، ثم تمزج كل هذا وتُخرج عسلها ذا المذاق الخاص والطعم واللون المتميّز. تعلّمتُ على يد محمد جاسم العلي، وسامي حداد، وجميل عازر، وصلاح نجم، وأحمد الشيخ، وآخرين كثر؛ منهم من هو أكبر مني سنّاً – وكانوا الأغلبية، وكان جمال ريان واحداً منهم – ومنهم من كان أصغر.

إن ما يشغلني منذ سنوات ليس الاستمرار في تقديم البرامج – رغم أهميتها، فقد حققتُ فيها بفضل الله ذروة النجاح – ولكن كيف أقوم بجمع وتدوين وتوثيق هذه التجربة الفريدة لمدرسة الجزيرة في الصحافة التلفزيونية، وتأصيل قواعدها وأصولها المهنية التطبيقية..

لذلك فإني مدينٌ لكل من علّمني، أعترف بفضله وعلمه، وأحافظ على مكانته في نفسي واحترامي له ما حييت؛ فهذا الجيل من الآباء المؤسسين والإعلاميين المخضرمين والمحاربين القدامى الذين شاركوا في تأسيس الجزيرة، جيلٌ من الصعب أن يتكرر.

ولذلك فإن ما يشغلني منذ سنوات ليس الاستمرار في تقديم البرامج – رغم أهميتها، فقد حققتُ فيها بفضل الله ذروة النجاح – ولكن أصبح همّي هو كيف أقوم بجمع وتدوين وتوثيق هذه التجربة الفريدة لمدرسة الجزيرة في الصحافة التلفزيونية، وتأصيل قواعدها وأصولها المهنية التطبيقية التي تفوقت فيها الجزيرة على كثيرٍ من شبكات الأخبار العالمية، من خلال ما قام به الآباء المؤسسون ومن سار على نهجهم، واستخلاص منهج تطبيقي فريد مما قدموه، يستفيد منه كل من يعمل في الإعلام المرئي أو يتابعه، ويساعد المشاهدين والأجيال الجديدة من الإعلاميين على التعرّف على كواليس الصحافة التلفزيونية والجهد المضني الذي يبذله العاملون في صناعة الأخبار وإعداد البرامج.

أسأل الله أن يعينني على إتمام ذلك، فتقدير المعلّمين الأوائل والاعتراف بفضلهم في حضورهم وغيابهم واجب مقدّس ومسؤولية أخلاقية عظيمة أرجو من الجميع أن يتحلّى بها ويحافظ عليها. رحم الله كل من علّمني وأعانني على إتمام هذا العمل.

للمشاهدة:
حوار جمال ريان المنشور على المنصات الرقمية لشبكة الجزيرة الإعلامية:

حوار جميل عازر ، الحلقة كاملة متاحة الآن على منصة الجزيرة 360 ‪@aljazeera360‬ خلال هذا الرابط: https://www.aljazeera360.com/video/90

Total
0
Shares
السابق
السفينة " لياو وانغ ١"

هل دخلت الصين الحرب ؟

التالي
أحمد منصور وعبد الناصر عيسى

عبد الناصر عيسى ج1: ظروف ودوافع وسياق نشأة حماس

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share