الجزيرة ..و الإرث الذي تركه حمد بن خليفة

بماذا يُوزن الحكام بعد رحيلهم؟ هل بمساحات ممالكهم وأرصدة خزائنهم؟ أم بالمواقف التي وقفوها حين انحنى الآخرون؟ وما هو الإرث الذي يتركه الحاكم ويبقي لامعًا في التاريخ يذكر الناس به بعد رحيله؟ سؤال فرض نفسه صبيحة الأحد 12 يوليو 2026، حين أعلن الديوان الأميري القطري، وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، عن أربعة وسبعين عامًا، لتخرج الدوحة عن بكرة أبيها إلى جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب، ويُوارى الثرى في مقبرة لوسيل.
الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

بقلم: أحمد منصور

بماذا يُوزن الحكام بعد رحيلهم؟ هل بمساحات ممالكهم وأرصدة خزائنهم؟ أم بالمواقف التي وقفوها حين انحنى الآخرون؟ وما هو الإرث الذي يتركه الحاكم ويبقي لامعًا في التاريخ يذكر الناس به بعد رحيله؟ سؤال فرض نفسه صبيحة الأحد 12 يوليو 2026، حين أعلن الديوان الأميري القطري، وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، عن أربعة وسبعين عامًا، لتخرج الدوحة عن بكرة أبيها إلى جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب، ويُوارى الثرى في مقبرة لوسيل.

 الأمير الوالد الراحل حمد بن خليفة، رجلٌ حكم دولةً صغيرة المساحة، فجعلها كبيرة المعنى والمكانة، فلم يصبح لها مكان في الجغرافيا، وإنما تبوأت مكانها في التاريخ، كإمارة صغيرة صنعت بمن حكمها إنجازات كبيرة.

لكن أعظم ما بناه لم يكن برجًا ولا حقلًا؛ كان الاستثمار في الإنسان العربي، ولذلك حينما أطلق قناة الجزيرة كان هدفه الأساسي هو تحرير الإنسان العربي من ربقة الإعلام الغربي، والانحياز للحقيقة والإنسان.
أحمد منصور

تسلّم حمد بن خليفة مقاليد الحكم في 27 يونيو 1995، وقطر إمارة تعيش على هامش الخرائط، فلما تنازل عن العرش طوعًا لابنه الأمير تميم في 25 يونيو 2013 -في سابقة نادرة في تاريخ المنطقة- كانت قطر ملء السمع والبصر، تعرفها الدنيا بأشياء كثيرة وإنجازات عالمية عظيمة، منها أنها أصبحت أكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم منذ عام 2006، بطاقة بلغت سبعة وسبعين مليون طن سنويًا في العام 2010، كما وثّقت كثير من المصادر، وصاحبة صندوق سيادي أسسه عام 2005، صار من أكبر صناديق الأرض، ودستور دائم استُفتي عليه الشعب عام 2003، ومونديال انتزعته الدوحة من كبار الدنيا في ديسمبر 2010.

لكن أعظم ما بناه لم يكن برجًا ولا حقلًا؛ كان الاستثمار في الإنسان العربي، فقد كان حمد بن خليفة منحازًا للإنسان بشكل عام، والإنسان العربي بشكل خاص، ولذلك حينما أطلق قناة الجزيرة كان هدفه الأساسي هو تحرير الإنسان العربي من ربقة الإعلام الغربي، والانحياز للحقيقة والإنسان.

في نوفمبر 1996 أطلق مشروعه الذي كان يفخر به دائمًا ويعتبره ذروة إنجازاته، قناة الجزيرة، بعد أن ألغى وزارة الإعلام نفسها، مؤمنًا، بما كنت شاهدًا عليه وكل زملائي من الرعيل الأول والمؤسسين للجزيرة، بأن الإعلام الحر بوابة النهضة. وأنا هنا شاهد من أهلها؛ قضيت على هذه الشاشة ثلاثين عامًا أنقل عليها الحروب والأزمات، أطوف الدنيا، أجري الحوارات مع الرؤساء والزعماء وصناع القرار، أعبر عن الإنسان، وأحمل تساؤلاته وآلامه وآماله للمسئولين والحكام، ورأيت بعيني كيف دُفع ثمن الحرية: حين حاصرت القوات الأمريكية الفلوجة في أبريل 2004، وكنت أنقل الأحداث من داخلها، حينها جعلت واشنطن إسكات تغطية الجزيرة وسحب مراسلها شرطًا في مفاوضات وقف النار، فلم يصلنا من الدوحة أمر واحد بالصمت أو التخلي عن نصرة المظلومين. وقبلها قصفت الطائرات الأمريكية مكتب قناة الجزيرة في كابل في نوفمبر 2001، ثم مكتبها في بغداد في أبريل 2003، فاستشهد زميلنا طارق أيوب، وظل الأمير ثابتًا على موقفه، لا يساوم، تلك كانت إدانته العملية لاحتلال أفغانستان والعراق: لم يكثر الخطابة في المنابر، لكنه أبقى عين الكاميرا مفتوحة على الجرائم التي ترتكب، تنقلها للعالم، والكاميرا المفتوحة أقسى على المحتل من ألف خطبة.

أما فلسطين فكانت بوصلته التي لم تنحرف. زار غزة عام 1999، حيث استقبله ياسر عرفات، رئيس السلطة الفلسطينية آنذاك، ليكون أول وآخر زعيم يطأ أرض فلسطين المحتلة نصرة لأهلها منذ عام 1967. ولما انقضّت إسرائيل على غزة في حرب «الرصاص المصبوب» مطلع 2009، قالها في مؤتمر صحفي بلا مواربة: العدوان الإسرائيلي على غزة «لا يمكن إلا أن يكون جريمة حرب»، ودعا إلى قمة عربية طارئة في الدوحة، فلما تخاذل النصاب أطلق، في 16 يناير 2009، عبارته التي دخلت التاريخ: «ما إن يكتمل النصاب لعقد هذه القمة حتى ينقص، وحسبنا الله ونعم الوكيل». ولم تكن كلماته بلا أنياب؛ فقد أغلق المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة في يناير 2009، وتبرعت قطر بمئتين وخمسين مليون دولار لصندوق إعمار غزة، ودعت قمة الدوحة إلى تجميد مبادرة السلام العربية ووقف التطبيع مع إسرائيل.

ثم جاء يوم 23 أكتوبر 2012، اليوم الذي حفره الفلسطينيون في ذاكرتهم؛ دخل الأمير غزة عبر معبر رفح، ومعه الشيخة موزا بنت ناصر، ليصبح أول رئيس دولة عربية يكسر حصارها رسميًا، ورفع المنحة القطرية للإعمار من مئتين وأربعة وخمسين إلى أربعمئة وسبعة ملايين دولار، شيدت مدينة الشيخ حمد السكنية في خان يونس، ومستشفى التأهيل والأطراف الصناعية، الذي ظل بارقة أمل لآلاف الجرحى، لذلك خرجت غزة تنعاه يوم رحل في 12 يوليو 2026.

ولم تكن غزة استثناءً في انحيازه للشعوب، بل قاعدة؛ فقد كان أول مسؤول عربي رفيع يصل جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت بعد حرب 2006، حاملًا رآية الإعمار لا العتاب.
ولما هدّد القذافي بإبادة بنغازي عام 2011، اتصل به يطالبه بالتراجع، فلما رفض القذافي، أدار الأمير هاتفه نحو باريس ومجلس الأمن؛ حتى صدر قرار حماية المدنيين. وقبل ذلك رعى اتفاق الدوحة الذي جنّب لبنان حربًا أهلية في مايو 2008، ووثيقة الدوحة لسلام دارفور عام 2011، حتى صارت الدوحة في عهده قوة ناعمة تحل ما استعصى على الكبار القيام به.

نجح حمد بن خليفة بأن يحقق العمران الإنساني والعمران الإنشائي، فأسس قطر الحديثة بكل ما فيها، وساهم في بناء الإنسان من خلال الجامعات والمعرفة، ونشر الحقيقة عبر قناة الجزيرة
أحمد منصور

يقول مؤسس علم الاجتماع والعمران عبد الرحمن بن خلدون، في «المقدمة»: إن الدول لا تقوم بالمال والعدد وحدهما، وإنما بالرجال الذين يحملونها، وإن أعمار الدول من أعمار حامليها. وقد نجح حمد بن خليفة بأن يحقق العمران الإنساني والعمران الإنشائي، فأسس قطر الحديثة بكل ما فيها، وساهم في بناء الإنسان من خلال الجامعات والمعرفة، ونشر الحقيقة عبر قناة الجزيرة، التي أصبحت واحدة من أشهر شبكات الأخبار في العالم وأكثرها مصداقية.

رحل حمد بن خليفة، وفي ذمة التاريخ مشاهد كثيرة، لكن مشهدين منهما لن يمحوهما الزمن: ملكٌ يفك بنفسه الحصار عن غزة المحاصرة، بينما الزعماء العرب وزعماء العالم يكتفون باللوم والمشاهدة، وملكٌ يخلع تاجه طوعًا، والعروش من حوله تُنتزع انتزاعًا. وبين المشهدين تُختصر سيرة رجل أدرك أن الممالك تفنى، وأن المواقف وإرث بناء الإنسان وعمران البلدان وحده هو الذي يبقى.

Total
0
Shares
السابق
أحمد منصور ووليد جنبلاط

وليد جنبلاط ج13 من شهادته على العصر: وفاة حافظ الأسد وانسحاب إسرائيل من لبنان 

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share