يــوم الجــمــعــة الدامي (3)

ما إن وصلت إلى ميدان عبد المنعم رياض ركضًا من شارع رمسيس حتى هالني ما رأيت، فقد كان الميدان ساحة حرب حقيقية بكل المعايير، وكان منقسمًا إلى نصفين: النصف الأول عبارة عن قوات كثيفة من الأمن تتواجد باتجاه المتحف وميدان التحرير، والنصف الثاني أعداد هائلة من الثوار في الجانب الآخر بجوار هيلتون رمسيس وعمارة دوحة ماسبيرو التي يقع بها مبنى مكتب قناة «الجزيرة» وقنوات تلفزيونية أخرى.
ثورة 25 يناير

ما إن وصلت إلى ميدان عبد المنعم رياض ركضًا من شارع رمسيس حتى هالني ما رأيت، فقد كان الميدان ساحة حرب حقيقية بكل المعايير، وكان منقسمًا إلى نصفين: النصف الأول عبارة عن قوات كثيفة من الأمن تتواجد باتجاه المتحف وميدان التحرير، والنصف الثاني أعداد هائلة من الثوار في الجانب الآخر بجوار هيلتون رمسيس وعمارة دوحة ماسبيرو التي يقع بها مبنى مكتب قناة «الجزيرة» وقنوات تلفزيونية أخرى.

كانت قوات الأمن تقذف المتظاهرين من الثوار بالقنابل المسيلة للدموع وتطلق الرصاص المطاطي، بينما كان الثوار يدافعون عن أنفسهم بالحجارة. ووجدت نفسي وسط الميدان وحدي بين الجانبين، وكان واضحًا أن المعركة على أشدها، فقد كانت هناك عربتان لقوات الأمن المركزي تحترقان في آن واحد تحت كوبري السادس من أكتوبر الذي يخترق وسط الميدان. وقفت أستطلع الموقف لبرهة حتى أحدد مساري، ثم شققت طريقي من أقصى اليمين ركضًا بكل ما أستطيع من قوة متجهًا ناحية الثوار الذين كانوا يتواجدون بكثافة أمام عمارة دوحة ماسبيرو، بينما كان دخان القنابل المسيلة للدموع يغطي المكان، وأصوات الرصاص المطاطي من قبل رجال الشرطة لا تتوقف.

ما إن وصلت وسط الثوار حتى تعرفوا عليّ واجتمعوا حولي وأخبروني بسقوط أول شهيدة في صفوفهم، بينما كان آخرون كثيرون مصابين، لكنهم لم يغادروا ساحة المعركة وعالجوا بعضهم بإسعافات أولية. وبينما كان البعض ملتفًا حولي، سمعنا هتافات مجموعات الثوار الذين كانوا في المقدمة، فهجموا بعدها بصدور عارية على قلب رجل واحد تجاه قوات الأمن. فذهلت حينما وجدت قوات الأمن المدججة بالأسلحة والمدرعات تفر أمام المتظاهرين كالفئران المذعورة تجاه ميدان التحرير، وظل هذا المشهد سيد الموقف إلى نهاية اليوم، كر وفر واستدراج من قبل الثوار لقوات الأمن، ثم هجوم مضاد يفر الجنود والضباط أمامهم كالفئران.

لم أكن أصدق ما أراه بعيني، وكان الزملاء يبثون هذا على الهواء مباشرة على شاشة الجزيرة، بعدما تغلبنا على قيام السلطات المصرية بقطع وصلة البث المباشر عنا. صعدت إلى المكتب ركضًا في الطابق الخامس من المبنى، وما إن دخلت حتى التف الزملاء حولي، وكنت منهكًا إلى حد بعيد، كما أن غاز القنابل المسيلة للدموع كان قد أصاب عيني بالتهاب شديد وعدم قدرة على فتحهما، كما أن حلقي كان ملتهبًا إلى حد بعيد من الغاز وأشعر أنه يحترق، ولم أكن حتى اللحظة أعرف كيف أتعامل مع غاز القنابل المسيلة للدموع. كان زميلي عبدالفتاح فايد على الهواء مباشرة، ولكن عبر الهاتف مع الجزيرة، وما إن رآني حتى أبلغ الزملاء في الدوحة أني قد أفرج عني وأنني وصلت إلى المكتب. كنت مجهَدًا ومتعبًا ويملؤني الغضب مما رأيته من ممارسة قوات الأمن ضد الشباب الثائرين، لكن بطولات الشباب في المقابل لا تكاد تصدق، وجعلتني أنسى تعبي وهمومي وأعيش همومهم وبطولاتهم التي سيسطرها التاريخ.

أحضر لي الزملاء بيبسي كولا وخلًّا وطلبوا مني أن أغسل عيني بالبيبسي وأن أشمّ الخل، وسرعان ما بدأت أستعيد وعيي وطاقتي بعد قليل. واتضح لي بعد ذلك أن معظم الشباب في الشوارع كانوا يحملون زجاجات البيبسي والخل، وكانت هي الدواء الناجع لغاز القنابل المسيلة للدموع. بعدما استعدت بعض طاقتي، قررت النزول للشارع مرة أخرى حتى أجمع معلومات لزملائي عما يحدث، فقد كانت السلطات قد قطعت عن مكتب الجزيرة كل الهواتف الأرضية، كما كانت الهواتف الخليوية في كل مصر معطلة أيضًا، ولم يكن هناك سوى هاتف أرضي واحد يعمل في المكتب لم تلتفت السلطات إليه، كان هو وسيلتنا الوحيدة للتواصل مع مكتب الجزيرة في الدوحة. ومن ثم فإن الحصول على المعلومات أصبح أمرًا بالغ التعقيد. طلبت أن يصحبني أحد الزملاء للنزول إلى الشارع فلم أجد أحدًا، ورغم اعتراضهم على نزولي وحدي، إلا أني في النهاية قررت النزول وحدي. وما إن رآني الثوار في الشارع حتى اجتمعوا حولي يروون لي تفاصيل مذهلة عما تقوم به قوات الأمن، وقد أكد لي كثيرون منهم أن قوات الأمن لا تستخدم الرصاص المطاطي فقط، وإنما يستخدمون الرصاص الحي، وأن كثيرًا من الجرحى والشهداء قد سقطوا برصاص حي. لم يكن لدي دليل حتى ذلك الوقت لأبث هذا الخبر، لكن الحقيقة بعد ذلك أن الرصاص الحي استُخدم، وكثير من الشهداء سقطوا بالرصاص الحي.

التحمت هذه المرة بصفوف الثوار، ففوجئت بأنهم ليسوا فقط من شباب الجامعات أو المثقفين أو المتعلمين الذين دعوا إلى التظاهرات بداية عبر شبكات الإنترنت، ولكنّي وجدت بينهم فلاحين وعمالًا بسطاء، ومن كل طبقات المجتمع ومن كل الأعمار، رجالًا ونساءً، شيوخًا وشبابًا، وحتى أطفالًا يافعين. بعضهم قال لي إنه جاء من الصعيد، وبعضهم جاء من أحياء القاهرة الأخرى، وبعضهم جاء من المنصورة وطنطا وغيرها من المدن والمحافظات الأخرى، وأنهم جاؤوا للمشاركة في تظاهرة يوم جمعة الغضب مناصرة للثوار من الشباب. اقترب مني أحدهم وقال لي: «أنا سائق غلبان من الصعيد، كرهت الظلم من الحكومة وسأقف إلى جانب هؤلاء وأناصرهم ضد الحكومة الظالمة». اقترب مني آخر وقال: «كل من تراهم هنا لهم مظالم ضد هذا النظام الفاسد». وأذكر أن هذا الرجل، وكان في الخمسين من عمره، التقاني بعد ذلك في ميدان التحرير وذكرني بنفسه وقال: «هل تصدق أني جامعي وأعمل في توصيل الطلبات في أحد المطاعم وأنا في هذه السن؟». جاء بعد ذلك رجل يركض نحوي وهو يحمل طفلًا ويبكي، قائلاً: «هؤلاء الكفرة ـ ويقصد رجال الأمن ـ أطلقوا علينا، ومعنا نساء وأطفال، قنابل الغاز والرصاص المطاطي. التجأنا إلى محطة مترو الأنفاق بأطفالنا ونسائنا، فهجموا علينا وقذفوا علينا القنابل المسيلة للدموع داخل المحطة. لقد اختنق أطفال كثيرون ومات بعضهم من قنابل الغاز، اطلبوا لنا سيارات الإسعاف».

كنت أشعر بعجز وضعف شديد أمام ما يحدث حولي، للأسف لم تكن الهواتف تعمل، وكانت المكان ساحة معركة وكرّ وفرّ، وتألمت كثيرًا لحال الأطفال، لكن ماذا يمكن أن أفعل وأين سيارات الإسعاف الآن؟ بل إن السيارات العادية لم تكن تستطيع السير في هذه المنطقة. كل هذا كان يحدث وسط معركة طاحنة بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي من قبل قوات الأمن من جهة، وطوب الثوار من جهة أخرى. لكن الأمر تطور، وفوجئت برجال الأمن يرمون الطوب والزجاجات الفارغة على الثوار أيضًا. لكن شيئًا عجيبًا رصدته في هذا اليوم، سواء في ساحة ميدان عبد المنعم رياض أو شارع رمسيس، أو بعد ذلك حينما كنت أرصد من مكتب الجزيرة التظاهرات القوية التي كانت على كوبري قصر النيل، حيث كان الهواء يأتي مندفعًا بقوة من جهة الثوار الذين يريدون الوصول إلى ميدان التحرير باتجاه رجال الأمن الذين كانوا في الجهة الأخرى. وهذا كان يعني شيئًا هامًا جدًا في مصلحة الثوار، فقد كان الهواء يرد دخان الغاز للقنابل المسيلة للدموع باتجاه الجنود.

كانت القنابل تسقط وسط الثوار، لكن الهواء كان يأخذ الغاز في الاتجاه العكسي جهة الجنود، وكثيرًا ما كانت القنابل تسقط بجوار الجنود فيذهب الغاز كله عليهم. وكان المشهد بحق آية من آيات الله. وكان الغاز في أغلبه يأتي من الجهة الأخرى من النهر، من ناحية المهندسين والدقي، حيث كانت هناك تظاهرات أخرى وتجمعات كبيرة للثوار. فكان الهواء الذي يحمل الغاز من تلك الجهات حينما يعبر نهر النيل ويأتي للمتظاهرين خفيفًا إلى حد بعيد، صحيح أنه كان يؤثر على العيون والحلق أيضًا، لكن تأثيره كان أقل من الغاز المباشر الذي كان يصطلي به الجنود. أيضًا نجح الثوار وتفننوا في استخدام قنابل الغاز التي كانت تُقذف عليهم بحيث يجعلون ضررها يقع على الجنود.

المصدر: الوطن القطرية

Total
0
Shares
السابق
ثورة 25 يناير

يوم الجمعة الدامي (2)

التالي
ثورة 25 يناير

يـوم الجمعـــة الدامي (4)

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share