العبث بالثورة المصرية

دعيت الى حفل رسمي حكومي في مصر قبل أيام، وهي المرة الأولى التى توجه لي الدعوة لمثل هذه الحفلات حيث كنت مثل غيري من الاعلاميين الموضوعين في القائمة السوداء للنظام الاستبدادي في مصر لا ندعى لمثل هذه الحفلات، وقررت الذهاب لا للمشاركة ولكن لرؤية أوجه الاختلاف بين ما كان يحدث من قبل وما يحدث بعد الثورة في مثل هذه الاحتفالات، وهل للثورة أثر في الاحتفالات الرسمية أم ما زالت الثورة بعيدا عن ادارة الدولة.
جلست في صف خلفي أرقب المنصة ومن عليها والصفوف الأولى ومن يجلس بها وطقوس الاحتفال وما يجرى فيها، فوجدت الوجوه التى على المنصة هي نفس الوجوه التى عينها الرئيس المخلوع حسني مبارك يتحدثون نفس اللغة، أما الحضور فهم نفس الرجال الذين يحضرون في مثل هذه الحفلات وقد جلسوا في الصف الأول مثلما يجلسون دائما بينما المعارضون جلسوا بعد الصف الأول، حتى أني وجدت شخصيات بارزة كانت معروفة بعدائها للنظام السابق ومن المفترض أن تقدم للصفوف الأولى بعد الثورة تجلس في صفوف خلفية، وخلال الأشهر الستة التى أعقبت قيام الثورة في مصر حتى الآن ثبت أن الذي سقط هو رأس النظام مع بعض رموزه فيما بقي النظام في أركان الدولة يحرك كل شيء ولعل من أبسط الأمثلة على ذلك هو بقاء كثير من العناصر الموالية للرئيس المخلوع والرموز المحيطة به في مناصبها تناصب العداء للثورة والثوار ولنبدأ بالحكومة فحينما شكل رئيس الوزراء عصام شرف التشكيلة الأولى لحكومته فوجئ الجميع بأعضاء بارزين في الحزب الوطني وقد أصبحوا وزراء، وحينما أجرى تعديلا بقيت نفس العلل، وحينما تم اختيار المحافظين للمرة الأولى فوجئ الجميع كأن حسني مبارك هو الذي مازال يعين المحافظين وحينما أجرى التعديل جاء ببعض الوجوه الكريهة في تحد مباشر للثورة وللثوار ودماء الشهداء، ولعل المثال الصارخ على أن النظام السابق ورموزه مازال لهم نفوذ واسع في أركان الدولة هو الفضيحة المدوية لمأمور سجن المزرعة ـ الذي يسجن فيه جمال وعلاء مبارك وكبار رموز النظام السابق ـ العقيد أحمد عبد الرازق الذي قام يوم الثلاثاء 9 أغسطس بمخالفة كافة تعليمات السجون بشكل علني بعدما ظل يخالفها طوال الأشهر الماضية وهو واثق أنه لن يمسه أحد، حيث قام بإخراج كل من جمال وعلاء مبارك نجلي الرئيس المخلوع مع رموز النظام من الزنازين وأقام لهم مأدبة عامرة كبيرة من الأطعمة ثم جلسة سمر امتدت حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وكان هذا السلوك استكمالا لعملية تواطؤ من قبل المأمور بدأت باستقباله رموز النظام السابق وعلى رأسهم حبيب العادلي استقبالا فيه تعزيز وتكريم لهم، كما قام على مدى الأشهر الماضية بالسماح للمحامين بالجلوس معهم والحصول على توقيعات بنقل الثروات والتنازل عن الممتلكات بعقود قديمة مما يعد مخالفة صريحة للقانون، وتبرئة للذمة أقول: في 16 ابريل الماضي أي قبل أربعة أشهر، جلست مع وزير الداخلية الحالي منصور العيسوي في حضور أكثر من خمسة عشر من ممثلي اللجنة التنسيقية لجماهير الثورة بما تمثله من ائتلافات شباب الثورة وبعض القوى الوطنية والمستقلين من بينهم نائب رئيس مجلس الدولة الدكتور محمد فؤاد جاد الله، ومن طرف الوزير كان يجلس بعض مساعديه وفتحنا معه ملفات شائكة من بينها ملف مدير سجن مزرعة طرة، وكانت قد وصلتني معلومات مؤكدة من داخل السجن، عن أن مدير سجن المزرعة العقيد أحمد عبد الرازق يعامل المسجون حبيب العادلي وزير الداخلية السابق معاملة خاصة لا ترقى الى مستوى السجين ردا لجميل الوزير عليه بتعيينه في هذا المنصب الذي كان لا يستحقه، حيث أن شقيق مأمور السجن كان أحد المقربين من العادلي وقد توسط لدى العادلي الذي أصدر قرارا بتعيين عبد الرازق الذي كان بدرجة مقدم قديم منصب مأمور السجن الذي يعتبر من أميز السجون المصرية، وكانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ ادارة السجون أن يتولى هذا المنصب ضابط بهذه الدرجة حيث أن الدرجة هي عقيد قديم وليس «مقدم قديم» ثم حصل عبد الرازق بعد ذلك على رتبة عقيد، وأبلغت وزير الداخلية في حضور الجميع أن لدي معلومات مؤكدة من داخل السجن أن عبد الرازق يوصل صينية الطعام بنفسه الى زنزانة العادلي وأن العادلي لديه هاتف موبايل يدير به أموره مع محاميه ومع عائلته، في البداية رد عليّ وزير الداخلية أن هذه اشاعات لكنه تحت وطأة المعلومات الاضافية التي ذكرتها صمت قليلا ثم طلب من أحد مساعديه أن يأخذ البيانات مني للتأكد منها واتخاذ القرار المناسب، لكن شيئا لم يتخذ إلا عندما فاحت الفضائح، وأؤكد أن هذا حدث في منتصف شهر ابريل الماضي أي قبل أربعة أشهر نستطيع خلالها أن نتأكد من حجم ما قام به هذا المأمور من مخالفات، وكانت الفضيحة الكبرى لضباط الداخلية حينما شاهدهم العالم على شاشات التلفزة وهم يرحبون بل ويؤدون التحية للوزير السابق ورموز النظام السابق ونجلي الرئيس المخلوع خلال محاكمتهم، وهذا يشير الى أن ما وراء الكواليس أدهى وأمَر، ثم يأتي قرار وزير الداخلية أخيرا بنقل المأمور وتهديد الضباط الذين أدوا التحية بأنهم سيحاسبون اذا كرروها، هكذا تدار الأمور بكل ميوعة وتساهل بل وتواطؤ في مرفق يعتبر من أهم مرافق الدولة ضبطا وربطا ثم يقولون ان الشعب لا يحترم الشرطة.
الأمر الآخر المثير للاستغراب هو ما أعلن عن اعلان دستوري جديد لن يعرض على الشعب، وهذه هي قمة العبث بإرادة الشعب والثورة ودماء الشهداء، ان الثورة المصرية تمر الآن بأخطر مراحلها، لكن الله الذي صنع هذه الثورة قادر على اتمامها ولكم في القفص الذي جلس فيه مبارك عبرة أيها العابثون.

الوطن القطرية

Total
0
Shares
السابق

كواليس محاكمة الرئيس المصري المخلوع

التالي

مستقبل الثورة .. صناعة مصرية

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share