سالي توما ج3 : موقعة الجمل ..و مشاهد الفرحة بتنحي مبارك

يستعرض أحمد منصور مع عضو المجلس التنفيذي لائتلاف شباب الثورة، سالي توما ج3 من حوارهما في برنامج شاهد على الثورة، والذي جرى بثه بتاريخ 15 يناير 2012، تغير المواقف بعد خطاب مبارك العاطفي وموقعة الجمل ومدى تأثيرها على الشعب المصري.
سالي توما

يستعرض أحمد منصور مع عضو المجلس التنفيذي لائتلاف شباب الثورة، سالي توما ج3 من حوارهما في برنامج شاهد على الثورة، والذي جرى بثه بتاريخ 15 يناير 2012، تغير المواقف بعد خطاب مبارك العاطفي وموقعة الجمل ومدى تأثيرها على الشعب المصري.


استكملت سالي توما فى شهادتها على الثورة  الحديث عن خطابات مبارك، وتأثيرها على الشعب، وموقعة الجمل، واحتفالات التحرير بالتنحي.
وقالت توما إن الخطاب العاطفي لمبارك أدى إلى انفضاض الميدان بصورة كبيرة، وأصبح الثوار منعزلين تماما عما حوله.
وأشارت توما إلى استمرار بقاء الثوار في الميدان على أمل عودة الشعب مرة أخرى، إلى أن حدثت موقعة الجمل، وسقط 18 شهيد في هجوم بالسيوف والخيول والجمال، وأشارت إلى أن الإخوان وشباب الألتراس كانوا في الصفوف الأولى لحماية الثوار والميدان.
كما تطرقت إلى خطاب عمر سليمان وتصريحه بأن النظام لن ينهار، وأوضحت أنه في هذه اللحظة تأكد الثوار بأن النظام سوف يسقط.
وأشادت توما بموقف اللواء الفنجري وتحيته للشهداء، وتطرقت إلى رفض الثوار محاورة عمر سليمان.
ووصفت توما الاحتفالات الكبيرة في الميدان عقب الإعلان عن تنحي مبارك، إلا أنها أبدت مخاوفها من الثورة ، مشيرة إلى المحاولات المستمرة للوقيعة بين التيارات وإحداث الفتنة.

نص حوار سالي توما ج3 :

موقعة الجمل ..و مشاهد الفرحة بتنحي مبارك

أحمد منصور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على الثورة. نواصل فيها الاستماع إلى شهادة الدكتورة سالي توما، عضو المكتب التنفيذي لائتلاف شباب الثورة في مصر. دكتورة سالي، مرحبًا بك.

سالي توما:
أهلاً بك.

ما بعد الخطاب العاطفي: لحظة ارتباك جماعي

أحمد منصور:
بعد المليونية الأولى في ميدان التحرير، في الأول من فبراير، ألقى حسني مبارك خطابًا عاطفيًا أعلن فيه أنه لن يترشح لفترة رئاسية جديدة، ودعا البرلمان إلى مناقشة تعديلات المادتين 76 و77. تأثر كثير من المصريين بالخطاب، لا سيما حين قال: «هذا الوطن عزيز عليّ، فيه عشت وحاربت، وعلى أرضه أموت». وبدأ الناس يغادرون الميدان. كيف عشتِ تلك اللحظة؟

سالي توما:
لم أكن داخل الميدان أثناء الخطاب، بل كنت خارجه أُحضِر مستلزمات للميدان. شاهدت الخطاب في الشارع، ولاحظت ردود فعل الناس من حولي؛ كثيرون توقفوا لمتابعته. عندها أدركت أن الميدان سيهدأ قليلًا في ذلك اليوم.

أحمد منصور:
هل سيهدأ فقط أم قد يُفرغ تمامًا؟

سالي توما:
لن يُفرغ تمامًا. كنت أعلم أن هناك فئات لن تغادر مهما حدث.

أحمد منصور:
مئة شخص؟ مئتان؟

سالي توما:
أكثر من ذلك. هناك من كان وجوده في الميدان بدافع شخصي عميق: قهر، ألم، إهانات، فقدان أعزاء. هذه دوافع لا تُمحى بخطاب.

أحمد منصور:
هل يمكنك ذكر أمثلة لهؤلاء؟

سالي توما:
أهالي الشهداء، على سبيل المثال. هؤلاء لم يكونوا ليغادروا، لا من القاهرة فقط، بل من السويس ومحافظات أخرى. أُسر كاملة كانت معتصمة. كذلك النشطاء الذين تعرضوا للاعتقال والتعذيب. وأيضًا من آمنوا بالفكرة إيمانًا كاملًا؛ وصلوا إلى مرحلة اللاعودة، وكانوا يشعرون أن التراجع خيانة.

أحمد منصور:
عندما عدتِ إلى الميدان، كيف وجدته؟

سالي توما:
كان قد بدأ يفرغ بالفعل، وهذا أحزنني. لكن يجب أن نعترف أننا شعب عاطفي بطبعه. فكرة «الرئيس الأب» كانت متجذرة لدى كثيرين، رغم ما تحمله من إشكاليات.

أحمد منصور:
هل تعتقدين أن الشعب سيتخلص من هذه الفكرة؟

سالي توما:
أتمنى ذلك، وأظن أننا بدأنا بالفعل. حتى أهالينا، رغم دعمهم لنا، كانوا يرون بعض المظاهر في الميدان صادمة وغير مألوفة لهم.

أحمد منصور:
كنتِ تتواصلين مع وسائل إعلام غربية عدة. ماذا كانوا يسألونك؟

سالي توما:
كانوا يسألون عن الوضع في الميدان، وعن الخطوة التالية: ماذا بعد؟

أحمد منصور:
هل ازداد التواصل بعد خطاب مبارك؟

سالي توما:
بشكل كبير. لكننا، في الداخل، أصبنا بالارتباك. خفنا أن يغادر الناس، وخشينا العزلة، خاصة مع إعلام منحاز للنظام. بدأنا نتساءل: كيف سنصل إلى الشعب؟

أحمد منصور:
هل شعرتم أن الخطاب قدّم تنازلات كافية في نظر الناس؟

سالي توما:
نعم، بعض الناس رأى ذلك. قالوا: لن يترشح مرة أخرى، لن يُورّث الحكم. لكننا كنا نرى أن المشكلة ليست في شخص، بل في نظام كامل.

أحمد منصور:
من الغريب أن كثيرين نسوا في تلك اللحظة الدماء التي لم تجف بعد.

سالي توما:
لأن الخطاب خوطب به الشعب العاطفي. لم أهتز له شخصيًا، لكنني أدركت تأثيره على الناس. شعروا أنه أُهين كفاية، وأنه قدم تنازلات.

أحمد منصور:
هل يفسر هذا استمرار التعاطف معه حتى بعد سقوطه؟

سالي توما:
العدد الحقيقي المؤمن به قليل جدًا. الأغلبية إما مدفوعة أو من بقايا النظام. لكن هناك تعاطف إنساني، خاصة لدى كبار السن، حين يرون شخصًا سقط بعد جبروت طويل.

أحمد منصور:
كيف بدا الميدان صباح 2 فبراير؟

سالي توما:
لم يكن مبتهجًا على الإطلاق. كان أقل عدد منذ 28 يناير. اضطررنا إلى حراسة المنصة، ونام بعضنا فوقها. لم ينم أحد فعليًا تلك الليلة.

أحمد منصور:
كانت ليلة طويلة إذن؟

سالي توما:
طويلة وسيئة. ليلة أسئلة: ماذا نفعل الآن؟ هل انعزلنا؟ لأول مرة بدأت أسأل أهلي عن رأيهم، عن نظرتهم للناس في الميدان. كنت مؤمنة بالميدان، لكنني أردت أن أفهم كيف يراه الآخرون.

تصدّع التأييد الشعبي بعد خطاب مبارك

أحمد منصور:
ما ردّ الفعل الذي وصلكِ من محيطكِ الاجتماعي؟

سالي توما:
قال لي والدي مثلًا: لقد أُهين الرجل بما فيه الكفاية، فهل ستتمكنون من انتزاع مكاسب أكثر من ذلك؟ الشارع انقلب عليكم، وأهم ما كان يدعمكم ويحميكم هو الشارع، لا مجموعة من النشطاء نزلت يوم 25 يناير. الثورة قام بها الشعب، فإذا تراجع الشعب أو غادر الميدان، فمَن سيبقى خلفكم؟ هذا كان السؤال المؤلم.
ومع ذلك، كان لديّ دائمًا أمل كبير في الشعب المصري؛ كنت أؤمن أننا، وإن تأثرنا عاطفيًا للحظات، سرعان ما نستعيد وعينا من جديد.

مظاهرات التأييد المضاد وتقدير قوتها

أحمد منصور:
في ذلك اليوم، بدأت أعداد كبيرة من الميكروباصات والسيارات تجوب القاهرة وهي تحمل صور حسني مبارك، وخرجت مظاهرة كبيرة في ميدان مصطفى محمود شارك فيها فنانون ولاعبو كرة قدم وغيرهم. هل كنتم تتابعون ذلك؟

سالي توما:
نعم، كنا نتابع.

أحمد منصور:
وبمَ شعرتم؟

سالي توما:
شخصيًا، رأيت مظاهرات مصطفى محمود ضعيفة جدًا، ولم تهزّني لحظة واحدة.

أحمد منصور:
صحيفة الأهرام قالت إن الملايين خرجوا.

سالي توما:
الأهرام والجمهورية قالتا في مظاهرة خالد سعيد، التي ضمّت عشرة آلاف شخص، إن العدد لم يتجاوز 300. نحن نعرف جيدًا طبيعة هذه الصحف.
هي صحف تعبيرية تمثل النظام منذ زمن طويل، ورؤساء تحريرها يُعيَّنون بقرار من الرئيس. وربما كانت هناك محاولات تطهير لاحقًا، لكن في تلك اللحظة كانت أدوات النظام الإعلامية واضحة.

أحمد منصور:
متى بدأ التوتر يخيّم على الميدان؟

سالي توما:
قرابة الرابعة عصرًا بدأت تصلنا معلومات كثيرة بأن شيئًا ما سيحدث، دون أن نعرف طبيعته.

أحمد منصور:
وكيف كان استعدادكم؟

سالي توما:
كان استعدادنا حماية الميدان بأقصى ما نستطيع: تأمين المداخل جيدًا، وإبقاء الفتيات في عمق الميدان، واستخدام الطرق على الحديد كإشارة إنذار في حال الخطر.
كما جرت حوارات كثيرة مع جنود وضباط الجيش.

أحمد منصور:
هل تتذكرين بعض تلك الحوارات؟

سالي توما:
قال لي أحد المجندين: “خلّصونا منه بقى، نحن معكم”.
وقال لي ضابط عند نقطة تفتيش: “ستظلون هكذا طويلًا؟ صعّدوا قليلًا لننتهي من الأمر”.
كانوا متعبين، لكنهم قالوا بوضوح: نحن معكم.

موقعة الجمل: بداية الهجوم على الميدان

أحمد منصور:
أين كنتِ عندما بدأ الهجوم؟

سالي توما:
كنت داخل الميدان، لكن بعيدًا عن بؤرة الهجوم.

أحمد منصور:
الهجوم بدأ من ميدان عبد المنعم رياض.

سالي توما:
نعم، هذا المدخل كان دائمًا نقطة ضعف، بخلاف قصر النيل الذي كان الأكثر تأمينًا.

أحمد منصور:
متى أدركتِ أن هجومًا قد بدأ؟

سالي توما:
عندما بدأ الناس يركضون فجأة، وبدأ الطرق على الحديد. كنت خارج الإحساس بالزمن، لا أعرف ساعة ولا ليلًا من نهار.

أحمد منصور:
دقّ الطبول والطرق على الحديد كان مخيفًا.

سالي توما:
بشدة. كنت أشعر وكأن الطبول تُقرَع في صدري أنا. نبضات القلب كانت تتسارع بشكل غير طبيعي، وكان الإنذار منظمًا جدًا.

أحمد منصور:
من على المنصة المقابلة لمجمع التحرير، ماذا رأيتِ؟

سالي توما:
رأيت فوضى شديدة. لم أستطع تمييز التفاصيل في البداية، ولم أشاهد دخول المهاجمين الأول.
كنت أبحث بعيني عن الجيش: أين هو؟ متى سيتدخل؟ لكنه وقف على الحياد.
لاحقًا شاهدت مقطع الجندي الذي رفض الاعتداء على الثوار وحاول الفصل بينهم، ولم أدرك ذلك إلا لاحقًا عبر مقاطع الفيديو.

أحمد منصور:
كيف كان تفاعل المعتصمين؟

سالي توما:
كان الألتراس في الصفوف الأولى، ينادون بعضهم ويتحركون بسرعة، وكذلك الإخوان.
كان هناك إصرار على حماية الميدان، وعلى الرغم من المطالب بإبقاء النساء في الخلف، فإن كثيرات رفضن ذلك.
المشهد كان كأنكِ في وطنكِ تتعرضين لهجوم عدو.

أحمد منصور:
هجوم على جمهورية التحرير.

سالي توما:
بالضبط. هجوم أعادنا إلى عصور بدائية: طوب، سيوف، جمال.
ثورة خرجت من فيسبوك في مواجهة هجوم بالسيوف.
ولا بد من التأكيد أن أهالي نزلة السمان مصريون، وقد اعتذروا لاحقًا وشاركوا في تأبين الشهداء، ولم يقبلوا أن تُنسب إليهم تلك الجريمة.

أحمد منصور:
كيف عشتِ ليلة الثاني من فبراير؟

سالي توما:
توفي قرابة 18 شخصًا. تلك الليلة عدتُ إلى البيت للمرة الأولى، قرابة الساعة الحادية عشرة مساءً.

أحمد منصور:
لماذا عدتِ؟

سالي توما:
ليس لمتابعة ما يجري في الميدان، فالحقيقة لا تخرج منه، بل لأفهم ما يُقال خارجه. كنا معزولين تمامًا داخل الميدان.

أحمد منصور:
ماذا رأيتِ قبل مغادرتك؟

سالي توما:
رأيت نساءً يبكين، وصراخًا، وكلامًا صادمًا، وتحريضًا يُقلب الشعب على نفسه. مشاهد قاسية جدًا.

أحمد منصور:
هل رأيتِ جرحى أو شهداء؟

سالي توما:
نعم، رأيت جرحى، ورأيت دماء. كان ميدان التحرير مفروشًا بالدم.
ونحن معتصمون في التحرير حتى الآن، ومن المهم أن أذكر هذا المشهد حتى لا أنساه: قبل أسبوع كان عيد ميلاد إحدى صديقاتنا من المشاركات سياسيًا منذ زمن، وهي من معتصمي التحرير.
كنا نحاول التعايش داخل الاعتصام كما في الأيام الأولى؛ نتمسك بالمطالب، لكننا في الوقت نفسه نحتفل بعيد ميلاد أو نشارك لحظة إنسانية.
أحضرنا قالب حلوى، وبينما نحن نجتمع حوله، جاء طفل في السابعة من عمره، وقف ينظر إلينا. قلت له: هل تريد قطعة من الحلوى؟
قال لي: لن آكل.
سألته: لماذا؟
قال: هل نسيتم أن هنا دماء شهداء؟
وأضاف: المكان الذي تقفين عليه الآن كان مغطى بالدم. كيف تحتفلون؟
ثم قال جملة لن أنساها أبدًا: لو مرت أم شهيد الآن، ماذا ستشعر؟
هزّتني كلماته بشدة. طفل في السادسة أو السابعة يتحدث عن دم الشهداء بهذه اللغة.
هناك تغيير حقيقي يحدث في مصر، حتى عند الأطفال. نحن نُربي جيلًا جديدًا يعرف معنى المواطنة والحقوق.
نحن لم نتربَّ هكذا؛ كنا مغيّبين. من وعى سياسيًا منا، وعى لأنه رأى ظلمًا أو قهرًا.
لذلك لديّ أمل كبير، فالتغيير يحتاج سنوات وأجيالًا، لكنه يحدث بالفعل.

أحمد منصور:
ماذا شاهدتِ في التلفزيون عندما عدتِ إلى المنزل؟

سالي توما:
شاهدت أشياء جعلتني أبكي كثيرًا.
شاهدت أشخاصًا يطالبون بشتم المعتصمين في التحرير، ويقولون: “إن شاء الله يموت منهم أكثر”.
كان هذا مؤلمًا للغاية.

أحمد منصور:
على أي قناة؟

سالي توما:
القناة المصرية. ذهبت إليها تحديدًا لأرى ماذا يُقال.

أحمد منصور:
متى نمتِ؟

سالي توما:
لم أنم. بقيت مستيقظة قلقة طوال الليل.

أحمد منصور:
هل كنتِ على تواصل مع المعتصمين؟

سالي توما:
كل دقيقة. كنت أسألهم عن الأخبار، وهم أيضًا لم يناموا. كان يومًا طويلًا جدًا.

أحمد منصور:
وماذا فعلتِ في الصباح؟

سالي توما:
عدت مباشرة إلى الميدان في السابعة صباحًا.

أحمد منصور:
كيف كان شكل الميدان؟

سالي توما:
كان حزينًا. لم يكن ميدان الإصرار كما في الأيام السابقة.
كان مكسورًا للمرة الأولى، ربما لأن النظام نجح في جعل الشعب يواجه الشعب.
كنا نشعر بذلك حتى عندما نخرج لإحضار أدوية أو بطاطين؛ كنا نتعرض للتفتيش، ويقال لنا: “إياكم أن تُدخلوا شيئًا لأولئك الموجودين في التحرير”.

أحمد منصور:
هذا كان من يوم الثلاثاء؟

سالي توما:
نعم، واستمر حتى الأربعاء، ثم الخميس.
في يوم الخميس قررنا الذهاب إلى الدكتور محمد البرادعي.

أحمد منصور:
الخميس 3 فبراير؟

سالي توما:
نعم. ذهبنا لمناقشة ما سنفعله.
كان رأيه واضحًا: يجب أن نستمر. إذا استخدموا الإعلام لقلب الشعب علينا، فعلينا أن نعود للشعب.
كان مؤمنًا بأن الجمعة ستكون كبيرة.

أحمد منصور:
هل كانت هناك آراء معارضة؟

سالي توما:
نعم، قال بعض النشطاء: “كفى على الرئيس، قدّم تنازلات كافية، ولن ينزل أحد يوم الجمعة”.
اعترضنا بشدة. قلنا: من لا يريد الاستمرار فليغادر، لكن لا تقللوا من الدعوة للمليونية.
وبالفعل، كانت أكبر حشود الاعتصام.

جمعة الرحيل وما بعدها

أحمد منصور:
كانت جمعة 4 فبراير، جمعة الشهداء.

سالي توما:
نعم، ثم جمعة الرحيل التي لم يرحل فيها، وبعدها أسبوع الصمود.

أحمد منصور:
تم القبض على بعض زملائك بعد لقاء البرادعي، ماذا عنكِ؟

سالي توما:
كنا مجموعة متجهة لإحضار طعام، ثم دُعينا للظهور في قناة Modern.
عندما علمنا بوجود الدكتور حسام بدراوي، رفضنا الظهور وغادرنا.
هذا أنقذنا؛ لأن آخرين قُبض عليهم في الليلة نفسها.

أحمد منصور:
هل عدتِ إلى البيت؟

سالي توما:
عدنا إلى التحرير، لكن ليلًا خرجنا لإحضار حاجات.
أوقفَتنا لجان شعبية في وسط البلد، وأحرقوا قمصانًا لحملة دعم البرادعي كانت في السيارة، وكادوا يقبضون علينا.

أحمد منصور:
كان ذلك قرب الأوبرا؟

سالي توما:
نعم. وكانت اللجان الشعبية نفسها منقسمة: مع وضد.
كان علينا أن نعرف أي لجنة نمر بها.

أحمد منصور:
كيف كان يوم الجمعة؟

سالي توما:
لم أستطع الخروج من الخيمة من شدة الزحام. كنا نُدفَع دفعًا.

أحمد منصور:
هل كانت المليونية نوعًا من اعتذار الشعب؟

سالي توما:
ليست اعتذارًا، بل مصالحة.
إحساس بأننا لسنا معزولين، وأننا أغلبية.
موقعة الجمل هي التي أعادتنا شعبًا واحدًا.

أحمد منصور:
ثم جاءت مليونية الأحد؟

سالي توما:
كانت جميلة جدًا. أُقيمت الصلاة، الإسلامية والمسيحية، في الوقت نفسه وفي المكان نفسه.
طاف الناس بأكفان وأعلام مصر كأنها أجساد شهداء.
وفي الليل، طافوا بالشموع. كان يوم الشهيد.

أحمد منصور:
وفي ذلك اليوم عُقد أول قران في الميدان.

سالي توما:
وكان ذلك مشهدًا جميلًا. رأيت الصور، وفي ذلك اليوم لم يكن هناك شخص واحد لا يلتقط صورة مع الدبابة.

أحمد منصور:
كانت مليونية الثلاثاء 8 فبراير مليونية ضخمة، فاض فيها الناس إلى الشوارع الجانبية، وحاصروا مجلس الوزراء، ومنعوا أحمد شفيق من الدخول، وبدأت الأمور تتفاقم، وخرج عمر سليمان في ذلك اليوم ليقول: النظام لم ولن ينهار.

سالي توما:
حين قال “لم ولن ينهار”، كنت متأكدة تمامًا أنه ينهار بالفعل. كنا نعلم أنهم في حالة تخبّط شديد، وكانوا يحاولون التواصل مع أي شخص.

أحمد منصور:
كيف عرفتم ذلك؟

سالي توما:
لأننا تلقّينا اتصالات تدعونا للجلوس مع السيد عمر سليمان، دعوات كثيرة، ورفضناها.
كنا نلوم من ذهبوا للتفاوض معه في تلك الأيام.
كنا نلتقي بلجنة تُسمّى لجنة الحكماء، وكانت تجتمع في جريدة الشروق، وكان من أعضائها السفير نبيل العربي.
ولا أنسى أبدًا أنه قال لنا، وكان ذلك تقريبًا يوم 1 فبراير: ستصمدون، وستستمرون، وستُسقطون الرئيس.
وعندما خرج عمر سليمان بتصريحه يوم الثلاثاء، كنا على يقين أنه ينهار، وكنا نشعر أن بيانًا سيصدر في أي لحظة من القوات المسلحة بإزاحة الرئيس.
كان إحساسنا أن التحرك سيأتي من الداخل، من الجيش نفسه، الذي كان رافضًا للتوريث.

أحمد منصور:
الخميس 10 فبراير ظهر حسني مبارك.

سالي توما:
أنا أسميه خطاب الشلل.

أحمد منصور:
وليس خطاب الأحذية؟

سالي توما:
أسميه خطاب الشلل، لأننا أصبنا بشلل حقيقي في تلك اللحظة.
كنت واقفة أمام خيمتنا، أُدير ظهري لمسرح المورد الثقافي، وأنظر إلى العمارات القريبة من هارديز.

أحمد منصور:
وكانت هناك شاشة؟

سالي توما:
نعم، وبجوارها لافتة كبيرة عليها صور الشهداء، كانت تُعلّق وتُنزل أثناء الخطاب.
صور الشهداء كانت تتحرك صعودًا وهبوطًا ونحن نستمع للبيان.
كانت تلك أول مرة أبكي فيها بهذا الشكل العنيف. لم أكن وحدي؛ كثيرون بكوا بهستيريا.
كانت أعصاب الناس قد انهارت، ولذلك سُمّي خميس الشلل.
رفع الناس الأحذية، وخرج كل ما فيهم.

أحمد منصور:
وكان ذلك دون اتفاق مسبق.

سالي توما:
بالضبط. ماذا كنا سنقول أكثر من ذلك؟
كنا ننتظر إعلان الرحيل، لا البقاء حتى سبتمبر.
لم يذكر شهيدًا واحدًا، وكأن الدماء ذهبت هدرًا.
كنت أنظر إلى صور الشهداء وأشعر أن تضحياتهم ضاعت، ثم بعد موجة البكاء والهستيريا، جاءتني لحظة صفاء: غدًا سيحدث شيء.

أحمد منصور:
ذهب بعض الناس إلى القصر الجمهوري، وآخرون إلى ماسبيرو.

سالي توما:
نعم، وقيل إن الجيش أعاد من ذهبوا إلى القصر، وقدّم لهم الماء والبسكويت.
وكانت الدبابات موجّهة للداخل لا للشعب، وكانت تلك إشارة واضحة بأن الجيش إلى جانب الناس.

أحمد منصور:
وفي ذلك اليوم ظهر اللواء إسماعيل عتمان الفنجري بتحيته العسكرية للشهداء.

سالي توما:
ولهذا كانت صورته مرفوعة في الميدان حتى يوم التنحي.
تحية الشهداء كانت لحظة فارقة، خاصة أنها جاءت من المجلس العسكري.

لحظة التنحي… 

أحمد منصور:
يوم الجمعة كان يومًا غير عادي، والناس كانت تترقب لحظة الإعلان.

سالي توما:
كنت أشتري كبدة وسجق، ورأيت عمر سليمان على شاشة صغيرة بلا صوت.
خلال ثلاثين ثانية فقط، سمعنا الصراخ، وعرفت أن الأمر انتهى.

أحمد منصور:
من أين كنتِ تشترين؟

سالي توما:
من بائع في شارع طلعت حرب، معروف جدًا.
كنا متعبين ومكتئبين، فقررنا أن يكون هذا يوم الكبدة والسجق.
لكننا تركنا كل شيء وركضنا إلى ميدان التحرير.
لم نأخذ السندويتشات، تركنا كل شيء.
الاحتفال لا يمكن أن يكون في أي مكان آخر.

أحمد منصور:
كيف كانت تلك الليلة؟

سالي توما:
لم نَنَم، لكن هذه المرة من الفرح.
كنت أقول: هل يُعقل أننا لا نخرج للاحتفال إلا في مباريات كرة القدم؟
تلك الليلة كانت كل مباريات الكرة مضروبة في مئة.

أحمد منصور:
العالم كله احتفل.

سالي توما:
العالم كله. تلقينا اتصالات من إعلاميين من كل مكان.
إعلامي بريطاني قال لي على الهواء: أتمنى الليلة أن أكون مصريًا.
كانت لحظة إحساس بالنصر، وبأن مصر تعود إلينا.

أحمد منصور:
هل من لم يعش اللحظة خسر شيئًا؟

سالي توما:
خسر الكثير.
هناك فرق بين أن تشاهد الميدان، وأن تكون قدمك على أرضه.
تكوّنت روح جديدة بين المصريين.
أنا قبطية، ومن أقرب الناس لي في الائتلاف شباب من الإخوان.
يوم التنحي، سلّم عليّ أحدهم بحرارة وقال: سامحيني، أنا فرحان جدًا.
كان سلامًا من القلب، من إنسان عاش المعركة نفسها والانتصار نفسه.

أحمد منصور:
هل أنتِ خائفة على الثورة؟

سالي توما:
خائفة جدًا.
توقّعنا الثورة المضادة، وضُربنا بالفتنة أولًا، ثم بالاقتصاد، ثم بالتخوين.
كنا يدًا واحدة، هلالًا وصليبًا، ثم حاولوا تفريقنا.
خفت كمسيحية أن نعود إلى الانغلاق داخل الكنيسة.
لكنني أؤمن أن هذا الجيل لا يمكن فصله.
خوفي الآن أن تتصادم التيارات، وأن نخسر الثورة جميعًا.
الحل هو الحوار، والعودة إلى اليد الواحدة.
أحمد منصور:
أشكرك كثير على شهادتك كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم حتى ألقاكم في حلقة قادمة مع شاهد جديد على الثورة هذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Total
0
Shares
السابق

تونس .. من الثورة إلى الدولة (2)

التالي

أقيلوا حكومة الجنزوري قبل الكارثة!

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

اشترك الآن !


جديد أحمد منصور في بريدك

Total
0
Share