يتناول أحمد منصور مع مدير الأمن والمخابرات التونسي الأسبق أحمد بنّور ج1 من حوارهما في برنامج شاهد على العصر الذي جرى بثه في 14 نوفمبر 2012، الحديث عن علاقة الحبيب بورقيبة بالأميركيين والفرنسيين قبل استقلال تونس، و طبيعة نشأته في ظل الاحتلال الفرنسي ونشوء الوعي السياسي التونسي.
نص حوار أحمد منصور مع أحمد بنور ج1
علاقة الحبيب بورقيبة بالأميركيين والفرنسيين قبل استقلال تونس
أحمد منصور: ولد أحمد بنّور في تونس العاصمة عام 1937 للميلاد، بدأ حياته السياسية في صفوف الاتحاد العام التونسي للطلبة عام 1956 تخرج من كلية الحقوق، وفي العام 1962 عمل مستشارا في إدارة العلاقات الخارجية في الحزب الدستوري الحاكم، وفي العام 1965 عين مستشارا لوزير الداخلية ثم أصبح في العام 1967 مديرا لجهاز المخابرات الذي يعرف في تونس باسم “المصالح المختصة” لكن الرئيس بورقيبة غضب عليه وأقاله ونقله من كرسي السلطة إلى السجن في ديسمبر من العام 1968 متهما إياه بالوقوف أمام مسيرة الاشتراكية الدستورية التي أعلنها بورقيبة وكان يقودها آنذاك الوزير أحمد بن صالح لكنه بورقيبة حينما غضب على أحمد بن صالح بعد ذلك وألغى الاشتراكية أعاد بنّور للسلطة وعينه واليا لتونس الجنوبية في مارس عام 1972 ثم والياً لسوسة التي تقع بها مدينة المنستير مسقط رأس بورقيبة في يونيو عام 1973، وفي الرابع عشر من يناير عام 1974 عين بورقيبة أحمد بنّور كاتب الدولة للدفاع الوطني وذلك في أعقاب إعلان بورقيبه تراجعه عن الوحدة مع ليبيا لكن بنّور أعلن استقالة مدوية مع ستة وزراء آخرين في الثالث والعشرين من ديسمبر عام 1977 وذلك احتجاجا على إقصاء وزير الداخلية آنذاك الطاهر بلخوجة في ظل معركة صراع الأجنحة حول الرئيس بورقيبة، عاد بنّور بعد أحداث قفصة التي وقعت في السادس والعشرين من يناير عام 1980 حيث عينه الحبيب بورقيبة مديرا للأمن الوطني خلفا لزين العابدين بن علي الذي نقل سفيرا إلى قولونيا، بقي بنّور في منصبه حتى وقعت أحداث الخبز عام 1984 تلك التي راح ضحيتها عشرات التوانسة الذين خرجوا للاحتجاج على ارتفاع أسعار الخبز، تدهورت علاقة بنّور مع رئيس الوزراء آنذاك محمد مزالي فأقيل من إدارة الأمن الوطني التي سلمها مرة أخرى إلى زين العابدين بن علي وعين بنّور سفيرا لتونس في روما وبقي في منصبه حتى نيسان ابريل عام 1986 وبعدما أقيل بنّور من منصبه خشي من العودة إلى تونس في ظل مرض الحبيب بورقيبة ونفوذ الفريق المضاد لبنّور في السلطة فطلب اللجوء السياسي إلى فرنسا ولا زال يقيم فيها حتى الآن، لعب أحمد بنّور خلال حياته السياسية أدوارا استخباراتية وسياسية بالغة التعقيد تخطت حدود تونس إلى دول أخرى، وكان أحد المطلعين على ما يدور من خفايا الدسائس والمؤامرات في قصر قرطاج، نتابع في هذه الحلقة والحلقات القادمة شهادته على عصر الحبيب بورقيبة.
أحمد منصور: سيد أحمد مرحبا بك، ولدت في الثامن والعشرين من نوفمبر عام 1937 في العاصمة تونس كيف كانت ولادتك ونشأتك الأولى؟
أحمد بنّور: والله كنت، كنت، كان الواحد موظف في وزارة الصحة وعشت في حي شعبي في تونس ودرست في مدرسة، الوالد سجلني، في مدرسة الصادقية، كانت مدرسة الصادقية عندها مدرسة ابتدائية وثانوية؛ فدخلت مدرسة الصادقية في الفرع الابتدائي حتى تممت الفرع الابتدائي بعدها نجحت في الامتحان للدخول إلى مدرسة الصادقية الثانوية في عام 1950.
الحياة في ظل الاحتلال ونشأة الوعي السياسي التونسي
أحمد منصور: سيد أحمد، مرحبًا بك. وُلدتَ في 28 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1937 في العاصمة تونس، كيف كانت ولادتك ونشأتك الأولى؟
أحمد بنور: كان والدي موظفًا في وزارة الصحة، وعشتُ في حيٍّ شعبي في تونس، ودرستُ في مدرسة عادية في البداية. ثم سجّلني والدي في المدرسة الصادقية، وكانت تضم قسمًا ابتدائيًا وآخر ثانويًا. التحقتُ بالقسم الابتدائي وأتممتُه، ثم نجحتُ في امتحان الدخول إلى القسم الثانوي عام 1950.
أحمد منصور: كانت تونس آنذاك تحت الاحتلال الفرنسي، كيف عايشتَ ونشأتَ في ظل الاحتلال؟
أحمد بنور: بطبيعة الحال كان الوجود الفرنسي واضحًا، خاصة في التعليم؛ إذ كان المعلمون والأساتذة فرنسيين.
أحمد منصور: جميعهم فرنسيون؟
أحمد بنور: نعم، فرنسيون، والمناهج كذلك فرنسية. لكن كان لدينا أيضًا معلمون وأساتذة متميزون في اللغة العربية، سواء في الابتدائي أو الثانوي، وكانوا من طراز رفيع.
أحمد منصور: ما مظاهر الاحتلال التي نشأتَ في ظلها؟
أحمد بنور: كنا أحيانًا ننزل مع أصدقائنا إلى الشارع الذي يُعرف اليوم باسم شارع الحبيب بورقيبة، وكان يُسمّى آنذاك شارع فرنسا أو شارع جول فيري، وهو وزير تربية فرنسي أصبح لاحقًا رئيسًا للحكومة. كنا نشعر بوجود أماكن ممنوعة على التونسيين.
أحمد منصور: ممنوع على التونسيين دخولها؟ مثل ماذا؟
أحمد بنور: مثل بعض المحال القريبة من الكنيسة التي تبيع الحلويات والخبز، حيث كنا نشعر بأنها غير مخصصة للتونسيين. كان الوجود الفرنسي مكثفًا في عدة أماكن.
أحمد منصور: وأين كان الفرنسيون يتواجدون؟
أحمد بنور: كانوا يسكنون في أحياء راقية، مثل شارع باريس ومناطق أخرى، وكذلك في ضواحي تونس في مساكن معدّة وفيلات فخمة.
أحمد منصور (مقاطعًا): بخلاف العسكر والمدرسين، ما الوظائف التي شغلها الفرنسيون؟
أحمد بنور: كانوا يشغلون جميع الوظائف تقريبًا، موزعين على مختلف الإدارات: المالية، الجمارك، الشرطة، وغيرها. إذا قصدتَ إدارةً لإنجاز معاملة، تجد الموظف فرنسيًا.
أحمد منصور: كيف كان جيلك ينظر إلى الاحتلال؟
أحمد بنور: عندما التحقتُ بالثانوي، بدأت أحداث عام 1952، أي الانتفاضة التونسية ضد الاستعمار. كنا نذهب إلى المدرسة فنجد الطلبة الأكبر سنًا يعلنون الإضراب، فنشارك معهم. شاركتُ شخصيًا في الإضرابات. وفي أحد الأيام جاء وزير تونسي يُدعى الدنغزلي لزيارة المدرسة عام 1953 أو 1954، فاستقبله التلاميذ بالهتاف والاحتجاج حتى غادر.
أحمد منصور: رغم أنه وزير تونسي؟
أحمد بنور: نعم، لكنه كان يُنظر إليه على أنه موالٍ للاحتلال.
أحمد منصور: في ظل نظام البايات والاحتلال الفرنسي، هل كان الاحتلال ينجح في صناعة وزراء ونظام موالٍ له؟
أحمد بنور: كانت هناك محاولات، مثل محاولة تنظيم انتخابات بلدية عام 1953 من قبل المقيم العام الفرنسي، لكنها فشلت؛ إذ لم تتجاوز نسبة المشاركة 20%. كان الخطاب السياسي للحزب الحر الدستوري الجديد، بقيادة الحبيب بورقيبة، أقوى تأثيرًا.
أحمد منصور: متى بدأ الوعي السياسي لدى التونسيين؟
أحمد بنور: كانت الرغبة موجودة منذ زمن بشعار “نريد دستورًا”، وهو في الحقيقة تعبير عن الرغبة في الاستقلال. عمل بورقيبة تدريجيًا على ترسيخ فكرة الاستقلال في وجدان التونسيين عبر خطاباته ورسائله.
أحمد منصور: لم يكن وحده في ذلك.
أحمد بنور: صحيح، كان معه قادة مثل صالح بن يوسف، فرحات حشاد، الحبيب بن ثامر وغيرهم.
أحمد منصور: هل يمكن القول إن النصف الثاني من الأربعينيات وبداية الخمسينيات كانت فترة نهوض وطني؟
أحمد بنور: نعم. شاركنا في مظاهرات، ووقعت أحداث في الشوارع. شعرتُ شخصيًا، وأنا في السادسة عشرة، بأن الحركة الدستورية تمسك بزمام مستقبل البلاد، فالتحقتُ بشعبة الحزب في المدينة وشاركتُ في الاجتماعات والمحاضرات، حتى في ظل الاحتلال.
أحمد منصور: من الأسماء التي تتذكرها؟
أحمد بنور: توفيق بن عرفة، وعزوز الرباعي الذي أصبح لاحقًا وزيرًا مساعدًا للشباب والرياضة في أول حكومة بعد الاستقلال. كنا نحضر اجتماعات أسبوعية، ونتابع أخبار المفاوضات مع فرنسا، خاصة عند زيارة بيار منديس فرانس لتونس وإعلانه الاستقلال الداخلي.
اغتيال فرحات حشاد
أحمد منصور: في 5 ديسمبر/كانون الأول 1952 اغتيل فرحات حشاد، رئيس اتحاد النقابات. كيف تتذكر الحادثة؟
أحمد بنور: أتذكرها جيدًا. قرأنا عنها في الصحف، وأُعلن إضراب عام شامل. كان يومًا ممطرًا وباردًا، وعمّ الحزن تونس كلها.
أحمد منصور: ما مكانة حشاد لدى التونسيين؟
أحمد بنور: كان محبوبًا ومحترمًا، يُعد صديق الشعب، وشعاره “أحبك يا شعب” كان معروفًا. كان قائدًا نقابيًا وسياسيًا، وقاد الحركة الوطنية حين كان القادة في السجن.
أحمد منصور: هناك من يشير إلى منظمة “اليد الحمراء” في اغتياله.
أحمد بنور: اعترف بعض أفرادها بذلك، وصدرت كتب حول الموضوع.
أحمد منصور: وماذا عن الاتهامات التي طالت بورقيبة؟
أحمد بنور: أرفضها تمامًا. حسب ما أعلم، كانت العلاقة بينه وبين حشاد أخوية وممتازة. زوجة فرحات حشاد نفسها نفت أي دور لبورقيبة. أعتقد أن المستفيد كان الوجود الفرنسي الذي أراد إضعاف الحركة الوطنية.
أحمد منصور: وماذا عن علاقات بورقيبة بالألمان والطليان والأميركيين خلال الحرب العالمية؟
أحمد بنور: اطلعتُ على رسائله. كان يحذر رفاقه من الرهان على ألمانيا، ويؤكد ضرورة الوقوف مع المنتصرين، أي فرنسا وإنجلترا وأميركا. سُجن في فرنسا، ثم نُقل إلى إيطاليا بطلب ألماني للتفاوض، لكنه رفض استبدال النفوذ الفرنسي بالإيطالي.
أحمد منصور: هل كان يرتب أوراقه مع المنتصرين؟
أحمد بنور: كان يتصرف بواقعية سياسية، لكنه ظل مطاردًا من الفرنسيين واتُّهم بالتعامل مع الألمان. هرب إلى مصر عام 1945 بعد أن عاد من إيطاليا، لأن وضعه لم يكن مستقرًا.
أحمد منصور: رغم ذلك، كان الفرنسيون قلقين منه.
أحمد بنور: نعم، كانوا يعتبرونه خطرًا سياسيًا رغم كل شيء.
العلاقة بين بورقيبة والقنصل الأميركي
أحمد منصور: طبعًا، لأنه في تلك الفترة لم تكن الأمور قد حُسمت نهائيًا، وكان الفرنسيون قلقين منه رغم أنهم كانوا على ثقة بأنه رجلهم أيضًا.
أحمد بنور: فاستفاد من علاقته بالقنصل العام الأميركي دوليتل، الذي كانت صورته موضوعة دائمًا فوق مكتب بورقيبة.
أحمد منصور: حدّثنا عن طبيعة العلاقة التي ربطت بورقيبة بهذا الرجل.
أحمد بنور: كان دوليتل القنصل العام للولايات المتحدة في تونس. زاره بورقيبة بعد عودته من إيطاليا، وتحدث معه مطولًا، وشرح له موقفه، إذ كان مقتنعًا بأن دول المحور ستخسر الحرب، وأن المنتصرين سيكونون الأميركيين والفرنسيين والإنجليز. وقد أدرك القنصل أن توجه بورقيبة صادق، بل إن بورقيبة أطلعه على الرسائل التي كان قد بعث بها إلى رفاقه.
أحمد منصور: صادق في التعاون مع الأميركيين؟
أحمد بنور: نعم. كان يعتبر أن حل القضية التونسية بسرعة وبما يتماشى مع طموحات الشعب لا يمكن أن يتم إلا عبر أصدقاء فرنسا، أي القوى التي ستكون مؤثرة عليها بعد الحرب، حتى لا تتعقد الأمور وتتشعب القضية.
أحمد منصور: لكن أن يضع صورة القنصل الأميركي في مكتبه بشكل دائم، فهذا يتجاوز مجرد صداقة عابرة.
أحمد بنور: هذا استنتاج. يجب أن نتذكر أن تلك الفترة كانت صعبة جدًا عليه؛ خرج متخفيًا، وانتقل عبر الحدود إلى قرقنة، ثم سار في صحاري ليبيا وهو مريض، وكان برفقته صديقه خليفة حواس الذي ساعده وحمله على كتفيه. كانت مرحلة مليئة بالألم والاعتزاز معًا.
أحمد منصور: كان يبحث عن سند، فاستند إلى الأميركيين.
أحمد بنور: لا أتصور أنه استند إلى المخابرات الأميركية. كان رجل سياسة، لا رجل مخابرات.
أحمد منصور: لكن رجال السياسة يرتبون أمورهم مع أجهزة المخابرات.
أحمد بنور: لا أعتقد أن عقلية العمل الاستخباراتي كانت حاضرة عند بورقيبة. القناصل في الولايات المتحدة –بحسب معرفتي– ليسوا بالضرورة مرتبطين بالمخابرات.
أحمد منصور: أحيانًا يكون الدبلوماسيون واجهات لأدوار أخرى، وأنت تعلم ذلك.
أحمد بنور: ربما كان يهم القنصل نقل صورة عن بورقيبة، لكن هذا لا يعني بالضرورة علاقة استخباراتية.
أحمد منصور: هناك فصل كامل أورده الصافي سعيد حول علاقات بورقيبة بالأميركيين، وأراه نقطة فاصلة لفهم طبيعة العلاقة الخاصة التي ربطت نظامه بهم لاحقًا.
أحمد بنور: الكاتب حر في استنتاجاته، لكن المؤكد أن بورقيبة كان يرى في الولايات المتحدة القوة الوحيدة القادرة على التأثير في فرنسا لصالح تونس، ولذلك كان حريصًا على كسب دعمها، حتى بعد الاستقلال، كما في أزمة بنزرت.
إعلان الاستقلال الداخلي وموقف المقاومة
أحمد منصور: في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 1954 اندلعت الثورة الجزائرية، وكان التونسيون أيضًا يطالبون بالاستقلال، ما شكل ضغطًا على فرنسا التي رأت في بورقيبة الشخصية الأقرب لتسلّم السلطة والتفاهم معها.
أحمد بنور: هذا تحليل، لكن في 31 يوليو/تموز 1954 جاء بيار منديس فرانس إلى تونس وأعلن أمام الباي أن تونس تستحق الاستقلال الداخلي.
أحمد منصور: قال نصًا: “إن الدولة الفرنسية تعترف وتعلن الاستقلال الذاتي للدولة التونسية دون أية خلفيات”.
أحمد بنور: نعم، وكان ذلك قبل اندلاع الثورة الجزائرية. صحيح أن الأجواء كانت متوترة، لكن الفرنسيين –بحسب ما اطلعت عليه– لم يكونوا ينوون منح الاستقلال الكامل، بل حكمًا ذاتيًا مع استمرار نفوذهم سنوات طويلة. لذلك كانت مفاوضات الاستقلال الداخلي طويلة وشاقة حتى توقيع الاتفاقية في 3 يونيو/حزيران 1955.
أحمد منصور: لكن أي شخصية بدت مهادِنة للفرنسيين كانت تُواجَه برفض شعبي، كما حدث مع الهادي نويرة عام 1954.
أحمد بنور: نعم، وبورقيبة نفسه رفض إصلاحات المقيم العام فوزار، وأعاد الوسام الذي منحه له الباي، ونُشر الخبر في الصحف، فعاد الحراك وتصاعدت المقاومة.
أحمد منصور: لكن بورقيبة لم يكن دائمًا مع الكفاح المسلح، بل فضّل المفاوضات، ما أدى إلى انقسام بينه وبين صالح بن يوسف.
أحمد بنور: صحيح، غير أنني علمتُ من مناضلي الساحل –حين كنت والي سوسة– أن بورقيبة منذ الأربعينيات كان يُعدّ لمجموعة سرية للمقاومة عُرفت بـ“مجموعة الأحد عشر”، وكان عدد محدود فقط يعلم بها، منهم كاتبه الخاص علال العويتي.
أحمد منصور: كان يتحرك أحيانًا منفردًا، ووردت روايات عن ذهابه إلى الملك عبد العزيز في السعودية وطلبه دعمًا ماليًا.
أحمد بنور: كانت تحركاته في الخارج متعددة، وكان يسعى إلى حشد الدعم العربي والدولي للقضية التونسية، في إطار رؤيته السياسية لتحقيق الاستقلال.
الدعم المالي ورحلات بورقيبة الخارجية
أحمد بنور: بحسب ما بلغني من مصدر موثوق، فإن الملك عبد العزيز لم يمنحه أموالًا نقدية، بل أعطاه ذهبًا أو ما يشبه ذلك، وهو ما مكّنه من السفر إلى الولايات المتحدة. وهناك التقى وزير الخارجية الأميركي، كما التقى الأمير فيصل بن عبد العزيز الذي كان آنذاك وزيرًا للخارجية السعودية.
أحمد منصور: نعم، كان وزير خارجية السعودية.
أحمد بنور: وأعطيك مثالًا على أنه لم يكن يملك أموالًا شخصية تُذكر.
أحمد منصور: لكن كانت هناك علامات استفهام كثيرة حول مصادر إنفاقه، وكان يُقال إنه لم يكن يفصل بين ماله الخاص ومال الحزب.
أحمد بنور: لا، لا. كان كريمًا بطبعه. أذكر في إحدى رسائله أنه حين كان في غرونوبل، وعلم بوجود طالب تونسي مريض بالسل، زاره وأعطاه ما كان معه من مال لأنه كان فقيرًا.
أحمد منصور: أي شخص يمكن أن يفعل ذلك.
أحمد بنور: ربما، لكن أذكر أيضًا أنه عندما وصل إلى نيويورك عام 1947، وكان صحفي لبناني يُدعى ساسيل حوراني قد نسّق له بعض اللقاءات، نزل في فندق ولم يكن يملك ما يكفي من المال، فبقي في غرفته يومين دون طعام لأنه لم يكن يعلم أنه يمكنه تسجيل المصاريف على حساب الغرفة، حتى عاد الصحفي من عطلة نهاية الأسبوع.
أحمد منصور: هذه روايات كان يكتبها عن نفسه لاحقًا.
أحمد بنور: كانت موجودة في رسائله. وعلى كل حال، السعوديون –بحسب ما أعلم– لم تكن أوضاعهم آنذاك تسمح بمنح مبالغ ضخمة كما يُشاع، بل كانت النصائح التي قدمها الملك عبد العزيز ذات قيمة كبيرة.
عودة بورقيبة إلى تونس واستقباله الشعبي
أحمد منصور: حين عاد في 1 يونيو/حزيران 1955، شُبّهت عودته بيوم الاستقلال. هل حضرت ذلك اليوم؟
أحمد بنور: نعم، كنت عضوًا في جمعية الكشافة التونسية، وارتديت الزي الكشفي ووقفت مع زملائي في أحد شوارع العاصمة حيث مرّ بورقيبة في جولته. كانت أول مرة أراه فيها وجهًا لوجه، وحيّيناه. خرج الشعب كله رجالًا ونساءً، وكان يومًا تاريخيًا بحق.
أحمد منصور: وُصف المشهد بأنه كان مُعدًّا بدقة، حتى إن إدغار فو درّبه في باريس على الفروسية قبل عودته. ما رأيك؟
أحمد بنور: المشهد كان مهيبًا بالفعل، لكنني لا أعتقد أن الفرنسيين خططوا لكل شيء. قد يكون درّبه أحدهم على الفروسية، لكن التنظيم الداخلي كان من عمل الحزب، خاصة الطيب المهيري وأحمد التليلي وغيرهما. الحزب كان منظمًا وقادرًا على الحشد.
أحمد منصور: لكن حشد مئات الآلاف لاستقبال رئيس حزب فقط، واستقباله من رئيس الوزراء وممثل الباي ومنحُه ألقابًا مثل “المجاهد الأكبر”، أليس ذلك أكبر من مجرد مبادرة حزبية؟
أحمد بنور: كان رئيس الحزب وقائد الحركة الوطنية، والشعب كان متعطشًا لرمز يوحّد تطلعاته. لا أعتقد أن الفرنسيين شاركوا مباشرة في تنظيم الاستقبال، وإن كان من الطبيعي أن تتم عودته في إطار التفاهمات الجارية معهم، لأنه كان عائدًا من فرنسا.
أحمد منصور: لكن عودته نفسها كانت جزءًا من ترتيبات سياسية مع الفرنسيين.
أحمد بنور: نعم، عاد من فرنسا في سياق المفاوضات، لكن الحفاوة الشعبية –في تقديري– كانت تعبيرًا صادقًا عن التفاف الجماهير حوله في تلك اللحظة التاريخية.
المفاوضات مع فرنسا ودور بورقيبة السياسي
أحمد منصور: وهو الذي كان يتفاوض مع الفرنسيين.
أحمد بنور: نعم، كان يتفاوض معهم.
أحمد منصور: إذًا لا بد أن يكون كل شيء قد رُتِّب.
أحمد بنور: في كل مرة كانت تتعقد فيها الأمور مع فرنسا، كان بورقيبة يتدخل ويجد حلًا. أحيانًا يفرض حله على الجانب التونسي، وأحيانًا يُقنع به الجانب الفرنسي. وقد شعر الفرنسيون أن الشخص الوحيد القادر على حلّ مشاكل تونس والحفاظ على علاقات فرنسية–تونسية مستقرة هو الحبيب بورقيبة.
أحمد منصور: إذًا ليكن هذا رجل فرنسا في تونس.
أحمد بنور: ربما راهنوا عليه، لكن الأحداث اللاحقة أظهرت أنه لم يكن كذلك كما يُصوَّر.
أحمد منصور: في بعض المواقف فقط.
أحمد بنور: منذ توليه رئاسة الحكومة عام 1956 وحتى أزمة بنزرت، أي قرابة ست أو سبع سنوات، كان في صدام مستمر مع الفرنسيين، ووقعت مواجهات وسقط ضحايا.
صراع بورقيبة وصالح بن يوسف وانقسام الحزب
أحمد منصور: في ذلك الوقت كان يصنع زعامته، بينما كان منافسه صالح بن يوسف لا يزال حاضرًا.
أحمد بنور: في تقديري لم يكن يقبل أن يكون في المرتبة الثانية، ولم يكن مستعدًا لدور الرجل الثاني.
أحمد منصور: تونس انقسمت بين الرجلين.
أحمد بنور: لا أعتقد أنها كانت مناصفة. عندما عاد بورقيبة في 1 يونيو 1955، كان الالتفاف الشعبي حوله واسعًا.
أحمد منصور: لو سبقه صالح بن يوسف لكان حظي بالاستقبال ذاته.
أحمد بنور: لكنه عاد لاحقًا، وقام بورقيبة باستقباله وجال معه. كنت حاضرًا في الشوارع آنذاك.
أحمد منصور: لكن حرب الزعامة بدأت، وانقسم الحزب.
أحمد بنور: نعم، انقسم الحزب. صالح بن يوسف رأى أن الاستقلال الداخلي يرسخ الاستعمار ويمنحه شرعية، ودعا إلى استئناف الكفاح المسلح وربط القضية التونسية بتحرير الجزائر والمغرب. كان خطابه مختلفًا جذريًا عن خطاب بورقيبة.
أحمد منصور: عُقد مؤتمر الحزب في صفاقس في نوفمبر 1955، وعُزل بن يوسف، ثم رد بمؤتمر في العاصمة حضره عشرون ألفًا، ودعا إلى مواصلة القتال.
أحمد بنور: وبدأت ما سُمي بالفتنة اليوسفية. وقعت اغتيالات لإطارات من الحزب الدستوري، وحدثت مطاردات، حتى غادر صالح بن يوسف تونس إلى ليبيا ثم مصر في يناير 1956.
الاستقلال ودعم الثورة الجزائرية
أحمد منصور: في 20 مارس 1956 حصلت تونس على الاستقلال بعد مفاوضات قصيرة، وعاد بورقيبة زعيمًا أوحد.
أحمد بنور: ولماذا سارعت فرنسا بمنح الاستقلال؟ لأن المغرب حصل عليه في 2 مارس، ولم يكن ممكنًا أن تمنحه للمغرب وتحجبه عن تونس.
أحمد منصور: لكن أسبوعين فقط من التفاوض لا تكفيان لاستقلال كامل.
أحمد بنور: كان الاستقلال التام لاحقًا، أما في البداية فكان داخليًا، ثم استكمل.
أحمد منصور: وماذا عن الاستعمار الثقافي الفرنسي الذي استمر؟
أحمد بنور: كانت فرنسا حريصة على استمرار نفوذها الثقافي، واقترحت صيغًا للتكامل السياسي والدفاعي، لكن بورقيبة رفض اتفاقيات دفاع مشترك قبل الجلاء التام عن القواعد العسكرية، خاصة بنزرت.
أحمد منصور: بدأ ينسج علاقات خاصة مع الفرنسيين، ومن بينها عدم دعم الثورة الجزائرية.
أحمد بنور: هذا غير صحيح. وثائقه وخطبه تشهد على دعمه للقضية الجزائرية. كتب إلى الشعب الفرنسي عام 1956 داعيًا للاعتراف باستقلال الجزائر، واستقبل الحكومة الجزائرية المؤقتة في تونس. الأسلحة كانت تمر عبر الأراضي التونسية في المراحل الأولى.
أحمد منصور: استخدم الورقة الجزائرية للضغط على الفرنسيين في أزماته معهم.
أحمد بنور: لا أعتقد ذلك. أرى أنه كان وطنيًا يؤمن بسياسة المراحل والبراغماتية، لكنه لم يكن عميلًا لفرنسا أو لأميركا.
أحمد منصور (مقاطعا): من الذي أنقذه وبمن استنجد في العام 1980 حينما هاجم القذافي تونس؟ استنجد بالفرنسيين وهم أرسلوا باخرة إلى الخليج إلى خليج بنزرت حتى يهددوا القذافي، سنأتي لهذا بالتفصيل. العام 1956 كان عاما هاما بالنسبة لك وبالنسبة لتاريخ تونس، وقع فيه الاستقلال بدأ انخراطك السياسي فعليا في صفوف الاتحاد العام للطلبة في تونس وبدأت حياتك السياسية تأخذ مجراها، أبدأ معك في الحلقة القادمة، شكرا جزيلا لك.
أحمد بنور: شكرًا لك.
أحمد منصور: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة السيد أحمد بنور مدير الأمن والمخابرات التونسي الأسبق، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محاور الحوار
0:00 مقدمة عن أحمد بنور
5:30 نشأة أحمد بنور بتونس
6:10 التعايش مع الاحتلال الفرنسي وسنوات الدراسة بالفرنسية
6:45 مظاهر الاحتلال في تونس
8:24 نظرة جيل بنور إلى الاحتلال
9:32 صناعة الاحتلال بايات ووزراء موالون للفرنسيين
11:04 بدء الوعي السياسي لدى لتوانسة
14:03 اغتيال فرحات حشاد والمسؤول عن اغتياله ومكانته لدى التونسيين
15:54 حقيقة علامات الاستفهام حول علاقة بورقيبة بمقتل فرحات حشاد
17:33 المستفيد من مقتل فرحات حشاد
18:40 حقيقة علاقة بورقيبة بالأميركان والطليان والألمان
24:25 العلاقة بين القنصل العام الأميركي دوليتل مع بورقيبة
27:13 طبيعة العلاقة الخاصة بين بورقيبة مع الأميركان
28:07 الثورة الجزائرية
30:45 اشتداد المقاومة التونسية مع مجيء مانديز فرانس
34:35 علامات استفهام حول نفقات بورقيبة من أموال الدولة
36:30 مشهد عودة بورقيبة أول يونيو 1955 من المنفى وجولة داخل العاصمة
39:07 تجهيز بورقيبة للزعامة والحشد له
42:30 التنافس بين بورقيبة وصالح بن يوسف
43:45 انقسام الحزب حول بورقيبة وبن يوسف
44:12 بدء الفتنة اليوسفية وهرب بن يوسف خارج تونس بعد بدء التصفيات
45:20 عودة بورقيبة من فرنسا بوثيقة استقلال تونس
47:04 نسج بورقيبة علاقات مع الفرنسيين وشرط عدم دعم الجزائريين