بقلم/ أحمد منصور:
كنت في طريقي من إسطنبول إلى عمان على متن الخطوط الأردنية، وعلم كابتن الطائرة أني على متنها فأرسل إلي ليستضيفني في قمرة القيادة، ذهبت وسلمت عليه وعلى مساعده، ثم استأذنته في العودة إلى مقعدي لكنه قدم لي عرضاً مغرياً جعلني أغيّر موقفي، قال لي: أما تحب أن ترى القدس وقبة الصخرة من الطائرة؟؟
قلت له: ومن يرفض هذا العرض السخي الذي هو حلم الكثيرين؟ من المؤكد أنى أحب أن أراها.
قال: إذن اجلس معنا فنحن في طريق الهبوط إلى عمان سوف نمر من فوقها لأنها في الممر الجوى لنا. جلست إلى جوارهم نتحدث، وبدت شواطئ فلسطين المحتلة من بعيد، وسرعان ما دخلنا أجواءها وما هي إلا دقائق معدودة حتى كنا فوق القدس، وسرعان ما خرجنا من حدود فلسطين المحتلة.
قلت للكابتن: لقد مررنا بسرعة وكأنه لا يوجد عمق لمساحة فلسطين.
قال إن العمق محدود والطائرة المدنية تقضى المسافة من البحر وحتى حدود الأردن في خمس دقائق تقريباً. وهذا يؤكد أشياء كثيرة، من أهمها أنه لا يوجد عمق جغرافي لإسرائيل التي زرعت مكان فلسطين عام 1948 مما يجعل كل مدنها هدفاً سهلاً لأي ضربات عسكرية صاروخية على وجه الخصوص، وهذا ما جعل حرب يوليو «تموز» في عام 2006 من خلال الصواريخ التي أطلقها حزب الله وسقطت على شمال إسرائيل تدفع ثلث شعب إسرائيل للبقاء في الملاجئ أياماً طويلة، وجعل القيادة الإسرائيلية ترضخ لوقف الحرب لأنها ليس لها قدرة على خوض حرب طويلة، وما حدث في عام 2006 تكرر في عام 2008 حينما عجزت إسرائيل عن دخول قطاع غزة، رغم استخدامها أسلحة محرمة دولياً وهجومها الشرس بالدبابات والطائرات، واستخدامها كميات هائلة من القنابل والصواريخ التي دكت بها القطاع وحولت الآلاف من مبانيه إلى ركام، لكن شراسة المقاومة وصواريخ المقاومة التي تصنع يدوياً في القطاع أجبرت إسرائيل في النهاية على أن توقف الحرب، ولأن الحكومة الإسرائيلية الحالية تمارس سياسة الانتحار بعدما بدأت الخرائط السياسية تتغير في المنطقة بفعل الثورات العربية، فقد بدأت بشن هجومها الجديد على غزة وقتلت قائد كتائب القسام أحمد الجعبري، لكن صواريخ المقاومة نالت منها وبشكل جديد هذه المرة، لأن وصول الصواريخ إلى القدس وتل أبيب يعنى أن معادلة المعركة قد تغيرت تماماً ويعنى أن العمق الجغرافي لإسرائيل أصبح مهدداً بشكل كبير، وهذا يعنى أن اليهود الذين تجمعوا من أنحاء العالم في أرض الميعاد سيعيدون التفكير في الهجرة والإقامة، وهذا ما حدث خلال السنوات التي تلت حرب يوليو عام 2006 .
فقد انخفضت نسب المهاجرين إلى إسرائيل في الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة الهجرة المعاكسة من إسرائيل إلى خارجها.
كما يعانى الاقتصاد الإسرائيلي من صعوبات، علاوة على التغيرات الكبيرة التي حدثت في مصر ودول عربية أخرى، حيث قامت الشعوب بثورات وتغيرت الأنظمة التي كانت موالية لإسرائيل وأصبحت الأنظمة موالية للشعوب وآمالها.
إن قيام حركة حماس بإسقاط طائرة تجسس إسرائيلية والإعلان عن إسقاط طائرة حربية يجعل السلاح الأقوى لدى إسرائيل وهو سلاح الطيران في مرمى نيران المقاومة، وهنا تكشف المقاومة عن امتلاكها صواريخ مضادة للطائرات، مما يعنى أن طائرات إسرائيل لن تصول وتجول وتقصف القطاع كما كانت تفعل من قبل.
إسرائيل لم يردعها في تاريخها مجلس الأمن أو القرارات الدولية، وإنما كان ردعها دائماً يأتي من طريق المقاومة، ولنا أن نتخيل حجم ما أنفقته إسرائيل على نظامها الصاروخي المسمى بالقبة الفولاذية لحمايتها من صواريخ المقاومة والذي تكلف ما يقرب من خمسة مليارات دولار في مقابل صواريخ المقاومة التي لا تزيد تكاليف الواحد منها على بضعة دولارات، وهكذا تنهار القوى العظمى بأسلحة بسيطة، كما يقول المؤرخ الأمريكي بول كيندي في كتابه «نشوء وسقوط القوى العظمى»: حينما تبلغ قوة عظمى مكانة عسكرية مرموقة في أسلحتها وقوتها تأتى قوة أخرى أقل منها وبسلاح بسيط فتدمر الآلة العسكرية المدمرة للقوة الكبرى، وهكذا غيرت صواريخ المقاومة معادلة المواجهة بعدما أصبحت تستطيع الوصول إلى عمق إسرائيل وتهدد قادة إسرائيل ومبانيها الاستراتيجية.